أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - إبراهيم جركس - خمسون وهماً للإيمان بالله [14]: إلهي يسمع الصلوات ويستجيب لها















المزيد.....


خمسون وهماً للإيمان بالله [14]: إلهي يسمع الصلوات ويستجيب لها


إبراهيم جركس

الحوار المتمدن-العدد: 4781 - 2015 / 4 / 18 - 13:20
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


50 وهماً للإيمان بالله
غاي هاريسون
ترجمة إبراهيم جركس

الوهم الرابع عشر: إلهي يسمع الصلوات ويستجيب لها

((الصلوات والتضحيات بلا أي جدوى ولا تعود بأي فائدة)) [أرسطوطاليس]

لو لاحظت وجود أي إمكانية لنجاح الأمر وفعاليته، لما تردّدت عن الصلاة بأنّ يقوم كل فرد من مجاهدي القاعدة بقراءة هذا الكتاب، وأن يدركوا أنّ معتقداتهم الدينية قد تكون خاطئة، وأن يقسموا على ألا يقتلوا أي نفس إنسانية مرةً ثانية. سأصلي أيضاً من أجل أن يتوقّف أثرياء التلفاز عن أخذ المال من الناس الكادحين في أعمالهم ذوي الأجور المنخفضة لأنّ الله "بحاجة لها". لسوء الحظ ليس هناك أي دليل مقنع على فعالية فعل الصلاة ونجاحه، لذا لن أتعب نفسي بذلك.
إنّ طلب أي شيء عن طريق الصلاة ممارسة شائعة حيث يتوقف فيها بضعة مؤمنين عن التفكير بمدى ضخامة هكذا زعم وعظمته. فالأشخاص الذين يمارسون فعل الصلاة يزعمون بأننا نستطيع أن نطلب أي شيء من الله تقريباً من منحنا الصحّة الكاملة إلى ربح جائزة فإنّ الله سيسمع دعائنا وعلى الأرجح سيستجيب لطلبك ويحقّق أمنيتك. البعض يزعم حتى أنّ الله ملزم أو مجبر على تحقيق أمنياتنا، وذلك اعتماداً على تفاسير معينّة لكتابات مقدّسة قديمة. بغض النظر عن الطبيعة الاستثنائية لهكذا مزاعم، يبدو أنّ هناك الملايين من البشر الذين يتماشون معها بدون أن يفكّروا مجرّد التفكير فيها. وبالرغم من النتائج التي يمكن إرجاعها ببساطة شديدة للصدفة أو كنتيجة لأفعال الناس، فإنّهم يؤمنون بفعالية الصلوات والأدعية.
قد يظنّ العض أنه بإمكاننا تحليل الصلاة أو قياسها بطرق تثبت حتى لغير المؤمنين بأنها ظاهرة فعلية وحقيقية. الصلاة فعل ضروري جداً وجوهري في مسألة ما إذا كان الله أو الآلهة موجودون أم لا لأنّ أغلب المؤمنون يزعمون أنه السبب الرئيسي الكامن وراء اعتقادهم بأنّ إلههم حقيقي وفعلي. وهذا برهان مراوغ ومخادع فعلاً لإله لطالماً طالب الملحدون برهاناً على وجوده. تخيّل لو أنّ أتباع دين معيّن تمّت الاستجابة لصلواتهم بشكل دائم ومستمر وبمعدل مرتفع، مرتفع بما فيه الكفاية لتكون هناك معجزات، ومن دون أي مجال للغش والخداع والتلاعب أو سوء التفسير. ذلك سيكون دليلاً قوياً وساطعاً على أنّ إلههم حقيقة. لكننا لا نرى ذلك طبعاً. بل إنّ ما نراه هو أنّ هناك هندوس، يهود، مسلمين، مسيحيين، أرواحيين، ومؤمنين آخرين يصلّون ليل نهار لآلهتهم التي يؤمنون بها وبطرقهم الخاصة ثمّ يزعمون أنّ صلواتهم مستجابة. إنّ حقيقة أنّ أتباع العديد من الديانات والمعتقدات الأخرى المختلفة الذين يزعمون أنّ صلواتهم مستجابة وتحقق نتائج إيجابية هي علامة سيئة لمؤيّدي مسألة الصلاة. على سبيل المثال، أفراد القبائل البدائية يصلّون لمجموعة متنوّعة من الآلهة من أجل أمور كالصيد الموفّق والطقس الجيد طوال الوقت، وغالباً ما ينالون مرادهم. لكن ليس هناك أي دليل يثبت أنّ آلهتهم حقيقية. كما لا يوجد دليل يثبت أن يهوه، يسوع، الله، أو فيشنو حقيقيين عندما يتحقق لأتباعهم المخلصون مطالبهم التي صلوا من أجلها.
