أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طلعت رضوان - الشخصية القومية والدين (3)















المزيد.....


الشخصية القومية والدين (3)


طلعت رضوان

الحوار المتمدن-العدد: 4765 - 2015 / 4 / 1 - 23:58
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    



يرى العروبيون ومعهم أغلب الماركسيين المصريين (بالاسم) أنّ (الدين) يُعتبر أحد عوامل تكوين (الشخصية القومية) ونظرًا لاقتناعهم بهذا الرأى طبقوه على شعبنا ، فاعتبروا أنّ الدين الإسلامى شكــّـل (الشخصية المصرية) وأصبح الإسلام أحد مكوّنات (الثقافة المصرية) وكان إمامهم و(مرشدهم) فى هذا التوجه العروبى الكبير (د. جمال حمدان) فى كتابه الشهير والضخم (شخصية مصر) حيث كتب أنّ الشخصية المصرية ((زادتْ واكتملتْ خاصة منذ العرب حين أخذتْ مصر الشخصية العربية كاملة فى اللغة والثقافة والدين)) (شخصية مصر- طبعة هيئة الكتاب المصرية- عام 2000- ص187) وبسبب إيمانه بالعروبة تجاهل لغة العلم فكتب ((حتى فى الماضى البعيد كانت مصر (تـُمصّر) كل جديد تهضمه وتـُمثــّـله وتفرزه كائنـًا مصريًا صميمًا : الموجات الأجنبية ابتعلتها (مصر) ومصّرتها ، حتى الدين مصّرته : أخذتْ المسيحية وأخرجتْ منها نسختها الخاصة القبطية)) (ص147) ولأنه تعمّـد الصمت عن (تمصير شعبنا للإسلام) كما فعل مع المسيحية ، فإنّ السؤال هو: لماذا كان هذا الصمت الذى يعنى التجاهل لحقيقة علمية اعترف بها كثيرون؟ الإجابة- وفق اجتهادى – لأنه أدرك أنّ تمصير شعبنا للإسلام سيأخذه لعلم الأنثروبولوجيا وعلم الفولكلور، والإبداع الشعبى (مجهول المؤلف) ولعلم المصريات، وفى العلم الأخير- خاصة- يتبيّن أنّ شعبنا ظلّ يُمارس معتقداته الخاصة التى ورثها عن جدودنا المصريين القدماء، رغم مُـخالفتها للدين الإسلامى، مثل ظاهرة خميس وأربعين المتوفى، وظاهرة سبوع الطفل ، والاحتفال بشم النسيم ، والاحتفال بوفاء النيل . أما أهم ظاهرة توقــّـف العلماء عندها فهى (ظاهرة الموالد) وهى الظاهرة التى يشترك فيها المسيحيون والمسلمون ، ويتمسّكون بها لدرجة الولع ، رغم تكفيرها من (كل) أصحاب التيارات الدينية الإسلامية. ولأنّ د. سيد عويس (عالم الاجتماع الكبير) كان يحترم لغة العلم لذلك ذكر أنّ ظاهرة الموالد التى يتم فيها الاحتفال بأولياء الله ، جاءتْ من مصر القديمة ، وتوارثتها الأجيال عبّر آلاف السنين وأنها بدأتْ بالاحتفال بالآلهة المصرية ثم ((انتقلتْ فى فترات التحول فى تاريخنا المصرى بعملية توفيقية إلى الأنبياء والقديسين ثم الأولياء)) (الازدواجية فى التراث الدينى المصرى- طبعة على نفقة المؤلف - عام 81- ص17)
ولاحظ د. عويس أنّ الأدب المصرى الحديث (والثقافة المصرية السائدة) لم يتخذا المسار الطبيعى ((حيث كان الاهتمام بالثقافة العربية/ الإسلامية والأوروبية والأمريكية أكثر من الاهتمام بالثقافة المصرية القديمة المُستمرة)) وأضاف ((أى أنّ عبقرية الشعب المصرى المُـتمثــّـلة فى (فولكلوره) ولغته وسماته الاجتماعية والنفسية الأساسية ، قد أهدرتْ تمامًا ولم يتـّـجه إليها الكــّـتاب والمفكرون كمنبع من منابع الثقافة القومية)) (ص29) وهذه الجملة - إنْ كانت تنطبق