أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عبدالاله سطي - بؤس المثقف المغربي/ في نقد الانتلجانسيا المغربية






















المزيد.....

بؤس المثقف المغربي/ في نقد الانتلجانسيا المغربية



عبدالاله سطي
الحوار المتمدن-العدد: 1330 - 2005 / 9 / 27 - 10:30
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


عندما يكون النقد موجها لظاهرة من الظواهر الاجتماعية أو إلى أطروحة من الأطروحات الفكرية، أو إلى وجهة نظر يتقدم بها أحد الباحثين من هذا الجانب أو ذاك ، يكون النقد مشروعا و مستصاغا بحجة مخالفة الرأي المقرون بمقارنة الحجة بالحجة، أو تقديم وجهة نظر مخالفة و مغايرة لسابقتها على أساس دلائل وبراهين قد تكون مقنعة أو غير مقنعة. لكن عندما يكون النقد موجها للمثقف ذاته و تحت موضوع أزمة المثقف يكون الأمر أشبه بالمغامرة و التحدي أو كما يقول صاحب "الأيديولوجية العربية المعاصرة" عبدالله العروي " إغراء موضوع في مثل تعقيد موضوع أزمة المثقف يجد الدارس نفسه أمام إختيار صعب،
إما الاحتراس إلى حد الاحجام عن كل كلام، و إما الإقدام و الإستعداد لتحمل لذغات النقد". لكني اخترت أن أسلك الطريق الثاني طريق الكلام و التعبير عن ما يختلج قريحتي تجاه الواقع المزري الذي آل إليه و ضع المثقف المغربي ووضع الثقافة والتثقيف بصفة عامة في المغرب. من خلال الخوض في مغامرة تأملية تهدف إلى رصد أهم المعوقات و الاشكالات التي تعترض المثقف المغربي في أدائه لمهامه الرسولية و القيادية، التي ترمي إلى هداية الجماهيرو البحث عن الحقيقة،و حراسة مبادئ العدالة و حرية الأفراد، و الدفاع عن الضعفاء و تحدي السلطات الجائرة أو الغير الشرعية، من أجل خدمة مصالح الجماهيرالذي هو
في الأول و الأخير عضو صغير من أعضائه الأبرار.
فبعد نصف قرن مرت على منح المغرب إستقلاليته عن المستعمر الغاشم، يكون قد مضى نصف قرن على صياغة المشاريع التحديثية و المطامح الاصلاحية لبناء المغرب المستقل على كافة مستوياته و قطاعاته الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية والسياسية، التي تبلورت في إطار ما يمكن تسميته" بالنهضة المغربية"، الذي أكيد كان فيها " للأنتلجانسيا " المغربية دور مهم سواء من قريب أو من بعيد في المساهمة بصياغة مخططاتها، بإعتبار موقعها داخل المجتمع في كونها رسولا للحقيقة و الهداية، و قيادة المجتمع نحو الخلاص، والناطق بإسم هموم الشعب و أزماتهم ، المخلص الوفي لروح العدالة ومبادئ المساواة و الديمقراطية.