الذاكرة الانتقائية ربما هي السبب وراء اعتقاد آلاف المؤمنين من مختلف الديCض"ىات بأنّ صلواتهم تحقّق نتائج إيجابية. على سبيل المثال، تخيّل مسيحية مؤمنة ومخلصة تصلّي ليسوع من أجل المزيد من المال ثم بعد ذلك، وبعد عشر سنوات من العمل الدؤوب والالتزام بأوقات الدوام والعمل واجتهادها في عملها كل يوم، تحصل على علاوة. قد تشعر أنّ هذا الحدث في حياتها بمثابة تأكيد أنّ إلهها حقيقي. ففي النهاية، إنّها قد صلّت ليسوع لمزيد من المال وقد حصلت عليه. وانتهت المسألة، بالنسبة لها على الأقل. لكن أنّى لمسلم نموذجي أن يقبل بذلك؟ هل سيرفض القرآن ويبدأ بالإيمان بيسوع كإله بناءً على هذا الزعم بأنّ يسوع استجاب لتلك الصلاة؟ أشكّ في ذلك، وخصوصاً إذا كان المسلم قد وجد أنّ صلاته لله حقيقة ومستجابة واختبر ذلك بنفسه وتيقّن من أنّ الله هو الإله الحقيقي؟ وماذا عن اليهود الذين يصلّون كل يوم بطريقتهم الخاصّة لإلههم؟ إنّهم يقولون أنّ صلاتهم مستجابة أيضاً. ملايين الهندوس يزعمون وجود نتائج إيجابية لصلواتهم. هل ذلك يثبت وجود آلهتهم؟ صلوات المورمون مستجابة في جميع الأوقات، حسب مزاعم المورمون على الأقل. هل هذا يعني أنّ يسوع كان في أمريكا الشمالية كما يزعم كتاب المورمون؟ إذا صلّى توم كروز ليتصّدر فيلمه الجديد قائمة التذاكر في الصيف المقبل، وتحقّقت أمنيته، هل يعني ذلك أنّ مزاعم المذهب العلموي/الساينتولوجي حقيقة؟ كان الناس في روما القديمة يصلّون باستمرار وبالتأكيد كان البعض منهم يؤمنون أنّ الآلهة قد استجابت لصلواتهم في بعض المناسبات. إذا كانت الصلاة المسيحية تسمّى دليلاً على ألوهية يسوع، عندئذٍ يمكن تسمية صلاة القدماء من الرومان دليلاً على ألوهية جوبيتر.
ما هو ذلك الشيء الذي يقنع المؤمنين بأنّ الصلاة تثبت أنّ إلههم موجود في الحقيقة؟ فإذا كان ذلك صحيحاً، إذا كان بإمكان المرء أن يطلب من إلهه وأن يستجيب ذلك الإله لصلواته، ألن يكون نجاحها وفعاليتها واضحين تماماً، ألن نتمكّن بسهولة شديدة التعرّف على الإله الذي استجاب لتلك الصلاة؟ بعد عدّة آلاف من السنوات من الصلاة المتواصلة، ألن تعلّمنا التجربة والخطأ حتى الآن بأن نصلّي لإله واحد هو وحده الذي يستجيب لصلواتنا إذا كان كل هذا حقيقي وموجود بالفعل؟
ألا يحتمل أن يكون الإيمان بجدوى الصلاة خطأ فظيع نقع فيه؟ أليس من الممكن أن يكون المؤمنون يقعون مراراً وتكراراً بشكل عفوي في نفس الخطأ الشائع بقيامهم بعملية جرد انتقائي عندما يراجعون تواريخ صلواتهم الشخصية؟ أخطاء من هذا النوع من السهل جداً الوقوع فيها وينبغي علينا كلنا أن نكون محصّنين ضدّها. أعتقد أنّ طبيعتنا البشرية هي التي تفرض علينا هذا النوع من السلوك في أن نركّز على بضعة أمور صغيرة ونتناسى كل الأمور الأخرى التي فشلنا بها أو تمّ خذلاننا فيها عندما يتعلّق الموضوع بأمر لدينا رغبة شديدة بأن يكون حقيقياً. يطلق علماء النفس على هذه العملية اسم "التحيّز التأكيدي" والوسطاء