أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نبيل عودة - يوميات نصراوي: كنت معها















المزيد.....

يوميات نصراوي: كنت معها


نبيل عودة

الحوار المتمدن-العدد: 4767 - 2015 / 4 / 3 - 20:47
المحور: الادب والفن
    


يوميات نصراوي: كـنــت مـعـهــــا
(ملاحظة:هذه قصة وليست قصة، انها تسجيل يكاد يكون خلوا من الخيال القصصي، هي ليست قصة بالمفهوم الشكلي ، أي دمج الخيال بالواقع، نشرتها كقصة، لكنها جزءا من أجمل ما يحمله الإنسان في قلبه وعقله عن أيام مضت ولن تعود، وهل بقي ما اخاف منه او عليه عن اسرار تغفو في صدري؟!طبعا القدرة السردية تلعب دورها..)
نبيل عودة

ان يعيدك تلاقي نظرات غير متوقعة الى ما كنت تظن انه محي من سيرتك وتاريخك، تلاشى من ذاكرتك واضمحل اثره في وجدانك، ان يحيي ذلك اللقاء الصامت، ما صار منسياً ثم الاندفاع بالنظرات للبحث في القسمات والتعابير بلهفة وعبر لقاء فجائي بين زوجين من العيون، فيعود المنسي ببريق متوهج ينجلي تماما بأبهى صوره، يكثف جوهره، يتجذر وكأنك تواصل ما كان بلا انقطاع ، يسيطر بلا مقدمات … بدفقه السحري على ذهنك، من شدة مفاجأتك وارتعاشك تكاد تطفر دمعة، ليست دمعة فرح بعد لقاء، لم يكن بينكما لقاء، ليست دمعة حزن على فراق، ما كنتما في لحظات فراق، كان لقاء لم تشارك فيه سوى نظراتكما وانفاسكما ، مع ذلك تمنيت ان لا تؤول اللحظات الى انتهاء، ان لا تفنى الدقائق، ان يتوقف كل ما في العالم عن الحركة، ان يتجمد، تتشابه كل النساء في العالم في حياتك الا هي، تشابهت كل الاختراقات وبقي اختراقها سراً مكتوماً ... تشابهت كل القبل وبقي لقبلتها طعم النبيذ المعتق.
تجلس ضامة شفتيها بهدوء رخيم، لا يتحرك فيها الا عيناها المتنقلتان بين عينيك وبين صحن الطعام. نفس النظرات ونفس الاناقة ونفس الجاذبية.
هل عرفتك؟
نظراتها تقول نعم، قسمات وجهها لا تقول شيء ... ربما تقول ..؟؟
أيقنت ان الذكريات لا تعترف بالزمن، لا تستسلم للانتهاء ، فوجئت بارتعاش اطرافك ووجيب قلبك، غبت مجبراً عما حولك ... كنت موجوداً بجسدك وغائباً بذهنك وها انت ترحل الى حلم بعيد تكتشف نفسك من جديد.
تفزعني كثافة حلمي . أهو حلم يعتريني ام واقع غريب كالاحلام ؟ كالسحر ؟ هزتني المفاجأة ونقلتني من حال الى حال . كنت كمسافر اضنته الطريق واخذته بعيداً، أرهقته المسافات، تاه طويلاً في المساحات، خطفه الحزن وتنازعته شتى الامنيات والرغبات، كرب وفوضى رغم الحقيقة الواضحة ، متيبس في صحراء … تائه وفجأة ينطلق الرذاذ الرطب الى وجهي …
التقطت انفاسي طالباً المزيد، ما كانت من وسيلة للمزيد الا نظراتي، فيزداد حلقي تيبسا،ً تزداد شفتاي جفافاً، ازداد لهفة وازداد لوعة.
من لي بقاهر الزمن يمحي من ذاكرتي فراقها؟ ربما يعيدني اليها، يعيدها الي لأغير ما جرى، لنغير نبض أيامنا، نعطي لما بقي من عمرنا وعشقنا رونقه المقدر، نعيد أجمل ما في العمر ونواصله .. نجدد الوصال ونجدد العشق.
كنت اظن ان الزمان كفيل بطي ما كان ... ينهي الرغبات ويبدد الأحلام ، فاذا الزمان يخر صريعاً امام رحيق امرأة جعلت مني غير ما انا .
زرعت في أحاسيسي رعشات قبلاتها، ملأت الهواء حولي بخمرها، بعبقها، برحيقها، بطعم النبيذ الفاخر المعطر بفعل الزمن، يبعث بمجرد التفكير فيه تخديراً لذيذاً يجري في الشرايين، يتدفق مع دمي لكل أطرافي ولا يتوقف…
