أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - عماد حياوي المبارك - شادي















المزيد.....

شادي


عماد حياوي المبارك
(Emad Hayawi)


الحوار المتمدن-العدد: 4767 - 2015 / 4 / 3 - 22:01
المحور: كتابات ساخرة
    


شادي

((هذه حكاية واقعية لكن ليست مئة بالمئة، فيها فبركة))

ليس هناك أدنى شك بأن (شادي)* أسم سهل بلفظه وبحروفه، والأهم من ذلك فهو أسم ذا معنى جميل يأخذك إلى عالم الصوت البديع واللحن الحالم، وقد اُخذ منه التأنيث (شادية)، فتداولته العرب كثيراً، ومن يشدو ـ إنساناً كان أم طيراً ـ إنما يغذينا ويبهج النفس والروح بما يعجز طعام، أي طعام عن تحقيقه.

الاسم وارد ومنتشر في كل بلد ناطق بالعربية، إلا نحن بالعراق، فأن لم أكن مخطئاً، ليس هناك عراقي يحمل هذا الاسم إلا نادراً، ونادراً جداً، وأقل حتى من عدد أصابع اليد !
ذلك لأن في العراق ـ وللأسف ـ بدل ما يأخذنا لعالم الغناء والطرب، يذهب بنا الى (الزوراء) وبالتحديد لحديقة الحيوان، وبدل أن نتعلق بالألحان الحالمة، تجدنا نتعلق... بغصن شجرة !

قد يجزم البعض بعدم سماع هذا الاسم بالعراق نهائياً، ويقول أنني قد أخطأت حين قلت أنما يوجد منه القليل، لكن ولكي لا نختلف فأنني متأكد من وجود شخصاً واحداً، وهو ـ للأسف ـ قد هاجر منذ زمن بعيد ولا أدري اليوم أين أو أية جنسية يحمل أو هل (يتذكر) أن أصله عراقي أم لا !
× × ×

كان والدهُ مدرس موسيقى في المدينة، يتجول بين المدارس الابتدائية ليعطي دروس في العزف والإنشاد.
كنا كل يوم أربعاء ندخل بسعادة إلى قاعة المسرح لنتلقى درساً في الموسيقى، نحن طلبة الصف الثالث، نتدرب العزف على آلة الأكورديون وآلات النفخ والإيقاع.
وكنا نردد بأشرافه موشحات أندلسية وأغانٍ وطنية تتغنى بالعراق، عن علـَـمه وأرضه وأعياده وعن مياهه وأشجاره، فيقوم بحشر أذنه بين شفاهنا، وكلما يحسّ بصوت نشاز أو (تغريد) خارج السرب، يربّت بنعومة على الكتف، فيتوقف الطالب أو الطالبة بينما يستمر الآخرون... وهكذا حتى يبقى فقط عشرة من بين ثلاثين، فيكونون هم الفائزون.

الغريب أنه كان له حسّاً شديداً بتلقي الصوت، فقد كان يختار نفس المجموعة، أو على الأقل الأغلبية هم ذاتهم يتبقون في كل جلسة استماع، لكني لم أكن يوماً ـ لسوء حظي ـ واحداً من بينهم !

استأذنا هذا أرمني طويل أبيض البشرة بعينين عسليتين وشعر خفيف جداً يكاد يجعله أصلعاً، يسكن وعائلته في دار بحديقة وارفة تمتد على نهر (ديالى) بعيداً عن المدينة بقليل، وكان من بين قلائل يمتلك سيارة فيصطحب في كل صباح للمدرسة، أبنته (ألحان) وأبنه تعيس الحظ... (شادي) !

