أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - بلال عوض سلامة - سوسيولوجيا الكتابة بالحمام: تحليل مضمون كتابة ورسومات المراهقين في حمام المدارس الثانوية















المزيد.....



سوسيولوجيا الكتابة بالحمام: تحليل مضمون كتابة ورسومات المراهقين في حمام المدارس الثانوية


بلال عوض سلامة

الحوار المتمدن-العدد: 4777 - 2015 / 4 / 14 - 11:06
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


سوسيولوجيا الكتابة بالحمام:
تحليل مضمون كتابة ورسومات المراهقين في حمام المدارس الثانوية

د. بلال عوض سلامة
ملخص البحث
هدفت الدراسة الحالية التعرف على مواضيع ومضامين الكتابة في حمامات مدارس محافظة بيت لحم الثانوية، والتعرف على الفروق في الكتابة والرسومات من حيث الكمية والمحتوى على أساس النوع الاجتماعي والتجمع الجغرافي (الريف الشرقي والغربي ومنطقة الوسط)، ومن جانب آخر التعرف على رأي واتجاهات الاخصائيين حول الكتابة في الحمام، ومن أجل تحقيق هدف البحث الحالي، تم الاعتماد على المنهج الوصفي الكيفي والكمي في وصف وتفسير الكتابات والرسومات في الفترة الممتدة بين 2012-2013، وذلك من خلال الاعتماد على اسلوب تحليل المضمون للكتابات في الحمامات والمقابلات مع الاخصائيين الاجتماعيين، وشكلت وحدة الاهتمام والمعاينة للبحث :الكتابات والرسومات الموجودة في(40) مدرسة ثانوية في محافظة بيت لحم موزعة (20 حمام للاناث و20 حمام للذكور) ، وقام الباحث بتطوير مقابلة مقننة، هدفها تقصي مواقف وآراء وتفسيرات 36 من الاخصائيين الاجتماعيين للكتابة، والعاملين في تلك المدارس.

وبعد جمع المعلومات وتحليلها تبين وجود (558) كتابة و(78) رسمة، تم تحليلها على أساس المواضيع التالية(رياضة، مسبات واهانات، سياسة، حضور وتفاعل، مشاعر تجاه المدرسة والاساتذة، مشاعر الحب والرومانسية، شعر وفلسفة، الجنس والجنسانية)، وخلصت الدراسة إلى وجود فروق من حيث الكمية ما بين الذكور والاناث لصالح الذكور، بواقع (64.9%) للذكور بمقابل (35.1%) للاناث، ومن حيث الكيفية توصل البحث إلى أن كتابة الإناث أكثر أدباً وانسجاماً مع القيم والثقافة والتقاليد أكثر من الذكور، التي عبرت فيه كتاباتهم عن عدوانية أكثر، إلى جانب استخدامهم ألفاظ نابية حتى في المجالات السياسية والرياضة، والتعبير عن مشاعرهم تجاه المدرسة والمدرسين، ومن جانب آخر وجدت فروق في مجال التعبير عن المشاعر والرومانسية لصالح الاناث بواقع (34.7%) للاناث في مقابل (6.4%) للذكور. وأيضاً في مجال الرسومات كانت نسبة رسوم الاناث لقلب الحب = 65.9% في مقابل 37.8% للذكور، جميعها كانت لصالح الإناث، وهذا يؤكد على ان الذكور في المواضيع العاطفية وأية كتابة حول المشاعر او حتى رسم قلب حب: هم اقل قدرة على التعبير عن مشاعرهم العاطفية والرومانسية، باعتباره نوع من كشف الذات والمصارحة، وهي قيم لا تنسجم مع القيم العربية الفلسطينية التي تؤكد على صرامة الرجل "الذي لا يبكي ولا يبوح بعواطفه" من حيث التربية، وبالتالي أقل ميلاً للبوح عن المشاعر والعواطف والاحاسيس في مقابل سماح الثقافة للاناث بذلك، وذلك لكون الحب عند الذكور إشارة تنم عن الضعف، والذي له علاقة بكشف الذات، الأمر الذي يشكل خطورة على صورتهم من المنظور الثقافي، وهو توجه ينسجم بصورة أو باخرى من الأدوار القائمة على النوع الاجتماعي في المجتمع الفلسطيني والمطلوب من المرأة ان تكون حساسة وعاطفية أكثر من الذكور، و ان على طبيعة التربية التي تصقل الفتاة بحساسية، يكون من اليسير عليها كشف ذاتها ومشاعرها أسهل من الذكور، وتنمط من المجتمع باعتبارها "كائن حساس" وعاطفي.

والفجوة تزداد او تتقلص بين الذكور والاناث حسب نتائج البحث الحالي باقترابه او بابتعاده مع طبيعة ونمط التربية والثقافة المهيمنة التي يتلقاها كل منهما، فعلى سبيل المثال الفجوة بسيطة فيما يتعلق بالمسبات والاهانات، فنسبة الذكور في هذا الموضوع هي (17.4%) من الحجم الكلي لكتابات الذكور، في مقابل (14.3%) من الحجم الكلي للاناث. ولكن حين بحثنا في نوع المسبات واستخدامها لالفاظ وكلمات نابية، فإن الفجوة تزداد، فشكلت ما نسبته (81%) من المسبات المستخدمة لالفاظ نابية للذكور من الحجم الكلي، في مقابل (32.1 %) من حجم المسبات المستخدمة من قبل الاناث لالفاظ نابية، حتى تلك الكلمات المستخدمة من قبل الاناث كانت بسيطة، وليس بها كلمات عنيفة، أو ذو مدلول جنسي.

وفيما يتعلق بـ الفروق على أساس التجمع الجغرافي، فأشارت نتائج تحليل المضمون على أن مساهمة منطقة الوسط من مدارس محافظة بيت لحم كانت أكثر التجمعات انتاجاً في الكتابة على جدران الحمام والرسومات أيضاً، حيث وصلت نسبة كتابة منطقة الوسط على جدران الحمام (50.3%)، ثم الريف الشرقي(27.2%)، وأخيراً الريف الغربي بنسبة (22.4%)، وينطبق نفس الحديث على انتاج الرسومات فقد شكل حجم الرسومات في مدارس منطقة الوسط ما نسبته (57.5%) ثم الريف الشرقي بنسبة (28.8%)، واخيراً الريف الغربي بنسبة قدرها (13.8%).

يعود ذلك حسب وجهة نظر الباحث إلى ان مدارس منطقة الوسط من المحافظة تشهد تنوع ثقافي واجتماعي أكثر من المناطق الريفية الغربية والشرقية، والتي تتسم بالمحافظة وعدم الانفتاح النسبي، الذي تشهده منطقة الوسط، إلى جانب التنوع الجغرافي (مخيم، قرية، مدينة) في مدارس منطقة الوسط، ذلك التنوع يخلق تنوعاً في الاتجاهات والمواقف والتصرفات وبالتالي الاحتياجات، وهذا ما لا تشهده المدارس في الارياف، وأخيراً أن المدارس المختلطة (2 من اصل 3 هي موجود بمنطقة الوسط)، وحسب ملاحظاتنا الميدانية والمقابلات مع الباحثين الاجتماعيين في المدراس أشاروا إلى ان المناطق الريفية والقروية لا تشهد كتابات كثيرة، وذلك يعود إلى صرامة الرقابة من قبل ادارة المدرسة التي تشدد على المعاقبة لمن يرتكب اية مخالفات وبما فيها الكتابة على جدران الحمام.

واخيراً فيما يتعلق باتجاهات وآراء الاخصائين الاجتماعيين في موضوعة الكتابة في الحمام، فلقد اتقفوا بما نسبته (72.2%) من حجم العينة على أن الحمام يشكل المكان الآمن والسري للتعبير عن مشاعرهم التي تتناقض مع الثقافة والقيم المجتمعية، وبالتالي يلجأ المراهقون إلى الكتابة في الحمام لعدم سماح المجتمع بالتعبير عن مشاعرهم واتجاهاتهم، إلى جانب افتقاد التربية العربية الفلسطينية إلى عنصر الثقافة الجنسية التي تقوم على توعية المراهقين بصورة علمية لاحتياجاتهم، وبالتالي التعبير عنها بصورة سليمة.






















تمهيد:
لماذا الظواهر المنسية "الكتابة في الحمام"؟
درج المختصون في مجال الكيمياء البشرية إلى دراسة المجتمعات والظواهر المحيطة بها، بأبعاد وتفسيرات متنوعة ومتناقضة، وبالرغم من اختلاف المنطلقات النظرية تلك، في فهمهم للظواهر الاجتماعية المحيطة بالبشر، إلا ان ما يجمعهم هو الاتفاق على حركية المجتمع وعدم سكونيته -كان نسبياً او مطلقاً-، فنستطيع القول بنسبية المعرفة، والتي هي إحدى أهم انجازات ما بعد الحداثة ونظرياتها، التي أخذت بالاقتراب إلى المجتمعات والظواهر الصغيرة، وعدم ميلها إلى التعميم والمماثلة، فكان من أهم إسهامات المدرسة التفاعلية الرمزية في فهم الظواهر الاجتماعية، هو تسليط الضوء والاهتمام أكثر بالظواهر والأنشطة الصغيرة في المجتمع: الفعل والفاعل الاجتماعي في محيطه الصغير، باعتبارهما تجسيدات للبنى الثقافية والقيمية والاجتماعية التي تهيمن على المجتمع الكلي.

واذا اتفقنا أن العالم الذي نعيش هو مجموعة من العلامات والرموز(بوعزيزي، 2010)، ابتداءاً من سلوكنا في دخول الحمام واستخدامه، حتى في ممارستنا السياسية وطريقة هتافنا باحتجاج سياسي، ننتظر هنا، من يقوم بتفسير تلك الممارسات باعتبارها مجموعة من العلامات تحمل في داخلها معاني صريحة او ضمنية عن معنى معين يسعى الفاعلون اليه، وبهذا، فبالإمكان التعامل مع الفاعل والفعل الاجتماعي باعتبارهما نصاً اجتماعياً قابل للفهم والتحليل، وذلك من خلال ربطه مع القيم والأنساق الاجتماعية والثقافية الكبرى من حيث الانصياع أو الإذعان أو حتى التماهي معها، وبنفس السياق، التمرد عليها في سياقات وبمسلكيات معينة تتعارض بل وتنتهك القيم الثقافية والاخلاقية الكبرى في المجتمع.

فتصبح المسلكيات الهامشية والصغرى وحتى التي يعتقد أنها تافهة في حكم البعض، مهمة لأنها تشي بالمعايير التي تحكمها لتجد لها مكاناً يعبر عنها، ولأن حياة الفاعل اليومي في واقعه المعاش يتم التعبير عنه عبر الضغوطات، والنزاعات.. والأزمات نتيجة تعارض تلك البنى القيمية والثقافية مع حاجات وتطلعات الأفراد فيها(حمدوش،2012: 119-120)، فلا يجد الفرد في المجتمعات العربية والأبوية إلا أن يقوم بالتحايل والتواطؤ والكذب ليحافظ على نفسه، ويلبي احتياجاته في بنية تقليدية مثقلة بالأعباء وبشحنات قمعية تكبت الأفراد في التعبير عن حاجاتهم ومواقفهم، هي نفسها التي ترفضها الثقافة العربية المهيمنة؟، فيبحث الفرد عن مكان يختبئ فيه، ويعبر عن أعماقه، وتوجهاته وقيمه التي يرفضها المجتمع، وبالمناسبة هي مسألة تعلمية تعميمية مرتبطة بنمط التنشئة، فإذا ضربنا مثال الطفل الصغير الذي يريد أن يقضي حاجته خارج المنزل وهو برفقة والدته، تتنظر الأم مكاناً خالياً من المارة لتسمح له بذلك، وقد يصادف أن يوبخ الطفل بنفس المكان والسلوك لوجود مارة بالقرب منه، هنا يبدأ الطفل بالتعلم ومن ثم التعميم: أن السلوك الذي قد يرفض أمام الناس وهو "عيب" نستطيع القيام به بعيداً عن أنظارهم؟.

وللتمحيص أكثر في التناقضات المسلكية للفاعلين بتحايلهم على القيم المجتمعية هو سلوك رجل عربي تقليدي يرفض أن تتحدث زوجته مع رجال من خارج اطار القرابة، وصدفت أن زوجته تستطيع أن تقضي له أمراً من طرف علاقاتها في العمل، فيقوم هو بدفعها للاتصال أو الحديث مع ذلك المسؤول لوقت مطول، وحديث اجتماعي يتخلله الضحك والممازحات، دون أن يؤثر على قيمه الرافضة للاختلاط، ما أريد قوله هنا، أن المجتمع في حالة متغيرة بعيدة كل البعد عن الانساق الثقافية والتي قد تبدو وكأنها ثابتة نسبياً، فدراسة التناقضات والمسلكيات والظواهر والتي قد تبدو للوهلة الأولى انها غير مهمة ومهملة تعبر عن حالة التغيير الثقافي والقيمي، ومؤشر مهم لطبيعة القيم والثقافة التي تحكم سلوك هذا المجتمع أو ذاك.