لا أدري ما يراودني. أبحث عن استراحة ارتب فيها نفسي واوراقي ويقيني لأعود أتابع حلمي البعيد.
أهو حلم حقاً؟ ربما رغبات ضائعة؟ ربما أوهام؟ أو حقيقة لم تتم؟ عدم تمامها يعذبك؟ هل تقدر الأحلام ان تحفظ رحيق امرأة ونشوة ابتعد بها الزمن؟! هل الزمن وهم… تخيلات ام حقيقة موضوعية؟
انتهى كل شيء قبل عقدين ونصف العقد. من السهل قياس حياتنا بالزمن ومن المستحيل قياس ذكرياتنا بالزمن. الزمن معادلة قهرية لا تستقيم مع الحب.
ربما ما يعتريني يؤهلني لكتابة نظرية عشقية في مفاهيم الزمن والصبابة؟ لكن رحيق المرأة لا يؤمن بالزمن، لا يؤمن بالمقاييس الثابتة… كم اتمنى الاقتراب من ملتقى الرقبة بالكتف، لأستنشق خمرة أنوثتها بعمق وحرية.
هل أنا في عالم ملموس ام في زمن خرافي؟ هل يحد الزمن سحر امرأة؟ هل يقضي على الاحساس بالنشوة التي كانت؟
أقول لنفسي ان الصبابة لا تؤمن بالزمن. العاشق لا يؤمن بالزمن، لكن لا شيء يوقفه، الزمن لا يتوقف. ربما انا بحاجة الى شيء من الادراك؟ هل في الجنون ادراك؟ هل في هذا اللقاء ادراك؟
أحياناً تبدو الكتابة عن المحسوسات غير المادية مستحيلة عبثية، لأن عالمنا المادي لا يعترف الا بالموضوعات المرئية والملموسة، ان خروجنا عن هذه القاعدة يرسلنا بعيداً نحو الغيبيات.
لوهلة لم اثق انها هي
. ترددت غير اني تأكدت من نفسي . هذه تفاصيلي التي أعرفها. تمتد يدي المعروفة لي تماماً نحو كأس النبيذ... أبيض يميل الى الاصفرار.
طعمه معروف لي ولساني يعتصر بتلذذ أخر ما تبقى من الرشفات، لا أشعر بقدمي، لكني متأكد من ملكيتهما، هذه يدي اليسرى تسند ذقني وأنا مسحور من المفاجأة، عيناي ترفضان الإبتعاد والتعقل، لا ارادة لي في زجرهما، ذهني يتلقى وقائع اللقاء المرئية مما يثبت انهما عيناي حقاً، تحسست رأسي متقيناً ان موقعه لم يتغير، ربما انا بحالة هلوسة من فعل الخمر؟ لكن الخمر لم تغدر بي في السابق ولم تتغير العلاقات المتوازنه بيننا .
بالكاد تذوقت النبيذ في كاسي، ما حان وقتها لتفصح عن نفسها ملوحة زاجرة .. فأي خطوب تلم بي؟! أي طقس يعتريني، أهو طقس سكر ام طقس الحب؟ أم السكر والحب بتعاون لا يعرف الخلاف؟ هل لي بشفيع يخفف حيرتي؟ يفرج كربي ؟ يرشدني؟ تكررت النظرات وتشعبت الذكريات، أحياناً تبدو الذكريات كلمحات لا يمكن الوصل بينها .. كتناقضات من المحال ان تشكل وحدة واحدة، غير ان يقيني التام ان الحب لم يهجر جوانحي … والا ماذا تسمي الاحاسيس التي تدغدغني ؟!
غرقت في نفسي لاستجلاء انصع ما يكون من ترابط للذكريات التي تعصف بي . اوراق كثيرة تنتعف بوجهي، ألهث وراءها لاجمعها في نسق صحيح وارتبها بذهني ، ضفيرة وراء ضفيرة.
هل كنت أتمنى لقاء بلا ميعاد؟ هل كان اللقاء ضمن توقعاتي ؟ خمس وعشرون عاماً تندفع في لحظة لا تقاس بمقاييس الزمن المتعارف عليها. تتوالد من الابعاد مشاعر ما كنت اظن انها ستعود لي. هل سأكتفي بها؟ وهل تستعاد أيامنا من التاريخ؟ أم نبقى رهائن للذكريات؟ ما تبقى لي منها اطلال من الأحاسيس لا تغادرني. اخاف ان تغادرني . ربما توهمت اني نسيتها. ربما تناسيتها عجزاً من الوصول اليها؟ تناسيتها لتخفي هزيمتك؟
