أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - فاطمة ناعوت - هل تذكرون راتشيل كوري؟














المزيد.....

هل تذكرون راتشيل كوري؟


فاطمة ناعوت
الحوار المتمدن-العدد: 4790 - 2015 / 4 / 28 - 14:33
المحور: المجتمع المدني
    



بالأمس القريب، 16 مارس، يكون قد مضى اثنا عشر عامًا على دهس زهرة جميلة مشرقة تحت جنازير جرافة صهيونيّة فظة، لم يتعلّم سائقُها أن الزهورَ الجميلةَ لا تُدهَس، ولا تُعذّب.
إنها الوردة الأمريكية اليانعة، راتشيل كوري، Rachel Corrie، الصبيّة الجسور التي ناهضت سياسات بلادها أمريكا في الشرق الأوسط، وتمرّدت على قرارات أكبر دول العالم، فتركت حضن أمّها وهجرت بيتها الموثر في واشنطن، ثم طارت إلى قطاع غزة بفلسطين عام 2003، لتنقل للعالم جرائم أمريكا وإسرائيل في حق أبناء فلسطين المدنيين. بوصفها عضوًا ناشطًا في حركة التضامن العالمية، قررت النزول إلى أرض الويل، لترى بعينيها ما تقرأ عنه بالصحف، ولا يصدقه أحد. شاهدت جرّافة عسكرية، تابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي، تقوم بهدم بعض البيوت في مدينة رفح بقطاع غزّة، فما كان من الصبية القوية ابنة الأربعة وعشرين عامًا، إلا أن وقفت في مواجهة الجرّافة العملاقة تحاول إيقافها عن هدم المنازل وتشريد المسالمي. كانت تظنُّ أنها محميةٌ وآمنةُ بباسبورها الأمريكي الأزرق، وعينيها الزرقاوين، وشعرها الأشقر وملامحها الجادة التي تؤكد لسائق الجرافة الأعمى أنها شاهدةٌ عيان من بلاد العم سام تنتوي أن تفضح إسرائيل أمام العالم. لكن سائق الجرّافة الصهيوني البليد، الذي يشبه تِرسًا أصمًّا في ماكينة صماء، لم يراع كل ما سبق، ومضى بجرّافته قُدُمًا حتى أسقط الفتاة الجميلة وسحق عظامها ولحمها فاختلط دمُها النقيّ بتراب فلسطين النقي ورواه من جدبٍ، لتنبت زهورُ البيلسان والليلك.
في منتصف هذا الشهر، مارس 2015، اجتمع العشراتُ من نشطاء المقاومة الشعبية الفلسطينية، وطلاب جامعة "بيرزيت" بالضفة الغربية، ليزرعوا أشجار الزيتون في قرية "قريوت" جنوب نابلس، بعدما تسرّبت أخبارٌ عن نية سكان إسرائيل مصادرة القرية لتوسيع المستوطنات المجاورة لها.
جوار كلّ شجرة زيتون، وضع النشطاءُ صورة للشهيدة الجميلة راتشيل كوري، لكي يتعلّم العالمُ أن "الإنسان" دائمًا أرقى من حكومة بلاده، وأن المواطن الأعزل قد يكون أقوى وأشرف من السياسي المدجج بالسلطان والسلاح، إذا لم يتعلم ذلك السياسيُّ أن يكون "إنسانًا”. كانت تلك الشجرة، والصورة جوارها، رمزًا لإحياء ذكرى كل المتضامنين الأجانب الذين آمنوا بحق الإنسان في الحياة في وطنه بكرامة، فدفعوا أعمارهم فيما يدافعون عن الأرض الفلسطينة المحتلة. وأصبح يوم استشهاد راتشيل كوري في 16 مارس 2003، يومًا لكل شريف دافع عن قضية مستضعَفٍ في أرض الله التي ملأها القساةُ بالدماء والويل والظلم وأنين الضعفاء.
اختار الشباب شجرة الزيتون، لما تحمله من معان ورموز تحضّ على السلام والرقيّ والحياة، في مقابل العسف والقتل والدماء والاستيطان وتشريد الآمنين. وعرضوا خرائطَ وفرماناتٍ عسكريةً تشير إلى قرارات سلطات الاحتلال بمصادرة أراض جديدة من الأرض المحتلة.
لا شكّ أن تلك الفتاة الجميلة لم تكن تشبه غيرها من الفتيات اللواتي أحببن وحاورن المرآة ورسمن كيوبيد يضرب سهمًا في قلب وحرفين. أم تراها تشبههن؟ هل حلمت راتشيل مثلهن بالفارس الذي يخطفها على حصان أبيض، ويطير بها في المروج والحدائق؟ هل ضجرت مثل الصغيرات في طفولتها من شرائط الشعر والجديلة والفستان القصير وتمنّت أن تركض السنواتُ خاطفاتٍ حتى تلبس حذاء بكعب عال وجوربًا شفافًا كما تفعل النساء؟ هل غافلتِ المعلّمةَ في الفصل وراحت ترسم في دفتر الحساب وردةً وكوخًا وشجرة وقمرًا؟ هل شغلها ابنُ الجيران عن إتمام واجب التاريخ، فرسمت قلوبًا بدلا من أن تكتب: “أسباب الحملة الفرنسية على مصر"، أقصد: “أسباب محو ڤ-;-يتنام، وحتمية القرن الأمريكي"؟
هل تشبهنا؟ أمْ هل نشبهُها نحن؟ هل تركنا حضن أمهاتِنا وهجرنا دفء بيوتنا لنسافر إلى أقاصى الأرض، حتى نقفَ أمام جرّافة وحشية سوف تسحقنا، بدلا من أن تسحق أسرة لا حول لها ولا قوة، تضمّ عجائز وأطفالا وزهورًا وكراسات رسم ولعب أطفال؟ هل نمتلك بأسها وجسارتها لنقف أمام الموت ونحن نناجي الله ليحمي الفقراء والمستضعفين في الأرض؟
يا راتشيل كوري، لَكَم نخجلُ منك يا بنت! ها هي قطراتُ دمائك منثورةٌ على قمصاننا وفساتيننا. كيف فعلتِ ما عجز عن فعله الرجال؟ّ وكيف استطاع أن يفعلها ذلك الوغد سائق الجرافة، فيدهسُ براءتك ويقتل حُلمك ويهرق دمك على الأرض الطيبة؟ لو كان فقط نظر في عينيك لارتعبَ وعاد من حيث أتى. كيف أمكنه أن يئد كل هذا الصفاء فيهما؟