فظاهرة الكتابة على الجدران هي ظاهرة عالمية، يكاد لا يكون هنالك مجتمعاً وتخلى "بيوت الراحة" المطاعم والمنتزهات والباصات، الجدران...الخ من الشعارات والكتابات والرسومات والرموز والمقولات، منها ما تعبر بصورة أو بأخرى عن خطاب واضح ومباشر أو مستتر و مرفوض أو مأمول من المجتمع، ـومشاعر ورغبات تتناقض مع المنظومة الأخلاقية التي تحكمها، بغض النظر عن ثقافته أو الديانة التي يدين بها، لقد استطاع الغرب أن يطرق باب هذه الظاهرة من حيث البحث والتفسير في مراحل مبكرة من القرن الماضي متمثلة في دراسة (Kinsey, Pomeroy, Martine & Gebhard, 1953) في تفسيرهم للنزعات الجنسية والجنسانية و الفروقات في الكتابة ما بين الذكور والاناث في الحمام، في حين درسها خافيير باعتبارها نوع من آليات الاتصال(Munoz, 2010)، وذهب آخرون لاعتبارها معيار دقيق للتنشئة الاجتماعية بارتباطها بالثقافة والتغيير الاجتماعي (Stoker, Dutcher, Hargrove & Cook,1972)، وذهب آخرون (Kody,2006-;- Bates & Martin,1980) لدراسة الكتابة بالحمام باعتبارها مؤشرات دقيقة للرأي العام والاتجاهات المجتمعية نحو قضايا متعددة.

اما فيما يتعلق بالعالم العربي ومدى اهتمامه بهذه الظاهرة فانها تكاد تكون منعدمة، ومجال تناولها لا يطمح إلى دراسة المشكلات الاجتماعية او سبر غورها، بتحليل الشعارات الجلية في الشوارع والاحياء الفقيرة، فلذلك ذهب عويس (2000) في كتابه "هتاف الصامتين" إلى تحليل الشعارات الموجودة على هياكل السيارات في الشوارع ليعبر عن ثقافة الخوف في المجتمع المصري والاحياء المهمشة، ودرس (محمد ومحمد، 1994) مضمون الكتابة على الجدران آبان الانتفاضة الأولى وتنوعاتها السياسية والدينية، وكانت هنالك دراسة جادة حول تحليل مضامين الكتابة على جدران الحمام من بعد استقصاء النزعة العصبية والقبلية في المجتمع الاردني، من خلال تحليل مضمون الكتابة في الحمام(الحميدي،2009)، أما العنزي (2010) فقد قام باستطلاع رأي الطلبة في مثل هذه الظاهرة وحول الدوافع والاسباب وراء هذه الظاهرة، والتي اعتبرها ظاهرة غير حضارية يجب ايقافها، وبالمناسبة جميع من تطرق للكتابة في الحمام من مقالات او دراسات تعامل معها باعتبارها ظاهرة غير صحية ومرضية (حسين، 2011؛ العنزي، 2010؛ حيوك، 2007)، لأنها تخدش الحياء العام وتتناقض مع القيم والعادات والاخلاق العربية، وبالرغم من ان مقالة حيوك كانت جيدة في تقسيم المواضيع التي احتوتها الكتابات إلى (عصيان وتمرد، كبت جنسي، ناجمة عن القهر الاجتماعي، حب وغزل) إلا انها رأت فيها ظاهرة "مخلة وغريبة وسلبية".

ولهذا نعتبر ان ظاهرة الكتابة على جدران الحمام هي من الظواهر المنسية والمسكوت عنها في المجتمعات العربية، باعتبار أن بعض الكتابات فيها من القضايا العامة التي تحكم سلوك البشر، مثل: الجنس والدين والسياسية، والتي تعد من التابوهات " المحرمات" الحديث عنها أو المساس بها، وهي نفسها التي تشكل المرجعة الاخلاقية والقيمية في العالم العربي. ولهذا فإن بحثنا جاء ليفج غشاء بكارة الممنوعات في المجتمع لا على أرضية المواجهة العمياء، بقدر ما تتعامل مع اي ظاهرة اجتماعية كحقل اجتماعي قابل للبحث والتنقيب عنه بصورة علمية، بعيدة كل البعد عن التنميطات والمحرمات التي تكلس عقولنا وتغفلها وتغلفها عن الاعتراف بأنها مكون أساسي من الثقافة الشعبية وتعبير عن ظواهر ومشاكل اجتماعية لا بد من فحصها واظهارها إلى العلن.

الكتابة على الجدران: ما بين الماضي والحاضر
إن سلوك الكتابة على الجدران هو عبارة عن سلوك قديم، قدم الانسان، يرجعه المتتبعين إلى حياة الانسان البدائية في عيشه في الكهوف(Bates & Martin, 1980-;- Othen-Price,2006 ) والتي تشير إلى رسومات او خرتشات او خدوش في الجدران، كان الهدف من وراءها هو ارسال رسائل أو كتابة تاريخ معين، وبالمحصلة تلك الكتابات تركت بصمة لشعب معين لطريقة حياته أو طقوسه و معتقداته، ورغم ان كاتب تلك الشعارات مجهولاً، إلا انها ما زالت تخبرنا عن شعوب وحضارات قديمة، في مصر، واليونان والرومان، في حين تفسر الكتابات القديمة في ايطاليا "Pompeii" أن "الرجل او المرأة يريدوا أن يعلنوا عن وجودهم أو انهم كانوا موجودون هنا، ولهذا لا نستغرب أن موضوع الحب كان من أكثر المواضيع تداولاً" (Bartholome & Synder, 2004: 87).

يرجع استخدام مصطلح الكتابة على الجدران "Graffiti" إلى الاسم المشتق من اللغة اليونانية "Graphein" والتي تعني "يكتب"، أما في وقتنا الحال فقد أصبحت تستخدم للدلالة على أية كتابات، رسومات، صور على الحيطان(Matthews, Speers & Ball, 2012) أو رموز تشير لأي قضية بغض النظر عن الدافعية من وراء الكتابة تلك، كان ذلك في الاماكن العامة أو الخاصة.

وفيما يتعلق بتصنيفات الكتابات الحديثة على الجدران، التي قد نستطيع مشاهدتها في أي مكان في العالم، فيتعامل معها (Anderson & Verplanck, 1983) باعتبارهما مقياس اجتماعي حساس للأحداث الاجتماعية(Bartholome & Synder, 2004: 87) والتي تم تصنيفها إلى 3 تصنيفات كما وردت في دراسة ليان (Lian, 2009: 19)، كما ياتي:
1. كتابات السياح: والتي توجد على الطاولات، والأشجار، وعلى النصب التذكارية، والجسور، وتحتوي أكثر بقليل على الأسماء، والتواريخ، وتعبيرات بسيطة، ويعتقد أن هذا النوع من الكتابات أقدم نوع من الكتابة كما هو حال الكتابة في الكهوف.
2. الكتابات داخل المدينة: تأخذ 3 اشكال أ. لغة خاصة يستخدمها الشلل والمجموعات الشبابية في احيائهم التي يعيشون فيها وعادة تكتب بأسماء مستعارة. ب.كتابات قامت بها عصابات لتحدد مناطقها في المدينة. ج. "ملك الجدار" حين ترسم الاسماء على القطارات والباصات وغيرها من الأسطح المختلفة.
3. الكتابة في الحمامات: أو " Latrinalia" ويعد الباحث دوندس أول من صاغ المصطلح بدراسته (Dundes,1966:91) والتي تشير إلى الكتابة في الحمامات العامة في اي مكان بالعالم.

ما يهمنا هنا، هو التصنيف الأخير، الذي عبر عنه بعدة مصطلحات: كتابة "بيت الراحة" ، "الحمام"، أو فيما يعرف بالثقافة العربية بـ "بيت الخارج" لما تمثله الكتابة من خصوصية، ومجهولية تضمن السرية، خصوصاً للذين يبحثوا عن مكان ليهربوا من الضغوط الاجتماعية والبوح بها، ولكونها تمثل المكان الآمن الذي يضمن عدم تعرضهم للتوبيخ أو الرفض لبوح أفكار تتناقض مع القيم الثقافية والاخلاقية والتنشئة الاجتماعية التي تحكم المجتمع، وأخيراً، أنها تعطي أكثر مصداقية أكثر للكاتب منها لدى الباحيثن المؤلفين الذين يخرجون الأفكار بصورة جميلة.

وبالرغم من انطلاق ثورة الاتصالات والمعلومات، ووجود شبكات التعارف الاجتماعي، للحديث أو ارسال رسائل لمن يريد الفرد في العالم، حيث وصل مستخدمي الفيسبوك في العالم العربي ما يقارب(45,194,542) وقرابة (2,172,565) الناشطين على برنامج تويتر لعام 2012 (السيد،2013)، الا انها ما زالت لا تغني عن الكتابة في الحمام، ما عدا تلك البرامج للمحادثة والدردشات التي باستطاعة الفرد اختيار اسماء مستعارة وحسابات للبريد الالكتروني لاسماء نكرة، لانها تلعب نفس الدور في المجهولية وغياب الرقيب عن الفاعل الاجتماعي، ولكن إذا امعنا النظر في الشبكات الالكترونية نجدها في هذا المجال ما هي إلا استمرارية للكتابة على الجدران، فمثلاً "Wall" "tag" "like" "comment" في شبكات الاتصال، ما هي الا تطور لمصطلحات وكتابات الكهوف ولكن على شاكلة الكتابة الرقمية.

وجانب آخر من المهم العروج عليه، إن الكتابة في الحمام تعبر عن ثقافة وخطاب مخفي ولكنه يعكس بصورة أو بأخرى المواقف والاتجاهات "الجنسية والسياسية والاجتماعية" وتعكس مشاعر الحب والكره والغضب والسخط والرومانسية" جميعها في مكان واحد، وبهذا تشكل لنا دراسة الشعارات والكتابات في الحمام فرصة لدراسة المجتمع من قاع المدينة، من غرف الحقيقة والاحتياجات المباشرة والمواقف الحادة لشريحة المراهقين في المجتمع الفلسطيني، وأهم المواضيع التي يتم التعبير عنها داخل بيت الراحة.
الدراسات والبحوث السابقة
إن استعراض الدراسات التي تناولت تحليل المضمون لموضوعة الكتابة في الحمام تعد فريدة للبحوث الاجتماعية والإنسانية، ويرجع ذلك لكون المادة الخام صريحة ومتوفرة بغض النظر عن الذي قام بصياغتها أو إنتاجها، وبذلك لن يتم التأثير على المبحوثين من قبل الباحثين، كونهم مجهولين وغير قابلين للتعقب، فالكتابات الذي ينتجها مجهولين تكون أكثر حقيقية وأصيلة عن تلك التي تنتج ومؤلفيها كتاب معروفين، وبغض النظر عن المواقف والاتجاهات التي حملتها وتحملها تلك الشعارات إلا أن الباحث يتعامل معها بمستوى عال من التقبل والتفهم في سبيل فهم موضوعي لمحتوى الظاهرة المبحوثة، وحتى يستنى لنا استعراض الدراسات والبحوث السابقة بصورة سلسة ومنظمة، سنقوم بتصنيفها إلى عدة مداخل، علماً بانه قد تتقاطع الدراسة الواحدة مع أكثر من مدخل، ولكن من قبيل تنظيم الأفكار، سنقوم بتقسيمها إلى ما يأتي:

أولاً: الاختلافات ما بين الجنسين؛ الكمية والمحتوى والجنس
درجت الدراسات الأولى في تحليل مضمون الكتابة في الحمام، بالاستناد إلى تساؤل اساسي يدور حول وجود فروق بين كتابات الذكور والاناث في الحمامات من حيث الكمية والمحتوى والمواضيع المتداولة والفرق بينهم، وعليه سنقوم باستعراض لأهم تلك الدراسات.

تعد دراسة كنسي وشركاؤه(Kinsey et al.,1953) من أهم الدراسات المميزة والرائدة التي حللت مضمون الكتابة في الحمام، والتي ما زال تأثيرها بشكل عميق على الدراسات التي تلتها حتى اللحظة، كما هو حال البحث الحالي، حيث ركز كنسي على الكتابة ذات المحتوى الجنسي في الحمام، والفروق بين الذكور والاناث من حيث حجمها والمواضيع التي تطرقت لها، حيث توصلت الدراسة إلى أن كتابة الذكور في الحمام كانت أكثر بكثير من كتابات الإناث، وطبيعة كتابات الإناث ذات محتوى رومانسي، في المقابل، كان محتوى الكتابات للذكور ذات بعد جنسي وإثارة جنسية.

ومن اجل التأكد من استمرارية الفروق بين الجنسين في دراسة (Kinsey et al..,1953) ولفحصها قام كلاً من فير وجوردون(Farr & Gordon,1975) باجراء دراسة للتـأكد من أن الفجوة ما زالت قائمة أم لا؟، فلقد أجروا دراسة في ولاية بنسلفانيا على 24 حمام رجال ونساء توزعت على المطاعم، والمسارح، محطات تعبئة الوقود، وغرف الغسيل، فأفادت الدراسة بعدم وجود اختلافات كبيرة في الكتابات بين الذكور والاناث، وخلصت نتائج البحث إلى أن هنالك ازدياد في نسبة الكتابة في حمامات الاناث، فقد ارتفعت النسبة من 25% إلى 44%، أي من الثلث كما كانت دراسة كنسي وزملاؤه (Kinsey et al.,1953) إلى حوالي النصف في دراسة (Farr & Gordon,1975)، ومن جانب وجدت نتائج الدراسة أن النساء تكتب أقل فيما يتعلق بمراجع جنسية من الذكور، وقد تم عزو ذلك إلى كون أن القيم المجتمعية تمارس ضغوطاً اجتماعية على الذكور والتأكيد على فاعليتهم الجنسية، في حين تؤكد القيم على خضوع النساء للمرجعية الاخلاقية اكثر من الذكور.

وذهبت دراسة أرليك وزملاءه (Arluke, Kutakoff & Levin, 1987) للتساؤل حول احتواء كتابات الاناث في الثمانينيات من القرن الماضي لشعارات جنسية أكثر من السبعينيات، انطلاقاً من التساؤل: هل لغة النساء اقل قبولاً من الناحية الاجتماعية ما بين الثمانينيات والسبعينيات؟، ومن أجل الاجابة على هذا التساؤل، قام أرليك وزملاءه بجمع الكتابات في الحمام من خمس كليات وجامعات في بوسطن-كامبرج، وخلصت الدراسة إلى ان النساء تكتب شعارات جنسية في الحمام اقل من الذكور، حيث انه خلال السبعينيات وصلت نسبة الاناث إلى 25% في مقابل 35% للذكور في المواضيع الجنسية، وفي الثمانينيات كانت النسبة 26% للاناث و46% للذكور، وبهذا توصل فريق البحث إلى أن الاناث أقل كتابة للشعارات الجنسية، وان كتابات الاناث أكثر مقبولة اجتماعياً أكثر من الذكور.

