أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - مهدي بندق - العلم والدين على خلفية النسبية والكوانتم















المزيد.....


العلم والدين على خلفية النسبية والكوانتم


مهدي بندق
الحوار المتمدن-العدد: 4793 - 2015 / 5 / 1 - 15:01
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


العلم والدين على خلفية النسبية والكوانتم
مهدي بندق
في برنامج حواري بالتلفاز المصري سُئل الصديق المفكر د. سيد القمني : هل تؤمن بوجود روح بداخلك ؟ فأجاب بثبات : أفضل أن أسميها طاقة . وتلك إجابة أراها مستقيمة مع فكر الرجل القائم على المادية الواحدية ، بيد أنني وددت لو كنت أنا المحاور ، إذن لسألته : فما هي الطاقة ؟
يعرف د. القمني أن الفلسفة المثالية تقول بأسبقية الفكر على المادة وبالطبع هو يعرف أن هذا خطأ فادح إذ لولا المخ والفم واللسان ما قيل ذلك أصلا ً ؟! ونحن معه في هذا. لكن المشكلة تكمن في أن الفلسفة المادية تؤمن بالعكس من ذلك تماما ً ( لاحظ تعبير " تؤمن " !!) أي أنها تدّعي ضرورة اختزال " الوعي " نفسه إلى مركّبات نيورولوجية وفسيولوجية ، وهو ادعاء لم يقم عليه دليل ماديّ حتى الآن .
هنا تقدمت المادية الجدلية Dialectical materialism بمحاولة جادة أن تجمع بين المادة والفكر في مركـّـّب واحد ، ولكنها أصرت على وضع المادة َ في مرتبة المعطى الأول في العلاقة بينهما ( لماذا ؟! هل لمجرد الرد على هيجل ؟! ) بيد أننا إذا شئنا أن نكون دياليكتيكيين حقاً فعلينا تجاهلُ ما يسمى بالمعطى الأول بحيث تكون الأشياء هي ظاهرها Phenomena دون إدخال متعسف لعنصر الترتيب في مكوناتها ، عندئذ لن ينظر إلى الروح ( التي يسميها القمني : الطاقة ) بحسبانها غريبة على المادة أو العكس ، بل ُترى المادة ُ نسيجاً للوعي ( وبذلك تعد كياناً حياً ) وُيرى الوعيُ باطناً للمادة ، ومن ثم يمنحها الحياة .
خذ مثلا ً الكوارك أصغر الجسيمات المكتشفة حتى الآن وسل ماذا في داخله ؟ طاقة ؟ وما الطاقة ؟
في التعريف الكلاسيكي الطاقة Energy هي كيان مجرد لا يُعرف إلا من خلال تحولاته . يقول ماكس بلانك إنها مقدرة نظام ما على إنتاج قوة Power أو نشاط خارجي ، ويقول آخرون إنها كمية فيزيائية تظهر على شكل حرارة أو كحركة ميكانيكية أو كعامل ربط في أنوية الذرة بين البروتون والنيترون . أما معادلة آينشتاين الشهيرة E=mc² فتبين أن الطاقة تعادل الكتلة مضروبة في مربع سرعة الضوء .
ومن الواضح أن التعريفات هذه المشار إليها لا تتحدث عن " ماهية " الطاقة بل عن وظائفها، فتعريف ماكس بلانك هو أقرب إلى تفسير الماء بالماء ، أما صيغة آينشتين فهي تعبير عن سمة من سمات الطاقة لكنها لا تبين كنهها .. قد تسألني من هذا الرجل ، فهل حين أقول " وزنه مائة كيلوجرام " أكون قد أجبتك ؟!
لقد أطلقنا على فعالية ما اسماً هو الطاقة ، فماذا يعني الاسم ؟ البرد يؤلم العظام فهل يتوقف الألم لو أسميناه دفئاً ؟! وينتج عن ذلك أن الأسماء ليست محايثة Inherent لمسمياتها بمقتضى كون اللغة اصطلاحية كما يقول المعتزلة ( ولو في الجانب اللفظي منها ) وهو ما يعني أن مجرد استخدام الاسم لا يعني الكشف عن ماهيته من وجهة النظر الموضوعية لا الذاتية ، أي من وجهة نظر المسمـَّى نفسه لو كان له أن يكشف عن نفسه ، وهو محال بالطبع .
