أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - مختار العربي - في سبيل منهجية جديدة للجدل - الجدل من منظور معرفي






















المزيد.....

في سبيل منهجية جديدة للجدل - الجدل من منظور معرفي



مختار العربي
الحوار المتمدن-العدد: 1329 - 2005 / 9 / 26 - 11:18
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


المنهج الجدلي:
أ/ المثالية الجدلية (جدل المطلق):يرى هيجل أن الفكر المطلق هو الوجود الأول، أما الأشياء والظواهر المادية فهي مجرد تجسيد له، هذه الأولوية للفكر على المادة هي المثالية، ولكنها مثالية جدلية، أي أن هذا الفكر المطلق يتطور من خلال الجدل أولاً والمادة تتبعه إلي حيث هو متطور، والجدل هو التطور من خلال صراع المتناقضات عبر ثلاث لحظات: الدعوى ونقيض الدعوى وجامع الدعوى ونقيضها.
تقويم:
استند هيجل في اسناده الجدل للفكر (الإله) إلي التصور التشبيهي للإله الذي ورثته أوربا من التراث الإغريقي الذي صوره قوة خاضعة للحركة خلال الزمان والتغير في المكان ويمكن للإنسان أن يتصوره وآية هذ1ا أن هيجل جعله يبدأ بأن لا يعي ذاته فيتجلى في الطبيعة ومن خلال التاريخ غايته أن يعي ذاته. وهو يناقض التصور التنزيهي الذي يستند إلي الله تعالى العلم المطلق. كما يتضح لنا تناقض اسناد الجدل للفكر المطلق (الإله) أن علماء الإسلام نفوا عنه تعالى الأضداد. الطحاوي: (وهو متعال عن الأضداد والأنداد) . ويقول الغزالي: (الذي لا ند له الفرد الذي لا ضد له الصمد الذي لا منازع له) .
ب/ المادية الجدلية (جدل المحدود): كان ماركس تلميذ هيجل، غير أنه أنكر وجود الفكر المطلق وكان يؤمن بأن المادة هي الوجود الأول، أما الأفكار فهي تجسيد لها، فجعل المادة تتطور إلي حيث هي متطورة. أما المادية التاريخية فهي محصلة تطبيق المادية الجدلية على التاريخ ومصمونها أنه داخل المجتمع يتطور أسلوب الإنتاج (البنية التحتية) بفعل التناقض بين أدوات الإنتاج وعلاقات الإنتاج بصورة صراع طبقي بين الذين يعبرون عن الأولى والذين يعبرون عن الثانية وعندما نصل إلي الطفرة يكون المولود الجديد لأسلوب الإنتاج مولود من رحم أسلوب الإنتاج السابق وهكذا. كل هذا التطور في (البنية التحتية) ينعكس على البنية الفوقية وهي القانون والأخلاق والدين والفن.
تقويم:
أن اسناد الجدل إلي المادة فضلاً عن كونه قد ثبت خطأه علمياً يؤدي إلي تسخير بالإنسان لما هو مسخر له إذ أن الإنسان (المستخلف) هو الفاعل المغير المطور و ليست الطبيعة إلا موضوع فعله، ويستعمل القرآن تعبير سخره للدلالة على هذه العلاقة: (ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره) الحج: 65.