وتتنافض مع ما سبق دراسة كل من بيتس ومارتين (Bates & Martine, 1980) حيث قام فريق البحث بجمع كتابات الذكور والاناث من أكبر الحمامات في الجامعات الشرقية، مستندين إلى فكرة مفادها: ان الكتابات هي مؤشر دقيق لاتجاهات الجماعة، وبعد تجميع الكتابات، تم تصنيفها وتبويبها في 16 موضوع مقسمة إلى مواضيع (جنسية وغير جنسية)، وأشارت نتائج الدراسة إلى أن الاناث تكتب شعارات أكثر من الذكور، وكتابات الاناث كانت أكثر من حيث إظهار العدائية والجنس.

وفي دراسة أجراها أوتا (Otta,1993) في سان باولو، حيث قام الباحث بجمع الكتابات من حمامات الذكور والاناث من 10 جامعات، وتم تصنيف محتوى الكتابات إلى 20 موضوع؛ اهمها: مسبات العنصرية، مسبات جنسية، طلب جنسي، الاسماء، السياسة، التوجه الجنساني...، وخلصت الدراسة إلى وجود فروق بين الذكور والاناث في الكتابة الجنسية، بما نسبته 81.8% للذكور في مقابل 18.1% للاناث من حجم الكتابات.

وفي دراسة أخرى لـ أوتا وزملاؤه (Otta, Samntana, Lafraia, Hoshino, Teixeria&Vallochi, 1996) في اختبارهم للفجوة القائمة بين الذكور والاناث في الكتابة، قام الباحثون بإجراء دراسة مقارنة بين المدارس الثانوية والجامعات في البرازيل، حيث تبين لهم أن نسبة الكتابة في المدارس أكثر من الجامعات بنسبة 63% و37% على التوالي، واظهرت النتائج ان كتابات الاناث في المدارس أقل من كتابات الذكور، والاناث تميل للكتابة حول الحب والرومانسية في المرحلة الثانوية، في حين الذكور يكتبوا أكثر حول الرياضة، وفيما يتعلق بالجامعات، فتوصلت الدراسة إلى وجود كتابات جنسية في حمامات الإناث في الجامعات أكثر بمقارنتها مع الذكور، وهذه النتيجة تتناقض كلياً مع الدراسات السابقة، فيعزوها فريق البحث أن الموضوع الجنسي للذكور والاناث هو قضية مركزية لهما في الجامعات، فالفجوة الجنسية بين الذكور والاناث تتناقص مع زيادة التعليم والعمر.

وتدعيماً لدراسة بيتس(Bates & Martin,1980)، أجريت دراسة حديثة لـ (Bartholome & Snyder, 2004) على مقهى الديناصور B-QUE في روتشستر، حيث قام فريق البحث بجمع الكتابات من حمام النساء والرجال وتم تحليلها من حيث الكمية والمحتوى، وتوصلت الدراسة إلى نتيجة مفادها إلى عدم وجود فروق احصائية بينهما، مع ان كتابة المرأة في الحمام كانت أكثر من الذكور، بواقع 52% للاناث و48% للذكور، والاناث تكتب أكثر عن الحب والرومانسية والتجارب الشخصية أكثر من الذكور، وكانت الكتابات الجنسية للاناث أكثر من الذكور وهو مخالف للدراسات السابقة، حيث وجدت نسبة الشعارات 22% للاناث في مقابل 19% للذكور.







ثانياً: الإثارة والجنسانية
تعد الكتابات ذات المحتوى الجنسي من أكثر المواضيع نقاشاً في دراسة الكتابة في الحمام حيث لا تكاد تكون دراسة واحدة من التي تم ذكرها سابقاً، لم تتعرض للموضوع بصورة او بأخرى، وعليه سنقوم باستعراض لاهم المواضيع التي عرجت عليها تلك الدراسات:

أظهرت نتائج دراسة كنسي (Kinsey et al., 1953) لوجود سيطرة ساحقة للاعضاء الجنسية والتناسلية في حمامات الذكور أكثر من الاناث، حيث ان الذكور ينتجون كتابات جنسية تتعامل مع الاثارة الجنسية بما نسبته 86% من كتابات أو رسومات (اعضاء جنسية، جنس شفاهي، كلمات نابية ومثيرة جنسية، جماع) وجزء منها كان يشير إلى الانحراف الجنسي"المثليين" في مقابل الذكور كانت نسبة الاناث 25% ، في حين قسم(Dundes,1966) الكتابات في الحمام إلى خمسة، أهمها ما له علاقة في هذا المحور وهو الدعايات الجنسية والاغراءات الجنسية، ويذكر (Bartholome & Snyder, 2004:88) إلى وجود رسومات وكتابات جنسية وإثارة في حمامات الإناث أقل من الذكور، مثل الاستمناء، المثلية، جماع جنسي.

وتطرقت دراسة فير وزميله(Farr & Gordon,1975) إلى تحليل الكتابات الجنسية والإثارة، ومن أجل معالجة الموضوع قام بجمع الكتابات وتقسيمها إلى خمسة أنواع (محبي الجنس الآخر، المثليين، انواع الاتصال الشهواني، والاتصال غير الشهواني مثل الحب، والفروق بين الجنسين)، وأظهرت نتائج بحثهم إلى زيادة نسبة الشعارات الشهوانية والجنسية في كتابات الاناث، وانخفاض نسبة الكتابات المتعلقة بالمثليين من الجنسين، وذلك لتقبل المجتمع لهؤلاء، وبالتالي انخفضت الكتابات التي تشير إلى المثليين.

وعلى النقيض مما سبق توصلت نتائج بارثولوم وزميله (Bartholome & Snyder, 2004) إلى وجود كتابات جنسية في حمام الاناث أكثر من الذكور بواقع 31% للاناث و25% للاناث، وان الكتابات التي لها علاقة "بالمثليين" كانت أكثر في حمامات الذكور من الاناث بنسبة (0.05% و 0.02% على التوالي)، ويرجع فريق البحث النتيجة تلك إلى ان صاحب البار سمح لزبائنه بالكتابة، وهنا كانت درجة الأمان للمراة في الكتابة أكثر وبالتالي كانت كتابتها على الجدران أكثر حسب اعتقاد الباحث.

ثالثاً: الكتابة كآلية للاتصال، و التفاعل والتعبير عن الحضور
اهتمت الدراسات بالكتابة على جدران الحمام كآلية للتواصل الاجتماعي بين مستخدمي الحمام، من حيث اللغة، ونوعية اللغة، طبيعة الرسائل التي تكتب، إن كانت عبارة عن :نصائح أو ردود أو تعليقات ـو حتى مسبات وحوار، وعليه سنقوم باستعراض لبعض من تلك الدراسات.

قام لوينستاين وزملاءه(Loewenstine, Ponticos & Paludi, 1982) بإجراء استطلاع هدفه التعرف على أهم العناصر اللغوية والدوافع من وراء الكتابة في الحمام، فتوصلت الدراسة إلى أن كتابات النساء كانت على شكل نصيحة وكلمات تعبر عن المودة، في حين وجدت مقولات وجمل جنسية في مواضيع متنوعة منها السياسية، ومنها تعكس لغة تحدي وتنافس في حمامات الذكور، وتوصلت الدراسة إلى نتيجة مفادها ان الإناث أكثر أدباً من الذكور وهذا له معطيات مرتبطة بالثقافة والتربية والتنشئة الاجتماعية، في مقابل ذلك اظهرت النتائج إلى وجود فروق للاناث من حيث نوع الأسئلة والحشوات في النصوص لديهن، في حين أن الذكور عبروا اكثر بصورة مباشرة عن طلباتهم، وأظهروا جانب من العدوانية في التعليقات والكتابة، وفيما يتعلق بالدافعية للمشاركة في الكتابة فقد أوضح ما نسبته 65% من الذكور و31% من الاناث ان مشاركتهم ستكون في الكتابة في الحمام من اجل استمتاعهم بالاتصال مع الآخرين، وهذا يؤكد أنه حينما يكون هنالك شخص يكتب، هنالك بالضرورة شخص يقرأ ويتفاعل ايجاباً أو سلباً.

وفي دراسة بيتس وزميله (Bates & Martin, 1980) وجدوا ان أن نسبة الكتابة المصنفة إلى ردود على اشخاص آخرين من العينة وصلت إلى 62.2%، وحول المواضيع التي تم تصنيفها ومدى الاختلافات بين الذكور والاناث فيها نستعرض ما له علاقة بالمحور، وصلت نسبة الذكور في المسبات السياسية المستخدمة ألفاظ جنسية إلى 3.2% فيما كانت نسبة الاناث 1.5%، ولم يسجل أي نوع من الكتابة في السياسة للاناث في دراستهم، وكانت نسبة الذكور 1.6% في التعليقات السياسية واعطاء مواقف تجاه قادة سياسيين او انتخابات وآراؤهم فيها، ومن جانب العدوانية في الكتابة والمسبات فقد وصلت النسبة لدى الذكور إلى9.3% ، ولم تسجل الاناث إي نسبة تذكر، كما وجدت الدراسة نوع آخر من التفاعل وهو الحوار "كتابة حول الكتابة أجمالاً".

وفيما يتعلق بالاختلاف في الكتابة على الجدران ومدى تنوعها وتفاعلها فقد توصلت دراسة بيرنر وكسلو (Bruner & Keslo, 1980) إلى أن كتابة الإناث متفاعلة أكثر من الذكور، والكتابة أكثر شخصية، إمراة تسأل سؤال وأخرى تجيب عليها بصورة أكثر جدية من الذكور، واللغة المستخدمة عند الاناث أكثر حوارية تتعامل مع العلاقات، في حين الذكور يتعاملوا بشكل فردي.

وفيما يتعلق بالحضور، والذي نعني به ترك اشارة أو رمز يدل على الشخص في الحمام، يشير (Otta et al., 1996) إلى الحضور على انه عن كتابة الاسم، أو التوقيع أو ترك الحروف الأولية من اسم الشخص والعائلة، والتي وجد فيها حضور الإناث اكثر من الذكور بواقع 17% و 7% على التوالي، والتي يرى فيها نوع من فرض السيطرة من قبل البعض والاعلان عن منطقة له باعتباره/ا سيد أو "أزعر" الحمام، في حين يعزو أوثين برايس (Othen-Price, 2006) كتابة الاسماء في الحمام كوسيلة للوصول إلى الشهرة، خصوصاً لدى المراهقين في مرحلة نموهم الجسمي والجنسي، وبالتالي يعكس ذلك السلوك إلى رغبة جنسية لا شعورية.

وعلى الصعيد العربي، تناولت الحميدي (2009) في دراستها التعصب والشوفينية في المجتمع الأردني، حيث أظهر تحليل المضمون للكتابات على الجدران وجود حالة من العنصرية والمبالغة في عدة مجالات (التعصب القبلي، الانتماءات القبلية والوطنية (اردني/ فلسطيني) والمبالغة في تضخيم الذات)، والأخيرة سجلت ما نسبته 33.5%، وبين كيفية التعصب للفرق الرياضية (الفيصلي والوحدات) يكشف عن التعصب القومي والوطني ما بين الاردنيين والفلسطينيين.

رابعاً: الصور والرسومات
لم تتعرض الدراسات القديمة والسابقة كثيراً إلى الصور والرسومات المرافقة لها بكتابة في الحمامات، او على الأقل لم تكن معالجتهم واضحة في هذا المضمون، ولم يتم ابرازه بشكل واضح، وعليه سنقوم باستعراض الدراسات التي تعرضت للصور والرسومات بشكل مباشر.

في مقارنتهما ما بين المدراس الثانوية والجامعات قام أوتا وزملائه(Otta et al., 1996:875-876) إلى التعرض لموضوعة الصور والرسومات، وقاموا بقياس استخدامها حسب متغيرين (المدرسة والجامعة من جهة والنوع الاجتماعي من جهة ثانية) ، وجدول رقم (1) يوضح الفروق حسب النوع الاجتماعي والمرحلة التعليمية:
جدول رقم (1) الفروق حسب النوع الاجتماعي والمرحلة التعليمية في الرسومات
الرسومات المدارس الجامعات
رومانسية 17% (ذ=0% ا=54%) 4% ( ذ=4% ا=6%)
رموز 30% (ذ=42% ا=4%) 11% (ذ=18% ا= 0%)
جنسية 30% (ذ=33% ا=25%) 59% (ذ=46% ا=78%)
ذكورية 22% (ذ=25% ا=17%) 26% (ذ=32% ا=17%)
ذ= ذكر و أ= أنثى
تظهر نتائج الجدول السابق إلى ان الرسومات في المرحلة الثانوية أكثر بكثير من الجامعات والاناث أكثر من الذكور، واظهرت كذلك أن الرسومات الجنسية لدى الذكور في المرحلة الثانوية أكثر من الإناث في حين تتساوى في المرحلة الجامعية، والرسومات الرومانسية أكثر في المرحلة الثانوية للاناث، باعتبار ان الجنس في المرحلة الجامعية يشغل بال الذكور والأناث على حد سواء، وبالمجمل فإن الذكور يقومون بالرسومات أكثر من الاناث، وفي تفسيره لاختلاف الذكور عن الاناث في الرسم ، يقول (Malamuth,1996) أن الذكور أكثر منجذبين إلى الاثارات البصرية في حين أن الإناث تنجذب الإثارة السمعية(Matthews et al., 2012).