فخمسون عاما على هذه الانطلاقة تدعونا إلى الوقوف على وجه الالحاح، لمساءلة و مراجعة و مقارعة الراهن المغربي عل ضوء الحقل الثقافي، و عن الدور و الموقع الذي إحتله المثقف خلال هاته الحقبة؟ و عن مساهماته الفعلية و مساراته النضالية؟ عن جدوى خطاباته الفكرية و إنتاجاته المعرفية في رسم خطى المرحلة؟ و هل حقا إستطاعت الأنتلجانسيا المغربية في إخراج مشاريعها التغييرية و رهاناتها التحديثية ولاجتماعية إلى الوجود؟ أم أن مراميها لم تستطع أن تتعدى غلياناته الوجدانانية؟ في أي مشهد كان إنخراط المثقف المغربي في رسم حقيقة إرادته؟ هل كانت خطاباته التحديثية من مستو إخراج البلاد من ظلمات التقليدانية إلى أنوار الحداثة؟و هل إستطاع الخطاب السياسي للمثقف المغربي الدفع ببناء الدولة الحديثة القائمة على اسس ديمقراطية حقة من شعاراتها الأساسية ، سمو إرادة الشعب، تحقيق العدالة الاجتماعية، و رفع الحصار على الحرية، وضمان فصل السلط، و التمثيل النيابي الدوري النزيه، و إلى إحداث القطيعة مع مع الميزات الباتريمونيالية التي تلازم بعض جوانب النظام السياسي المغربي؟ إلى أي حد ذهبت الانتلجانسيا المغربية في تصوراتها و في تمثلاتها للواقع المغربي المعاش؟ بل هل لدينا حقا مثقف بمعناه الغرامشي أو تعريف جوليا باندا أو توصيف إدوارد سعيدأو حتى هشام شرابي أو محمد عابد الجابري؟ هل سنكون ظالمين إذا صرحنا بأزمة المثقف المغربي أم سنكون متعديين إذا أعلنا بنهاية المثقف المغربي و موته؟
من خلال هذه الأسئلة و غيرها سنحاول عبر سلسلة من المقالات تقديم دراسة تحليلية ـ بنيوية ـ نقدية تنفذ إلى أعماق إشكالية أزمة المثقف المغربي أو الانتلجانسيا المغربية، من خلال رصد دوره كفاعل في المجتمع، و كذا من خلال الاجتهادات الفكرية و الاقتصادية و الساياسية التي تقدم بها كمشاريع نهضوية غايتها الأولى المساهمة في الخطط لاصلاحية و التحديثية التي عرفتها و تعرفها البلاد.و ذلك بتسليط الأضواء الكاشفة على كل خطاب من الخطابات و الأطروحات التي تبناها المثقف المغربي على حدة.
وبادئ ذي بدء سنحاول في هاته المقالة التوطيئية مقاربة و إستجلاء أزمة المثقف المغربي في إشكاليتها العامة و ذلك من خلال مستويين إثنين:
ـ واقع المثقف المغربي ( الأزمة الغير معلنة) ـ المبحث الأول ـ
ـ واقع الثقافة و التثقيف في المغرب ـ المبحث الثاني ـ