على كثيرين – فإنها تنطبق على د. حمدان بصفة خاصة، حيث أنه تجاهل تمامًا أنّ شعبنا أبدع دينـًا خاصًا به بجوار الدين الرسمى، وهو ما عبّر عنه د. عويس الذى كتب ((فالدين الرسمى – إذا جاز التعبير- شىء والدين الشعبى (أى الذى يُمارس فى محيط الملايين) شىء آخر)) وذلك من خلال دراسته لمكانة المرأة المصرية والطفولة المصرية فى الثقافة المصرية (ص19) وبحكم دراساته الميدانية رصد ظاهرة غاية فى الأهمية، وهى أنّ ((الكثير من النساء المصريات المُسلمات يزرنَ مقابر القديسين المسيحيين فى مصر)) (ص67) وأهمية هذا الرصد يؤكد تعبير (الدين الشعبى) الذى هو النقيض للدين الإسلامى الرسمى ، لأنّ ما تفعله السيدات المصريات (المُسلمات) بزيارة مقابر القديسين المسيحيين يتنافى مع ما ورد فى القرآن عن أبناء الشعبة الثانية من الديانة العبرية (اليهودية/ المسيحية/ الإسلام) وأطلق عليهم تعبير(أهل الكتاب) حث نصّ على ((لقد كفر الذين قالوا إنّ الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئـًا إنْ أراد أنْ يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن فى الأرض جميعًا)) (المائدة/17) وكرّر نفس المعنى فى ذات السورة فى الآيتيْن 72، 73، خاصة الأخيرة التى نصّتْ على ((كفر الذين قالوا إنّ الله ثالث ثلاثة)) ومعنى ذلك أنّ المسيحيين (المؤمنين بالثليث) كفرة، ولذلك خاطب القرآن المسلمين قائلا ((لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين)) (آل عمران/28) وكان القرآن صريحًا أكثر عندما نصّ على ((يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم)) (المائدة/51) وكرّر نفس المعنى قائلا للمسلمين ((ولا تؤمنوا إلاّ لمن تبع دينكم)) (آل عمران/73) والخلاصة أنّ ما تفعله السيدات المصريات المُسلمات من زيارة مقابر القديسين المسيحيين ، وكذلك النذور للأولياء المسيحيين ضد الإسلام. وإزاء تلك الحقيقة فكيف يكون (الدين) أحد مكوّنات الشخصية المصرية كما زعم د. حمدان ؟ بينما الأدق - علميًا - هو أنّ الثقافة القومية هى المكوّن الأساسى للشخصية القومية ، وهى الحقيقة التى أدركها د. عويس حيث كتب أنّ ((الثقافة المصرية المعاصرة قديمة ومستمرة ، حيث أنّ العديد من العناصر الثقافية المصرية التى كان يُمارسها المصريون القدماء مازالتْ تـُمارس حتى الآن . ورغم أنّ المصريين دخلوا فى دينيْن أجنبييْن ((فإننا نجد أنّ المصريين قد جمعوا بين القديم والحديث فى كثير من مظاهر حياتهم وألوان ثقافتهم)) (ص22، 24)
وامتدّ الأمر ليشمل بعض الطرق الصوفية ، ففى شهر يونيو1980 أصدر المجلس الأعلى للطرق الصوفية قرارًا تضمّن عدم الموافقة على إنشاء طرق صوفية جديدة إلاّ بشروط قاسية جدًا ، ذلك لأنّ مصر بها 69 طريقة صوفية بعضها انحرف لدرجة أنّ إحدى هذه الطرق (الطريقة البرهانية) غيّرتْ من شريعة الله ورفعت تكاليف الصلاة عن أتباعها (ص58، 80)