ج/ جدل الإنسان (محاولة تجاوز المادية والمثالية):
1.سارتر: استخدم سارتر المنهج الظاهراتي (كما أسسه هوسرل) في دراسة الوجود كما في مؤلفه الوجود والعدم 1942م وباقي مؤلفاته التي تمثل المرحلة الوجودية عنده. غير أنه من خلال تطوره الفكري توصل إلي الكشف عن منهج جدل الإنسان في كتابه (نقد العقل الجدلي) 1960م حيث رفض فيه اسناد الجدل إلي الفكر أو المادة، وأسنده للإنسان حيث التناقض بين الموضوعية التي يمثلها الوسط اى جملة الظروف المادية والاقتصادية والحضارية والذاتية التي هي المشروع وهو بالتعريف السلبي هو رفض الوسط. والرفض هنا لا يفيد معنى التدمير وإنما يفيد معنى التغيير، والمعنى الإيجابي هو ما يحتاج إليه الإنسان، والإنسان عندما يحتاج فإنه يتجه بالضرورة إلي ...... وهذا الاتجاه إلي هو فعل قيمته فيما سيحدثه من تغيير، والتغيير ينصب على الإنتاج لأن الإنتاج هو الطريق إلي إشباع حاجة الإنسان، ولابد أن يكون الإنتاج في مستوى أقل من الحاجة وإلا انقضى المشروع وبالتالي وجود الإنسان ومن هنا تنشأ فكرة الندرة و من فكرة الندرة تنبثق فكرة الصراع فالأشياء المنتجة عندما تكون نادرة ينشب الصراع بين بني الإنسان. الصراع هو إذاً هو محصلة الوسط والمشروع. الوسط موضوعي والمشروع ذاتي. والتداخل بينهما يمنع كل من الذاتية والموضوعية من أن تكون مطلقة، ويتبع ذلك السؤال: أين مكان الموضوعية من الذاتية؟ ويجيب سارتر بأن الذاتية هي حد وسط بين الذاتية والموضوعية لحظتين من لحظات الموضوعية. ولهذا يكون وظيفة الذات تغيير موضوعية قائمة من أجل تأسيس موضوعية جديدة. وهذا التأسيس إبداع، ومن ثم يمكن القول أن التاريخ هو الإبداع البشري .
تقويم:
وهكذا فإن سارتر استطاع ~أن يكشف الجدل كقانون نوعي يضبط حركة الإنسان (لا المادة كما ترى المادية أو كما ترى المثالية).
كما أنه استطاع أن يحقق الخطوة الاولى فقط في اتجاه تجاوز المادية والمثالية باسناده الجدل للإنسان، إذ أن تجاوز كل من المادية والمثالية يتم بإيجاد مركب يتضمن النقيض فيهما وهما (المادة ، المحدود) في المادية والفكر المطلق(المطلق) في المثالية غير أن سارتر استبعد المطلق من جدله الإنساني واقتصر في حديثه عن الفكر الإنساني وهو ما لم يكن هيجل يعنيه عند حديثه عن جدل الفكر.
كما أن سارتر- تحت ضغط الحضارة الغربية الفردية التي ينتمي إليها- ركز على علاقة الصراع في تفسير علاقة الفرد بالآخرين.
جدل الإنسان عند د. عصمت سيف الدولة:
تبنى د. عصمت سيف الدولة القول بأن الجدل قانون نوعي خاص بالإنسان ابتداؤً من 1965م كما في كتابه الأسس. ومضمون الجدل عنده (في الإنسان نفسه يتناقض الماضي والمستقبل ويتولى الإنسان نفسه حل التناقض بالعمل إضافة فيهما من الماضي والمستقبل ولكن يتجاوزهما إلي خلق جديد).
غير أنه يمكن القول أنه هناك رؤيتان لجدل الإنسان طبقاً لعلاقة المنهج بالميتافيزيقا:
الرؤية الأولى:
تنظر إلي منهج جدل الإنسان باعتباره كل قائم بذاته ومستقل عن كل ما سواه وبالتالي الدعوة إلي فصل الميتافيزيقا عن المنهج إستناداً إلي تفسيرمعين لبعض أقوال د. عصمت مثل قوله أن الفلسفة الإنسانية (ترفض اقتحام المقولات الميتافيزيقية على علم الاجتماع فتستبعد من مجال البحث فيه بالإجابة على السؤال أيهما وجد أولاً..) .