الروحانيون يعرفون هذه الحالة تمام المعرفة. فعندما يزعم الوسيط الروحي أنّه يكلّم الموتى أو يتنبأ بمستقل زبون ما، فهو يعلم أنّه ما عليه إلا أن يصيب عدّة مرات لأنّ أغلب الناس سيتناسون المرات التي أخطأ فيها. التحيّز التأكيدي يفسّر لنا سبب إيمان أغلب الناس بالمنجّمين والوسطاء الروحانيين حتى بعد وقوعهم في أخطاء لا تعدّ ولا تحصى. لذلك عندما يشعر المؤمن بالحماس عندما يتحدّث عن "صلواته المستجابة" فإنّ للأمر علاقة بتناسيه لكافة الصلوات غير المستجابة والتي لم ينتج عنها أي شيء. الأشخاص الذين يفعلون ذلك هم ليسوا أكثر من مجرّد ضحايا لظاهرة سيكولوجية طبيعية تماماً. ذنبهم الوحيد هو أنّهم يفكّرون كما يفكّر أي إنسان عادي. وليس لهذا الأمر أي علاقة بمستوى الذكاء وقد يحدث لأي شخص.
يجب على المؤمن أن يضع في اعتباره أنّ بعض الصلوات "المستجابة" حسب رأيه ليست دليلاً كافياً على أنّ هناك إله يعمل وذلك لسبب بسيط هو أنّ بعض الطلبات العشوائية قد تتحقق بطريقة إيجابية مهما كان الأمر. على سبيل المثال، تصوّر لو أنّني وضعت قائمة بعشرة آمال معقولة ومنطقية للسنة القادمة على غرار: "أمل ألا يهبّ إعصار ويقتلع سقف منزلي"، "آمل أن أبيع سيارتي بسعرٍ جيد". ثمّ سجّلت ما يحدث خلال العام التالي. أنا واثق أنّ بعض آمالي ستتحقق وبعضها الآخر لن يتحقق. هل حقيقة أنّ بعض أمنياتي قد تحقّقت تعني بأنني أمتلك قدرات سحرية خارقة لتحقيق الأماني؟ بالطبع لا، إنّها الطريقة الوحيدة التي يسير وفقها العالم الطبيعي. بعض الأمور تسير وفق آمالنا، وبعضها الآخر يسير بعكس ما نأمل.
الكوميدي الشهير جورج كارلين كان لديه الكثير ليقوله عن الدين، بعض ما قاله قاسٍ ولايمكن أن يتضمّنه كتاب ينوي مخاطبة المؤمنين بطريقة محترمة. لكنّ حديثه عن الصلاة وجدواها ليس بتلك الدرجة من القسوة وهو يصيب كبد الحقيقة في ذلك. يقول كارلين أنّه ترك الصلاة لله لأنّ معدّل الاستجابة لصلواته كان غير مرضٍ. لذلك بدأ بالصلاة للمثل الحائز على جائزة الأكاديمي أوورد جون بيشي:
((لذا أنا أصلّي لـِ(جو بيشي) لسنة الآن، وقد لاحظت شيئاً. لاحظت بأنّ جميع الصلوات التي قدمتها للرب، وكل الصلوات التي قدّمتها لجو بيشي تمّت الاستجابة لها بنسبة متساوية بمثل النسبة 50 بالمئة. نصف الوقت أحصل على ما أريد، نصف الوقت لا أحصل على ذلك. مثل الرب 50/50، مثل نبات البرسيم ذو الأربع وريقات، حدوة الحصان، بثر الأمنيات، وقدم الأرنب، مثل رجل (الموجو)، مثل سيدة (الفودو)، التي تخبرك عن بختك من خلال التلاعب وعصر خصي الماعز. جميعها متشابهة، 50/50، لذلك إختَر خرافتك، استرح، تمنّى أمنية، وتمتّع بنفسك)) [Carlin 1999]
بالطبع كارلين رجل فكاهي وهو محق. أطلب مئات الأشياء من أي شيء أو أي شخص وسيُكتب لك الحظ في بعضها دون بعضها الآخر. الصلاة لجو بيشي، تبدو أمراً سخيفاً، لكن من الممكن أن يكون معدّل نجاحها مساوياً للصلاة إلى الرب جوبيتر، يوك، يسوع، أو أي إله آخر.