فجأة تكتشف ان ربع قرن يفصل بينكما وامتار قليلة تبعدها عنك. قريبة وبعيدة المنال … ربع قرن لم المحها ولم تلمحني، ها هي تجمعنا لحظة مجنونة كغرباء، لا يستطيع ان يقترب احدنا من الأخر ليتأكد بالملموس من صدق المحسوس … ليتني اعانقها ولو للحظة، أكون قد حققت مرادي في الحياة.
قلت لنفسي الحب لا يعرف الاستقرار. لا أذكر اني لمحتها منذ تباعدنا، انا متأكد من ذلك. أنا واثق انها لم ترني منذ ودعتني بقبلة رطبتها دموعها، هل تنسي تلك القبلة ؟ هل يتغلب الزمن على حرارتها وملوحتها …؟ هل ينسى وجيف القلب حين تتلامس الشفاه؟!
لم يكن فراقنا تنافراً انما كان قراراً وحيد الجانب. قالت انه ادراك للمسؤولية. رأيت به ادراكاً مشوهاً لحقيقة مشوهة، كان الأحرى بي التحدي. كنت مستعداً للتحدي... لكنها أصرت على الابتعاد. ألتزمت برغبتها مغلوبا على أمري. قلت لنفسي ان الانسان يحمل في داخله ضده. ليتني تمردت..
كان التعارف بيننا سريعاً وغريباً وبلا مقدمات وبلا اجتهاد ، بادرتني:
- انت تشدني.
كانت تتوهج بجمال فطري، اضافت اليه أناقتها البارزة وحسن الاستعمال للاصباغ سحراً أخاذا.
لم افهم ما تعني "بتشدني"، بروز صفي اسنانها المرتبين بدقة من وراء انفراج ابتسامتها جعلني أفهم وأتغابى، اربكتني بجرأتها، لم اتوقع هجوماً بلا مقدمات، اعترف انها نجحت بارباكي كما لم يربكني احد من قبل .. ارباك انقلب الى سعادة ثم فراق ثم شقاء.
عرفتها في زيارة بيتيه لاحد اصدقائي، كانت تجلس في الصالون وتتبادل الحديث مع مجموعة من الصبايا في امور لا أذكرها، ربما لا أفهم منها شيئاً لو تذكرتها،. بعضهن ارتبك لدخولنا فصمتن اما هي فواصلت حديثها بنفس الحيوية بعد ان توقفت للحظة لرد التحية مرفقة بأبتسامتها … راقبتها دون ارادة بطرف عيني، كان فيها شيئاً مميزاً لا تكتشفه بسهولة ولكنه يشدك. وجدت نفسي أغوص بما لا عهد لي به، لم أستطيع مبادلة صديقي حديثه، لم يفهم ما يعتريني، ربما فهم وصمت، أخترقت احاديث الصبايا بلحظة مؤاتيه وبمهارة، قد تكون اثارت شكوك صديقي لتحولي المفاجيء من الملل بتبادل الحديث معه الى الحماسة بالحديث اليها … وللأخريات .
بدأ الاستلطاف من حيث لا أدري . وحدث التعارف من حيث لم أتوقع ، النظر اليها راحة، والرغبة بالازادة لا تعرف حدوداً. حين قامت لتذهب اعطتني يدها … أسلمت يدي بحماس ليدها، ضغطت بلطف وصعقتني "بانت تشدني" … بصراحة وبلا مقدمات وبلا توضيح اضافي .
قالت:
- سأتصل بك لنواصل حديثنا.
قرصني صديقي بخصري فجفلت . إنتبهت فابتسمت ولم تضف، انما استدارت لتخرج وراء صديقاتها.
عدت لمللي من مواصلة الحديث غارقا بتوقعات وتحليلات سحرية .
بعدها التقينا كثيراً ... ربما قليلاً .. يتعلق بمفهومنا النسبي للكثير والقليل، لكنها كانت لقاءات كافية لتوحد ما بيننا. كانت الفعل وكنت رد الفعل المشابه والمساوي له بالقوة . تفاهمنا ان الاعجاب متبادل وبنفس القدر وان الاستلطاف تم واكتمل…فنعم ما حصل.
قلت لنفسي ان كربي انفرج وأشرقت شمسي وهذه بداية حقيقية للحياة . قلت لنفسي هل تبيع اصلك الصعلوكي ومبادئك الملتهبة مقابل عشرتها؟! قلت لنفسي ان الصبابة هي الخمر والمباديء هي الأمر وهما مثل الليل والنهار، لا يحل الواحد مكان الأخر، انما يلتقيان في رقصة دائرية لا فكاك منها.