تقويم: إن رفض اقحام الميتافيزيقا على المنهج واستبعادها من مجال البحث فيه لا يعني فصل الميتافيزيقا عن المنهج بل يعني رفض الخلط (الدمج) بين الميتافيزيقا والمنهج، فكلا الموقفين مرفوض (الفصل والدمج) والموقف الحقيقي هو الموقف الجدلي الذي يقوم على الوحدة مع التمييز بينهما بأدلة منها أنه لم يدعو إلي استبعادها بصورة مطلقة (أي لم يدعو إلي الفصل بينهما).
هذه الرؤية رغم أنها تتجاوز الماركسية بإسناد الجدل للإنسان لا المادة الا أنها تنتهي إلي أحالة جدل الابسان إلي جدل المحدود مثلها والعلة وراء ذلك أنها تتفق معها في القول بفصل الميتافيزيقا عن المنهج وبالتالي استبعاد المطلق عن هذا الجدل.
وبالتالي لا يبقى إلا الرؤية الثانية للمنهج والقائمة على وجود شكلين من أشكال الجدل التكويني (جدل الإنسان) والجدل التكليفي (جدل الاستخلاف) والعلاقة بين الأخير والأول هي علاقة تحديد لا علاقة إلغاء. أي أن الجدل التكليفي (جدل الاستخلاف) لا يلغي الجدل التكويني (جدل الإنسان) بل يحده فيكمله ويغنيه أي يكون بمثابة ضمان موضوعي مطلق لاستمرار فاعليته فضلاً عن أن به تتحقق الخطوة الثانية لتجاوز المادية والمثالية أي يتحقق جدل المحدود والمطلق هذه الخطوة تتجسد عملياً في تخاذ المافاهيم القرآنية الكلية (التوحيد والتسخير والاستخلاف) (بما هي مبادئ ميتافيزيقية غيبية) مسلمات أولى للمنهج تحده ولا تلغيه ولهذا الموقف شرعيته في الفلسفة الغربية اذ أن المنهج بما هو الكشف عن القوانين (السنن) التي تحكم حركة الأشياء والظواهر والإنسان يقوم على التجربة والاختبار العلميين ولكنه في1 ذات الوقت يقوم على افتراضات سابقة على التجربة مثل الموضوعية والحتمية..
كما أن هذا لا يعني أن يتحول المنهج إلي منهج ميتافيزيقي بالمفهوم الغربي أي يتحول إلي البحث في مشاكل ميتافيزيقية، إذ المنهج بعد ذلك هو النظر في سنن الله تعالى في الطبيعة والمجتمع أي معرفتها والتزامها كي ننجح في تحقيق ما نريد "قد خلت من قبلكم سنن قل سيروا في الأرض فأنظروا كيف كان عاقبة المكذبين".
ويترتب على هذا أن هذه السنن الإلهية (التي تمثل الجدل التكويني) تحكم حركة الإنسان كونه إنسان، بصرف النظر عن كونه مسلم أو كافر كما يجوز أخذها من أي مصدر مادامت صحيحة أما المفاهيم القرآنية السابقة الذكر والتي تشكل المسلمات الاولى للمنهج (فلسفة المنهج) والتي تمثل الجدل التكليفي فمقصورة علىمن يؤمن بها (يسلم بصحتها). وهي من بعد لا تلغي معرفة والتزام الإنسان بهذه السنن الإلهية بل هي ضمان موضوعي مطلق لاستمرار هذه المعرفة وهذا الالتزام.
السنن الإلهية:
إن توحيد الربوبية قائم على إفراد الفعل المطلق لله تعالى (أي الفعل غير المحدود بأي فعل سواه وكل فعل سواه محدود به) وهذا الفعل المطلق المعبر عنه في القرآن بالربوبية يتجلى صفاتياً (أي يظهر ما دل عليه) في عالم الشهادة المحدود بالزمان والمكان في شكلين: تجلي تكويني من خلال السببية وفي شكل إلهية لا تتبدل تحكم حركة الأشياء والظواهر والإنسان. وتجلي تكليفي من خلال الوحي وفي شكل أوامر ونواهي يجب أي تحكم حركة الإنسان. غير أنه هناك نوعان من السنن الإلهية: سنن إلهية كلية تحكم حركة الوجود الشامل للطبيعة والإنسان. وسنن إلهية نوعية تحكم حركة نوع معين من أنوااع الوجود.