الصحة هي واحدة من أهم الأمور والنواحي التي تهمّنا وتعهمّ كل إنسان عاجلاً أم آجلاً، وغالباً ماتستخدم الصلاة من قبل المؤمنين كوسيلة للتغلّب على المرض وتجنّب الموت. قد يكون هناك أو قد لايكون هناك طرقاً وسبل للبتّ في جدوى الصلاة ونفعها. عدّة دراساتها في السنوات الأخيرة أقيمت لمعرفة ذلك، لكن ولا واحدة منها خرجت بنتيجة أنّ الصلاة نافعة أو تنفع، وجميعها سقطت أمام البحث والتدقيق العلمي الصارم. هذا وحده كفيل بأن يلقي ظلالاً ثقيلة من الشك حول الموضوع. أمر معيّن يفترض أنه بتلك القوة والتأثير لايجب أن يصعب كشفه وملاحظته إذا كان يؤثّر فعلاً على صحّة الإنسان وعافيته.
دعونا نأخذ في حسباننا حالة خاصّة من الصلاة من أجل الصحة، حالة يجب أن يكون لها فرصة حقيقية لتلفت انتباه الله واهتمامه. إذا كانت أي صلاة تنفع فعلاً، فهي صلاة الأم من أجل صحّة ولدها. بعض الصلوات أكثر مصداقية وإخلاصاً أو أكثر شغفاً، وخصوصاً إذا كان الطفل مريضاً جداً أو على حافة الموت. لسوء الحظ، لايبدو أنّ صلوات هذه الأم تنفع فعلاً. وهذا واضح لأنّ هناك العديد من الأمم عالية التديّن ذات مستويات مرتفعة من وفيات الأطفال. في حين أنّ الدول العلمانية ذات النسبة العالية من الإلحاد والملحدين بين سكّانها مستوى الوفيات بين أطفالها منخفض. كيف يمكن ذلك؟ لماذا أطفال الكثير من الأمهات الملحدات يعيشون أفضل من أطفال العديد من الأمهات المسيحيات أو المسلمات أو الهندوسيات؟ من الواضح أنّه كلّما ارتفعت نسبة المؤمنين في أي مجتمع، كلّما كانت نسبة الصلاة أكبر. كيف يمكن للصلاة أن تفسّر حقيقة أنّ الكثير من الأطفال يموتون في البلدان المتديّنة كنيجيريا واليمن والنيجر، أكثر من الدول الأقل تديناً كالسويد والدنمارك وإنكلترا؟
حسب تقرير لمنظمة اليونيسف، يتناول وضع أطفال العالم لعام 2007، الدول العشرة ذات المستويات الأعلى من الوفيات بين الأطفال تحت عمر الخامسة هي: سييراليون، أنغولا، أفغانستان، النيجر، ليبيريا، الصومال، مالي، تشاد، جمهورية الكونغو الديمقراطية، وغينيا الاستوائية. هذه الدول يعتبرون أغلبية سكانها من المؤمنين الملتزمين، مسيحيين، مسلمين، أو أتباع ديانات أفريقية تقليدية ومحلية. ولا واحدة من هذه الدول تظهر فيها أعداد واضحة من الملحدين بين سكّانها. لاأحد يشكّ أنّ الأمّهات في هذه الدول يقضين أغلب أوقاتهن في الصلاة وبخشوع وصدق. لكن جميع هذه الجهود تنتهي بالفشل في إنقاذ أغلب أطفالهن.
لتعزيز هذه النقطة، إنّ تقرير وضع الأمهات في العالم عام 2006، وهو تقرير وضع من قبل منظّمة "أنقذوا الأطفال"، قام بتصنيف أفضل وأسوأ البلدان بالنسبة للأمومة من حيث العناية الصحية، التعليم، والفرص بالإضافة إلى خطر الوفيات بين الأمهات وبين الأطفال. تكشف اللائحة نفس النمط من البلدان ذات المستوات العالية من الإلحاد (الأمهات الملحدات أو العلمانيات ذوات الميل الأضعف للصلاة) وأنّها بلدان مزدهرة، أمّا البلدان ذات النسبة العالية من الصلاة (الأمهات اللواتي يصلّين دائماً أو أغلب الأحيان) متخلّفة ومتأخّرة [Save the Children 2006]:
((أفضل البلدان بالنسبة للأمومة هي السويد، الدنمارك، فنلندا، أستراليا، هولندا. وأسوأ البلدان بالنسبة للأمومة هي النيجر، بوركينا فاسو، تشاد، غينيا الاستوائية، سييراليون، اليمن، جمهورية إفريقيا الوسطى، ليبيريا، جمهورية الكونغو الديمقراطية)).