اندفعنا بعشقنا، غافلين عما تخبئه لنا الأيام، كانت وقائع حياتنا تتجلى بين لقاء ولقاء. كان لقبلاتها طعم خاص لم أعهده في مغامراتي الأولى، حتى توتري وهيجاني مختلفان، اكتشفت نفسي من جديد، اكتشفت الحب من جديد، انتشيت، سحرني ما انا به وتمنيت دوام الشروق، تمنيت دوام الاستقرار. قلت لنفسي :
- ما انا به لم يراودني حتى في احلامي وقلت : هذا منتهى احلامي ولن أطمع بامرأة غيرها.
كنت اريدها برغبة لا تعرف الحدود… قالت :
- اعرف ما تريد ، وانا اريده كما تريده انت ولكني لست بغجرية.
- الغجرية حارة حتى في الشتاء وحين ترقص تصبح مرغوبة أكثر.
- لا اعرف ما شدني اليك...ربما هذه حماقة حياتي الأولى.
- اضيفي اليها حماقة اخرى، لينزل على قلوبنا الأطمئنان والسلام وانا حاضر لأي ثمن تطلبينه.
قالت بشيء من الحدة والألم :
- هل انا بغي لتفاوضني على ثمن لحبي؟!
قلت مخففاً من زلتي :
- لا تفسري كلامي بغير معناه... انا اسير هواك…أصرخ مستغيثا ًللمزيد فأحتملي نزوات لساني… لن اتجاوز ما ترفضينه، لكن الرغبة مجنونة… ضمت راسي لمنحدر صدرها تحت الرقبة فتمنيت الا يؤول الزمن الى انتهاء، تفحصت بنظراتي معالم وجهها وامتداد الرقبة بين الذقن والكتفين محاولا المقارنة بالأصل الذي اعرفه. اجابتني بنظرة تقول اشياء ولا تقول شيئاً، أتستعيد هي ايضاً ذكريات ايامنا الملتهبة ؟ تحتفظ بطعم قبلاتي؟ بانسلال اصابعي بين خصلات شعرها ؟ بتفحصي مناطق صدرها المحظورة؟
كم تمنيت ان اكتشف بالرؤية ما ينتهي به انحدار الصدر، صدتني بقوانين عشقها الصارمة المتزمته. كنت احاول ان استجلي بالعناق عن طريق ضغط صدرها الى صدري، ما لم استجله بالرؤية المثبتة والقبض عليهما بالجرم المشهود.
صبرت حبيبتي على جنوني فتماديت .. لكنها وقفت بالمرصاد. قالت لي ان مبادئي الثورية هي تغطية ناجحه لعبثي . قلت وهل تنفي المبادئ الثورية الحب؟! قالت لكنك عابث.
كان حكمها غير قابل للاستئناف.
حددت المسموحات واكدت الممنوعات. قلت بأني سأتقدم لطلب يدها.فصدتني. قلت :
- انت تدفعيني للجنون، يستعصي علي فهمك …هل هناك قيمة لحبنا الا بالزواج؟
- افضل من ان تدفعني للندم .. انت مغرور. انت طفل، انت مستهتراً.. احياناً بلا تفكير؟
- ترفضين ما اؤمن به من افكار؟ الم تجمع افكارنا بيننا؟!
- ماذا تسوى بلا افكارك؟! ولكن ليت توازنك كأفكارك ، ليت تفكيرك كأفكاري .
- أكرر اقتراحي… أريدك زوجة لي، الزواج يعيد الي توازني، يوصلنا للسعادة .
- انا خائفة ! احبك وخائفة. اقول لنفسي اني لن استطيع ان اكون لغيرك. أقول لنفسي ان الحب سلطان كاذب، اقول لنفسي ان مصائرنا ليست بالضرورة ان تكون محكومة لرغبات نفوسنا. ربما ما بيننا هو طيشنا، هو لا وعينا، احبك واخاف. يهيأ لي اني ارتكب حماقة، أتألم واقع في حيرة، لا اعرف كيف اندفعت، لا اعرف كيف اتوقف، اتمهل لاستعيد تفكيري، يجب الا نكذب على بعض، نحن مختلفان، اجتماعياً مختلفان، المسألة ليست بقدرتي على قبولك، ليس هذا ما يقلقني، لكنك لن تقبل ذهنيتي الاجتماعية، لن تقبل اجواءنا، لن تقبل صياغاتنا و لن تقبل خصوصياتنا .
اجهشت بالبكاء، اخذتها بين ذراعي بقوة، لامست وجنتيها بشفتي، استلطفت ملوحة دموعها وحرارتها.
- ساتغير، سأتعلم ان احترم اسلوبكم … المهم انت... يؤلمني عذابك!!
- ليس هذا ما ابحث عنه، انا لم اخلق لما نحن به، اكاد انكر نفسي ..أرفضها.