السنن الإلهية الكلية:
سنة الحركة:
فالفعل المطلق لله تعالى منزه عن الحركة في الزمان وكل وجود سواه من الأشياء والظواهر والناس ويخضع للحركة خلال الزمان. غير أن تنزيه الفعل المطلق عن الحركة خلال الزمان لا يعني وصفه بالسكون إذ السكون حركة قصرت حواسنا عن إدراكها.
وقد عرض القرآن لأشكال مختلفة للحركة في مواضع شتى منها:
(والفلك تجري في البحر يبما ينفع الناس، وما أنزل الله من ماء فأحيا به الأٌرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة، وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون).
سنة التغير:
والفعل المطلق لله تعالى منزه عن التغير في المكان وكل وجود سواه من أشياء وظواهر وبشر خاضع للتغير لذا عرض القرآن للتغير في مواضع عدة:
(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم).
(ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العقلة مضغة فجعلنا تعظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين).
سنة التأثير المتبادل:
والفعل المطلق لله تعالى منزه عن التأثر بغيره، وكل وجود سواه من أشياء وظواهر وبشر مؤثر في غيره متأثر به وهو ما يمكن استخلاصه من مفهوم الغنى والفقر بفالله تعالى غني وكل ما سواه فقير، وهذا الفقر نوعان فقر إلي الله تعالى وفقر إلي غيره من المخلوقات.
السنن الإلهية النوعية: الجدل:
بالإضافة إلي السنن الإلهية هناك السنن الإلهية النوعية أي التي تضبط حركة نوع معين من أنواع الوجود و السنة الإلهية التي تضبط حركة الإنسان وهي الجدل.
الجدل لغة: ورد الجدل في اللغة بمعنيين:
المعنى الأول: النقاش او الخصام (جدل الرجل جدلاً: خاصمه أشد الخصومة والجدل الخصام والجدل الخصام مع الناس، تجادل القوم تصارعواوتعادوا، وجادل ناقش بالحجج والأدلة "ها أنتم جادلتم عنهم في الحياة الدنيا"، "وجادلوا بالباطل" ، "وجادلهم بالتي هي أحسن").
المعنى الثاني: الفتل والضم (واصل المعنى في هذه المادة الفتل وضم شئ إلي ىخر. والمجول المفتول. ودرع مجدول أي محكم النسيج جدل الحبل جدلاً فتله فتلاً محكماً، جدل شعره فتله) .
الجدل اصطلاحاً: (أن يتقابل نقيضان أي أن يجتمعا في محتوى واحد وهذا التناقض يؤدي إلي صراعهما حتى يخرج منهما أي من باطن الشئ الذ1ي اجتمعا فيه شئ مختلف عنهما وبالتالي يعتبر بالنسبة إليهما خطوة إلي الأمام أو أكثر تقدماً) وعلى ها الوجه قال هيجل وماركس بقانون الجدل. فالمعنى الأول للجدل (الخصام) يقارب الجزء الأول من المعنى الإصطلاحي له (تقابل النقيضين وصراعهما) كما أن المعنى الثاني (الضم) يقارب الجزء الثاني من المعنى الإصطلاحي له (أن يخرج من الشئ الذي اجتمع فيه النقيضان شئ ثالث مختلف عنها وفي ذات الوقت يتجاوزهما كنقيضين ويؤلف بينهما).
الجدل التكويني: جدل الإنسان:
فإذا كان الجدل يعنى أن النقيضين في صراع دائم فقد عبر القرآن عن صراع النقيضين في الإنسان بالجهاد في الله أو جهاد النفس:
"والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا".