وإذا كان الإسلام أحد مكوّنات الشخصية المصرية كما زعم د. حمدان، فلماذا خلعتْ المرأة المصرية (الحجاب) بعد ثورة جدودنا فى شهر برمهات/ مارس1919، وعن تلك الظاهرة ذكر د. عويس أنّ ((حجاب المرأة غريبٌ عن البيئة المصرية ويكاد أنْ لا يكون له أثر فى الريف (الإبداع الثقافى على الطريقة المصرية- على نفقة المؤلف- عام81- ص8) ومن خلال دراساته الميدانية كتب عن بعض المظاهر فى عادات المصريين ((التى تتعارض مع تعاليم الدين الإسلامى)) وتساءل : لماذا – مثلا – أنّ الدين الإسلامى لم يُغيّر من نظرة المصريين نحو الموت ونحو الموتى منذ أنْ اعتنقه هؤلاء ودخولهم فيه أى منذ عام 640ميلادية؟ (ص11)
ونقل د. عويس ما كتبه على مبارك فى كتابه (الخطط الجديدة لمصر والقاهرة) حيث وصف قبة مسجد الإمام الشافعى ، وأنه وجد بأعلى القبة مركبًا صغيرًا مُـثبتــًا فى هلال القبة. وكان تعليق د. عويس أنّ فكرة الزورق الصغير مرتبطة بالديانة المصرية القديمة ، من أيام احتفال قدامى المصريين بالزورق المقدس خاصة فى عيد ( أوبت) والذى كانت تجرى مراسمه وسط كل صيف فى طيبة (الأقصر حاليًا) والتى تتمثــّـل فى رحلة الزورق المقدسة من معابد الكرنك إلى معابد الإله (آمون) فى طيبة. ومن هنا فإنّ قبة جامع أبى الحجاج فوق أطلال الجانب الشرقى من وراء صرح مدخل معبد الأقصر تحمل زورقــًا صغيرًا. وأيضًا يحرص أهل الأقصر حاليًا فى مولده على وجود زورق إلى جانبهم)) (33) وكتب أنّ ((فكرة احترام الموتى من القديسين والأولياء عند المصريين المُعاصرين وتمجيدهم والاعتراف بالواجبات نحوهم والحرص على أدائها ، على الرغم من أنّ الإسلام - دين الأغلبية - يُـناهض هذه الفكرة على علاتها ولا يقرها)) (ص47) وإذا كان شعبنا أطلق على الحسين (سيد الشهداء) فهذا التعبير كان يُـطلق على أوزير عند المصريين القدماء (ص50، 51) وعن العلاقة بين الإمام الشافعى وأوزير كتب ((كان المذهب الأوزيرى مذهب الأغلبية من أبناء الشعب المصرى ، وصادف هوىً فى نفوسهم ، واليوم يحل محل هذا المذهب فى شعبيته المذهب الشافعى ، فهو مذهب الأغلبية الساحقة من أبناء الشعب المصرى المعاصر، وإذا كان أوزير إله الآخرة فى العالم السفلى وقاضى القضاة الذى يُحاكم أرواح المُـتوفين ويحاسبهم ويزن أعمالهم ، فإنّ الإمام الشافعى يبدو فى نظر الكثيرين من المصريين وكأنه أوزير، أى أنه توحّـد معهم ، فهو عندهم قاضى القضاة الذى يرأس المحكمة الباطنية ويحكم فيها بين الناس بالعدل)) (ص94)
أما السيدة زينب فقد حلــّتْ محل إيزيس . وكما بكتْ إيزيس على زوجها أوزير، بكتْ السيدة زينب على شقيقها الحسين . وكما لعبتْ إيزيس (فى الأسطورة المصرية) دورًا على مسرح الأحداث بدفاعها المُستميت عن ابنها حورس ، واصرارها على تثبيته على عرش البلاد كوريث لأبيه أوزير، فإنّ التاريخ يذكر للسيدة زينب أنه عندما أخذ ابن زياد يتأمل وجوه السبايا حتى استقرتْ عيناه على (على بن الحسين) وكان غلامًا مريضًا فأمر بقتله. فاحتضنته عمته زينب وقالت ((يا ابن زياد حسبك منا ، أما رويتَ من دمائنا ، وهل أبقيتَ منا أحدا؟)) وكما كانت إيزيس ضمن الآلهة التسعة الذين شكلوا محكمة الإله الأعظم فى مدينة الأموات ، فكذلك السيدة زينب فهى رئيسة المحكمة الباطنية فى ضريح الإمام الشافعى كل يوم ثلاثاء، كما أعطاها شعبنا صفات إيزيس، مثل (رئيسة الديوان) و(الطاهره) حيث أنّ إيزيس أنجبتْ حورس من أوزير بدون اتصال جسدى ، كما حدث مع ولادة عيسى من أمه مريم وفق التراث العبرى.