إن أقصي ما يمكن قوله عن ماهية الطاقة إنها ليست مادة ملموسة ولا هي بجوهر Essence [ والجوهر هو ما لا يتغير ولا يقبل الانقسام ، بينما لا شئ عند علماء الفيزياء النووية لا يقبل الانقسام ] إذن قل هي رمز ( وكذلك المادة ) يشير إلى ما وراء ، ومن ثم تكون – في حدود المعرفة البشرية - تصوراً ذهنياً ، لنقل إنها ، كما نشعر بتأثيرها فينا فعاليةٌ Agency وهي بما هي كذلك مصاحبةٌ للمادة من دون أن تكون مادية ، فهي كفعل دائم تمثل روح الأكوان التي لا تفنى ولا تستحدث من عدم ، وإن احتاجت بالطبع إلى فاعل ( فهي ليست إلهاً لكونها تتغير وتتبدل ، وإنما هي تجلٍ من تجليات أصل لا يتغير ) فإذا انتبهنا إلى أن وجود الأصل لا غرو ينفي العدم نفياً أبديا ً ومطلقاً لما استبعدنا أن موت البدن إنما هو مرحلة من مراحل تحولات المادة والطاقة ، لا ُتلغي مرحلةٌ تالية منها مرحلةً سابقة بل تكون مهمتها إعادة تشكيل الأولى ، خاصة حين نضع في الاعتبار النظرية الديناميكية للهيولَى Dynamic Theory of Chaos حيث كل الأنظمة الكونية يمكن رؤيتها في حالة انتظام وحالة عدم انتظام في الآن نفسه ، وليس في هذا تناقض فالعلم لابد أن يأخذ في حسبانه ما هو غير معروف جنبا إلى جنب ما هو معروف ، وله في النقد الأدبي الأسوة ، فالنقد الأدبي الحديث قد استبان أن المقال Discourse لا يمكن سبر أغواره من دون التركيز على المنطوق بجانب المسكوت عنه ( = ما بين السطور ) حيث المعرفة الحقة لا تتوفر بغير جهد جهيد ، دونما استعلاء على الإسهامات البشرية من فلسفات وأديان وفنون وآداب وأساطير.
أما الدكتور سيد القمني فيبني فكره على موقف الفيلسوف التجريبي ديفيد هيوم من إبطال للدليل الأنطولوجي الذي سبق وقدمه القديس " أنسلم " Saint Ansleme ( دليل النظام الأكمل ) الذي اعتمد عليه فيلسوف القرن الحادي عشر للبرهنة على وجود الله ، فظل دليلاً مقبولاً تتباهى به فلسفةُ القرون الوسطى إلى أن قام هيوم في القرن الثامن عشر برصد مظاهر العشوائية والنقص والشر في الكون ، ليثبت أن كوناً كهذا لا يمكن أن يكون صنيعة إله كامل خيّرٍ كلىّ القدرة . بل وزاد هيوم على ذلك بإنكار " السببية " كمبدأ حاكم لأبستمولوجيا عصر نيوتن ذاته . ولنا في هذا المقام وقفتان :
الأولى أن دليل النظام ، أو ما يسمى بالدليل الأنطولوجي ، بفرض صوابه لا يبرهن منطقياً على وجود الإله ، فربما كان النظام هو سمة الطبيعة في حد ذاتها ومن ثم فلا حاجة لإله . ولكن بالمقابل فإن تخطئة الدليل الأنطولوجي – استناداً إلى وجود الشرور والأخطاء – ليس برهاناً على عدم وجود كائن متعال خالق ، فربما اقتضت مشيئته إدراج الشرور والأخطاء ضمن عملية الخلق لحكمة تعلو على إدراك المخلوقات الذين هم ليسوا آلهة كاملة العلم . فإذا جادلت في أن تلك الحكمة بما هي مستحيلة على التصور، فلا بد من تجاهلها ومن ثم لابد من نفي وجود مثل هذا الخالق غير المفهومة أغراضه ؛ فإنك بهذه المجادلة تكون قد ارتكبت ما يسمى في المنطق بالمغالطة الأصلية Genetic Fallacy ومضمونها محاولة البرهنة على عدم وجود شئ استناداً على عدم وجود شئ آخر. مثال : أن تؤكد لنفسك ولسكان العمارة أن الشقة المقابلة لشقتك غير مسكونة اعتماداً على أنك لم تر أحداً يدخلها أو يخرج منها لأيام خلت .