وخلاصة لما سبق، وبعد استعراض الدراسات والبحوث السابقة في تعاملها مع الكتابة على جدران الحمام، لاحظنا وجود اختلافات بين النتائج، فمنهم من قال ان الاناث تكتب أكثر من الذكور، وآخرين وجد عكس ذلك، ومنهم من قال أن الاناث تنتج وتكتب بصورة جنسية أكثر من الذكور وآخر عارض هذا الرأي، استنادا على ما سبق ستقوم الدراسة الحالية بالتعامل مع نفس التساؤلات حول الفروق بين النوع الاجتماعي في المواضيع التي تم التطرق اليها سابقاً، واضافة بعد يتعلق بالتجمع الجغرافي وامكانية وجود فروق او عدمها بين التجمعات الجغرافية في محافظة بيت لحم








منهجية البحث
من أجل فهم مضمون الكتابة على جدران الحمام قام الباحث بالاعتماد على المنهج الوصفي الكمي والكيفي لتحليل الظاهرة بأبعادها ومجال فهمها، وبما أن الباحث لن يتعامل مع المبحوثين بطريقة مباشرة، وذلك لما يحمله من خطورة التأثير على آرائهم تجاه الظاهرة المبحوثة، فقد قرر الاعتماد اسلوب تحليل المضمون للكتابات في حمامات مدارس محافظة بيت لحم، وذلك من خلال جمع المعلومات من 40 حمام من مدارس محافظة بيت لحم الثانوية، موزعة (20 حمام للذكور و20 حمام للاناث).

تساؤلات وفرضيات البحث
يتمحور البحث الحالي حول التساؤلات والفرضيات التالية، كما يأتي:
• ما هو مضمون الكتابة في حمامات المدارس الثانوية في محافظة بيت لحم؟
• يختلف مضمون الكتابة في الحمام لدى الاناث و الذكور.
• كتابة الاناث في الحمام أكثر انسجاماً مع القيم والثقافة المجتمعية المهيمنة.
• يختلف مضمون الكتابة في الحمام حسب التجمع الجغرافي.
• ما هو رأي الاخصائيين الاجتماعيين بالكتابة في الحمام.

وحدة الاهتمام والمعاينة
تتمثل وحدة الاهتمام في الكتابات الموجودة داخل حمامات المدارس الثانوية في محافظة بيت لحم، وتم الاختيار منها 40 مدرسة بالطريقة العشوائية البسيطة موزعة 20 مدرسة ذكور ز20 مدرسة للاناث، وبعد ذلك تم تقسيمها إلى مدارس في الريف الغربي، والريف الشرقي، ومنطقة الوسط كما هو موضح في جدول رقم (2).
وبعد اطلاع الباحث على عينة استطلاعية من الكتابات في حمام المدارس، والدراسات السابقة للبحث، قام بتطوير وصياغة مقابلة مقننة مكونة من(انظر/ي ملحق رقم(1)) ، وقام باستقصاء المعلومات من 36 اخصائي/ة اجتماعي/ة ، العاملين في نفس المدارس التي تم جمع الكتابات منها، وذلك من أجل فهم اعمق للظاهرة، ومن جانب آخر فهم توجهات الباحث الاجتماعي حول ظاهرة الكتابة في الحمام من قبل الطلاب، وجدول رقم (2) يوضح الخصائص الديموغرافية للاخصائيين الاجتماعيين.

جدول رقم (2) يوضح تقسيم المدارس حسب المنطقة
الريف الغربي منطقة الوسط الريف الشرقي
مدرسة بنات بتير مدرسة بنات مسقط مدرسة ذكور زعترة
مدرسة ذكور بتير مدرسة الخلفاء الراشدين مدرسة بنات زعترة
مدرسة بنات نحالين مدرسة اسكندر الخوري للذكور مدرسة العبيدية للذكور
مدرسة ذكور نحالين مدرسة مدرسة بنات التشيلي مدرسة العبيدية للبنات
مدرسة ذكور حوسان مدرسة ذكور بيت لحم مدرسة الشواورة للذكور
مدرسة بنات حوسان مدرسة بنات بيت لحم مدرسة الشواورة للبنات
مدرسة بنات بيت فجار مدرسة ذكور بيت ساحور مدرسة بنات فرحان
مدرسة ذكور بيت فجار مدرسة بنات بيت ساحور مدرسة الزير للذكور
مدرسة بنات جورة الشمعة مدرسة بنات العودة مدرسة بنات تقوع
مدرسة ذكور جورة الشمعة مدرسة بنات ارطاس مدرسة ذكور تقوع
مدرسة ذكور ارطاس مدرسة بنات العبيات
مدرسة ذكور الخضر مدرسة ذكور العبيات
مدرسة بنات الخضر مدرسة دار صلاح للذكور
مدرسة الفرير (مختلط) مدرسة دار صلاح للبنات
مدرسة SOS ذكور واناث (مختلط)
10 16 14
**منها 3 مدارس مختلطة
جدول رقم (3) الخصائص الديموغرافية للاخصائيين الاجتماعيين
المتغيرات العدد النسبة المئوية%
مكان السكن
مدينة 10 27.8
قرية 19 52.8
مخيم 7 19.4
خبرة العمل بالسنوات
10 سنوات فما دون 23 63.9
11 سنة فما فوق 13 36.1
التخصص
خدمة اجتماعية 22 61.1
علم اجتماع 5 13.9
آخر 9 25.0
الدرجة العلمية
بكالوريوس 31 86.1
ماجستير 5 13.9
الاجراءات وطريقة جمع البيانات
توجه الباحث إلى مكتب مديرية التربية والتعليم في محافظة بيت لحم وذلك للسماح منهم بإجراء البحث ولتسهيل مهمة والفريق الميداني في جمع البيانات والمعلومات، وبعد التحاور مع مديرية التربية والتعلمي ممثلة برئيسها الأستاذ سامي مروة، من حيث توضيح أهمية واهداف البحث للمجتمع المحلي والنواحي التربوية والاجتماعية، تم إعطاءنا الإذن بتنفيذ البحث، وعليه تم تزويدنا بقائمة اسماء ومواقع المدراس في المحافظة من أجل اختيار العينة، وكتاب رسمي للسماح للفريق الميداني بجمع المعلومات والبيانات من المدارس، وأجري البحث على مرحلتين:
الأولى: مرحلة جمع الكتابات من حمامات المدراس وتوثيقها، وذلك باستخدام الكاميرا في معظم الأحيان، واللجوء إلى تسجيلها يدوياً في حال عدم وضوح الكتابة.
الثانية: بعد الإنتهاء من جمع المعلومات في المرحلة الأولى، اجريت المقابلات مع الاخصائيين الاجتماعيين العاملين في تلك المدراس.

مواضيع الكتابة على الحمام
تم تصنيف وتبويب الكتابة في الحمام استناداً إلى الدراسات السابقة التي عالجت موضوع البحث، اهمها دراسة (Kinsey et al.,1953) ودراسة (Otta et al., 1996) ودراسة (Matthewset et al., 2012) وعليه تم تبويب وتحليل الكتابة في الحمام على اساس المواضيع التالية.
• رياضة: هي كتابة او رسمة تشير إلى الرياضة بأنواعها المختلفة.
• مسبات واهانات: كلمات تشير إلى مسبة عامة أو موجهة لشخص معين، بقصد الإهانة، وتقسم إلى نوعين مسبات بألفاظ نابية، وأخرى غير نابية.
• سياسة: كلمات أو جمل تشير إلى مضمون سياسي، مثل(حماس أو فتح أو جشـ>).
• حضور وتفاعل: هو ترك بصمة من قبل الطلاب تشير إلى أنهم كانوا موجودين بالحمام، وتم تقسيمها إلى:
- ردود: ردود على الكتابة والاشخاص معروفين لبعضهم البعض، وبالأغلب تكون سلبية.
- تواقيع: ويقصد بها كتابة الاسم الحقيقي، أو اسم مستعار أو توقيع، أو الحروف الأولى من اسم الشخص أو تاريخ معين، مثل: (مفترس الليل،abusoom، ابو ليث مر من هنا، مجد رفيف، ابو سلامة 28/4/2004 ، 1/4/2010).
- منطقة: كتابة اسم منطقة جغرافية ينتمي اليها الطالب، مثل (مخيم الدهيشة، باب الحارة نحالين، جبل النار).
- اوامر: هدفها اعطاء اوامر لمستخدمي الحمام، مثل: (ممنوع التدخين، منوع الدخول، ممنوع الوقوف).
- دعاية: الاعلان عن قضية معينة، مثل: (انتخبوا محمد يوسف الثامن (أ)).
- طلب: الافصاح عن طلب، مثل: (الرجاء اغلاق الباب بقوة).
- تفاعل: كتابة حول قضية ويدور حولها نقاش.
- تشهير( عمرو دخل هنا، وسيم يحب فلانة).
- كتابة على الكتابة (كتابة او شطب للكتابة) (عيب عليكم)
- رقم هاتف: كتابة رقم هاتف .
- ايميل: كتابة الايميل الالكتروني
- مزاح: اطلاق دعابة (شايفك إطلع وراك، عجل وراك حوامل ،no way out).
- نصيحة: اعطاء نصيحة
• مشاعر تجاه المدرسة والمدرسين: مثل (نقل، توجيهي، المدير، الاستاذ، مثل: (حمام المعاقين، بها الفاظ نابية او غير نابية)
• مشاعر الحب والرومانسية: (بحبك، قبلات مسروقة).
• شعر وفلسفة : مثل (الارض كالنقطة ... النقطة على حرف ..الحرف على كلمة .. الكلمة في كتاب ... الكتاب في المكتبة المكتبة فيها 100000كتاب)
• الجنس والجنسانية: كتابات لها علاقة بالجنس والشهوة الجنسانية (التوجه الجنسي تجاه الجنس الآخر أو نفس الجنس)، وتشمل ما يلي:
- اعضاء جنسية: كتابة لأعضاء جنسية .
- جنس (ممارسة العادة السرية) جماع او اي قضية ذات علاقة.
- مواقع جنسية(اتصال جنسي).
- مثلي: كلمات أو جمل تشير إلى رغبة جنسية مثلية
اما فيما يتعلق بالرسومات على الحائط فقد تم عنونتها بما يلي:
• قلب حب: القيام برسم قلب حب.
• الجنس: وتسير إلى رسومات مباشرة ذات رسالة جنسية، وتم تقسيمها إلى
- اعضاء جنسية.
- جماع.
• رموز(مثل نجمة داوود، اشارة هتلر).
• اشخاص(رسم اشخاص بشكل عام).
• آخرى(رسمة، طبعة، سيارة، وردة).

























نتائج البحث ومناقشتها
فيما يلي، سنقوم باستعراض لأهم النتائج التي توصل اليها البحث كما هو موضح في ملحق رقم (2)، فبعد تحليل مضمون الكتابة في الحمام، وجدنا أن المواضيع المطروحة والتي احتوتها الكتابات في حمامات المدارس الثانوية توزعت على 8 مواضيع اساسية وفروع لها، وتتمثل المواضيع فيما يلي:
(رياضة، مسبات واهانات، سياسة، حضور وتفاعل، مشاعر تجاه المدرسة والاساتذة، مشاعر الحب والرومانسية، شعر وفلسفة، الجنس والجنسانية)، والآن ننتقل للاجابة عن تساؤلات وفرضيات البحث:

محتوى الكتابات ومضمونها
نستعرض في هذا المحور أهم مضامين ومواضيع الكتابة في الحمام من حيث المواضيع العريضة، حيث تم تبويبها وتصنيفها كما هو موضح جدول رقم (4)، وذلك يرجع للاجابة عن تساؤل الدراسة الذي يقول: ما هو مضمون الكتابات في حمامات المدارس الثانوية في محافظة بيت لحم؟، من اجل الاجابة عن التساؤل قام الباحث بتحليل المضمون للكتابات في الحمام واستخراج الاعداد والنسب.
جدول رقم (4) الاعداد والنسب للكتابة في الحمام
مواضيع الكتابة في الحمام
كتابة العدد النسبة رسم العدد النسبة
رياضة 33 5.9% قلب حب 41 52.6%
مسبات واهانات 91 16.3%
سياسة 56 10% الجنس 9 11.5%
حضور وتفاعل 169 30.3%
مشاعر تجاه المدرسة والمدرسين (نقل، توجيهي، المدير الاستاذ، حمام المعاقين، بها الفاظ نابية) 40 7.2%
مشاعر الحب والرومانسية 91 16.3% رموز 4 5.1%
شعر وفلسفة : (الارض كالنقطة ... النقطة على حرف ..الحرف على كلمة .. الكلمة في كتاب ... الكتاب في المكتبة المكتبة فيها 100000كتاب) 4 0.7%
اشخاص 7 9%
الجنس والجنسانية 74 13.3% أخرى 17 21.8%
المجموع الكلي 558 100% 78 100%
تشير نتائج الجدول السابق إلى توزيع النسب حسب التصنيفات التي تم اعتمادها في البحث، بعد جمع وتحليل 558 كتابة و78 رسمة من 40 حمام من مدارس محافظة بيت لحم للذكور والإناث، أشارت النسبة الأكبر من الكتابة حول موضوع الحضور والتفاعل بنسبة قدرها 30.3% من الكتابات، في حين شكلت ما نسبته 13.3% الكتابة ذات المضمون جنسي، وهي نسبة كانت مفاجئة لنا، حيث يشاع في المعتقد أن المسبات والجنس من أكثر المواضيع التي تثار في الحمامات، وهذا المعتقد مبني على أساس الدراسات السابقة التي ركزت اغلبيتها على الموضوع الجنسي، ومن جانب آخر المعتقد الشعبي الفلسطيني حول ذلك، بالعكس فإننا وجدنا مجموعة هائلة من المواضيع المثارة والتي تشكل حالة من الخطاب المستتر في المجتمع الفلسطيني يعبر هؤلاء المراهقين عن ذواتهم، طموحاتهم، احتياجاتهم وحتى تمردهم على القيم الثقافية التي لا تسمح لهم بالتعبير عنها، ولهذا شكل الحمام المجال الآمن الذي يقول فيه الفرد ما يريده ولا يتعرض للعقاب او المتابعة.