هذا الرجل مصلاوي بصراوي، كيف ؟

والداه مصلاويان، عمل أبوه في شركة نفط العراق (الآي بي سي) بكركوك، ثم نُقل للبصرة كمترجم مع الانكليز، حيث كان باستطاعته أن يتكلم ويفهم لكنه لا يقرأ ولا يكتب، أسكنه الانكليز معهم بالبصرة، فنشأ أبنه هناك، يتكلم انكليزي مع الجيران، وبصراوي بالمدرسة، ومصلاوي في البيت !
سافر لمصر لإكمال دراسة الموسيقى بعد أن زاد ولعه بالآلات الغربية على يد رفاقه الانكليز بالبصرة، وهناك حصل على شهادة بالموسيقى، ولأنه كان وسيماً يام شبابه، فقد حالفه الحظ ليتزوج آنسة قبطية وليعود بها للعراق مع (ألحان وشادي).

أولى الصدمات التي تلقاها في العراق، تعيينه بمديرية تربية لمدينة ذات مجتمع محافظ وناس بينهم وبين الموسيقى (الغربية) بحر، لم يجد الرجل أجهزة موسيقية أو معدات صوت وتسجيل ولا قاعة ولا أي شيء...

وحين طلب مقابلة المحافظ، كان قد سطـّرَ في قائمة طويلة مجموعة طلبات (للنهوض والارتقاء) بالواقع الموسيقي بالمدينة، كان يتصدرها شراء (بيانو)، أستعجل بطيّها ودسها بجيبه قبل أن يقدمها، بعد سماعه إمكانيات (المتصرفية) والأموال المخصصة لهكذا نشاط !

لكن ذلك لم يثنهِ الاستمرار بتدريب (شادي) على ما متاح، بعد أن لاحظ أن الموسيقى واللعب على الأجهزة الموسيقية تستهوي ولده الصغير.
× × ×

كان (شادي) يلاحظ كلما تنده المعلمه أسمه، بأن (عاصفة) من الضحك والتعليق تعلو، وحين عاد ليسأل أمه بادئ الأمر، لم تعرف ما تجيبه، وبدل أن تسأل أبيه، راحت للمدير تشكي معلميه وثلاثون طالباً، هم جميع زملائه، عادت متحيرة أكثر، فبدل أن يحل المدير مشكلة أبنها، وضعَها بدوامة أصعب لتُدرك بأن المشكلة أكبر من أن تُحل بوعود !

... زادت عزلة الولد المسكين برغم قيام أبوه بنقله لمدرسة (نموذجية)، ولم يجد إلا متطوعاً واحداً رضي مزاملته، هو الآخر كان (يرتل) بحرف السين فيقلبه ثاء، حينها هزت المعلمة يدها وأطلقت مَثل لم يفهمه الطلبة وقتها لكنهم حفظوه لأنها لم تكف تردده كلما التقت معلمة أخرى.
كانت تقول وأصبعها يصوب ناحيتهما... (إلتم المكرود على خايب الرجا) !
عقبت أحد المطبقات يوماً، أن مشكلة زميله ستتكفل الأيام بحلها، حيث سيكبر وسيتمكن من تحسين لفظ السين، لكن مشكلة (شادي) ستكبر معه ولا سبيل لحلها !
× × ×

كبر شادي وكبرت معاناته، واستمر الصف يضحك ولم يقدر الولد أن يقاوم التيار، فأستسلم لأمره وانزوى بعيداً عن الجميع...
أخيراً (أخذت الأم بعضها) كما يقول أهلها المصريون، وسافرت بالعطلة الصيفية لمصر بطفليها، ثم عادت مع (ألحان) فقط، حيث بقي (شادي) لدى أخواله لفترة ثم انتقل فيما بعد لجماعة جدّهُ ببلد العم (أبو ناجي) ليعيش حياته هناك.
× × ×

قد يكون اليوم عازف بيانو من طراز خاص، فكلما يبث التلفزيون عزفاً جميلاً على البيانو، أتمنى أن يكون (شادي) اللاعب عليه...

ربما كان أسمه ـ كعراقي ـ كافٍ لقبول لجوءه في أي بلد أوربي، فمعاناته خاصة، ليست أنسانية ولا سياسية، نوع فريد، لجوء (أسمائي)... والله أعلم !