أما الوقفة الثانية فهي التي نتأمل فيها كيف ومتى يكون القول بإبطال السببية صحيحاً ومتى لا يكون .
في نظام نيوتن حين يقع حدث يتلوه آخر يسمى الأول سبباً والثاني نتيجة ، وقد حاول هيوم – كما ذكرنا آنفاً - نفي مبدأ السببية نفسه اعتماداً على نسق العلم التجريبي من حيث عدم استطاعة الباحث رؤية أو لمس المبدأ ذاته بأدوات الملاحظة والتجربة . وكان هذا هو الخطأ الذي وقع فيه هيوم ، فالمبدأ أمر عقليٌّ بحت يستدل به ولا يستدل تجريبيا عليه .
أما حين تربعت النسبية على عرش ابستومولوجيا القرن العشرين ، فقد ثبت بالدليل الرياضي – وبعده بالدليل الفيزيائي أن السببية Causality تُنفَى ليس لأنها حسبُ تغيب عن إدراك الذات ، بل لأنها على مستوى أنطولوجيا الكون غير مؤكدة . مثلا لو أن راصداً على كوكب الأرض لاحظ وقوع الحدث ( أ ) تلاه وقوع الحدث ( ب ) لاستنتج أن ( أ ) هو سبب و ( ب ) نتيجة له . وسيكون ذلك صحيحاً ولكن على مستوى كوكب الأرض حسبُ . أما إذا تصورنا- تبعاً لنظرية الأكوان المتعددة - كوكباً توأماً لكوكب الأرض يتحرك في نظام زمانكيّ مختلف بحيث يتجه في زمانه الخاص ومكانه المحدد عكس اتجاه أخيه ، فلا شك في أن الراصد الموجود فوق هذا الكوكب التوأم سيرى ( ب ) تقع أولا يتلوها ( أ ) فهل من عجب لو تصور أن ( ب ) اللاحقة عندنا سببٌ لـ ( أ ) ؟ أين إذن الحقيقة ؟
الإجابة : في عالم الزمان / المكان الذي نعيش فيه لا توجد حقيقة مطلقة ، وإنما توجد – ليس إلا – حقائق ذاتية متاحة . وكل حقيقة متاحة تُنسب لملاحظها دون سواه ، ومن ثم فالأحداث في حد ذاتها لا تعرف – أنطولوجياً – ما يسمى مبدأ السببية ، أي وجود رابطة ضرورية ( منطقية ) بين السابق واللاحق .
فهل لنا أن نصادق على قول هيوم إن الكون إنما يخبط خبط عشواء ؟
ربما فعلنا لو أننا استسلمنا بمجامعنا لما يمكن تسميته الرؤية " العلماوية " للكون Scientism والتي هي محض أيديولوجيا وليست علماً ( فالعلم يوصّف ولا يقيّم ) أما إذا وجهنا بصائرنا تجاه ما وراء العلم Science Beyond فلسوف تلتقي نسقاً آخر من المعرفة هو الرؤية الدينية الحديثة – والتي لا تنحصر في عقيدة معينة أو شريعة محددة – وقد تسلّم هذه الرؤية الحديثة بحقائق العلم ( مثل التنازل عن فكرة مركزية الأرض ، والتغاضي عن الفهم الحرفي للنص القائل بأن الجنس البشري مبتداه رجل وامرأة هبطا من السماء عام 4004 ق. م ) إلا أنها تقول إن للعالم غرضاَ ، وإن له نظاماً أخلاقياً ، وإن العالم يحكمه عقل كوني متعالٍ على شروط الزمان والمكان والسببية . بالتالي فالكون لم يُصَمْم تبعاً لنموذج ميكانيكيّ خاضع لحتميةDeterminacy لا فكاك منها ، إنما هو كون أعظم من ذلك بكثير ، السببية فيه تُدرك لا بشكل مطلق ، ولكن داخل نظام معين لا تتعداه ( وهو ما حاول الإمام أبو حامد الغزّالي إثباته ) وقد اعترف بذلك من داخل دائرة العلم أصحابُ اتجاه الحتمية الجديدة أمثال الفيلسوف الأرجنتيني ماريو بونج Mario Augusto Bunge فالسببية عنده ليست خرافة ولا هي ترياق لكل داء Neither Myth nor Panacea إنما هي تُدرك فقط – بواسطتنا فقط - في عالمنا الكبير " الماكرو" ، لكنها غير معروفة في أنظمة ما دون الذرة حيث يتلاشى اليقين وتسود قوانين الاحتمالات بحسب مبدأ اللا تعيّن Principle of Indeterminacy الذي أرساه هايزنبرج .