وفيما يتعلق بتوزيعها من الأكثر فالأقل بعد موضوع الحضور والتفاعل كما هو موضح في ملحق رقم (2) ، حيث تصدرت المواضيع التي لها علاقة بالحب والرومانسية والمسبات والاهانات المرتبة الثانية بواقع 16.3% لكل منهما، واذا اعتمدنا على افتراض (Kinsey et al., 1953) باعتبار ان الكتابة في الحمام تزودنا بمصدر معلومات حول التوجهات الجنسية لدى الطلاب، فإننا نستطيع ان نقرأ ذلك من منظور ثقافي وتربوي فلسطيني، باعتبار انها تعكس بالضرورة مرحلة النمو الجنسية والاجتماعية للمراهقين، فتعد وكأنها جزء من عملية البلوغ والنمو الذي يجد في التعبير عن المشاعر الجنسية: في حالاتها المتطرفة أو في حالات التعبير عن مشاعر الحب والرومانسية، فيعد الحمام او الأماكن البعيدة عن الرقابة الاجتماعية المكان الآمن الذي يحاول هؤلاء الاطفال التعبير عن تلك المشاعر التي يخشون التعبير عنها، في مجتمع يفتقد إلى تفهم لتلك العمليات او الاتجاهات أو المشاعر، خصوصاً الجنسية منها، وهذا ما أنسجم مع توجه الاخصائيين الاجتماعيين من عينة البحث الحالي الذين أيدوا أن بما نسبته 72.2% منهم من ان عدم قدرتهم الكتابة أو التعبير عن انفسهم أو البوح بذلك في العلن، فتكون الكتابة في الحمام المنفس الرئيسي لهم، وأن الحمام يشكل الحيز العام، ولكنه الخاص لهم باعتباره المكان الذي يضمن ويحقق التعبير عن مشاعرهم التي تتناقض مع الثقافة والقيم بنفس النسبة، ولذا فهي معفاة من القوانين والضوابط الاجتماعية (Bartholome & Snyder, 2004)، وهي جزء من متطلبات البلوغ التي يطمح المراهقين في التعبير عن ذواتهم ليس بالقوة الجسدية فحسب بل بتوجهاتهم الجنسية والعدوانية والقوة التدميرية (Othen-Price,2006)، باعتبارها تعكس التناقضات بين احتياجات المراهق ورغباته وبين القيود المجتمعية التي تحاول قمعها وتهذيبها، فهي تعكس حالة التوتر في مكونات هوية الفرد بالمعنى الفرويدي.

وحول استخدام المصطلحات الجنسية أو التوجهات الجنسية فتتفق مقالة حيوك (2007) مع الطرح السابق، وتضيف انها "محاولة للتفريغ عن همومهم في مكان ليس بامكان أحد لومه او ينتقده على ما يفعل... وإن الكبت الجنسي وراء الألفاظ الاباحية" والكتابة حسب اعتقادنا تختلف عن التفلظ بها لان استدامتها ووجودها كبصمة تختلف عن المسبة الملفوظة، تلك البصمة تتواجد أمام من يكتبها او الآخرين الذين يقرأوها، وبالتالي وكأن هنالك تفاعل للمشاعر بين المراهقين أنفسهم باعتبارهم مجموعة اجتماعية تتشاطر نفس الاحتياجات والمشاعر الجنسية منها والتي وصلت إلى نسبة قدرها 13.3% من الحجم الكلي للكتابات او غير الجنسية، وما ينسحب على هذا الموقف، ينسحب على المواضيع الأخرى والتي عبر فيها هؤلاء حل عدة قضايا مرتبطة بالسياسة والصراع بين حركة حماس وحركة فتح أو التعبير عن انتماء لحزب سياسي معين، والجوانب المرتبطة بالرياضة والتنافس بين الفرق الرياضية (مدريد وبرشلونة)، وموقفهم تاييدا او تهجماً على اساتذتهم او التعليم. كل ما سبق هو عبارة عن عينة استطلاعية لأهم المواضيع التي تشغل بال المراهقين الأطفال فيجدوا الحمام المكان الوحيد الذي يعبرو فيه برأيهم أو قضاء وقتهم في الكتابة والقراءة.

ما عكسته المواضيع للكتابات كانت متنوعة اكثر من الرسومات، فلقد تم تصنيفها إلى أربع مواضيع اساسية وخامس متنوع ومتعدد: (رسم قلب حب، رسمات جنسية، رسم اشخاص، ورموز، أخرى)، فتوضح نتائج البحث إلى أن أكثر من نصف الرسمات كانت رومانسية من خلال رسم قلب حب مع توضيح فيه للحروف الأولى من أسماء الحبيبين او الأصدقاء، وذلك بما نسبته 52.6%، ورسمات توحي للجنس مثل(اعضاء جنسية او جماع) بنسبة 11.5% ومواضيع اخرى متفرقة مثل (حيوانات، كركاتير لرسومات عالمية، سيارات، وردة..الخ) بما نسبته 21.8%. ورموز بنسبة 5.1% مثل (نجمة اسرائيل، هتلر، ممنوع الدخول).

ومن المهم الملاحظة في هذا المجال أن المبحوثين في بحثنا هذا كما هو حال البحوث والدراسات السابقة كانت نسبة الكتابة وحجمها أعلى بكثير من حجم ونسب الرسومات، فيشير لنا ذلك بانه من خلال الكلمات يستطيع من يكتب في الحمام التعبير عن رسالة معينة أو مشاعر بطريقة أفضل واكثر، وهذا ينطبق على رسم قلب الحب والتي تختصر الكثير من المشاعر، ولكنها لا تعبر عنها بالضبط فوجدنا بعضاً منها مضاف لها بعض الكلمات كـ "قبلات مسروقة أن بحبك"، ومن جانب آخر نجد أن مضمون الكتابة الجنسي قد تناقصت من حجم تمثيلها في الرسومات من حيث تمثيلها فكانت الكتابة الجنسية بالكلمات بنسبة 13.3% إلى 11.5% من حجمها في الرسومات.

الاختلافات في مضمون الكتابة في الحمام حسب النوع الاجتماعي والمنطقة
يعد الفرع الأول من العنوان الذي يبحث في الفروقات والاختلافات بالكتابة في الحمام ما بين الذكور والإناث من أهم محور من الدراسات التي عالجت الموضوع: بدءاً بدارسة(Kinsey et al., 1953) حتى دراسة (Matthews et al., 2012) وصولاً لبحثنا الحالي الذي يحاول التأكيد على المنطلقات واالفرضيات التي توصلت اليها تلك البحوث من جانب ومن جانب آخر مقاربة الواقع الفلسطيني من نتائج تلك البحوث، وذلك ومن جانب انسجامها او اختلافها معها، أما فيما يتعلق بالشق الآخر من العنوان فهو يبحث في الاختلاف المناطقي بين التجمعات الجغرافية في بيت لحم (الريف الشرقي والغربي والوسط كما هو موضح بملحق رقم (3)) ومدى الاختلاف بينها، ولهذا فقد قام الباحث بجمع الفرضيات المتعلقة بنفس الموضوع في نفس المحور، والممثلة بـ:
• يختلف مضمون الكتابة في الحمام لدى الاناث و الذكور.
• كتابة الاناث في الحمام أكثر انسجاماً مع القيم والثقافة المجتمعية المهيمنة من الذكور.
• يختلف مضمون الكتابة في الحمام حسب التجمع الجغرافي.

تشير نتائج البحث الحالي، كما هو موضح في ملحق رقم (2 و3) إلى وجود اختلافات كبيرة بين كتابة الذكور والاناث من حيث الحجم والموضوع، ومن جانب آخر حسب الموقع(الريف الشرقي والغربي والوسط)، وذلك لا يتعلق بموضوع واحد فقط، وانما بجميع محاور المواضيع التي اعتمد عليها البحث في التحليل.

ففيما يتعلق بالفجوة القائمة على النوع الاجتماعي، وبعد تحليل من بعد النوع الاجتماعي، تبين لنا أن مساهمة وكتابة الاناث كانت 196 كتابة في الحمامات في مقابله 362 كتابة في حمام الذكور، أي بواقع 64.9% للذكور بمقابل 35.1% للاناث، أي ان حجم الكتابة في حمامات الذكور كانت حوالي ضعف الكتابة في حمام الاناث، تنسجم نتائج البحث الحالي مع الدراسات السابقة (Kinsey et al.,1953-;- Farr & Gordon, 1975-;- Otta et al.,1996-;- Matthews et al., 2012) والتي توصلت إلى نفس النتيجة في البحث الحالي، في حين تناقضت مع نتائج دراسة (Bartholome & Snyder, 2004) والتي فحصت الفروق بالكتابة في الحمام في مقهى واحد والتي كانت فيه الفروق لصالح الاناث، ومن الجدير بالتنويه أن صاحب المقهى قد سمح لرواده بالكتابة في الحمام، وهنا جاءت كتابة النساء فيه أكثر من الرجال، وهذا يبرهن التوجه التحليلي القائل بأن النساء أقل ميلاً لانتهاك القواعد والمعايير الاجتماعية من الذكور والمغامرة في الكتابات ولكن في حين سماح المجتمع بذلك فإنها تتساوى مع الرجال، والعمر في هذا المضمار مهم جداً والمرحلة التعليمية فقد توصلت دراسة أوتا (Otta et al., 1996) في مقارنتهم بين المدارس والجامعات إلى أن حجم الفجوة في الكتابات بين طلاب الجامعة الذكور والاناث تقل بدرجة كبيرة في مقابل المدارس والتي تكون لصالح الذكور، وهذا حال بحثنا الحالي.

وتوصلت نتائج البحث الحالي إلى ان حجم الرسومات في حمام الاناث كانت أكثر بقليل من حجم الرسومات في حمامات الذكور بواقع (52.6% و 47.4% على التوالي) ولكن اوضحت نتائج البحث الحالي أن نسبة الرسومات الجنسية لدى الذكور هو 18.9% من الحجم الكلي للرسومات للذكور، في مقابل 4.9% للاناث، حيث احتوت رسومات الذكور على رسمات لاعضاء جنسية اكثر، وجماع جنسي ومثلي والتي خلت حمامات الاناث منها، وهذا ما ينسجم مع دراسات عدة اهمها (Kinsey et al.,1953-;- Farr & Gordon,1975-;-Arluke et al.,1987).

والفجوة تزداد او تتقلص بين الذكور والاناث حسب نتائج البحث الحالي باقترابه او بابتعاده عن طبيعة ونمط التربية والثقافة المهيمنة التي يتلقاها كل منهما، فعلى سبيل المثال الفجوة بسيطة فيما يتعلق بالمسبات والاهانات، فنسبة الذكور في هذا الموضوع هي 17.4% من الحجم الكلي لكتابات الذكور، في مقابل 14.3% من الحجم الكلي للاناث. ولكن حين بحثنا في نوع المسبات واستخدامها لالفاظ وكلمات نابية، فإن الفجوة تزداد، فشكلت ما نسبته 81% من المسبات المستخدمة لالفاظ نابية للذكور من الحجم الكلي، في مقابل 32.1 % من حجم المسبات المستخدمة من قبل الاناث لالفاظ نابية، حتى تلك الكلمات المستخدمة من قبل الاناث كانت بسيطة"مثل ذكر الخلفية" وليس بها كلمات جنسية عنيفة وأكثر عدائية كما هو حال الذكور والتي بها دلالات جنسية حادة تتعرض للعرض والشرف في عملية التنكيل بالآخرين.

في مقابل ما سبق، فقد وجدنا فجوة كبيرة جداً بين الذكور والاناث في الموضوع المتعلق بـ مشاعر الحب والرومانسية (الإناث=34.7% في مقابل 6.4%) وأيضاً في مجال الحضور والتفاعل (الاناث= 34.2% في مقابل الذكور=28.2%)، وفي مجال الرسومات كانت نسبة رسوم الاناث لقلب الحب = 65.9% في مقابل 37.8% للذكور، جميعها كانت لصالح الإناث، وهذا يؤكد على ان الذكور في المواضيع العاطفية وأية كتابة حول المشاعر او حتى رسم قلب حب هم اقل قدرة عن التعبير عن مشاعرهم العاطفية والرومانسية، باعتباره نوع من كشف الذات والمصارحة، وهي قيم لا تنسجم مع القيم العربية الفلسطينية التي تؤكد على صرامة الرجل "الذي لا يبكي ولا يبوح بعواطفه" من حيث التربية، وبالتالي اقل ميلاً للبوح عن المشاعر والعواطف والاحاسيس في مقابل سماح الثقافة للاناث بذلك، ولذلك اعتبر الحب عند الذكور كإشارة تنم عن الضعف حسب دراسة ماثيوس (Matthews et al., 2012)، والذي من الممكن له علاقة بكشف الذات والذي قد يشكل خطورة على الذكور من المنظور الثقافي، وبشكل عام تشير بعض الدراسات إلى أن اغلبية الكتابة في حمامات الاناث أكثر رومانسية من الذكور حسب (Bartholome & Snyder, 2004: 89) وهو توجه ينسجم بصورة أو باخرى من الأدوار القائمة على النوع الاجتماعي في المجتمع الفلسطيني والمطلوب من المرأة ان تكون حساسة وعاطفية أكثر من الذكور، وعلى طبيعة التربية التي تصقل الفتاة بحساسية يكون من اليسير عليها كشف ذاتها ومشاعرها أسهل من الذكور، وتنمط من المجتمع باعتبارها "كائن حساس" وعاطفي.