المبحث الأول : واقع المثقف المغربي ( الأزمة الغير معلنة):

قبل الانطلاق في مهمة رصد تجليات الحالة التي آل إليها واقع المثقف المغربي المأزوم لابأس من إبراز مجموعة من التعريفات المشهورة التي أعطيت لمفهوم المثقف و لوظيفته المركزية داخل المجتمع:
فمن التعريفات المهمة التي نصادفها في طريقنا نجد تعريف غرامشي للمثقفيف العضويين، الذي يصفهم بأولئك المتورطون بصورة فاعلة في المجتمع ، أي أولئك المكافحون بصورة فاعلة و ثابتة في المجتمع، من أجل تغيير العقول و الأفكار و توسيع حدود السوق. أما "جوليا باندا" فيصفهم بأنهم جماعة صغيرة جدا من الملوك الفلاسفة و الموهوبين المتفوقين و الذين يتمتعون بالأخلاق العالية و يمثلون بالتالي ضمير البشرية، و هم أولئك القادرين على قول الحقيقة، الفصحاء اللسان، الشجعان، أولئك الذين لا يخشون أي سلطة دنيوية كبيرة و مهابة إلى الحد الذي يجعلها غاير قابلة للنقد و اللوم و التوبيخ.
و لا يذهب "إدوارد سعيد" بعيدا عن التعريفات السابقة لما يصف المثقف بأنه شخصا ممثلا يمثل بوضوح وجهة نظر من نوع معين، شخصا يقدم تمثيلات بينة واضحة لجمهوره.مهما ارتفع من أنواع الحواجز و الحدود،و الحجة التي يدافع عنها إدوارد سعيد هنا هي أن المثقفين هم أفراد ينطوون على موهبة فن التمثيل سواء تضمن ذلك الكلام أو الكتابة أو التعليم أو الظهور على شاشة التلفزيون. بحيث أن تلك الموهبة مهمة إلى الدرجة التي يمكن تمييزها من قبل الناس و هي تتضمن إلتزاما و مخاطرة في الوقت نفسه، كما تتضمن الصراحة و إمكانية التعرض للهجوم و الانتقاد.
كما يجب أن لا يفوتنا أحد التعريفات المهمة للمثقف و هو التعريف الذي يتقدم به المفكر "محمد عابد الجابري" الذي يعتبر المثقفين الفئة الواعية التي أكسبتها ثقافتها موضوعية التفكير ووضوح الرؤية، و القدرة على التحليل و المحاكمة المنطقية مما يجعلهم في حصن من أن تنطلي عليهم أساليب البورجوازية و من أن يخفيهم تحكم المتسلطين،إن المثقفين هؤلاء، هم وحدهم القادرون على تصحيح تلك الصورة في الوعي الجماهيري، ورسم الطريق الصحيح لتحقيقها في حيز الواقع الملموس.
ومن خلال هذه التعريفات التي تختلف مشارب أصحابها الفكرية وتلويناتهم الأيديولوجية ، يمكننا أن نمتح مفهوم مركز و بسيط للمثقف من خلال الدور الطلائعي الذي يمكن أن يلعبه داخل المجتمع و هو كالتالي:
المثقين هم شريحة من المجتمع يفترض أن لهم رسالة شريفة يؤدونها داخل ذات المجتمع، من خلال موهبتهم و خبراتهم الحسية و الادراكية، و شجاعتهم التي لا يخشون منها لومة لئم و من أبرز سيمات هذه الرسالة الكشف عن الحقيقة و الدفاع عن الحرية و الكرامة و مبادئ العدالة السامية، وبالتالي اعني من كلامي أن المثقف هو جزء من المجتمع ملازم لأفراده حارس لحقوقه المصباح الهادي في طريقه المنغمس في أعماق إشكالياته المصاحب القرين لقضاياه.
وهنا يثار سؤال من خلال أي تعريف من التعريفات السابقة تنعكس صورة المثقفين المغاربة ؟ أو بصيغة أخرى أي دور تضطلع به النخبة المثقفة المغربية في رسم المحددات السالكة صوب إبستمي الراهن المغربي الآن؟ أو قل هل يشكل المثقفين المغاربة حقا فاعلا حقيقيا في تمثلاتهم لواقعهم الذين ينتمون إليه و ينتمي إليهم؟