بدأت افهم ما يعتري فكرها، بدأت المس خطأي في الاندفاع العابث المجنون .. اعترتني كآبة وتوجس، كان واضحاً اني رسبت في الامتحان .. فهمت ان ما شدنا الى بعض ليست رغباتنا، ربما اوهمتها بفلسفتي اموراً تبخرت، تلاشت مع العناق والقبلات فلم يتبق الا الموضوع الصعلوكي، حتى في الحب قد اكون اندفعت باستهتار لأشباع رغبة مجنونة، لم اميز بين الحب وبين المتعة العابرة، ها هي تستعيد توازنها، تبكي وتستعيد ادراكها، تحبني ولا تستطيع قبولي، استجديها فتبتعد اكثر .
لأول مرة أتوجس ان تتركني امرأة، ان ابقى بدونها، كنت اركض من علاقة الى علاقة ومن رغبة الى رغبة، حتى وصلت اليه ... حتى وصلت الي ، فاتحدنا. كانت صريحة ومقنعة وساحرة في صراحتها. اقامت حدوداً جغرافية لا يجوز تجاوزها، وافقتها معتقداً ان قدرتي وفني كفيلان باختراق المستحيل. كنت مندفعاً مغروراً، ها أنا ادفع ثمن اندفاعي وغروري، رغم اني لم أحب امرأة كما احببتها واعترف لا زلت احبها .. هل يكفي الحب؟! نظراتها تلتقي نظراتي ولا تقول شيئاً، ربما تقول ما لا استطيع ادراكه، بنظراتي اتفحص مشدوهاً المساحات التي اعرفها، احاول ان اطابق بين الصور الباقية في ذهني والصورة المتجلية أمامي.
على حين غرة وانا غارق في توجسي من انتهاء ما بيننا، باحثا عما يزيل كربي ويثبت قربي اليها، التفتت الي وقالت بحزم طارئ.
- انا احبك ..اعترف.. لكن سعادتي وسعادتك بالافتراق... عرفت هذا منذ اليوم الاول، لم اصدق حدسي … لا تقل شيئا .. لا تزد حزني … اريد ان اذكرك كما انت…
قبلتني قبلة طويلة حرارتها فوق العادة، نظرت بعيني، ثم طبعت قبلة فوق جبيني، تركتني وانطلقت دون ان تنبس بحرف أخر... ولفني الصمت .
انتظرتها في المواعيد المتفق عليها، فلم تحضر، انتظرت بلا أمل ولم احاول الاتصال بها. جررت نفسي بعيداً عن طريقها اتجرع وحدتي وألمي ، اضطرب توازني وثقتي بنفسي . عشت عذاب الفراق زاهداً بما يحطيني، متحسراً على ما فقدت وحزيناً لانقضاء اجمل ما في حياتي . هل من وسيلة تستعيد فيها الذات ما تحب ؟! ما بدا حقيقة مجسمة تناثر بلحظة؟!
مضي ربع قرن، خمس وعشرون عاما بالتمام والكمال، لم يفارقني حبها، لم يفارقني عبقها.
اريجها، عطرها، حرارتها ، ملوحة قبلتها الاخيرة … انزوى في حنايا الذاكرة . حبي لها اكتمل ولكن رغبتي لم تكتمل، ما كان لها ان تبلغ وتكتمل حتى لو وصلت لما اريد …. كنت اريدها ليس للحظة، اريدها لكل العمر ولما بعد العمر لو تيسر ؟
علمت بزاوجها وهجرتها مع زوجها الأمريكي الجنسية والقريب … ربما هو السبب ؟! ها هي نظراتنا تلتقي، تقول اشياء ولا تقول شيئاً، تصمت ولا تصمت، كنت جالساً مع مجموعة اصدقاء في مطعم غير بعيد عن شواطيء البحر في عكا، رائحة السمك المقلي الذكية تخدرني، هو ملاذي بعد فقدانها، السمك والنبيذ الابيض المائل للأصفرار. ربما فقداني لها بطريقة لا تختلف عن تملص السمكة من يد صيادها، جعلني انتقم من الاسماك … او احبها اكثر.
رفعت كأسي المليئة بالنبيذ الأبيض مستنشقاً عطره الاخاذ حين التقت عيني بعينيها. كانت اكثر من صدفة، صدمة شعرت بعدها بارتعاش اطرافي وكأني أعود الى الماضي. ملأت الخمرة انفي بعبق انوثتها، ربع قرن وعبقها لا يفارقني... شربت دون وعي … اكلت دون وعي، كنت مع اصدقائي وبعيداً عنهم، كنت معها وكانت معي.. وكان بيننا ربع قرن … وأمتار قليلة!!
nabiloudeh@gmail.com