وبينما د. حمدان لم يهتم بخصوصية الثقافة القومية لشعبنا ، فإنّ د. عويس كتب ((المجتمع المصرى مُتميّز وفريد فى سماته ، فهو أصل حضارة الإنسان منذ وُجد الإنسان)) (من وحى المجتمع المصرى المعاصر- كتاب الهلال- يوليو89- ص7، 27) كما أنّ د. عويس توقف عند ظاهرة تجاهلها د. حمدان ، وهى أنّ ديانة مصر القديمة اتسمتْ ب (التعددية) قبل كارثة التوحيد الأخناتونى، بينما الإسلام أهم سماته (الأحادية) أى ضد التعددية، وتلك التعددية (فى ديانة مصر القديمة) جاءتْ من تعدد الآلهة الذين وصل عددهم عند بعض علماء علم المصريات إلى أكثر من ألفىْ إله ، وتفسير ذلك أنّ لكل مقاطعة وكل مدينة (إله محلى) هذا بخلاف الآلهة الرئيسيين مثل (رع) رمز الشمس وآمون وزوجته آمونت وتوت (رمز الحكمة) إلخ. والدليل على التعددية أنّ المؤمنين بأوزير يحضرون احتفالات المؤمنين بآمون ، والعكس صحيح ، وهو ما انتقل فى العصر الحديث، حيث أنّ المؤمنين بالحسين يحضرون احتفالات السيد البدوى، والعكس صحيح ، والمؤمنين بإبراهيم الدسوقى بمدينة دسوق يحضرون احتفالات مولد عبد الرحيم القناوى فى قنا والعكس صحيح . ودلالة تلك الظاهرة أنّ لا أحد يُـكــّفر الآخر، كما فعل أخناتون وكما فعلتْ الديانة العبرية (اليهودية/ المسيحية/ الإسلام) وهذا كله لم يلتفتْ إليه د. حمدان وهو يكتب عن أنّ الدين الإسلامى أحد مكوّنات الشخصية المصرية ، وهو ما أدركه د. عويس الذى كتب أنّ ((الآلهة المحلية عاشتْ فى وفاق مع آلهة طيبة وممفيس . ولم يكن كهنة مصر من المُـتعصبين ، فديانتهم اتسمتْ بالتسامح إلى الحد الذى يمتنع معه إفراز المُـتعصبين)) (ص82)
ومن رحم التعددية فى ديانة مصر القديمة ، كان من الطبيعى أنّ المرأة (المُسلمة) تصوم صيام (مريم العذراء) والمرأة المصرية (المسيحية) تصوم بعض أيام شهر رمضان. والمرأة المصرية (المُسلمة) تـُقدم الشموع للكنيسة كى ينجح ابنها التلميذ. والمرأة المصرية (المسيحية) تذهب إلى ضريح السيدة زينب وتتضرع إليها بطلب شفاء ابنها المريض.. إلخ وذكر د. عويس أنّ أمه كانت تدعى له بالدعاء التالى ((راضى عليك قلبى وبزى وحِجرى يا ابنى يا سيد يا ابن بطنى)) وهذا الدعاء يتشابه مع ما جاء فى سفر التكوين- إصحاح 49/25.