عماد حياوي المبارك

× شدا ـ يشْدو ـ فهو شادي، شدَتْ ـ تشْدو ـ فهي شادية.

لنستمع معاً للصوت الملائكي فيروز وهي تعاني ـ في الأغنية ـ من فَقد (شاديها) حيث تقول كلمات أغنيتها بأنها تتذكر منذ عشرين سنة كيف فقدته أيام الحرب، وبقيت بعد طول سنين وَفية لذكراه ولم تفقد الأمل بلقياه...

من زمان وأنا وصغيرة
كان في صبي
يجي من الأحراش
ألعب أنا و ياه
كان... اسمه شادي

أنا وشادي غنينا سوا
لعبنا على الثلج ركضنا بالهوى
كتبنا على الأحجار قصص صغار ولوحنا الهوى

ويوم من الأيام ولعت الدنى
ناس ضد ناس عالابها التني
وصار القتال يقرب عالتلال والدنيا دنى
وعلقت على أطراف الوادي
شادي ركض يتفرج
خفت وصرت اندهله
وين رايح يا شادي
اندهله ما يسمعني
ويبعد يبعد بالوادي

من يومتها ما عدت شفته وضاع شادي
و التلج اجه وراح الثلج
عشرين مرة أجه وراح الثلج
وأنا صرت اكبر وشادي بعده صغيّر وعم يلعب على الثلج

الرابط مع فيروز وشادي وأمتع الأوقات.

http://www.youtube.com/watch?v=hYo21gxf-qc





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,568,727,671
- طوبة كريكر
- طابع أبو الدينار
- مجرد خلخال
- دقّ الجرس
- حدث في (الفاكانسي)
- وقودات
- (الله سِتر) !
- مَن القاتل؟ ج 3
- من القاتل؟ ج 2
- مَن القاتل؟ ج 1
- لعنة الكويت
- ظاهرة البرازيلي
- صراصر... بنات عوائل
- حلال... حلال
- عيون... (العيون)
- (حبيبة)... الحبيبة
- ما في حد... أحسن من حد !
- عصر الفولاذ
- السبي في التاريخ
- جداريات... (تشوّر)!


المزيد.....




- أفلام المهمشين.. أفضل 5 أعمال ناقشت قضايا الفقراء
- انتحار الشاعر الكردي محمد عمر عثمان في ظروف غامضة
- فنانون لبنانيون يحاولون -ركوب- موجة الحراك الشعبي
- بالصور... لأول مرة في تونس تدريس اللغة الإنجليزية للصم
- فرقة -الأمل- الصحراوية تقدم أغانيها الفلكلورية والمعاصرة في ...
- التحفة الملحمية -الآيرلندي- تفتتح الدورة 41 لمهرجان القاهرة ...
- ماجدة الرومي ترد على تأخرها في التضامن مع التظاهرات اللبناني ...
- -اليمن عشق يأسرك-.. فنانة قطرية ترصد السحر في أرض بلقيس
- فنانون يقتحمون تليفزيون لبنان احتجاجا على عدم تغطية المظاهرا ...
- بالفيديو.. فنانون يقتحمون مقر تلفزيون لبنان


المزيد.....

- التقنية والحداثة من منظور مدرسة فرانكفو رت / محمد فشفاشي
- سَلَامُ ليَـــــالِيك / مزوار محمد سعيد
- سور الأزبكية : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني
- مقامات الكيلاني / ماجد هاشم كيلاني
- االمجد للأرانب : إشارات الإغراء بالثقافة العربية والإرهاب / سامي عبدالعال
- تخاريف / أيمن زهري
- البنطلون لأ / خالد ابوعليو
- مشاركة المرأة العراقية في سوق العمل / نبيل جعفر عبد الرضا و مروة عبد الرحيم
- التكوين المغترب الفاشل / فري دوم ايزابل
- رواية ساخرة عن التأقبط في مصر بعنوان - البابا / الصحفي الراحل في جريدة البديل اليسارية المصرية/ محمد ربيع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - عماد حياوي المبارك - شادي