أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عدنان حسين أحمد - استثمار السيرة الذاتية















المزيد.....

استثمار السيرة الذاتية


عدنان حسين أحمد

الحوار المتمدن-العدد: 4735 - 2015 / 3 / 1 - 15:38
المحور: الادب والفن
    


يعتمد صبري هاشم في روايته الجديدة «قبيلة الوهم»، الصادرة حديثا، عن «دار كنعان» بدمشق، على تقنية سردية غنية وعميقة، تأخذ طابع البوح تارة وهيئة أدب الاعتراف تارة أخرى. في هذا النمط، الذي يتسيّد فيه ضمير المتكلم من دون أن يمنع الشخصيات المؤازرة الأخرى من البوح أو المشاركة الوجدانية، لا بد من الأخذ بعين الاعتبار أهمية التداخل الزمكاني، إن صحّ التعبير، وربما يكون تداخل الأمكنة، وتعددها، وهلاميتها هو أكثر تعقيدا من تداخل الأزمنة الذي يقطع جريانه الاسترجاعات الوامضة التي تتوهج في ذهن الشخصية الرئيسية خيّام بن الربيع أو بقية الشخصيات التي سنأتي عليها تباعا.
تنطوي هذه الرواية، من دون شك، على جانب كبير من السيرة الذاتية لكاتب النص، ولكنها بالمقابل، يمكن أن تكون مناجاة للوطن الذبيح الذي ما يزال يطرد أبناءه حتى هذه اللحظة. لا تناقش هذه الرواية فكرة واحدة مهيمنة، وإنما عددا كبيرا من الأفكار التي تشغل بال المثقف العراقي، الذي كان يساريا في وقت ما، لكنه تخلّى عن هذه القناعة لاحقا، حين وجد نفسه في عالم الفن والإبداع، وحقق ذاته من خلال طرح الأسئلة الفلسفية والجمالية والإبداعية، وربما الإجابة عن بعضها أيضا.
الكثير من المثقفين العراقيين يؤرقهم السؤال الفلسفي، أو الوجودي إن شئتم، فلا غرابة أن يشدّوا الرحال مثل كلكامش باحثين عن عشبة الخلود، أو عشبة الحياة التي تنأى بالكائن البشري، على الأقل، عن سياط الجلادين، وركلات المفتشين في الضمائر والعقول. وأكثر من ذلك فإن الشخصية الرئيسية خيّام بن الربيع، هي شخصية حُلمية تمتطي مركبة الريح لترى بأم عينيها أنهار الخمر واللبن والعسل. لا تتوقف هذه الرواية عند حدود الفقد، والحُب المُضاع، واليأس من العمل السياسي، وإنما تمتد إلى الفقر الوراثي المدقع، والحرمان من العاطفة الأبوية، وانقطاع العلاقة المشيمية مع الأم بعد طلاقها من والد البطل وزواجها من رجل آخر. كما لا يمكن إهمال ثيمات من قبيل الهروب من الوطن أربع مرات والعودة إليه مثل الطيور الآبقة، ثم تعرضه للسجن، والتعذيب، والإهانة بحيث بدت حياته بعد ثلاثين عاما من الغربة، سلسلة طويلة من الهزائم والخسارات المتلاحقة. لا تغفل هذه الرواية الشخصية العراقية، بل تبحث فيها، وتعرّي طويّتها الحقيقية، وتدحض ادعاءاتها الزائفة، وتنشر ضعفها على حبل الغسيل بشجاعة نادرة. لا تكتفي الرواية بتعرية الأمكنة العراقية وحسب، وإنما تمتد إلى الكشف عن العديد من الأمكنة الكويتية واليمنية التي وطأها البطل وعاش فيها ردحا من الزمن، لكنه غادرها إلى تجاويف الصمت، ودهاليز الغربة الموجعة.