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,928,764,250
- الذهبُ الزائفُ على قمم التلال
- درسُ الثراء للصغار
- نحنُ أبناءُ الحياة
- نحن العدوّ الخطأ، أيها الأشاوس
- الزبون دائما على حق
- قدِّموا الأطفالَ للمحاكمة
- آن أنْ أكتبَ عن العصفور
- علامَ يُحاكَم إسلام البحيري!
- عبثيةٌ لم يكتبها بيكيت
- سعفةُ نخيل من أجل مصر
- هل لحرية التعبير قيود؟
- سفاحُ الأطفال، صائدُ العصافير
- الحاجة صيصة وذقن حتشبسوت
- طلّعى الكمبيالة يا حكومة!
- أيتها المرأةُ الملعونة، أين عضلاتُ فخذيك؟
- مصرُ أينما جُلتَ
- الرئيس.. والأم
- شكرا ونكتفي بهذا القدر
- أمي -الملاك-... التي لم تنجبني
- شارعُنا


المزيد.....




- تفاصيل جديدة بشأن -هجوم الأحواز-: إعلان -اعتقال المتورطين-.. ...
- مرضعة بين الزعماء المشاركين في اجتماعات الأمم المتحدة
- «خارجية الكويت» تبحث مع مبعوث أممي ملف الأسرى والمفقودين الك ...
- للمرة الأولى حالة غريبة ستشهدها اجتماعات الأمم المتحدة
- بماذا سيفاجئ ترامب العالم أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة؟ ...
- العاهل الأردني يدعو المجتمع الدولي لدعم -الأونروا-
- بعثة الأمم المتحدة في ليبيا تعزي وتتوعد!
- عاهل الأردن يلتقي وزير الخارجية الإماراتي على هامش اجتماعات ...
- الأمم المتحدة تستعد لإعلان إجراء جديدا في ليبيا
- لندن.. اعتقال رجل خارج قصر باكنهغام


المزيد.....

- المجتمع المدني .. بين المخاض والولادات القسرية / بير رستم
- المثقف العربي و السلطة للدكتور زهير كعبى / زهير كعبى
- التواصل والخطاب في احتجاجات الريف: قراءة سوسيوسميائية / . وديع جعواني
- قانون اللامركزية وعلاقته بالتنمية المستدامة ودور الحكومة الر ... / راوية رياض الصمادي
- مقالاتي_الجزء الثاني / ماهر رزوق
- هنا الضاحية / عصام سحمراني
- عودة إلى الديمقراطية والمجتمع المدني / كامل شياع
- معوقات نمو الأبنية المدنية في الأردن / صالح أبو طويلة
- العمل الخيري: بين تسعير حياة الإنسان ومحاولة إنقاذه / ماثيو سنو
- يعني إيه كلمة وطن ؟ / محمد دوير


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - فاطمة ناعوت - هل تذكرون راتشيل كوري؟