أما أهم ظاهرة رصدها د. عويس فهى ظاهرة أرسال الرسائل إلى ضريح الإمام الشافعى، إما بوضعها باليد فى الصندوق مباشرة أو عن طريق البريد . وقد استطاع الحصول على163 رسالة قام بتحليل مضمونها وهى عبارة عن شكاوى إما من أفراد ضد أفراد أو ضد المسئولين، ، بما فيها الشكوى من بعض الجنود ضد بعض الضباط ، أو من بعض الفلاحين ضد عمدة القرية إلخ (ملامح المجتمع المصرى المعاصر- ظاهرة إرسال الرسائل إلى ضريح الإمام الشافعى- دار ومطابع الشعب بمصر- عام 1965- وصور الرسائل من ص304- 362)
وكان من رأى د. عويس – بعد تحليل مضمون الرسائل – أنّ تلك الظاهرة هى تكرارٌ لما كان يفعله المصريون القدماء الذين كانوا يكتبون الشكاوى إلى أوزير بصفته إله الموتى. وهو ما يدل على استمرار الظاهرة رغم مخالفتها للإسلام الذى يعتبر أنّ التضرع للأولياء شرك بالله . كما أنّ الإسلام يعتبر نذر النذور للأولياء من الأعمال المخالفة للدين. ورغم ذلك فإنّ المصريين استمروا يُمارسون معتقداتهم فى الأولياء ، وأنّ تلك الظاهرة مُستمدة من مصر القديمة ، وأنّ المصريين فى العصر الحديث اعتبروا أنّ الإمام الشافعى مثل أوزير (ص23، 45، 254، 348) ومن بين الرسائل الطريفة رسالة من سيدة عاتبتْ فيها الإمام الشافعى لأنه لم يرد على رسالتها السابقة. ولم يُساعدها فى استراد حقها من ظالمها. واختتمتْ رسالتها قائلة له ((وإذا كان يخلــّصك كدا يبقا بلاش تِشرّع بين الناس بالله عليك)) وفى رسالة أخرى قال صاحبها ((وأنا زعلان وصعبان علىّ من الله جلّ وعلا)) (ص242)
وإذا كان الإسلام أحد مكوّنات الشخصية المصرية كما زعم د. حمدان ، فمن الذى (ألــّـف) الأمثال (المصرية) المُخالفة بل ونقيض تعليمات الإسلام ؟ وليستْ الأمثال الساخرة من رجال الدين فقط مثل ((عمايم على رؤوس بهايم)) و((يحجّج الجمل والبردعه.. يروح بذنب وييجى بأربعه)) و((اللى فينا فينا.. ولو حجينا وجينا)) و((بق بيسبح وإيد بتدبح)) و((اللى عاوزه البيت يحرم على الجامع)) و((لقمه فى بطن جعان أحسن من بناية جامع)) وتصل السخرية لدرجة أنْ يقول المثل ((إسرق وصدّق يا عبد الله)) و((جنه من غير ناس ما تنداس)) و((يعرى ط ... للدبان ويقول دا قضا الرحمان)) (مع ملاحظة أنه استخدم الكلمة المصرية وليس الكلمة العربية- مؤخرة) وإذا كانت هذه الأمثال لا تتعرّض للعقيدة الإسلامية بشكل مباشر، فإنه توجد العديد من الأمثال المُخالفة للإسلام مثل ((الفقير مالوش فى الشرع شهاده)) بل وأكثر من ذلك الأمثال التى عالجتْ موضوع (تعدد الزوجات) وقد عالج الأميون هذا الموضوع فى أكثر من مثل أشهرها ((اللى يتجوز اتنين ىَ قادر ىَ فاجر)) و((عقربتين على الحيط ولا ستتين فى البيت)) و((يا واخد جوز المره يا مسخره)) وتقول الزوجه عندما يُخيّرها زوجها بين تطليقها أو البقاء فى عصمته ((أنا زى الفريك ما أحبش شريك)) أما المثل الذى انتقد تعدد الزوجات بشدة وأهان فيه الرجل المِزواج فهو ((جوز الاتنين قفا بين كفين))