ذلك غيض من فيض رحلة الفكر والفيزياء عبر هذا التاريخ المتأجج بالمتغيرات المعرفية ، ولذلك لا يحق لنا أن نجمد عند مرحلة " هيوم " التأملية المُكرِّسَة للعشوائية والمؤكدة بأن العالم لا معنى له ولا غرض، بناء على ما يُعرض علينا من صور للموت يجئ إلي كل بيت دون سبب ، وللأمراض تتوغل في كل جسد دون علة ، ولتدهور القوى الذهنية عند الناس في شيخوختهم ، وللخيانات ، وللفقر وللظلم ... الخ. وكلها أمثالٌ تشي بعدم وجود إله راعٍ لمخلوقاته .
لو كنا بصدد مناقشةٍ مع ديفيد هيوم لحاججناه بأن نقده انطلق من نفس تصور القديس " أنسلم " للخالق بأنه "شخص" مثل البشر وإن كان كبيراً بما لا يقاس ، لكنه في كل الأحوال شخص يصيب ويخطئ ، وهو تصور حسمت الداروينيةُ أمره – فيما بعد – بقولها إن الحياة لم تُخلق بصورة سابقة التجهيز كاملة الأوصاف بيد خالق مفارق ، صنع في البداية كل نوع على حدة بالهيئة التي هو عليها الآن . ولم يكن قولها مجرد رأي ، بل قدمت الأدلة على أن الحياة تطورت تدريجياً عبر عمليات لا تتوقف من التجربة والخطأ، ومن التغير والاختيار.
وإذا كانت الداروينية قد برهنت على صحة نظرية التطور في جانبها التقني بما يشجع على القول باستغناء الكون عن خالق مدبر، إلا أن هذا الزعم لم يكن أكثر من استخدام للاستقراء Induction ( الذي برهن فيلسوف المنهج كارل بوبر على تهافته ) للوصول بذلك الاستقراء إلى غاية مضمرة هي انتفاء الخالق ما دامت الطبيعة تعمل وحدها بآلياتها الخاصة . لكن ذلك الاستنتاج – على المستوى الإبستيميّ – خطأ فادح كما سنرى .
آية ذلك أن ليس فيما أتت به الداروينية ما يمنع وجودَ خالق يباشر عمله بأسلوب متعالٍ على أسلوب الخلق المباشر Creation -dir-ect الذي نراه عند صانع التماثيل . فما الذي يمنع أن يكون هذا الأسلوب المتعالي هو طريقة الخلق المستمر بواسطة قوانين طبيعية تصيب غالباً وتخطئ أحياناً - بحكم كونها مخلوقة – ومن ثم تتاح الفرصة لأرقى المخلوقات ( الإنسان ) أن يكافح لتصحيح ما هو خاطئ ، مكافحاً بالضد على الأوبئة والأمراض والكوارث الكونية وسائر الشرور ، وإلا فما هو دوره ؟!
ذلك ما كنا أحرياء بقوله لهيوم ، وليس للدكتور سيد القمني الذي يعرف يقينا أن عصر هيوم كانت له عقلية مرجعيتها نظام معرفيّ سمح لها بذلك .ولهذا خلا حواره- لحسن الحظ - من أية محاولة لإقناعنا بعبثية الكون وعشوائيته اعتماداً منه على إبستيمية نموذج Paradigm فيزياء ما قبل الكوانتم المادية الصرف .
فالفيزياء المعاصرة التي باتت تعمل في سياق قوانين الاحتمالات برهنت بالمعادلات الرياضية على وجود طبقة عميقة تحت متصل الزمان/ المكانSpatiotemporal فيها تكمن منابع الأحداث ، طبقةٍ تنقلنا من المادية إلى الذهنية الخالصة Purely Mentalالتي لا ترفض أن تتعطل السببية في ظروف معينة ( لا بتشنجات هيوم الدوجمائية بل على خلفية مبدأ هايزنبرج في اللا تعيّن بمعادلاته ذات النهج الإحصائي الاحتمالي ) ففي عالم ما دون الذرة تتراجع الحتمية المطلقة Absolute Determination ويُفسح المجال لقدر من الحرية للإلكترون ، ما يشي بإمكانية تواجدها في فعاليات العقل البشريّ ( ولا أقول المخ الذي هو نوع من الخردة البيولوجية ) هذا العقل المسمى في اللغة الدارجة : القلب البشريّ المنتمي للبرمجيات وللمبرمج الأصليّ.
كان الفيلسوف الألماني كانط Kant يقول ما معناه أن الحرية فكرة لا يدركها العقل ( بحكم وجودها في عالم الأشياء في ذاتها ) ولكن من جانب آخر فإن أقوى الفلسفات لا تستطيع انتزاعها من القلب الإنساني .
في عالم نيوتن القائم على الحتمية Determination كان للرجل المؤمن أن يقول : إذا كان لي أن أختار بين جبرية مطلقة فرضها الله على الكون بحكم علمه المطلق ، وبين جبرية مطلقة مصدرها الطبيعة الصمّاء فأنا لاغرو أنحاز إلى الأولى فهي على الأقل تتضمن الأمل في رحمة الإله ، وحكمته التي لن تسمح بفناء شئ فيه خير ، فضلا عن أن هذا الانحياز من جانبي يعني في التحليل الأخير أنني أملك القدرة على الاختيار وجودياً ومعرفياً .
مثل هذا التفكير كان حريّاً بجلب الاطمئنان إلى القلوب الحائرة ، حيث يغدو الجبر والاختيار وجهين لورقة واحدة ، الوجه الأول منها هو ثنائية الخالق والمخلوق ، والثاني هو وحدة الوجود لا بمفهوم اسبينوزا ( الذي أحل الله في الطبيعة ) ولا بالمعنى الذي أشار إليه ابن سبعين وليبنتز ( اللذان ألغيا العالم لحساب الله ) وإنما بالمفهوم الذي ألمح إليه ابن عربي في فلسفته الصوفية التأويلية الشاملة . تلك الفلسفة التي تقوم على منهج دياليكتيكي لا غش فيه .
لكن فلسفة العلم في عصر النسبية والكوانتم قادت إلى ما هو أبعد ، فالحتمية التي كانت رمزاً للعلم ، ما لبثت حتى أُطيح بها بواقع المكتشفات الفيزيائية الجديدة ، وأهمهما : انسحاب فكرة الزمان المطلق والمكان المطلق لصالح ابستمولوجيا الزمان والمكان النسبيين ، واستبيان استعصاء رصد سرعة وموقع الإلكترون في ذات الآن ، وانقضاء اليقين التنبئي بحركته القادمة مما يشي بامتلاك الطبيعة قدراً من " الحرية " . ومع اعتماد فلسفة العلم لإبستومولوجيا اللاحتمية Indetermination تم الازورار عن فكرة التكرار المفترض في عودة الكون إلي ما كان عليه بالضبط بعد الانسحاق الكبير Big Crush المنتظر ، مما يؤدي إلى تقلص الكون بكامله ليصبح مفردة Singularity يعقبها الانفجار العظيم Big Bung كما في المرة السابقة في نسق عبثيّ لا معنى له ولا غاية !
هذا الإلغاء للتكرار الآلي إنما يعني ميلاد كون جديد تماماً لا يعيد فيه المرء مصيره كما في الكون الأول الحافر على الحافر ، ويا لها من حقيقة لابد أن يهش لها المتطلعون إلى الحرية ، حقيقة تتسق مع المعنى الإيماني الوارد في القرآن "بل هم في لبس من خلق جديد " ( سورة ق ) بقدر ما سوف تغضب الماديين الواحديين الذين درجوا على نفي البعث ، أو بالأقل علي قبول فكرة العود الأبدي كما روّج لها نيتشه في القرن التسع عشر . لماذا تغضبهم ؟ لأنها تتضمن الحرية ، كما أنها تفسح الدرب لتقبل فكرة الإله الموجود لا بشرط ، العالِم بذاته وعلمُه ذاته ( كما يقول المعتزلة ) والقادر بقدرة مطلقة لا يشرط عليها قانون طبيعي أو غير طبيعي ، بمعنى قدرته على صنع مثلث زواياه أكبر من 180 درجة ، وخلق دائرة مربعة ، واستبدال نسق فيه يتلاقى المتوازيان ، بمسلمة إقليدس الخامسة ( وهو ما اشرأبت إليه هندسة ريمان للأسطح المحدبة ، وهندسة لوباتشيفسكي للأسطح المقعرة ) بل وفي إمكان الكائن العلوي القادر خلقُ بشر يتمتعون بالقدرة على الاختيار. وكيف لا والحرية لازمة لهم - فلا يكونون بدونها بشراً - بحسبانها الوسيلة الوحيدة لمعرفته ؟ وكل هذا لا ترفضه ابستمولوجية فلسفة العلم في القرن العشرين .