ومن الأمثلة التي نستطيع ان نسوقها هنا لبعض اقتباسات من التعبير عن المشاعر للإناث عن الحب والرومانسية، مثل: (حالة حب، أنا عايش في أحلى حالة حب، حبك عذاب، قبلات مسروقة) وهي اقرب إلى وصف لمشاعر انتابت الفتاة او تجربة عاطفية قد مرت بها في تلك الفترة فوجدت في الحمام المكان الآمن وقد يكون الوحيد لها بالتعبير عن مشاعرها أمام الآخرين حتى لو لم يعرفوها، فيتحول الحمام في بعض الأحيان إلى عبارة عن دفتر يوميات تقوم الفتاة بتأريخ تجاربها ومشاعر انتبابتها ولكنها لا تستطيع ان تحمله معها، فتتركه في الحمام، وهنا نستجيل اعطاء مثال لفتاة كتبت ، مثل: (16/5/2006 أول لقاء الاثنين. 11/3/2007 فتح الفتوح . يوم الأحد 18/3/2007 يوم الطفولة، ... 22/4 عسل وبصل)

وفي المدارس المختلطة، أظهرت الملاحظات أن الاناث يكتبن رسائل للذكور تعبر فيه عن مشاعر الحب لاسماء معينة(شروق هاني في الصف السادس بحبك يا ناصر ورد عليها كلي..انت بتحبي أخوي رأفت)، ويدور تفاعل حول تلك القضية، وهي اشارة عن الاختلاف بابعاد وفروع موضوع الحضور والتفاعل، وانسجمت نتائج البحث الحالي مع الدراسات التي تؤكد ان حضور وتفاعل المرأة أكثر من الذكور، وبها لغة ايجابية (وأن لم يخلو بعضها من المسبات) كما هو حال الكتابة لدى الذكور التي عبرت فيه فروع الحضور والتفاعل عن تأكيد للذات اكثر من الإناث، وترافق ذلك مع استخدام لغة حادة ومتحدية منسجمة مع القيم الذكورية للمجتمع الفلسطيني، وهذا واضح بشكل كبير في المشاعر تجاه المدرسة والمدرسين(حول التوجيهي، والدراسة، ومشاعر تجاه المدير والاساتذة والمدرسة) والتي كانت نسبة مساهمة الذكور فيها من حجم الحضور والتفاعل هو 8.8% في مقابل 4.1% للاناث، والتي كانت اقل تعرضاً من حيث التشهير او التعبير عن مشاعر الكره تجاه المدرسين باستخدام كلمات نابية وغير نابية كما هو الحال لدى الذكور، بالعكس كانت هنالك ملاحظة من طالبة تدافع عن المديرة مثل "عيب عليكم تكتبوا هيك"، وهذا يؤكد أن طبيعة التنشئة الاجتماعية لدى الذكور تختلف عنها لدى الاناث والتي تؤكد على التحدي واثبات الذات للذكور أكثر من الاناث، وأن القيم المجتمعية تتيح للذكور التأكيد على ذكوريتهم، وعلى خضوع المراة للمرجعية الاخلاقية(Farr & Gordon, 1975).

واذا تعمقنا أكثر في فروع موضوع الحضور التفاعل كما تم اعتماده في البحث الحالي، نستطيع تأكيد ما سبق، فعلى سبيل المثال التوقيع الذي يشير إلى ترك بصمة وحضور لمن كتبه، فنجد ان نسبته التواقيع للذكور كانت 44.1% من الحجم الكلي لموضوع الحضور والتفاعل، في مقابل 37.3% للاناث وبما ان النسبة ليست كبيرة، الا انا وجدنا ان الذكور يميلون أكثر لكتابة اسمائهم او القابهم أكثر من الاناث (مفترس الليل، abusoom، ابو ليث مر من هنا، ابو سلامة)، وهي كنية محببة في المجتمع الفلسطيني أن يلقب أو يسمى الفرد بأبو فلان كجزء من التعظيم، في مقابل ذلك جزء قليل من الاناث كتبن اسمائهم (Ghadeer، لانا) خصوصاً في مدارس منطقة الوسط والمدراس المختلطة، لاعتبارات مرتبطة بالثقافة والنمط الثقافي المحيط بهن حيث أن المدارس في منطقة الوسط والمختلطة اكثر انفتاحاً من مناطق الريف الشرقي والغربي، ومن جانب آخر أن المدارس في الريف صغيرة والاسماء معروفة فمن الممكن أن تعرض كتابة الاسم من قبل صاحبته إلى الملاحقة والعقاب أو التوبيخ، وما يدل على ذلك أن الأكثرية كتبن اختصارات لاسمائهم الأول أو أول حرف من الاسم الأول و الأخير(BW،N) او لتواريخ (14.4).

واستكمالاً لما سبق، يتعلق الأمر هنا بمناقشة نتائج فرع التفاعل، فتشير النتائج إلى أن نسبة مساهمة الاناث في هذا البعد أكثر من الذكور كما توضحه النسبة من الحجم الكلي لموضوع الحضور والتفاعل، حيث وصلت ما نسبته 22.3% للتفاعل من قبل الاناث مع الكتابة بصورة ايجابية لدى الاناث من الحجم الكلي، في مقابل 2.9% للذكور، وهذا يدل على أن حجم ونسبة الاناث في التفاعل أكثر بكثير من الذكور، ومن الأمثلة التي نستطيع ان نسوقها هنا، مثال:
(بحبك ... وانا كمان/ وتفاعل آخر لفتاة تعتذر لصديقتها: مصالحك يا بيسان عيسى انا دانية بحبك كتيير يا وردة يا عمري بس مبكدرش اني اصالحك عشان بغار منك...وبنفس الخط: بطلت مصالحتك اسف على يلي عملتوا فيكي، يسلملي كل اللي بحبهم والغاليين على قلبي)/ وتفاعل لشاب: احبك. اتذكر. بموت فيكي، بحبك يا مؤيد)
إن ما سبق يدل على أن الاناث تستخدم الحمام في مجال التفاعل كنوع من المكان لايصال الرسائل والاعتذارات وعكس ما يدور في خارج الحمام في داخله، وهذا النوع من التفاعل وجدناه في المدارس المختلطة، والتي تستخدم فيه الحمامات كوسيلة لارسال رسائل حب أو اعتراف بحب أو كشف لعلاقات بين صبية وشاب في الحمام، وبشكل عام، نستنتج من معطيات البحث أن لغة التفاعل المستخدمة من قبل الاناث ايجابية بشكل عام، في حين أن لغة الذكور يغلب عليها طابع التحدي ولا تخلو من مسبات في الغالب.

واخيراً في بعد الكتابة على الحمام فيما يتعلق بالجنس والجنسانية، تشير النتائج إلى وجود فروق كبيرة بين الذكور والاناث في انتاج كتابة تتعلق بالجنس والجنسانية، فقد تبين لنا من خلال نتائج البحث الحالي أن حجم الكتابة الجنسية للذكور وصلت إلى 16.6% من الحجم الكلي للكتابة في مقابل 7.1% للاناث، ولكن من المهم التأكيد هنا أن طبيعة اللغة والطلبات الجنسية عند الذكور واضحة ومباشرة اكثر منه لدى الاناث، وهو ما يعده أرليك :أن كتابة الاناث أكثر مقبولة اجتماعياً من الذكور من حيث اللغة والمحتوى(Arluke et al., 1987)، والذكور أقل ادباً من الإناث في طلباتهم واكثر عدوانية(Loewenstine et al.,1980)، وهذا ما يتضح لنا من خلال فروع موضوع الجنس والتوجه الجنسي للعينة: خصوصاً ذكر الاعضاء الجنسية(القضيب والخلفية والجهاز التناسلي الانثوي والذكري) لدى الذكور موجودة بكثرة وهي أعلى نسبة 46.7% من الحجم الكلي لموضوع الجنس والجنسانية للذكور في مقابل 57.1% للإناث، وبالرغم من ان النسبة قد تبدو أعلى من الذكور إلا ان الاختلاف هو بطبيعة اللغة المستخدمة فيها حيث اقتصرت على كلمات بسيطة (قضيب مرة، الخلفية مرة، الجهاز التناسلي الانثوي مرة) دون شرح او توضيح فاقتصرت على ذكر الاعضاء فقط، ما يؤكد حديثنا هذا أنه في البعد الفرعي: الجنس بدى واضحاً ومباشراً لدى الذكور وغير واضح لدى الاناث حيث كانت النسبة في حمامات الاناث 30% في مقابل 21.4% للاناث، حيث طغت على كلمات الذكور كلمات تشير إلى ممارسة العادة السرية، المثلية، والجماع، وهو أمر لم يكن واضحاً لدى الاناث كما هو حال الذكور، والتي من الممكن ان تكون تلك الكتابة ليست من انتاج الاناث وإنما هي رسائل من قبل الذكور لهن، والمهم من ذلك أن الجنسانية المثلية لدى الذكور كانت واضحة بالكتابة بنسبة 10% من الحجم الكلي لموضوع الجنس لدى الذكور (وهو الطلب من الآخر ان يقوم بممارسة الجنس معه أو الاشارة إلى هذا النوع الذي يقع في المدرسة) او من خلال الرسومات للاعضاء الجنسية والممارسة الجنسية مع الآخر في المدراس المختلطة والجنس الشفاهي، او مع نفس النوع في المدارس غير المختلطة بنسبة 28.6% للاعضاء و 71.4% ممارسة جنسية عند الذكور، وهذا ما لم نجده في حمام الاناث الذي اقتصر على رسم اعضاء ذكرية لدى الاناث(رسمتين غير واضحتين( والذي يعدها كنسي (Kinsey et al.,1953)عبارة عن مؤشرات للانحراف الجنسي، والتي هي متواجدة أكثر في حمام الذكور كما هو حال بحثنا هذا، والتي تتوافق أيضاً مع دراسة بارثولوم (Bartholome & Synder,2004) والتي توصلت فيه إلى ان الجنسانية المثلية موجودة أكثر في حمام الذكور.

وفيما يتعلق بكتابة مراجع وعناوين لمواقع جنسية الكترونية على الشبكة العنكبوتية او الاتصال على الخط الساخن فقد تواجد بنسبة 13.3% من الحجم الكلي لموضوع الجنس والجنسانية لدى الذكور في حين لم نرصد إي مرجع او مصدر الكتروني جنسي لدى الاناث، وهذا اتفقت معه دراسة كلا من (Farr & Gordon, 1975-;- Bartholome & Synder, 2004) والتي توصلت إلى ان الاناث اقل انتاجاً لمراجع جنسية، وهو ما يتفق مع القيم الثقافية، و يعزز الفكرة ان الذكور في المجتمع الفلسطيني أكثر اطلاعاً على المواقع الجنسية المثيرة من الاناث اللواتي لم تسجلن إي حالة تذكر.

استناداً لما سبق، نستطيع أن نستنتج بوجود فرووق بين كتابة الذكور والاناث في المحتوى والمضمون في حمامات المدارس الثانوية، وان طبيعة التنشئة الاجتماعية لهم مختلفة، ولهذا، بالشكل العام نجد كتابات الإناث أكثر التصاقاً بالقيم والتقاليد الفلسطينية، وتميل أكثر الإناث في المجتمع الفلسطيني للكتابة حول التجربة الشخصية خصوصاً التجربة العاطفية، وكتاباتها أكثر أدباً من الذكور، في مقابل ذلك نستطيع القول ان الكتابة في حمام الذكور أكثر عدوانية وأكثر انتاجاً للكتابات والرسومات الجنسية، وطبيعة الكلمات تحتوي على الفاظ جنسية ونابية حتى لو تعلق الأمر بالسياسة وبالرياضة وبالمسبات والاهانات، وهو دور منسجم بصورة او باخرى مع القيم الثقافية التي تعزز تأكيد وحضور وصرامة الذكور أكثر، ويتاح مساحات من الحرية لهم حتى في مجال الحديث الجنسي للذكور أكثر من الاناث، والتي تؤكد القيم الثقافية على خضوعهن للقيم وللعادات التي تنتج جسداً طيعاً وكتابات منسجمة مع هذا التوجه.

ننتقل الآن لمعالجة الاختلاف بين عينة البحث حسب التجمع الجغرافي، والذي افترضنا في البدء بوجود فروق في الكتابات حسب التجمع الجغرافي ما بين (الريفي الشرقي والغربي ومنطقة الوسط) نظراً للاختلافات الثقافية والاجتماعية بينهما -وإن كانت بسيطة-، وحتى نستطيع الاستيضاح حول فرضيتنا، ننتقل إلى استعراض نتائج البحث بخصوص التجمع الجغرافي ومناقشتها استناداً إلى ملحق رقم (3).

تشير نتائج تحليل المضمون للتجمع الجغرافي أن مساهمة منطقة الوسط في مدارس محافظة بيت لحم كانت أكثر التجمعات انتاجاً في الكتابة على جدران الحمام والرسومات، حيث وصلت نسبة كتابة منطقة الوسط على جدران الحمام 50.3%، ثم الريف الشرقي 27.2%، وأخيراً الريف الغربي بنسبة 22.4%، وينطبق نفس الحديث على انتاج الرسومات فقد شكل حجم الرسومات في مدارس منطقة الوسط ما نسبته 57.5% ثم الريف الشرقي بنسبة 28.8% واخيراً الريف الغربي بنسبة قدرها 13.8%.