إنه لمن المدمي و المقرح، ومن المحزن و الغير مفرح، محاولة الاجابة على هاته الأسئلة التي تلامس أحد الأصاب المركزية داخل النسيج المجتمعي ألا وهو المثقف.الذي عذا منذ خمس عقود خلت في حالة من الانتكاسة المعرفية والفتور الابداعي، و التأخر والدبور والنكوص إلى الخلف.و في حالة من الانزواء عن الواقع و تقلباته ، فصار المضطلع و الباحث عن مشاكل المجتمع يشكل بدوره مشكل زائد داخل المجتمع.
فبعدما كان منتظرا من المثقف المغربي أن يلعب دورا طلائعيا في تشخيص الواقع و نقد شوائبه و خبائثه من خلال الغوص داخل سراديبه و مغاراته الملغمة، بشكل من التدبر و التعقل، و الفطنة والتأمل، وبقدر من الشجاعة و الصمود و القوة و الارادة التي تدعمها نبل الرسالة التي قدر ان يتحمل أداءها بأمانة و تفان و إخلاص.
حتى يكون أنموذجا للمثقف العضوي حسب توصيف غرامشي أو أنموذجا للمثقف الشجاع حسب باندا ، أوحتى نموذجا للمثقف الفطين التفكير الواضح الرؤية كما يضيف الجابري.
فللأسف لا من هذا ولا من ذاك إستطاع المثقف المغربي أن يرسم له صورة تبرز كينونته وتشهد بفعاليته، لسبب واحد من إثنين لا ثالث لهما يتجلى ببساطة شديدة إما في كون المثقف المغربي قد أضاع الطريق و أضاع السراج المؤدي إلى الحقيقة ، وبالتالي ضاعت ثقافته وتراجعت مسؤوليته و أصبح ذلك الانسان الذي لا يحسن إلا القراءة و الكتابة ، غارقا في فراغه حتى الأطراف مبتعدا في تخيلاته و في تمثلاته عن الواقع كل البعد. و إما ذلك الذي يعيش كما يضيف الجابري (في نوع من التعالي خارج الدوامة )غارقا في نخويته و نرجسيته التي لا تطاق، بعيدا عن واقعه ووقائع مجتمعه، مستوعبا بشكل ما جانبا من جوانب ثقافة الماضي، أو متتبعا بشكل ما جانبا من جوانب ثقافة عصر الحاضر، محلقا في أجوتء فكرية مجردة لا تنتهي به إلى هدف أو سبيل.و أعتقد كلا الفرضيتين هي قريبة من تشخيص أزمة المثقف المغربي، لأها تبرز مدى إنسلاخ هذا الأخير عن محيطه و عن واقعه و إنسياقه إلى يوطوبيا مجردة لا تمت بأي صلة لا من قريب و لا من بعيد بقضايا مجتمعه و نزوات أمته.
فماهي إذن العلل التي كانت سبب إنتكاسة المثقف المغربي إلى درجة تقارب الأوفول إذا لم نجزم و نقول قد أفل حقا ؟ ماهي المعوقات الأساسية التي كبلت حركية و غليان المثقف المغربي حتى جعلته يتراجع عن أدواره الطلائعية في تشخيص أورام المجتمع، و أدواره الرسولية في إنارة الحقائق للعامة؟
إن حاضر المثقف المغربي حاضر مريض و ملتبس يحتاج منا إلى الكثير من الوقفات التأملية و التشخيصية في واقعه و آفاقه عبر القراءات النقدية و التقييمية الهادفة إلى إستجلاء الداء من جذوره.
فمنذ الخمسين سنة التي مرت على الاستقلال ـ لإنحصار دراستنا على تقييم دور المثقف المغربي فقط خلال سنوات الاستقلال ـ لم يستطع المثقف المغربي إعطاء مضمون واضح المعالم محدد الآليات و الأهداف للمشاريع الأساسية التي يربو غلى تحقيقها.فلا الخطاب الحداثي و لا الخطاب السلفي و لا حتى الخطاب القومي أو النهضوي بصفة عامة،كان له الحظ في رسم خططات و تشييد أطروحات تحمل راهنيتها و ضرفيتها ملائمة للمعطيات و الخاصيات السوسيوـ إقتصادية و السوسيوـ سياسية للمغرب.مما يمكن الاقرار من موقع الملاحظ الفاحص للدور الذي يلعبه ولعبه المثقف طيلة سنوات الاستقلال.بأن مثقفينا كانو فاشلين في تفعيل أطروحاتهم ، و في مقارباتهم لكل القضايا التي ظلت تفرض نفسها على الواقع العام، و لعله يمكن إرجاع ذلك إلى مجموعة من العوامل المادية والموضوعية التي كان لها دور كبير في هاته الانتكاسة.