فالحرية إذن - التي تختار بالبديهة الإيمانَ بوجود خالق عظيم - هي الرد الأوفى على عقم النموذج الميكانيكي الحتمي للكون الذي " تأسس " على مبدأ العشوائية وعدم التدبير الواعي وانعدام الغرضية . ويكفي القول بتهافت مبدأ العشوائية الالتفات إلى ما يخص نشأة الحياة لنتبين أنه لا مجال للعشوائية والصدفة ، فمن أجل إنتاج كائن حي واحد من طحلب السيانوبكتريا الذي هو أول كائن حي ظهر على الأرض - يحتاج الأمر إلى عدد من القواعد النيتروجينية في هذا الطحلب يبلغ حوالي نصف مليون قاعدة نيتروجينية .. ولترتيب نصف مليون قاعدة نيتروجينة بالصدفة فالاحتمال هو 10 أُس 250000 أي واحد مقسوم على واحد يمينه 025000 صفر ، وإن صح ذلك نظرياً فإنه من الناحية العملية احتمال محالٌ تحققه لسبب بسيط هو أن عدد ذرات الكون كُله 10 أُس 80 أي واحد يمينه 80000 صفر فقط . كما أنه من المحال علمياً أُن تنشأ حياة على أسس سليكونية [ من مادة السليكون ] وذلك لافتقار هذه المادة لخاصية التشفير التكويدي الذي تتيحه القواعد النيتروجينية المعروفة لمادة الكربون التي بُنيت عليها الكائنات البيولوجية .
فالعقل إذن لو سلّم بالعشوائية – إصراراً منه على الخطأ - فإنه لا ريب سيُقاد إلى نفي وجود الإله ، ونفي وجود الإله يُلقي بالكون جميعاً في العشوائية وهكذا دواليك . تسلسل Vicious Circle ودَوَر منطقي نظل سجناءه – مخطئين - إلى الأبد .
وبالمقابل فالنهج الجدْليّ Dialectic Method ينجح في حل المعضلة بقدرته على دمج الدعوى thesis ( الخالق) بنقيضها ِAntithesis (المخلوق) في مركّب Synthesis لا يمكن فصله بعدُ ، مركّب يضم الاثنين في وحدة وجودية شاملة حيث الكون هو الخالق والمخلوق معاً [ وهو نهج لا ترفضه ثيولوجية المعتزلة والمتصوفة عندنا ومعهم فيلسوفنا الراسخ ابن رشد ] وآية ذلك أن الخالق بقدر ما ألهم مخلوقاته آليتيْ اللغة والتفكير المبدع ، بقدر ما استخدمتهما المخلوقات صُعداً عبر عبادة الأسلاف ثم عبادة الأوثان ( = الرموز ) وصولا ُ إلى الأديان التوحيدية التي بلغت الشأو والأمد ، بغض النظر عما علق بها من شوائب أساطير وصنوف تضارب وضروب إبهام وغَمْض ، مرجعها جميعاً بشرية الرواة والمدونين .
إن هذا المركّبُ الناجم عن عمل الإله وعمل المخلوق هو ثمرة الحرية الكونية – مشيئة الإله بالطبع - التي تسري في الطبقة العميقة للوجود حيث منابع الأحداث ، كما تتفتح في القلب الإنسانيّ سواء بسواء ، بل وفي كل إبداع فردي سواء تألق في التاريخ أو ظل لصيقاً بصاحبه وحده .