يعود ذلك حسب وجهة نظر الباحث إلى ان مدارس منطقة الوسط من المحافظة تشهد تنوع ثقافي واجتماعي أكثر من المناطق الريفية الغربية والشرقية، والتي تتسم بالمحافظة وعدم الانفتاح النسبي، الذي تشهده منطقة الوسط، إلى جانب التنوع الجغرافي (مخيم، قرية، مدينة) في مدارس منطقة الوسط، ذلك التنوع يخلق تنوعاً في الاتجاهات والمواقف والتصرفات، وهذا ما لا تشهده المدارس في الارياف، وأخيراً أن المدارس المختلطة (2 من اصل 3 هي موجود بمنطقة الوسط)، وحسب ملاحظاتنا الميدانية والمقابلات مع الباحثين الاجتماعيين في المدراس أشاروا إلى ان المناطق الريفية والقروية لا تشهد كتابات كثيرة، وذلك يعود إلى صرامة الرقابة من قبل ادارة المدرسة التي تشدد على المعاقبة لمن يرتكب اية مخالفات وبما فيها الكتابة على جدران الحمام.

ومن الملفت أيضاً، ان مساهمة الريف الغربي كانت أقل في انتاج الكتابة والرسومات من التجمعات الجغرافية الأخرى، ويعتقد الباحث أن قرى مناطق الريف الغربي أكثر محصورة من مناطق الريف الشرقي-رغم ان النسبة لا تبتعد كثيراً في الكتابة إلا بالرسومات- من حيث العائلات المتواجدة فيها، وهو ما يعني أن المجازفة في الكتابة على جدران الحمام في الريف الغربي يعرض صاحبه للانشكاف وبالتالي المعاقبة، ولهذا وجدنا أكثر الكتابات في حمامات الاناث تميل إلى استخدام اول حرف من اسمها في موضوع الحضور والتفاعل، وهنا تفتقد الكتابة في الريف الغربي إلى مجهولية من يكتبها وبالتالي لم تعد تشكل المكان الآمن الذي يعبروا به بصورة مريحة.

وانسجاماً مع ما سبق ان الرقابة ليست مرتبطة بالريف الغربي فقط، فقد وجدنا مدرستين للذكور والإناث في منطقة الوسط يكاد لا يوجد بها كتابة، حيث ان ادارة مدرسة الذكور سبق وتم معاقبة طلاب قاموا بالكتابة في الحمام، وهو يعكس درجة صرامة ورقابة الادارة والمدرسين على الطلاب في جميع اماكن تواجدهم، أما مدرسة الاناث، فكانت هنالك سيطرة ورقابة على حمامات الطالبات، حيث أن كل غرفة صفية بها حمام ومفتاح له، وفي حين وجود كتابة يتم التحقيق مع الفتيات وبالتالي معاقبة من ترتكب من الطالبات الكتابة في الحمام، والذي شهد بذلك مرات قليلة وتم الكشف عنها، وهذا موقف ينسجم مع التحليل السابق في حين تنعدم المجهولية لا يوجد كتابة.

وإذا خضنا أكثر في المقارنات في مواضيع التحليل والأفرع لها، والتي تم الاعتماد عليها في تحليل المضمون بين تلك التجمعات، نجد ان أكبر النسب كانت لمدارس منطقة الوسط وذلك في المواضيع الرئيسية منها: (مسبات واهانات، مشاعر تجاه المدرسة والمدرسين، مشاعر الحب والرومانسية، شعر وفلسفة) وفروع مواضيع التحليل (الفاظ نابية تواقيع، والتفاعل، والمزاح، والجنس والمواقع الجنسية) بنسب ممتدة من 55.5% إلى 100% كما هو موضح في ملحق رقم (3)، والتي تدل على قدرة الطلاب على التحدي وبالتالي مخالفة القوانين، ووجود درجة معينة من المجهولية حاضرة اكثر لدى مدراس منطقة الوسطة من مدارس محافظة بيت لحم مقارنة بريفها الشرقي والغربي.
وفيما يتعلق بأكبر النسب في الريف الغربي فكانت في الفروع للمواضيع الرئيسية (التشهير بواقع 60%، و اعضاء جنسية بواقع 38.7%)، اما فيما يتعلق بالريف الشرقي فكانت أكبر النسب في موضوع السياسية بواقع (70%) والفروع التالية(كتابة على الكتابة بواقع 50%، توجه جنساني مثلي بواقع 60%)، ونرى أن النسب الكبرى للمنطقتين الريف الشرقي والغربي تعكس في اهتمامهم الأكبر بالتشهير وهو يعكس نزعة محافظة وتقليدية كانت لدى الريف الغربي للنيل من اشخاص واطلاق عليهم بعض الاشاعات، لما يعكس ذلك من معرفة الاشخاص المنكل بهم معنوياً، في حين ان الريف الشرقي تميز بنسبة كبيرة بالكتابة حول السياسة، وعكست الكتابات الأجواء العامة وحالة الصراع ما بين حركتي حماس وفتح، ومن جانب آخر وجود كتابة و رسومات تشير إلى توجه جنسي مثلي في مدراس الريف الشرقي للذكور، وبنسبة أقل في منطقة الوسط قدرها 40%.

نستطيع الاستناج مما سبق، أن مدارس منطقة الوسط أكثر تفاعلاً مع الكتابات، وبها اجواء وتنوعات تشير إلى انفتاح نسبي للثقافة المحيطة بالأجواء، ودرجة تأكيد للذات وحضور وتفاعل مدارس منطقة الوسط كانت اكثر من الريف الشرقي والغربي، الذي يعبر فيه حجم الكتابات عن تخوف من الوصول إلى الشخص الذي قام بها وبالتالي معاقبته، إلى جانب وجود اطلاع جنسي على المواقع الالكترونية في منطقة الوسط وهو ما نستشفه من خلال نسبة كتابة المواقع الجنسية الالكترونية بنسبة 100% في مدارس الوسط من الكتابات وخلوها من المنطقتين الريف الشرقي والغربي.

الاخصائي الاجتماعي والكتابة في الحمام
قبل البدء بمعالجة المحور الأخير من البحث، وهو رأي واتجاهات الاخصائيين الاجتماعيين في محافظة بيت لحم نحو الكتابة على جدران الحمام، لا بد من التنويه إلى أننا ننظر الى الكتابة في الحمام على انها ظاهرة اجتماعية صحية تكشف عن اتجاهات ومشاعر وقيم ورغبات من يقوم بكتابتها، وهي عبارة عن الثقافة المكبوتة في المجتمع اللفسطيني بطموحاتهم واتجاهاتهم ونزواتهم لهؤلاء المراهقين، فتجد في الحمام المكان الوحيد لاستراق حقهم بالكتابة والتعبير عن مشاعرهم براحة بعيداً عن الضوابط والنواظم الثقافية التي تمنعهم من القيام بذلك، ونحن هنا لا نتعامل معها باعتبارها ظاهرة مرضية او غير حضارية كما اعتبرتها عينة البحث من الاخصائيين الذي اجاب ما نسبته 86.1% على انها ظاهرة غير حضارية، و11.1% باعتبارها مرضية، وهو بالضرورة حكم ثقافي قيمي مرتبط بالقيم والثقافة العربية، ولا يعني الحديث هنا عن تقييم مهنية الاخصائيين في موضوع الارشاد والتوجيه الاجتماعي والعاطفي والنفسي باعتبارنا لسنا مؤهلين لذلك، وليس هذا مجال البحث.

ما دفعنا بالبدء بما سبق، هو الصعوبات التي واجهت الباحث والفريق الميداني في جمع المعلومات من مدارس المحافظة، وفي حين عدنا مرة أخرى لنستقصي آراء الاخصائيين، جاءت أحدى ملاحظات الاخصائيين بما يلي: " تم متابعة موضوع الكتابة على جدران الحمامات بعد الزيارة الأولى مما أدى إلى اختفاء هذه الظاهرة وذلك عن طريق التوجيه الجمعي للطلبة والتركيز على مواضيع القيم المجتمعية". حيث اخذنا انطباع وكأننا نتعامل مع ظاهرة مرضية وهذا غير صحيح، او أننا من طرف جهة رسمية تقوم بالرقابة على المدارس، وهذا ما استدعى دائما التأكيد عليه من قبل فريق البحث.

ومن جانب آخر، نستطيع القول ان فريق البحث (الباحث والباحثين الميدانيين) قد استطعنا ان نلفت انتباه الاخصائيين ومدراء المدارس إلى الظاهرة المبحوثة والتعامل معها على أسس علمية تحاول الكشف عن احتياجات المراهقين في المدارس: الاجتماعية والنفسية والجنسية والعاطفية، يقول اخصائي اجتماعي"الظاهرة بدأت تنخفض بشكل ملحوظ بسبب وجود متنفس لدى الطلاب للتعبير عن الأسئلة والاستفسارات التي تدور في أذهانهم حول الأمور التي تتعلق بالجنس من خلال استشارات فردية مع المرشد أو المجموعات الإرشادية أو لقاءات التوجيه الجماعي"، حيث قامت بعض من المدراس بإجراء دورات تثقيفية جنسية مع الطلاب بعد تنفيذنا للمرحلة الأولى من البحث، وهي جمع الكتابات والرسومات من حمامات المدارس الثانوية.

وحتى نقوم بالاجابة عن تساؤل البحث حول رأي واتجاهات الاخصائيين العاملين في المدارس الثانوية في محافظة بيت لحم نحو الكتابة في الحمام، فإننا سنقوم بالاعتماد على نتائج التحليل في ملحق رقم (4).

اتفق استجابات اغلبية المبحوثين من الاخصائيين الاجتماعيين (من عينة البحث الحالي) على أن الحمام يشكل المكان الآمن والسري للتعبير عن مشاعرهم التي تتناقض مع الثقافة والقيم المجتمعية بنسبة 72.2 % من حجم العينة، وهو أمر ينسجم مع موقف الباحث كما سبق طرحه في الاطار النظري، حتى مع التطور التكنولوجي وغرف الدردشات مازال الحمام يشكل المكان الآمن للتعبير عن احتياجاتهم، وبالتالي تخوف المراهقين من معرفتهم هو سبب مهم ورئيسي للتعبير عن مواقفهم واحتياجاتهم بحرية أكثر والعكس صحيح.

يختلف المبحوثين مع الموقف القائل أن الكتابة في الحمام هو جزء علاجي، والذي لا نقصد به من الناحية المرضية، وإنما يساعد في التنفيس عن المشاعر والاحاسيس من قبلهم، وقد لفت انتباهنا اخصائية اجتماعية في منطقة الوسط تقوم بشكل دائم بلقاء جماعي، تطلب فيه من البنات كتابة كل ما يشعرن به على اوراق، وهو جانب مهم وايجابي، ولكن لا نعتقد انه كافي، لغياب عنصر المجهولية في الموضوع وبالتالي الاصالة في التعبير عن المشاعر والمشاكل، وهنالك اعتقاد لدى اغلبية المبحوثين من الاخصائيين أنه لا يؤيدون الكتابة باعتبارها جانب علاجي للمراهقين بنسبة 75% من حجم العينة وهي نسبة كبيرة، وعلى النقيض يتعامل أكثر من 72.2% من حجم العينة مع من يكتب في الحمام باعتبارهم يعانون من مشاكل سلوكية، وهو موقف بحاجة لبحث وتقصي حوله .

وبعيدا عن المواقف الاخلاقية المتعلق بالجنس، تتفق أغلبية المبحوثين على أن الكتابة على جدران الحمام نوع من التمرد على القيم الاخلاقية في المجتمع بنسبة قدرها 69.4%، وهو موقف جداً معبر فطبيعة القيم والثقافة بالأغلبية العظمى للمواضيع المطروحة في الحمامات هي عبارة عن تابوهات ومحرمات من قبل المجتمع خصوصاً، اذا كانت لها علاقة بالثالوث المحرم "الجنس والسياسة والدين"

فيما يلي بتفسير الاخصائيين الاجتماعين لبعض المظاهر المرتبطة بالكتابة بالحمام، فإننا سنقوم بعنونتها كما يأتي:
1. تفسير كتابة رقم الهاتف
يتفق ما نسبته 37% من حجم المبحوثين من الاخصائيين الاجتماعيين (من عينة البحث الحالي) على ان كتابة رقم الهاتف في الحمام هو عبارة عن تواصل اجتماعي وتسلية، حيث يقول احدهم" يوجد لديه حاجة للتواصل" و25.5% هو عبارة عن محاولة للتعارف على الجنس الآخر، خصوصاً المختلطة منها، ونحن نعتقد ان جزء ما سبق هو صحيح، ولكن نستطيع أن نضيف جانب آخر مهم في التفسير هو قيام الطلاب الذكور بالتسلل إلى حمامات الإناث وكتابة ارقامهم.

2. تفسير التوقيع
اجمعت اغلبية المبحوثين على ان ترك التواقيع من قبل المراهقين هو عبارة عن "تفريغ المشاعر وتأكيد الشعور بقيمة بالذات" بنسبة مئوية قدرها 54.7%، او ترك بصمته للمكان بنسة قدرها 6.5%، وترك الفرد لتوقيعه أو لاسمه بغض النظر عن المواضيع التي قمنا بالتحليل على أساسها، إلا اننا نميل ان هنالك شعور للفرد دائما لترك بصمة له في مكان يتواجد فيه، بغض النظر عن ذلك المكان.

3.تفسير الرسومات الاباحية
تعد الرسومات الاباحية من أكثر المواضيع التي تم الاتفاق عليها في التفسير من قبل الاخصائيين، ولذلك لدلالة الرسمات ومضمونها ووضوح الرسالة فيها، حيث أجمع ما نسبته 77.3% من الاخصائيين على أنها عبارة عن تفريغ واشباع جنسي، يقول احد المبحوثين " للتعبير عما يخالجهم من مشاعر لا يستطيعوا البوح عنها فممكن ان يكونوا قد رأوا هذه الرسومات أو من نسج الخيال"، ولا بد لنا من التنويه مجدداً أن الرسومات الجنسية كانت متواجدة بكثرة في حمامات الذكور وحمام واحد مختلط، وكما سبقت له الاشارة أن الذكور يميلون اكثر للاثارة البصرية في حين الاناث السمعية.