ولأنّ الوجدان المصرى واحد ومُـتجانس، لذلك فإنّ الأمثال الشعبية التى أدانتْ مُـدّعى التدين المسلمين ، توازى معها أمثال أدانتْ مُـدّعى التدين المسيحيين ، من ذلك ((جوا الكنيسه قديس.. برا الكنيسه إبليس)) و((عامله فى الكنيسه مصليه.. وهى شيخة الحراميه)) ((الفولكلور القبطى- تأليف روبير الفارس – هيئة قصور الثقافة- عام 2007- ص161)
ولأنّ الإبداع الشعبى لا يتقيد بالدين الرسمى ، خاصة إذا كان دينـًا أجنبيًا ، كما أنّ علماء علم الاجتماع استقرتْ لديهم حقيقة التفرقة بين الدين الرسمى والدين الشعبى ، لذلك كتبتْ د. سهير القلماوى فى رسالتها لدرجة الدكتوراه عن (ألف ليله وليلة) أنّ ((الشعب يُخرج لنفسه دينـًا متميزًا يختلف فى حقيقته فى كثير عن الدين الرسمى)) ونظرًا لوعيها بأهمية الخصوصية الثقافية - بمعنى الثقافة القومية - لكل شعب كتبتْ متسائلة فى مُواجهة من يتجاهلون تلك الحقيقة ((... ومن قال أنّ ذوق العامة فى العراق هو ذوقهم فى الشام أو مصر؟ ومن قال أنّ ذوق العامة أيام المنصور هو ذوقهم أيام الفاطميين ؟ إنّ أغانينا الشعبية وقصصنا الشعبية بل حياتنا الشعبية ، بكل ما فيها من مظاهر الفن، مواد وفيرة يتجلى فيها الروح المصرى، وتبرز فيها الشخصية المصرية الحية التى طاولتْ الزمن، بأزخر مما صوّرها وما يزال يُصوّرها أكثر أدب الخاصة فى مصر)) (رسالة الدكتوراه- طبعة هيئة الكتاب المصرية- عام 97- ص 26، 327)
أما الراحل الجليل على فهمى (الباحث فى الفولكلور) فقد امتلك شجاعة نقد د. حمدان الذى لم ير أية خصوصية للثقافة القومية المصرية، ولم ير أنّ (الإسلام المصرى) يختلف عن الإسلام فى أى بلد آخر فكتب ((وكأننا بالإسلام القادم من هجير الصحراء قد رقّ على ضفاف النيل ، واكتسى الطقس الدينى الإسلامى بمسحة مُـتميّزة من عبق الفن، فالطقس بقدر ما هو دينى، بقدر ما هو فنى ، وأنّ الأذان للصلاة له نغم خاص يقع من الأذن موقع التقديس والتطريب فى آن واحد)) (دين الحرافيش فى مصر المحروسة- ميريت للنشر- عام 99- ص13،14) وكتب ((ولكى نـُعطى بعض الأمثلة المحدودة عن مدى تباعد المعتقد الشعبى عن الدين النصى ، نـُشير إلى أنّ شطرًا من العامة فى مصر، ما يزالون يرونَ أنّ الطواف سبع مرات بضريح الولى عبد الرحيم القناوى بمدينة قنا ، فيه غناء عن أداء فريضة الحج إلى بيت الله الحرام . كما نـُشير إلى تجربة عيانية لنا شخصيًا ، فى زيارة ميدانية لضريح الولى الشهير (أبو الحسن الشاذلى) فى شهر أغسطس1985 فى منطقة حُـميثرة بصحراء عِيذاب فى أقصى الجنوب الشرقى من مصر بالقرب من الحدود المصرية السودانية... وقد أسفرتْ ملاحظاتنا فى الموقع عشية عيد الأضحى أنّ عدة مئات من الألوف من المصريين وغيرهم من السودانيين وحتى من المغرب الأقصى، قد سعوا إلى هذه المنطقة النائية للاحتفال بمولد الولى ، ويُمارسون طقوسًا شبيهة بطقوس الحج ، مثل الطواف حول الضريح والتكبير على التلال المحيطة. وأجرى الباحث عددًا من المقابلات مع بعض هؤلاء الزائرين (مصريين وغير مصريين) حيث أبدى جميع من تمّتْ مقابلتهم قناعة كاملة بأنّ مثل هذه الزيارة وهذا السعى والطواف ، هو بديل أكيد عن الحج)) (المصدر السابق- ص18، 19، 84، 85) وهكذا يتبيّن أنّ المُـشتغلين بعلوم الأنثروبولوجيا والفولكلور والاجتماع كانت لديهم بصيرة ثاقبة عن التعريف العلمى للشخصية القومية. أما د. حمدان فقد أعمته الأيديولوجيا السياسية/ الناصرية/ العروبية/الإسلامية عن هذا التعريف ، فوصم شعبنا (المصرى) بالعروبة. وكانت الكارثة أنّ كبار المُـتعلمين المحسوبين على الثقافة المصرية السائدة ، مشوا وراءه وردّدوا مزاعمه التى تنفيها لغة العلم.
***





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,562,722,508
- الشخصية القومية واللغة (2)
- الثقافة واللغة والدين والشخصية القومية
- الجثة : قصة قصيرة
- العروبيون والحضارة المصرية
- التواصل الحضارة : الموسيقى المصرية نموذجًا
- أخناتون : الفرعون المارق
- بورتريه لحفيد جدتى (ص. م)
- أدونيس من شاعر إلى داعية إسلامى
- الاستشراق والاستشراق معكوسًا
- الدكتور مُصدّق وعبد الناصر والمخابرات الأمريكية
- الصهيونية وسرقة التراث المصرى
- هوس الأصوليين الإسلاميين بحكم العالم
- ذهنية التحريم
- هل يمكن التخلص من كابوس يوليو1952
- الإبداع والتراث العبرى / العربى
- مدرسة سيد قطب والإسلاميون الإرهابيون
- العداء الرعوى ومجتمع الزراع
- ثقافات الشعوب القديمة والديانة العبرية
- إعدام فرعون سينمايًا
- نماذج من عجائب التراث العبرى


المزيد.....




- في أميركا.. التدين في تراجع حاد والإلحاد يزداد
- لماذا يتراجع عدد القساوسة بصورة مثيرة للقلق في إيرلندا؟
- الفارق بين -بني إسرائيل- و-اليهود- و-أصحاب السبت- و-الذين ها ...
- بسبب المخاوف الأمنية.. نيوزيلندا تسيّر دوريات مسلحة تجريبية ...
- مديرة مدرسة إسلامية غير مسجلة في بريطانيا تتحدى السلطات وتوا ...
- الفاتيكان يبتكر مسبحة صلاة إلكترونية بصليب ذكي
- الأردن يدين الانتهاكات الإسرائيلية في المسجد الأقصى
- ما هي أبعاد تبني تنظيم -الدولة الإسلامية- إطلاق سراح عدد من ...
- التعايش الديني في مصر الإسلامية.. مخطوطة تظهر شراء راهبين لع ...
- المنح التعليمية بالحضارة الإسلامية.. موسيقي يرعى العلماء ومس ...


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طلعت رضوان - الشخصية القومية والدين (3)