حتى المؤمنين قد يتسائلون ويستغربون إذا كانت الصلاة تنفع في أي شيء، عندما يفشلون في إنقاذ ملايين الأطفال الأبرياء الذين تصلّي لهم أمّهاتهم المؤمنات والمتديّنات بيأس. بالله عليكم، من الذي يستحقّ مساعدة الله وعونه أكثر من الطفل الضعيف والبريء؟ قد يجادل بعض المؤمنون أنّ هذا اليأس منشأه الحالة الاقتصادية، الحكومات الفاشلة، والعناية الصحية المتخلّفة. وأنا أوافقهم على ذلك، لكنّ هذا التفسير هو تفسير علماني وليس إلهي. لماذا يهتمّ الله بالمال؟ بالتأكيد يعتقد المؤمنون أنّ إلههم قادرٌ على إنقاذ طفل، سواء أكان في مشفى حديث ومتطوّر في أوروبا أو في عيادة متخلّفة ومتأخّرة وفقيرة في إفريقيا. إذا كانت الصلاة تنفع، عندها يجب أن تكون نافعة في أي مكان بغضّ النظر على الحالة الاقتصادية للمكان.
إنّ الزعم القائل بأنّ الصلاة تنفع لن يزول ولو قريباً مهما بلغ عدد الحالات الفاشلة في الاستجابة. قد يكون من الأسهل الجدال ضدّ هذا الزعم بدلاً من محاولة إثبات عدم جدوى الصلاة، فإثبات ذلك علمياً قد يكون أمراً مستحيلاً. مع أنني أرحّب بالدراسات العلمية على الصلاة، لكن ربمّا الجواب النهائي والقاطع قد يتجاوز قدرة العلم على ذلك. في النهاية، كيف يمكن للباحثين أن يقيسوا الصلاة ويسجّلوها بدقّة؟ لايمكن للصلاة أن تكون أكثر من مجرّد أفكار صامتة وكامنة داخل عقل الشخص المؤمن. قد يكون بالإمكان توجيهها نحو الآخرين، والغرباء حتى، على بعد مئات الأميال. يمكن للمؤمنين أن يصلّوا لأشخاص لم يولدوا حتى. كيف يمكن للباحث أو العالم أن يعرف أي إله ذلك الذي يصلي له المؤمن، إذا كانوا مخلصين في ذلك، أو إذا كانوا يصلون حتى؟ كيف يمكنن للباحث أن يقرّر من هو الشخص الذي تجري الصلاة من أجله دون غيره؟ بعض الناس يصلّون لجميع الناس على الأرض ليكونوا بصّحة وعافية، على سبيل المثال، في حين أنّ هناك آخرون قد يصلّون من أجل موت جميع المؤمنين المنافسين لهم والذين يعبدون آلهة أخرى. كيف يمكن للباحثين ان يعرفوا ما إذا كان الأشخاص يصلّون بالطريقة الصحيحة والمناسبة؟
المعالج الإيماني السابق هيكتور آفالوس، الذي أصبح الآن أستاذاً للدراسات الدينية في جامعة آيوا ستيت ومديراً تنفيذياً في لجنة الفحص العلمي للدين، مدركٌ تماماً لهذه لصعوبات:
((حتى وإن صلّى الشخص للإله المسيحي من أجل الشفاء وشُفِيَ ذلك الشخص فعلاً، فذلك لايثبت أنّ عملية الشفاء قد حدثت عن طريق الإله المسيحي. جميع الأديان تزعم أنّ آلهتها تستجيب للصلوات. على سبيل المثال، حسب كتاب الباجافادجيتا، جزء من الكتاب المقدس لدى الهندوس، يزعم الإله كريشنا أنّه مهما كان إلهك الذي تعبده، فإنّ كريشنا هو الإله الذي يستجيب للصلوات. لذلك، لن يكون من الممكن علمياً إثبات أنّ الإله المسيحي هو الإله الذي استجاب للصلاة حتى وإن تمّت الاستجابة لها)) [Avalos 1997]
رجاءً سامحوني على هذه الفكرة الجامحة، لكن أيعقل أن يكون أنّ أغلب المؤمنين لايؤمنون فعلاً بالصلاة ونفعها؟ هذه الفكرة ليست بالجنون الذي تبدو عليه. أنا أعرف أنّ الكثير من الناس يثيرون ضجّة كبيرة عن كيفية شفاء الصلاة لمرض الإيدز، وكيف أنّ الصلاة تغيّر مسار الإعصار، وكيف يمكن لها أن تخلّص أحد أفراد العائلة من إدمانه، لكن في بعض الأحيان أتساءل ما إذا كانوا يؤمنون فعلاً بذلك. في النهاية الصلاة لاتنفع معظم الأحيان. أغلب المؤمنين يجب أن يدركوا _ولو بشكل خصوصي على الأقل_ أنّ الصلاة ليست أفضل من الأمل. كيف لايسعهم ذلك عندما يرون مؤمنين مخلصين من جميع الديانات يفشلون في علاقاتهم، يخسرون وظائفهم، يعانون من المرض، يموتون، وغيرها من الأمور كل يوم بالرغم من صلواتهم اليائسة؟ على الأرجح أنّ المؤمنين لديهم شكوكهم حول موضوع الصلاة، سواءٌ أكانوا يتحدّثون علانية عن ذلك أم لا. دان باركر، المبشّر المسيحي السابق الذي أصبح ملحداً، فعل ذلك بالتأكيد:
((بالنظر إلى الوراء، علي أن أعترف بأنّ أعظم شكوكي ومخاوفي كانت حول نفعية الصلاة وجدواها. الصلاة لاتجدى ولاتنفع ببساطة. نقطة انتهى. أعلم بأنني صليت آلاف وآلاف المرات وكان كل ذلك مضيعة للوقت. بمعنى أني أعرف الآن أنّها كانت مضيعة. لكن بما أنّ الصلاة هي مذهب بهذه القوة في المسيحية، تخيّلت أنّه كان هناك معنى ما كامن خلفها... بعضهم يقول أنّ الصلاة هي ممارسة ضرورية لأنّها _بغضّ النظر عن نتائجها_ تضعنا في علاقة مباشرة مع الله. لكنّ هذا الكلام يتعارض مع تعاليم يسوع الذي يقول "22وَكُلُّ مَا تَطْلُبُونَهُ فِي الصَّلاَةِ مُؤْمِنِينَ تَنَالُونَهُ" [متى 21: 22] و "إنِ اتَّفَقَ اثْنَانِ مِنْكُمْ عَلَى الأَرْضِ فِي أَيِّ شَيْءٍ يَطْلُبَانِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُمَا مِنْ قِبَلِ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" [متّى 18: 19]. يقول مؤلّف رسائل يوحنا الأول "وَهذِهِ هِيَ الثِّقَةُ الَّتِي لَنَا عِنْدَهُ: أَنَّهُ إِنْ طَلَبْنَا شَيْئًا حَسَبَ مَشِيئَتِهِ يَسْمَعُ لَنَا. 15وَإِنْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ مَهْمَا طَلَبْنَا يَسْمَعُ لَنَا، نَعْلَمُ أَنَّ لَنَا الطِّلِبَاتِ الَّتِي طَلَبْنَاهَا مِنْهُ" [1 يوحنا 5: 14-15]
المسيحيون النزهاء يعلمون تمام العلم أنّ هذه الآيات خاطئة ومغلوطة. وهي لاتخدم أبداً الزعم القائل بأنّ أغلب الصلوات لايستجاب لها لأنّها "ليست وفقاً للمشيئة الإلهية". وحتى الصلوات التي تتوافق مع التعبير "الإرادة الإلهية" نادراً ما تنجح أو يستجاب لها. حتى وإن كان هذا التفكير صائباً، فإنّه يجعل من الصلاة عملية غير مجدية كوسيلة من وسائل تغيير الطبيعة)) [Barker 1992, 108]
إذا كانت الصلاة تنفع كما يتوقّع أغلب المؤمنين ويزعمون، لن يكون من الصعب تأكيد ذلك حتى بالنسبة لأولئك لم يكتب لهم أن يؤمنوا بها. إنّ حقيقة أنّها تبدو ناجحة ونافعة بنفس المعدّل بالنسبة لجميع المؤمنين، بغضّ النظر عن الآلهة التي يصلّون لها، تشير إلى أنّ الأمر يمجمله متعلّق بالميل الإنساني إلى سوء تأويل وتفسير الصدفة والحوادث الطارئة بوصفها شيئاً مميّزاً وخاصاً. المسيحيون والمسلمون على سبيل المثال، الذين يرون صلواتهم "المستجابة" كدليل على أنّ إلههم حقيقي يجب أن يواجهوا حقيقة أنّ مئات الملايين من البشر يقولون عن آلهتهم المختلفة نفس الشيء، أنّها جميعها تستجيب لصلواتهم. طبعاً جميع الآلهة لايمكن أن تكون حقيقية ولايعقل أن تكون جميع الديانات صحيحة. لذلك، من الأكثر ترجيحاً أنّ العديد من الصوات "المستجابة" ومن العديد من الجذور تبيّن أنّنا نعاني من الكثير من المشكلات بل إننا أيضاً نمتلك الكثير من الآمال في قلوبنا. هذا ليس بالأمر السيئ بالضرورة، لكن لاشيء بشأن الصلاة الآن يقدّم سبباً كافياً للإيمان بالآلهة ووجودها.