"وجاهدوا في الله حق جهاده".
في تفسير البغوي (.. قال عبد الله بن المبارك هو مجاهدة النفس والهوى وهو الجهاد الأكبر).
وفي تفسير القرطبي ( ... وقيل هو إشارة إلي امتثال جميع ما أمر الله به والانتهاء عن كل ما نهى عنه أي جاهدوا أنفسكم في طاعة الله وردها عن الهوى).
كما عبر القرآن عن الحل الرافض للوقوف إلي أحد النقيضين ويؤلف بينهما بالوسيطة والقوامة:
"وكذلك جعلناكم أمة وسطاً".
كما نجد لها الحل القرآني لمشكلة الإنفاق "والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكانوا بين ذلك قواماً".
وإذا كان جدل الإنسان أن حركة الإنسان ليست حركة ميكانيكية بل حركة جدلية تتم عبر ثلاث خطوات: المشكلة فالحل فالعمل، فقد عبر القرآن عن أولى هذه الخطوات (المشكلة) بما هي تعبير عن التناقض بين الواقع (الظروف) والغايات (المثل العليا) بمصطلح المسألة:
"يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس".
"يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول".
كما عبر الفقهاء عن ثاني هذه الخطوات (الحل) بما هي تعبير عن محاولة الغاء التناقض بين الواقع والغاية بمصطلح الحكم.
كما أشار القرآن إلي ثالث هذه الخطوات (العمل) بما هي تعبير عن الجهد الذي يبذله الإنسان لحل التناقض الواقع الغاية في الواقع.
الجدل التكليفي: جدل الاستخلاف
وهو كما ذكرنا سابقاً لا يلغي الجدل التكويني (جدل الإنسان) بل يحده (يقيده) فيكمله ويغنيه أي يكون بمثابة ضمان موضوعي مطلق لاستمرار فاعليته. فضلاً عن أن به تتحقق الخطوة الثانية لتجاوز المادية المثالية أي يبتحقيق جدل مطلق والمحدود وبيان ذلك أنه إذا كان النقيض في جدل الإنسان هما الواقع (الظروف) والغايات (المثل العليا) فإن النقيضين في جدل الاستخلاف (في الإنسان) هما المطلق والمحدود. ونعني بقولنا نقيضين في الإنسان أنه لا تناقض بينهما في ذاتهما بل التناقض يعني المساواة بين النقيضين في الدرجة والتوحيد يقوم على الفرق بين درجة الجود المطلق التي ينفرد بها الله ودرجة الوجود المحدود التي يختص بها سواه وبالتالي فإن رالعلاقة بين وجود الله ووجود سواه هي علاقة قيومية (تحديد) لا علاقة تناقض. لكن التناقض بين المطلق والمحدود في الإنسان وبالنسبة إليه، بيان ذلك فيا يتعلق بالمطلق أنه إذا كان التوحيد يقوم على أفراد الوجود المطلق لله تعالى، فإنه يجب التمييز بين درجتي الوجود المطلق: الأولى هي درجة الذات أي عين هذا الوجود المطلق والتي لا يتوافر للوعي الإنساني (إحساساً وإدراكاً وتصوراً) إمكانية شهودها.
والثانية هي درجة الصفات (أي ما دل على هذا الوجود المطلق) وهي تمزل من الوجود المطبق عن قيود الزمان والمكان (الغيب) إلي الوجود المقيد بالزمان والمكان (الشهادة) دون أن تخضع للتغيير يفي المكان أو التطور خلال الزمان. وبلاتالي لا يتوافر للوعي الإنساني إمكانية شهودها لا من خلال الوحي (لأنه هو عين هذا التنزيل وهي التي عبر عنها القرآن بأسماء الله الحسنى "ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها".فهي تمثل المطلق كما يتجلى للإنسان أي النقيض الأول في الإنسان.