نجد الباحث السوسولوجي المغربي "عبدالرحيم العطري" يتكلم عن واحدة منها في إحدى مقالاته عندما قال ( لعل العطب البارز في حالة المثقف المغربي و العربي عموما هو ذلك البون الشاسع بين الخطاب و الممارسة أو ما يمكن تسميته بحالة الفصام التي يعاني منها المثقف، والتي تجعله مثلا يكون حداثيا عل مستوى القول و أكثر تقليدانية على مستوى الفعل و الممارسة).وليس بعيدا من ذلك نجد طرح المفكر المغربي "أحمد السطاتي" يقول( إن أزمتنا الثقافية الحقيقية هي أن هناك إنفصاما و طلاقا بين قدرتنا و معرفتنا. بين عمل لا تنيره أية معرفة و بين معرفةلا تتجسد في أي عمل و لا تصل نبراسا لأية ممارسة مؤثرة وعميقة).وهذه حقيقة لا يختلف عليها إثنان و لا تتناطح عليها عنزتان ولا يجادل فيها إلا كل جهول ظلوم كذوب، لأننا حقا لا نعرف ولم نعرف وهذا ليس حكما مطلقا، نموذجا للمثقف الذي إستطاع أو حاول ان يرسخ و يجسد أفكاره و مطاميحه فعلا وعملا و ممارسة، كما كان يفعل السوسيولوجي الفرنسي "بيير بورديو" عندما كان يشارك الجماهير في المظاهرات كشكل من أشكال التعبير عن الإرادة في التغيير وفق الأفكار و المشاريع التي كان قد أطر بها الجماهير سلفا.أو نموذج "جون بول سارتر" الذي لنا فيه أسوة حسنا و نموذجا يحتدى للمثقف المناضل الذي لم يخشى لومة لئم عندما كان ينزل للجماهير في المحاظرات و الندوات و التجمعات الجامعية و غير الجامعية معلنا بصوته الحادعن مشاريعه الاصلاحية و التغييرية وأرائه الناقدة للسلطة وللواقع الفرنسي و العالمي بصفة عامة آنذاك ، فكانت لأطروحاته تلك و بالشكل الذي وصلت به للناس وقع كبير وكبير جدا على التغييرات و التحولات التي شهدتها فرنسا خلال القرن المنصرم، هذا من جهة ومن جهة أخرى، هناك من يذهب في تشخيصه لداء " أزمة المثقف المغربي " إلى كون هذا الأخير قد خطأ الطريق و أتلف المسير و بالتالي أصبح قاصرا و عاجزا عن تحديد الوجهة التي يربو الوصول إليها، فصارت تصوراته و تحليلاته للواقع و لأزمات الواقع مجرد ضغث كلام و ضرب من القول العاجز على أن يكون بمستوى النهوض بالواقع و تحدياته.و قد كان الباحث "إدريس ولد القابلة" قريبا من هذا الطرح عندما وصف المثقفين المغاربة ( بأولئك الباحثين على الحقيقة في غير المكان الذي ضاعت منهم فيه).لأنه ليس من السهولة واليسر الحصول على حقيقة الأشياء و أنت تعيش عجزا و قصورا مهولا في زخمك المعرفي الذي يتعدى ذلك إلى آلياتك في مقاربة حركية المجتمع و في المزاوجة مابين الفكر والواقع، وفي تشييد نظرة واقعية يستشهد بها على صعيد الممارسة و التغيير. وهذا ما يفسر مدى الوعي الذي كان عند الفيلسوف الكلبي"ديجون" بهذه المسألة عندما كان يضل النهار لما كان يضل النهار كله و هو يصول ويجول بأرجاء المدينة حاملا بيده مصباحا منيرا فلما أستفسر عن ذلك قال لهم إني أبحث عن الحقيقة.هذا في عصر الحضارة الرومانية.أما في عصرنا الرديئ هذا أعتقد أنه لن يكفينا لا نور الشمس ولا مصباح "ديجون" من أجل إستجلاء الحقيقة.بل نحن في حاجة إلى آلاف الأضواء الكاشفة و الكثير الكثير من ضوء الشمس الساطعة،بالإضافة إلى الماءات من العقول المستنيرة و المنيرة عسى أن نلعق شيء من هاته الحقيقة المرجوة، وهذا مايجب أن يستوعبه المثقف المغربي.