مراجع الفصل الرابع عشر
Avalos, Hector. "Can Science Prove that Prayer Works?" Free Inquiry 17, no. 3 (Summer 1997). http://www.secularhumanism.org/library/fi/avalos 17_3.html.
Barker, Dan. Losing Faith in Faith: From Preacher to Atheist. Madison, WI: Freedom From Religion Foundation, 1992.
Carlin, George. "You Are All Diseased." HBO TV special, February 6, 1999.
State of the World s Mothers 2006. Save the Children, 2006. http://www . savethechi ldren.org/publications/mothers/2006/SOWM_2006_final. pdf.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,561,070,723
- ما الدين؟ [روبرت إنغرسول]
- الدين عبارة عن اختبار رورشاخ
- الله قادر على كل شيء: حجّة الضعفاء عقلياً
- نشاة الكون: طبيعية أم ماورائية؟ [2]
- نشاة الكون: طبيعية أم ماورائية؟ [1]
- أسوأ 12 فكرة زرعها الدين ونشرها بين البشر
- يغالطونك إذ يقولون [1]: أنّ الانفجار الكبير خطأ، لأنّه لايمك ...
- هل تمّ إثبات نظرية التطوّر؟
- أيمكن أن يكون الله مطلق العدل ومطلق الرحمة في آنٍ معاً؟
- لماذا حرّم محمد على أتباعه التشكيك به أو بقرآنه؟
- الموت للكفرة [2] العنف السياسي بوصفه إرهاباً: دراسة سوسيو-سي ...
- الموت للكفرة [1] العنف السياسي بوصفه إرهاباً: دراسة سوسيو-سي ...
- ستة دلائل تشير إلى أنّ الدين يضرّ أكثر ممّا ينفع
- متلازمة الصدمة الدينية
- ميم التوحيد
- شركية ووثنية البطريارك إبراهيم
- كيف تحوّل يهوه من إله محلّي إلى إله عالمي؟
- كتاب فيروس الدين [3] تأسيس
- كتاب فيروس الإله [2] تأسيس
- كتاب فيروس الإله [1] تأسيس


المزيد.....




- ما هي أبعاد تبني تنظيم -الدولة الإسلامية- إطلاق سراح عدد من ...
- التعايش الديني في مصر الإسلامية.. مخطوطة تظهر شراء راهبين لع ...
- المنح التعليمية بالحضارة الإسلامية.. موسيقي يرعى العلماء ومس ...
- أيتام تنظيم الدولة الإسلامية يواجهون مصيرا مجهولا
- منظمة التعاون الإسلامي تُدين اقتحام المسجد الأقصى المبارك
- -قناصة في الكنائس وأنفاق-... بماذا فوجئت القوات التركية عند ...
- مسيحيون يتظاهرون احتجاجا على غلق كنائس بالجزائر
- عضو مجلس الإفتاء بدبي: الثراء الفقهي المنقول منهل لا ينضب لك ...
- مفتي الأردن: علماء الشريعة الإسلامية وضعوا علوماً وقواعد مست ...
- رحلة لاستكشاف عالم سري أسفل كاتدرائية شهيرة


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - إبراهيم جركس - خمسون وهماً للإيمان بالله [14]: إلهي يسمع الصلوات ويستجيب لها