أما فيما يتعلق بالمحدود فهو يتمثل في الواقع المادي المحود بالحركة خلال الزمان (يفلت بمجرد وقوعه من إمكانية الإلغاء) والوجود في المكان (جامد). غير أنه طبقاً لقاعدة الموضوعية يجب التمييز بين هذا الواقع الموضوعي المستقل عن وعي اٌنسان وغير المتوقف عليه والواقع كما يدركه الإنسان والأخير هو النقيض الثاني في الإنسان.
والمركب الجدلي للمطلق والمحدود الذي يتجاوزهما كنقيض ويؤلف بينهما هو الإطلاق.
وكون إطلاق هو مركب جدلي يعني أنه ليس تركيب ساكن للمطلق والمحدود بل هو اتساق الحركة الجدلية بينهما فكل درجة من درجات الإطلاق يحمل يفي ذاتها بذور تناقض جديد بين المطلق والمحدود لن يلبث أن يكون صراعاً يؤدي إلي انبثاق مركب جديد (هو درجة جديدة من درجات الإطلاق) وهكذا في سلسلة من الصعود الدائم لذا قرر القرآ أن الوجود الإنساني المتصف بالإطلاق في صعود دائم عبر درجات:
"يرفع الله الدين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات".
"ورفعنا بعضكم فوق بعض درجات".
كما قرر القرآن والسنة أن هذا الوجود الإنسان قائم على صراع المطلق والمحدود وهو ما عبر عنه بالجهاد في الله أو جهاد النفس: فيرون أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة تبوك قال :"رجعنا من الجهاد الأصغر إلي الجهاد الأكبر". وأورد أبن تيمية الحديث " المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله" .
كما قرر علماء أهل السنة أن الوجود الإنساني هو سير لا ينقطع إلي الله، يقول ابن القيم (فإن السك لا يزال سائراً إلي الله تعالى حتى يموت ولا ينقطع سيره إلا بالموت فليس في هذه الحياة وصول يفرغ معه السير وينتهي) .
وهذا الاتساق للحركة الجدلية يتم بتوافر النقيضان (في الإنسان) وهما المطلق والمحدود.
أما فيما يتعلق بالمطلق فإنه يتجلى للإنسان عندما تأخذ حركته شكل فعل غائي محدود (تكوينياً وتكليفياً) بالفعل المطلق (الربوبية) والغاية المطلقة (الإلوهية).
كما أن حركة الإنسان (التي تأخذ شكل فعل غائي) ليست حركة ميكانيكية، بل حركة جدلية تتم عبر ثلاث خطوات (المشكلة، الحل، العمل) يحددها المطلق ولا يلغيها:
فالمطلق لا يلغي الخطوة الأولى (المشكلة) بل يحددها بأن يحدد للإنسان نوع المشاكل التي يواجههتا وطرق العلم بها من خلال اتخاذ الله تعالى غاية مطلقة تحدد تصور الإنسان لغاياته ومثله العليا المحدودة في الزمان والمكان والنسبية فيهما ولا تلغيها. وبهذا تصبح هذه الخطوة (المشكلة) تعبير عن التناقض والصراع بين المحدود والمطلق (في الإنسان) كما أن المطلق لا يلغي ثاني هذه الخطوات (الحل) بل يحددها بأن يحدد للإنسان نماط الفكر الذي يصوغ هذه الحلول، وذلك بأن تكون الحلول التي يضعها الإنسان لمشاكله المتطورة خلال الزمان المتغيرة في المكان حدود (تكليفياً) بالقواعد اليقينية الورود القطعية الدلالة التي وضعها الوحي لحلها، كما هي محددة (كوينياً) بالسنن الإلهية الكلية والنوعية التي تضبط حركة الفكر (المنطق) وتحول الطبيعة وتطور الإنسان. وبهذا تصبح هذه الخطوة (الحل)محاولة لحل التناقض بين المحدد والمطلق في الإنسان.