كما يمكن من زاوية أخرى إرجاع حالة العقم و التحجر و التصلب و الشلل الذي أصاب حركية المثقف و الثقافة المغربيين، إلى حالة التعالي و النفور عن المجتمع و براثينه و بالتالي الانصلاخ كليتا أو جزئيا عن التقلبات التي تصيب هذا المجتمع وهكذا يصير المثقف غريبا عن قضايا وطنه و إشكالياته و وبالتالي يفقد ذلك الوضوح في الرؤية و تلك الموضوعية في التفكير فيقد دوره الطلائعي و يخون الأمانة التي علقت على جبينه من قبل الجماهير التي تعتبر المثقف واحدا منها واتته الظروف أكثر بكثير مما أخذت هي من حق مشاع تتساوى فيه حظوظ الجميع، لذا فهي لا تفتأ تطالبه بالمزيد من العطاء بقدر يتناسب مع ما أخذه.لكنه للأسف خذلها وخذل نفسه فكان مبتذل التفكير عديم الفائدة و لا شيء يذكر.فالمثقف الذي إضطلع بالدور الرسولي في المجتمع و الهادي إلى طريق الخلاص و الوصي على قيم الحرية و العدل و المساواة...، أصبح نفسه في حاجة إلى الهداية و الترشيد و التنوير، لا لشيء فقط لأنه عجز كل العجز عن إصال رسالته و في تحمل وظيفته بالإضافة إلى أنه أصبح الرجل الأقل فاعلية وحضور في المجتمع، قياسا على باقي الفاعلين الآخرين رجل السياسة .. ورجل الاقتصاد..إلخ، ولذا فمن الأجدى و الأصلح أن لا يستمر المثقف المغربي في تقديم نفسه كقائد للطبقة الواعية و المستنيرة و الناطق بإسم النخبة الفاعلة و المناضلة، و الوصي على المشاريع الاصلاحية و التغييرية، و الآمر بالصرف فيما يتعلق بكيفية مقاربتنا و معالجتنا لمشاكلنا الاجتماعية والسياسية و الاقتصادية ( الحرية ، الديمقراطية، المساواة، العدل، الكرامةن الأمن، التكافل الاجتماعي، التقدمن التنمية...).لأن نور الشمس قد سطعت وهبت الريح التي أسقطت ورقة التوت عن الجميع فانكشفت عيوب خطاباته وقصر تصوراته وحقيقة توجهاته، فصدق و تأكد قول(ريجس دوبريه) لما قال إن المثقفين هم أصحاب سلطة و مصلحة، وذوو مواقع و منافع، وهم يشكلون مجموعات لا تحسن سوى ممارسة نخبويتها و نرجستها).وهذه هي صورة المثقف المغربي بالملموس فهو إما يعيش على الهامش ( بعيدا كل البعد عن ملامسة حقيقة الواقع لأن إرتباطه به كما يقول الأنتروبولوجي المغربي "عبدالله حمودي"(إرتباط نظري، ولم يكن إرتباط يمس المعيش اليومي و المعرفة القريبة، ولم يكن إرتباط بالمعنىالعلمي الذي يجعل الباحث ينصت لنبض المجتمع و يعرف عن قرب المفاهيم و النظرة التي يفسر بها الأشخاص حياتهم).و إما هو بوقا للسلطة و ناطقا بإسم حالها و حاملا لتصوراتها و مروجا لشعاراتها مستغلا موقعه في المجتمع من أجل تحقيق مآربه المصلحية، وهو هنا أيضا بعيدا كل البعد عنوضعية الواقع الحقيقية، لأنه فقد مصداقيته و أصبح هو ذاته في حاجة ماسة إلى إعادة التثقيف و إعادة الترشيد ، بالإضافة إلى أنه مطالب بإعادة النظر في مضامين خطابه و دوره و نظرته إلى الأمور ، وكيفية تعالمله مع حركية وتقلبات المجتمع، بالإضافة إلى إعادة النظر في علاقته مع أفكاره من جهة وعلاقته مع الواقع من جهة ثانية و أيضا في علاقة أفكاره مع الواقع من جهة ثالثة.
ـ فهل نكون قد وفقنا في مقاربتنا و مطارحتنا لأطروحة بؤس المثقف المغربي؟
ـ لا أعتقد ذلك فالموضوع في حاجة إلى مزيد من التوضيحات و التبريرات التي سنحاول التطرق إليها في مقالات مقبلة....