المنفى الداخلي
ينتقي صبري هاشم شخصياته بعناية فائقة فلا غرابة أن تكون مثقفة، وعميقة، وتنطوي على قدر كبير من التعقيد، كما هو حال خيّام بن الربيع الذي أحبَّ زهرة بنت خالد الخزاعي، لكنها تخلّت عنه ما إن دخل السجن لأسباب سياسية، وحينما أخلي سبيله توارت عن الأنظار لتؤسس لحياة زوجية رتيبة قد تخلو من ألق الحُب ودهشته اليومية المتجددة.
وُلد خيّام في أسرة فقيرة ومفككة إلى حدٍ ما. فالأب يعمل في الكويت، ولم يكلف نفسه عناء زيارة الأهل ولو لمرة واحدة على مدار النص. أما الأم فقد تطلّقت وتزوجت بشخص آخر لتقوِّض علاقة الأمومة بينها وبين صغيرها خيّام، فتأخذه جدته وتسلمه إلى أحد أقربائها المقاولين كي يعمل في البناء في مدينة «أم قصر»، بعيدا عن الأهل والأصدقاء حيث تتعمّق وحدته، وتتضاعف وحشته التي لم يخفف وطأتها سوى صديقه عامر، ابن الماء والحضارات المتعاقبة، الذي يقول الشعر الشعبي ويحفظه. وفي مقاربة ذكية يصفه الروائي بأنه أنكيدو الذي سيكون صديقا حميما لخيّام، المعادل الموضوعي لكلكامش، يؤازره في محنه، ويفرّج عن همومه، ويحطم جدران عزلته الداخلية. وإذا كان كلكامش يبحث عن عشبة الخلود، فإن خيّام بن الربيع يريد أن يؤكد ذاته، ويحقق وجوده الإنساني ضمن الاشتراطات الحضارية المعروفة، لكنه في حقيقة الأمر «لا يعرف ماذا يريد»! وهذا هو أهم الإشكالات الكبيرة التي يرتكز عليها هذا النص الروائي المحتشد بالأسئلة الفلسفية والأمنيات الفردية والجماعية. لا شك في أن خيّام بن الربيع غريب أينما حلّ أو ارتحل، لكن أقسى درجات الغربة هي حينما يكون الإنسان غريبا في وطنه كما يذهب أبو حيان التوحيدي. لا تتوقف شخصية خيّام عند حدود الغربة، وإنما تتعداها إلى النفي في كل مكان يقيم فيه. فهو منفي في بلده، ومُطارَد في الكويت، ومُحاصَر في اليمن، ومغترب في المنافي الضبابية الباردة. يمكن اختصار الثيمة الرئيسية للرواية بأن خيّام قد أحبَّ زهرة، ولكنه ما إن دخل السجن حتى تلاشت حبيبته وغابت عن الأنظار، فغادر الوطن هاربا من مُطارديه، ولكنه عاد بعد ثلاثين عاما، فوجد ثنيّة روحه زهرة قد تزوجت وأنجبت عددا من الأطفال، لكنها أهانته، وتنكرت له، وجرحت مشاعر صديقه مُتمم بن سويد الحارثي. وعلى الرغم من أنها حاولت التكفير عن ذنبِها، وتصحيح الخطأ الكبير الذي ارتكبته بحق خيّام وصديقه مُتمم فإنه حزم حقائبه، وقرر العودة إلى المنفى ثانية، ولم ينفعها تماديها وجنونها الأهوج حينما هامت على وجهها في تلك الليلة، وتاهت في دروب البصرة متحدية تقاليد القبيلة، طالبة من رجالها أن يقطفوا هذا الرأس العامر بالجنون. لا تنتهي الرواية عند هذا الحد، فثمة نساء أخريات في حياة خيّام بن الربيع، نساء كأنهن قادمات من أطياف الحلم، مثل «زرقاء» التي كانت تستحم معه في البِركة، و«تتطهرُ بندف الثلج، وتدخلُ بالبهاء»، أو «سارة»، المتوحشة الحسناء، بائعة الآلات الموسيقية التي وضع تمثالها تحت صنبور الماء فذاب مثل قطعة ملح، أو «كوثر» التي اصطحبها إلى مدينة البوح قبل أن يلقي بنفسه إلى الماء ويعبّر إلى الضفة الأخرى من دون أن يستجيب لصيحات الراوي، مالك بن كثير الشيباني، القادم من مدينة الغرباء، الذي طلب منه التعقّل والعودة إلى المركب السكران الذي يتهادى فوق سطح الماء. ثمة أشياء ضبابية كثيرة تتحرك على مدار النص مثل جذع شجرة الكستناء الذي يستحمون فيه، ومدينة الغرباء، وقبيلة الوهم أو قبيلة الخمر والنساء، وعشرات الرموز الأخرى المحتفية بغموضها الأسطوري الذي اجترحه الروائي من لغته الشعرية السامقة التي كانت تتأجج خارج إطار القصائد الكثيرة التي ضمّنها في نصه الروائي المكثّف، وجعلها جزءا حيويا من نسيج النص ومادته الأولية.