والمطلق أيضاً لا يلغي آخر الخطوات (العمل) بل يحددها بأن يحدد للإنسان أسلوب العمل الذي يحقق هذه الحلول وهو ما يتحقق عندما يكون العمل بما هو فعل (محدود) بالفعل المطلق لله تعالى (الربوبية) كما يتجلى (تكليفياً) في القواعد الآمرة الناهية التي عبر عنها القرآن بالحدود لأنها تحد الفعل الإنساني ولا تلغيه: "تلك حدود الله فلا تقربوها"، "ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون". وكما يتجلى تكوينياً في السنن الإلهية التي تضبط حركة الإنسان. وبهذا تصيبح هذه الخطوة (العمل) الجهد الذي يبذله الإنسان لحل التناقض بين المحدود والمطلق في الواقع.
أما كيف تنسق الحركة الجدلية بعد هذا فإن العمل بما هو فعل يهدف إلي حل التناقض بين المحدود والمطلق في الواقع غيير أن هذا الواقع يمثل المحدود أي النقيض الثاني في الإنسان، وبالتالي ينشأ تناقض جديد وصراع جديد بين المحدود والمطلق يؤدي إلي انبثاق مركب جديد (أو درجة جديدة من درجات الاطلاق)، وهكذا في سلسلة من الصمود الدائم هذا الاتساق للحركة الجدلية هو الاطلاق،


وللاطلاق وجهان: سلبي وإيجابي.
فعلى المستوى الذاتي نجد أن الوجه السلبي يتمثل في تحرير الذات من الغايات المطلقة الزائفة وهو ما عبر عنه القرآن باجتناب الطاغوت. فاتخاذ الطاغوت هو عملية تقوم الذات بموجبها بتحويل غاية محدودة (فعلاً) إلي غاية مطلقة (لأن التصور لم يتصل بالمستقبل الذي يتخطاها والطاغوت بما هو كذلك قد يعد الذات بإمكانيات محدودة للتطور لكن لابد أن يأتي وقت يستنفذ فيه هذه الإمكانيات ويصبح بعدها معوقاً للتطور لأنه في واقع الأمر إلا مر غاية محدودة بالزمان والمكان وبالتالي تخضع للتغير في يالمكان والتطور خلال الزمان.
أما الوجه الإيجابي فيتمثل في أن اتخاذ الله تعالي غاية مطلقة يمد الذات بإمكانيات غير محدودة للتطور لأنه لا تتوتفر للذات الإنسانية إمكانية التحقيق النهائي فضلاً عن تحاورها.
أما على المستوى الموضوعي فإن الوجه السلبي للاطلاق يتمثل في تحرير الفعل الإنساني من أي فعل مطللق زائف وهو ما عبر عنه القرآن بالاستكبار، فالاستكبار هو أن اسناد الفعل المطلق لسواه تعالى وهو ما يؤدي إلي إلغاء فعل الآخرين وبالتالي إلغاء المساواة بين الناس ونشؤ علاقة دات طرفين المستكبر والمستضعف.
أما الوجه الإيجابي فيتمثل في أن اسناد الفعل المطلق لله تعالى يثمر إطلاق الفعل الإنساني أي يمده بإمكانيات غير محدودة للتطور كما أنه ضمان موضوعي مطلق للمساواة بين الناس






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,582,206,786
- ماهي البراجماتية؟
- قراءة في وعي النخبة - سجالية العقل العربي
- في علم الكلام –المعتزلة (ثورة العقل )
- النبي المسحور! وعقلية النقل المشوهة!!
- الجاحظ فقيه الفلاسفة - قراءة في وعيه ومجتمعه..
- !مفهوم الهيمنة الثقافية
- علم الكلام عند المعتزلة – وعلاقة الدين بالمجتمع
- ما بين إسماعيل وإسحق - من هو الذبيح؟!