ومن هنا جاء تراجع الوضعية المنطقية التي حاولت اختزال Reduction القوانين العلمية إلى الفيزياء ففشلت فشلاً ذريعاً ، مما أفسح المجال للفيلسوف فيرآبند [ صاحب المقولة الشهيرة Every Thing goes " كله ماشي " ] أن يوجه انتقاده لمنهج العلم بحجج أربع على النحو التالي :
الحجة الأولى : المشاكل الميتافيزيقية موجودة في خلفية البحث العلمي ، فرغم التطور الذي حققه علم النيورولوجيا ( فيسيولوجيا الأعصاب ) إلا أن مشكلة الذهن / البدن لم تزل قائمة . وعليه تكون استحالة رد أو اختزال القوانين العلمية إلى مجموعة موحدة من القوانين ، وهو ما يعترف به العلماء وفلاسفة العلم معاً ، وهكذا فالنماذج الأساسية الأولية لا تقف ضد فكرة الآلهة كتفسير للزلازل والبراكين والفيضانات ...ألخ . لأن تفسير مثل هذه الأحداث التفسير العلمي الباتر لن يأخذ شكله العلميّ الكامل إلا بردها إلى مجموعة من القوانين الأساسية داخل علومها ، ولكن فكرة رد قوانين صغرى إلى مبادئ أولى تبين أنها مستحيلة " فلم يستطع أحد أن يبين كيفية رد العلوم ذات النماذج الخاصة بها إلى علم الفيزياء " ولعل ديكارت نفسه كان على وعي بذلك ، فقد قال معلقاً على مدى ثراء الكون ، إنه غير قادر على رد خصائص العمليات الخاصة ، مثل الضوء ، لمبادئه الأولى . وبدلاً من ذلك استخدم تنويعة من الفروض . وعندما ناقش نيوتن خصائص الحركة في الأوساط المقاومة هجر الأسلوب الاستنباطي الذي استخدمه فى نظامه الفلكي ... ولوقت طويل تم ربط نظرية النسبية العامة بقوانين النظام الكوكبي المعروفة عن طريق الفروض ، وليس عن طريق الاشتقاق .
الحجة الثانية : الارتباط بين ميكانيكا الكم وبين الفيزياء الكلاسيكية ارتباط غامض ، ولم يتم بحثه بطريقة منهجية إلا منذ وقت قريب ... كذلك فلقد تم التخلي عن فكرة توحيد علوم الظواهر الجوية والجيولوجيا والسيكولوجيا وجانب كبير من البيولوجيا والدراسات السوسيولوجية مع علم الفيزياء وردها إليه . وهكذا فبدلاً من مجموعة من الوقائع والقوانين المرتبطة بإحكام بفئة من القوانين الأساسية الثابتة ، لا نجد لدينا سوى تشكيلة من المقاربات ذوات المبادئ المتغيرة في الخلف.
الحجة الثالثة : لا يوجد من الأصل فئة من القوانين الأساسية داخل العلم . فعلم الفيزياء - جذر كل العلوم - العلم الذي يُزعم دائماً الرد إليه منقسم أساساً إلى مجالين : العالم الكبير المحكوم بنظرية أينشتين غير المتحددة تماماً في النسبية ، وعالم فيزياء الكم.. عالم الكم الذي تتدخل فيه الذات العارفة في تحديد موقع وزمان جسيماته ، مما لا يمنع القول بأن مشكلة العلاقة بين الذهن والجسد وهى مشكلة فلسفية تؤثر في أساس البحث العلمي " إن العلم ملئ بالفجوات الكبيرة ، فوحدته المزعومة وشموليته ليست وقائع ، وإنما فروضٌ " ميتافيزيقية " فتدابير العلم لا تعطينا أي مفتاح يُدخلنا بنية العالم ككل .