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,568,015,096
- الناصرة أولا...
- يوميات نصراوي: احدات في الذاكرة من -استقلال اسرائيل-
- فلسفة مبسطة: الجبروت= العدل؟
- الهزيمة ...
- مزبلة فيسبوكية اسمها -الناصرة بلدي-
- فلسفة مبسطة: المنطق مقابل الوحي
- زوجة لإدوار...!!
- فلسفة مبسطة: فلسفة العلوم
- اعلان عيد البشارة عيدا رسميا في الناصرة
- فلسفة مبسطة: الإدعاء الدائري
- انتصار نتنياهو: سيطرة دولة المستوطنين على دولة إسرائيل!!
- سنة على انتخاب رئيس بلدية الناصرة علي سلام: لتتحالف كل القوى ...
- حماة الوطن...
- فلسفة مبسطة: الفلسفة التجريبية - وقصة فلسفية
- الأمنية...
- فلسفة مبسطة: الأنانية الأخلاقية
- احتفال للنسيان
- الجواهر...!
- خطاب نتنياهو: لامع وفارغ..!!
- هل التطرف الديني بديل لعصر التنوير العربي؟!


المزيد.....




- -أنتج أفلاما جنسية للجميع .. وليس للرجال فقط-
- المرشحة لخلافة إلياس العماري.. طردتها الصحافة واحتضنتها الس ...
- الوزيران أمكراز و عبيابة أمام أول امتحان بمجلس المستشارين
- عقب أيام من طعن ابنها... فنانة عربية تتعرض لحادث سير
- عازفة الكمان صاحبة واقعة الهاتف تعاود الهجوم
- سفير تركيا لدى أوزبكستان يؤكد على وجود خطأ في ترجمة تصريحات ...
- بنشعبون: الحكومة حرصت على اتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ على ...
- في تصريح جديد… عمار سعداني يتمسك بموقفة إزاء مغربية الصحراء ...
- انتقد القرآن وأوجب الغناء وألف الكتب -الملعونة-.. هل كان ابن ...
- فنانة سورية تعلق على أنباء ارتباطها بزوج الفنانة أصالة


المزيد.....

- عالم محمد علي طه / رياض كامل
- دروس خصوصية / حكمت الحاج
- التخيل اللاهوتي ... قراءة مجاورة / في( الخيال السياسي للإسلا ... / مقداد مسعود
- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نبيل عودة - يوميات نصراوي: كنت معها