- سياحة تاريخية - قبيل الإسلام كقبيلة...
- الوعد البرغماتي في جنة النعيم!
- غلمان جنة النعيم!!
- أيوعدنا ابن كبشة أن سنحيا!!! - زنادقة قريش
- ثقافة النوع في عرف النص الديني!!
- الحنفاء - أنبياء الإسلام في الجاهلية!!!
- أثر تعاليم الصابئة في التعاليم الإسلامية‍‍؟؟
- عزرائيل أو أهرمن - قراءة في تأثيرات الزرادشتية في الإسلام 3
- النور المحمدي أم نور (يمه خشائته) الزرادشتي ؟ قراءة في تأثير ...
- المعراج المحمدي أم معراج أرتاويراف نامك الكاهن المجوسي؟؟؟
- ميكافيلية الإسلام‍‍‍ّ
- الكعبة أو البناء المكعب ( بيت الآلهة) - قراءة في تأثيرات الج ...


المزيد.....


- الفاشية واللغة المغتصبة / سعد محمد رحيم
- احلام اليقظة ..تسوية موفقة ام انسحاب انهزامي!! / اسعد الامارة
- الانسان المعاصر والمحددات المعرفية / لمسلم رشيد
- هادي العلوي: وحدة اللقاحية والمشاعية الشرقية 10 من 11 / ميثم الجنابي
- مجتمع القردة و المقاربة الفكرية / نور الدين بازين
- هادي العلوي: المثقفية والابعاد الروحية والحضارية 9 من 11 / ميثم الجنابي
- بين وحدة الحقيقة وقيود الأفكار / علي آل شفاف
- وبنية أمتنا العقلية A.B.C نظرية / سيد يوسف
- هادي العلوي - المثقفية والابعاد الاجتماعية والسياسية -8 من 1 ... / ميثم الجنابي
- التوافق المهني انعكاس للتوافق النفسي / اسعد الامارة


المزيد.....

- ناشطون سوريون: الضربات استهدفت عشرات المقار لداعش بالرقة ودي ...
- عمّان تؤكد مشاركتها في عملية ضرب داعش في سوريا والجهاديون لـ ...
- شاهد لحظة إطلاق البحرية الأمريكية صواريخ توماهوك على داعش
- وفد فلسطين: إرجاء المفاوضات لبعد الأعياد
- الروبل يتقدم أمام الدولار بعد ارتفاع أسعار النفط عالميا
- الحكم على مفكر بارز من الأويغور بالسجن المؤبد في الصين
- المتحدث باسم الحوثيين: لا نخدم أجندات خارجية
- بالفيديو من أمريكا.. المعجبون في انتظار القطة -ليل بوب-
- البورصات الأوروبية تتراجع اليوم بفعل البيانات السلبية
- طرفا الأزمة الأوكرانية يباشران سحب الأسلحة الثقيلة في مناطق ...


المزيد.....

- اسرار الوجوه في التعامل مع الاخرين / احمد رياض
- في الأسس الفلسفية للسميولوجيا جدل المربع والدائرة / بتول قاسم ناصر
- نيتشه : مولد المأساة من روح الموسيقى / عادل عبدالله
- وقائع موت الشعر في فلسفة هيجل 2 / عادل عبدالله
- موت الشعر في فلسفة هيجل / عادل عبدالله
- الكتابة بوصفها خلاصا من الكتابة - مقاربة شعرية لفهم (اختلاف) ... / عادل عبدالله
- سوسيولوجيا بورديو النقدية : قضايا واشكاليات / عصام العدوني
- السرطان : جدل الوجود بالقوة والوجود بالفعل / بتول قاسم ناصر
- الرأسمالية .. وأزمة العلم / محمد دوير
- شبح ماركس ورعب نهاية التاريخ / معن الطائي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - مختار العربي - في سبيل منهجية جديدة للجدل - الجدل من منظور معرفي