( يـتـبـع )






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,579,928,002
- *في نقد الحداثويون
- قراءة في كتاب (الصراع الطبقي و التحولات الاقتصادية والسياسية ...
- قراءة في كتاب( الصراع الطبقي والتحولات الاقتصادية والسياسية ...
- توابع التبعية دراسة في ميكانزمات أزمة تخلف المجتمعات العالم ...


المزيد.....


- في سبيل منهجية جديدة للجدل - الجدل من منظور معرفي / مختار العربي
- الفاشية واللغة المغتصبة / سعد محمد رحيم
- احلام اليقظة ..تسوية موفقة ام انسحاب انهزامي!! / اسعد الامارة
- الانسان المعاصر والمحددات المعرفية / لمسلم رشيد
- هادي العلوي: وحدة اللقاحية والمشاعية الشرقية 10 من 11 / ميثم الجنابي
- مجتمع القردة و المقاربة الفكرية / نور الدين بازين
- هادي العلوي: المثقفية والابعاد الروحية والحضارية 9 من 11 / ميثم الجنابي
- بين وحدة الحقيقة وقيود الأفكار / علي آل شفاف
- وبنية أمتنا العقلية A.B.C نظرية / سيد يوسف
- هادي العلوي - المثقفية والابعاد الاجتماعية والسياسية -8 من 1 ... / ميثم الجنابي


المزيد.....

- اليمن: بن عمر يعلن عن ترتيب للتوقيع والحوثيون يعلنون تسليم ا ...
- لبنان: 3 قتلى على الأقل بانفجار سيارة مفخخة على حاجز لحزب ال ...
- بالفيديو.. افتتاح مهرجان الجعة في ميونيخ
- الدوري الإيطالي.. تيفيز يهدي يوفنتوس فوزا مستحقا على ميلان 1 ...
- دراسة: الإنسان قادر على تعويض العظام المفقودة
- احتجاز رئيس السلفادور السابق بعد اتهامه بـالفساد
- انفجار شرقي لبنان يسفر عن سقوط ضحايا
- قتلى في انفجار بحاجز لحزب الله شرقي لبنان
- العثور على كلب بعد 6 أعوام من اختفائه
- العريفي يستشهد بفيديو لشيخ شيعي "حرف" القرآن بقوله ...


المزيد.....

- اسرار الوجوه في التعامل مع الاخرين / احمد رياض
- في الأسس الفلسفية للسميولوجيا جدل المربع والدائرة / بتول قاسم ناصر
- نيتشه : مولد المأساة من روح الموسيقى / عادل عبدالله
- وقائع موت الشعر في فلسفة هيجل 2 / عادل عبدالله
- موت الشعر في فلسفة هيجل / عادل عبدالله
- الكتابة بوصفها خلاصا من الكتابة - مقاربة شعرية لفهم (اختلاف) ... / عادل عبدالله
- سوسيولوجيا بورديو النقدية : قضايا واشكاليات / عصام العدوني
- السرطان : جدل الوجود بالقوة والوجود بالفعل / بتول قاسم ناصر
- الرأسمالية .. وأزمة العلم / محمد دوير
- شبح ماركس ورعب نهاية التاريخ / معن الطائي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عبدالاله سطي - بؤس المثقف المغربي/ في نقد الانتلجانسيا المغربية