الحجة الرابعة : إن نظرية الكم تنبذ التدابير غير المشروطة ، فكل قوانينها هي علاقات وتدابير شرطية ، وعلى هذا يصبح الوجود معتمداً على ظروف محددة بطريقة تاريخية " فالجزيئيات ، على سبيل المثال ، وهى الكائنات الأساسية للكيمياء ، والبيولوجيا الجزيئية لا توجد هكذا ببساطة ، إنها تظهر فقط تحت ظروف معقدة ومحددة جيداً . وإذا ظل أحدهم يصر على أن العلم يتفوق بأشيائه الطائرة من حولنا اليوم ، إذا أصر على أنه يتفوق على المجموعات الممائلة للعهود الماضية ( مثل الطبيعة الحية ، الآلهة الحنون ) فإني أجد لزاماً علىّ أن أشير لما قلته قبل: إن التفوق العلمي هو نتيجة المقاومة الواهنة للإلهيات . فالآلهة لا يمكن اختبارها بالتجربة على حين يمكن أسر واختبار المادة . وهو ما يلعب دوراً داخل العلم نفسه . فالعلم لا ينجح إلا فيما ينجح فيه منهجه ، أما غير ذلك فهو يتركه بعيداً عن الفهم ، وهكذا فعلى حين ينتقل البيولوجيون من نصر إلى نصر يظل علماء الفسيولوجيا العصبية ( النيورولوجيا ) وسط إخفاقاتهم ، بل إن البيولوجيين أنفسهم لهم حدود ، فقط هم يعتبرون مرد هذه الحدود إلى قصور المنهج ، ولكن أى إجراءات محددة تفترض موضوعات محدودة جداً لن تفي بفهم العمليات التي يطلبون فهمها .
بهذه الحجج الأربع يصل بول فيرآبند إلى القول بأن قصور العلم في مواجهة الآلهة واضح تماما . ويمكننا نحن أن نضيف إلى قوله ذاك : إن العلم بدون الدين أعرج ، كما أن الدين من دون العلم أعمى .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,008,138,084
- الملحدون والمؤمنون وفلسفة النسبية والكوانتم - مصححاً
- الملحدون والمؤمنون وفلسفة النسبية والكوانتم
- عن الإلحاد والعلم وسيد القمني
- عن الإلحاد والحرية وما وراء العلم
- حرية الإلحاد محض عبودية
- قصتنا مع أثيوبيا عبر التاريخ
- أنطولوجيا القصيدة الشومانية
- إستدراج مصر للحرب في أفريقيا
- قصيدة : لإيلافكم رحلةَ الوجود والعدم
- موت سهيلة بين الدنيوي والمقدس
- يناير ويونيو .. ثوار ولا ثورة
- إسرائيل تستدرجنا للحرب في أفريقيا
- مغزى قطع رأس طه حسين
- جيش مصر يكبح جماح العثمانيين الجدد
- المهام العاجلة لمؤرخينا الجدد
- الإخوان مشكلة إستراتيجية لأمريكا
- هل تصبح مصر حصان طروادة لأمريكا ؟
- السلفية المصرية ولاهوت التحرير
- أمريكا تغرق فأين جبهة الإنقاذ ؟
- طريق يناير إلى الاشتراكية أو غيرها


المزيد.....




- ترامب يثق برواية السعودية عن مقتل خاشقجي وأعضاء في الكونغرس ...
- جوليان أسانج مؤسس ويكيليكس يعتزم مقاضاة الإكوادور التي يعيش ...
- بعد إعلان مقتله... الحوثي يعلق على تصريحات بن سلمان حول مغاد ...
- بعد إعفائه من منصبه... سعود القحطاني يرسل رسالة إلى زملائه ف ...
- سقوط مروحية على سفينة حربية فرنسية
- هل دفع الاتصال بين أردوغان والملك سلمان للاستعجال في إعلان و ...
- السعودية تعدل برنامج -مؤتمر الاستثمار-
- من هو سعود القحطاني الذي أعفاه الملك سلمان من منصبه؟
- روسيا تصمم طائرة اعتراض بعيدة المدى من الجيل الجديد
- شويغو يجتمع للمرة الأولى مع ماتيس في سنغافورة


المزيد.....

- الإله الوهم والوجود والأزلية / سامى لبيب
- الطريق إلى الكائن الثالث / معتز نادر
- في محبة الحكمة / عبدالله العتيقي
- البُعدُ النفسي في الشعر الفصيح والعامي : قراءة في الظواهر وا ... / وعد عباس
- التحليل النفسي: خمس قضايا – جيل دولوز / وليام العوطة
- نَـقد الشَّعب / عبد الرحمان النُوضَة
- التوسير والرحلة ما بين أصولية النص وبنيوية النهج / رامي ابوعلي
- مفاهيم خاطئة وأشياء نرددها لا نفطن لها / سامى لبيب
- في علم اجتماع الجماعة- خمسون حديثا عن الانسان والانتماء والا ... / وديع العبيدي
- تأملات فى أسئلة لفهم الإنسان والحياة والوجود / سامى لبيب


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - مهدي بندق - العلم والدين على خلفية النسبية والكوانتم