4. تفسير الاشعار الرومانسية
تميل الأغلبية من المبحوثين الاخصائيين على أن كتابة الشعارات الرومانسية تعود لموانع ثقافية بنسبة 27.3% كما يشير بعضهم " نوع من التعبير عن العواطف غير المسموح به، ولان التعبير على الدفتر سوف تكتشف" وأخرى لتجربة عاطفية قد مر بها المراهق بنفس النسبة 27.3%، على حد قولهم" تعبير عن حالة نفسية عاطفية يمر بها الطالب، فيجد في هذا المكان عدم وجود رقابة والبوح بها بداخله لكل حرية " ونميل نحن إلى التفسير الأخير، حيث من خلال اطلاعنا على الكتابات في الحمام كانت أقرب إلى الارشيف الذاتي لبعض التجارب العاطفية خصوصاً الاناث منها.

وخلاصة، نستطيع القول: أنه بالرغم الموقف السلبي للاخصائيين الاجتماعيين الذين شملتهم عينة البحث الحالي للتعرف على اتجاهاتهم نحو الكتابة في الحمام: باعتبارها ظاهرة غير حضارية، إلا أن اغلبية الاتجاهات كانت ايجابية ومتفهمة، وبحاجة للتعامل مع الظاهرة كظاهرة صحية تعكس القضايا التي ليس من الممكن طرحها.
خلاصة البحث
هدفت الدراسة الحالية للتعرف على مضمون الكتابة في الحمام وامكانية وجود فروق من حيث الكم والنوع ما بين الذكور والاناثمن جهة، والتجمع الجغرافي من جهة اخرى، والتي جاءت فيه النتائج مؤكدة على خضوع الاناث للقيم والعادات والتقاليد أكثر من الذكور، وكانت حجم حضور المرأة في موضوع الرومانسية اكبر بكثير من الذكور، في المقابل كان حضورها في السياسة والجنس أقل من الذكور، وهو ما يعد أن كتابة المرأة أكثر أدباً وتفاعلاً من الذكور، ومن جانب آخر أثبتت نتائج الدراسة الحالة إلى وجود فروق في جميع محاور التحليل بين منطقة الوسط والريف الشرقي والغربي في محافظة بيت لحم لصالة منطقة الوسط، والذين انتجوا كتابات ورسومات أكثر من المناطق الريفية والشرقية، نظراً للانفتاح النسبي الذي تشهده المنطقة، وفيما يتعلق بمواقف الاخصائيين الاجتماعين فقد اتفق ما نسبته 69.4% على أن الكتابة على جدران الحمام هي نوع من التمرد على القيم الاخلاقية في المجتمع، والتي تحول دون قدرة المراهقين التعبير عن مشاعرهم ومواقفهم.

















التوصيات
بعد الانتهاء من اجراء البحث الحالي، وفي ضوء تحليل المضمون للمواضيع الاساسية المطروحة في الحمام، وتعاملنا معها كخطاب مستتر يعكس الهموم والتطلعات والمواقف التي تنساب من مواجهة المجتمع، وتباين تلك المواقف والاحتياجات ما بين النوع الاجتماعي وحسب المنطقة، فإننا نوصي بما يلي:
• بناء خطط واستراتيجيات للتعامل مع تلك الاحتياجات والمواقف بطريقة علمية، دون أخذ موقف منها، مأخوذ بمنطلقات ثقافية وقيمية نرفضها، بل التعامل معها على أنها مؤشرات لبعض المشاكل والقضايا التي يواجهها المراهقين في مثل هذا العمر، خصوصاً تلك القضايا المرتبطة بمشاعر الحب والرومانسية، والثقافة الجنسية التي تعكس بصورة أو باخرى مرحلة النمو الجنسي والاجتماعي لهم، والتركيز على مناطق الريف الشرقي من عينة البحث.
• من المهم الالتفات إلى اهمية التفريغ من قبل المراهقين عبر التعبير عن مشاعرهم على أوراق والتعامل معها دون الاطلاع على من يكتبها، والتي عبرت فيه تجربة مدرسة من منطقة الوسط عن تناقص الكتابة في الحمام نتيجة تبني هذه الاستراتيجية من قبل الاخصائية الاجتماعية فيها.
• من المهم إجراء دراسة أخرى تأخذ بعين الاعتبار المتغيرات التالية في التحليل : المكانة الاجتماعية والاقتصادية للمراهقين، المدارس الخاصة والعامة، المدارس المختلطة وغير المختلطة، المراحل الإعدادية والثانوية، والتي بالضرروة ستكشف أكثر عن تشابهات او اختلافات فيما بينها، وتقوم باعطائنا صورة أكثر شمولية عن موضوع البحث الحالي.










المصادر والمراجع
المراجع باللغة العربية
بوعزيزي، محسن (2010). السيميولوجيا الاجتماعية. مجلة إضافات، ع 9، 71-87.

حسين، جعفر (2011، 30 تشرين الأول). ظاهرة الكتابة على الجدران: بحث تحليلي متعدد الابعاد، جريدة القدس العربي، ع. 6961.

حمدوش، رشيد (2012). مسألة الرباط الاجتماعي وسوسيولوجيا الحاة اليومية او المعاش. مجلة إضافات، ع 17-18، 111-125.

الحميدي، سهاد (2009). دراسة لغوية اجتماعية لظاهرة المغالاة (الشوفنية) لدى الشباب الاردني كما تعكسها الكتابة على الجدران.(دراسة ماجستير غير منشورة). الجامعة الاردنية، الأردن.

حيوك، دانة (2007). "الكتابة في الحمامات.. مدلولات نفسية.. أم شخبطات"، جريدة القبس 23.3.2007 (روجعت بتاريخ 18.8.2012).

السيد، نانسي (21 مايو 2013). "الأرقام والإحصاءات .. الشبكات الاجتماعية في العالم العربي"، ديجيتال قطر، (روجعت بتاريخ 27.7.2013)

محمد، ابراهيم، طارق محمد (1994). شعارات الانتفاضة: دراسة وتوثيق. لندن: منشورات فلسطين المسلمة.

العنزي، سند (2010). الكتابة على الجدران دراسة اثنوغرافية على المدارس في حي الخليج بالرياض. (رسالة ماجستير غير منشورة.( جامعة الملك سعود- قسم التربية، السعودية.

عويس، سيد (2000). هتاف الصامتين : ظاهرة الكتابة على هياكل المركبات فى المجتمع المصرى المعاصر. مصر: الهيئة المصرية العامة للكتاب.

المراجع باللغة الانجليزية

Arluke, A., L. Kutakoff & J. Levin (1987). Are the Times Changing? An Analysis of Gernder Differences in Sexual Graffiti. Sex Roles, Vol.16,No.1/2,pp.1-7.

Bates, J. & M. Martin (1980). The Thematic content of Graffiti as a Nonreactive Indicator of Male and Female Attitudes. The Journal of Sex Research, Vol.16, No.4, pp. 300-315.

Bartholome,L. & Ph. Snyder (2004). Is It Philosophy´-or-Pornography? Graffiti at the Dinosaur Bar-B-Que. The Journal of American Culture, Vol.27, No.1,pp.86-98.

Bruner, E. & J. Keslo. (1908). Gender Differences in Graffiti: A semiotic Perspective . Woman’s Study International Quarterly,Vol. 3. No. 2/3, pp. 239-252.

Dundes, A. (1966). Her I Sit- A Study of American Latrinalia. Kroeber Anthropological Paper 34,pp.91-105.

Farr,J. & C. Gordon (1975). A partial Replication Of Kinsey’s Graffiti Study. The Journal of Sex Research, Vol. 11, No.2, pp.158-162.

Kody, S. (2006, July 15th). If Only the Walls could Speak: Restroom Graffiti as Uninhibited Indicator of Public Attitude. In the annual meeting of American Sociolgical Association, Montreal Conversation Center-;- Montreal, Quebec, Canada, August 10th 2006, (Accessed 15.7.2013) . >www.allacademic.com.<

Kinsey, A. , B. Pomeroy, C. Martine & P. Gebhard (1953). Sexual Behavior in the Human Female. Philadephia: W.B. Saunders .

Lian, E. (2009). Design Invasion From the Streets: A Study of Street Art’s Application in Design. (Unpublished M.A. Thesis). The Ohio State University, Program in Industrial, Interior, and Visual Communication Design.

Loewenstine, H., G. Ponticos &M. Paludi (1982). Sex Differences in Graffiti as Communication Style. The Journal of Social Psychology, No.117,pp.307-308.

Matthews, N., L. Speers, J. Ball (2012). Bathroom Banter: Sex, Love, and the Bathroom Wall. Electronic Journal of Human Sexuality, Vol. 15 (Accessed 17.8. 2012.
>www.ejhs.org<.

Munoz- Basols, J. (2010). Los Grafiti Tabula como Metodo de comunicacion, espacio y destinatario. Revista de Dialectologia y Tradiciones Populares, Vol. LXV,No.2,pp. 389-426.

Othen-Price, L. (2006). Making their mark: Psychodynamic view of adolescent graffiti writing. Psychodynamic Practice, Vol. 12, No. 1, pp. 5-17.

Otta, E., P. Samntana, L. Lafraia, R. Hoshino, R. Teixeria & S. Vallochi (1996). Musa Latrinalis: Gender Differences in Restroom Graffiti. Psychological Reports, No.78, pp. 871-880.

Otta, E., (1993). Graffiti in the 1990s: A Study of In-script-ions on restroom walls. Journal of Social Psychology. Vol. 133, No. 4,pp.589-590.

Stoker, T., L. Dutcher, S. Hargrove & E. Cook (1972). Social Analysis of Graffiti. The Journal of American Folklore, Vol. 85, No. 338, pp. 356-366.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,607,466,126
- فلسطين: كلمات موجعة وكتابتها مؤلمة... بلد الالتباسات
- الفاعل الاجتماعي( 1) : رؤية نقدية على ضوء تحديات المشهد الفل ...
- فشة خلق تعبوية بفلسطين الهوية والمنهاج
- شذرات سريعة في المخيم والقدس والقهر
- وسائط الاتصال/الاعلام وثقافة المقاومة الفلسطينية: من حرب الع ...
- فلسطين: يوجد مقاومة ولكن ليس هنالك انتفاضة ؟ من يقرر ذلك؟
- سلطة القمع والخضوع والتمرد ما بين سلطة أوسلو وقهر الاستعمار؛ ...
- أن تعمل في بيئة غير قابلة للعمل: نحو تأصيل مفهوم وممارسة الع ...
- استطلاع رأي بمناسبة الاحتفالية ب 40 سنة لتأسيس جامعة بيت لحم
- الحركة الطلابية الفلسطينية ما بين الواقع والامكان *
- الثقافة المدنية: حصار الثقافة وغياب المدينة في فلسطين
- الحركة الطلابية في بيت لحم
- تحليل نقدي للمجتمع الفلسطيني: البنية الثقافية والمجتمع المدن ...
- مكونات وعناصر المجتمع المدني في الخليل (فلسطين)
- الخطاب السياسي لدى الطفل الفلسطيني: أطفال مخيم الدهيشة بين ر ...
- ثقافة المدن، مرآتها سكانها: دراسة مقارنة ما بين الخليل وبيت ...
- المرأة والمشاركة السياسية
- محاولة بحثية لموقع ومكانة المرأة في المؤسسات الاسلامية في فل ...
- ملاحظات عامة في قضايا مرتبطة بالمدن العربية
- القهر الاجتماعي والفراغ السياسي وأزمة الشباب: مخيم الدهيشة ا ...


المزيد.....




- العلماء ربما توصلوا إلى السبب وراء حدوث الحازوقة لدى الأطفال ...
- لم يجد ورقة.. شاهد أين وقّع -ميسي- لموظف فندق أقام به في الر ...
- ماذا يحدث داخل احتجاجات إيران وكيف ردت الحكومة والمرشد؟
- اللجنة الدولية لحقوق الإنسان تراقب المشهد في إيران وتدعو لوق ...
- نائب في البرلمان الألماني: الولايات المتحدة وتركيا من -حفاري ...
- تدريبات عسكرية إسرائيلية مفاجئة قرب الحدود مع سوريا ولبنان
- أمطار غزيرة في الكويت ومخاوف من تكرر سيناريو 2018 (فيديو)‎
- المحتجون يغلقون مدخل ميناء أم قصر مجددا في العراق
- عراقيون يبتكرون نسختهم الخاصة من نشيد المقاومة الإيطالية ضد ...
- شاهد: زعيم كوريا الشمالية يشرف على تدريبات للقوات الجوية


المزيد.....

- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُهُ وسَلْبِيَّاتُهُ (1) / غياث المرزوق
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُهُ وَسَلْبِيَّاتُهُ (2) / غياث المرزوق
- مدخل اجتماعي لدراسة الإلحاد في المجتمع العراقي المعاصر* / محمد لفته محل
- تفكيك العنف وأدواته.. (قراءة سوسيولوجية عراقية سياسية)/ الكت ... / وديع العبيدي
- العمل والملكية.. في التوازن التاريخي للديموقراطية الاجتماعية / مجدى عبد الهادى
- امرسون وإعادة بناء البراغماتية / عمر إحسان قنديل
- الرسائل الرمزية الصامتة في المدرسة: الوظيفة الاستلابية للمنه ... / علي أسعد وطفة
- الهيبة قوة عملية أيضاً / عبدالحميد برتو
- بصمات الأرواح / طارق أحمد حسن
- البيان الفلسفي الفدرالي / حفيظ بودى


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - بلال عوض سلامة - سوسيولوجيا الكتابة بالحمام: تحليل مضمون كتابة ورسومات المراهقين في حمام المدارس الثانوية