البنية المعمارية
يشيّد صبري هاشم بنية نصه المعماري بطريقة مغايرة أيضا تتلاءم مع المناخ الفنتازي الذي يكاد يلف غالبية الشخصيات الرئيسية التي تقوم عليها ثيمة الرواية. وقد أفلح صبري فعلا في اختيار البنى الداخلية التي تتألف من تسع دهشات متتاليات تبدأ بدهشة الروح وتنتهي بدهشة الراوي، مرورا بسبع دهشات أخريات وهنّ (اللذّة، والغريب، والكوثر، واللوثة، والجسد، والفراق، والقبيلة). تنطوي كل دهشة على موضوعات كثيرة تدور في أمكنة وأزمنة مختلفة لعل أبرزها وأكثرها أهمية في هذا النص، هو الصراع الطبقي الذي تجلّى بين خيّام الفقير، المشرّد، المُعتقَل، وبين زهرة الثرية، الجاحدة، ذات الحسب والنسب. أما الظلم والتعسف والسجن الذي تعرّض له خيّام فيمكن أن يندرج في إطار قمع السلطة الذي تمارسه الأجهزة الأمنية على المواطنين بشكل منهجي ومنظّم، منذ وصولها إلى سدة الحكم عبر قطار أميركي، حتى رحيلها على دبابة أميركية! وعلى الرغم من قِصر مشهد التحقيق مع الضحية وتعذيبها فإنه يصلح أن يكون مادة أنموذجية لأدب السجون والمعتقلات في العراق. تحتاج شخصية خيّام وحدها لمقالة منفردة لكي نناقش فيها هذا الكائن البشري الذي يشعر بأنه مُهمّش في الحياة، ومُبعَد عن الوطن، إضافة إلى جملة من الصفات السلبية التي أضفاها الروائي على الشخصية العراقية إجمالا حيث نعتها بـ«المُبالِغة، والكذّابة، والسريعة الغضب»، كما قال عنها إنها «مهزوزة ومهزومة وضعيفة»، ولكنها «تستذئب» إذا ما تعرّضت إلى خطر جدي. لا بد من دراسة الأمكنة التي عاش فيها خيّام في العراق والكويت واليمن بكل معطياتها السلبية والإيجابية، وما أثارته من موضوعات شديدة الحساسية تحتاج من دون شك إلى أدوات نقدية اجتماعية وسياسية ونفسية في آنٍ معا لاستجلاء العديد من الظواهر التي لامسَ فيها الروائي عصبا نابضا يحتاج إلى البحث والدراسة والتحليل.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,424,288,868
- ما وراء الجسد
- أدب الاعتراف
- رواية سعد محمد رحيم الماكرة!
- التقنية الميتا- سردية في رواية -كاباريهت- لحازم كمال الدين
- أولاد أبو غرّيب
- دراسات في سياسات التعليم لنديم العبدالله
- سينما التحريك لبرنار جينان وترجمة صلاح سرميني
- السخرية الصامتة في فيلم شاشاتنا
- باثولوميو بيل يترجم -الأرض اليباب- إلى صورٍ بصريةٍ مُدهشة
- شخصيات غير مألوفة، وثيمات صادمة بعض الشيئ
- الطاقة المؤلمة في معرض تركيبي مشترك
- قراءة نقدية لديوان غريب على قارعة الطريق
- قل متى؟ للمخرجة الأميركية لين شيلتون
- تنظيرات الناقد لجمهورية الشعر
- حياة ثقيلة تستمد مادتها من المذكرّات والسيرة الذاتية
- ويسترن أم أنتي ويسترن؟
- الانتحار الجماعي الغامض
- عفوية الأداء في بلد تشارلي
- مهرجان روتردام السينمائي الدولي بافتتاح بريطاني واختتام أمير ...
- يان ديمانج يرصد محنة جندي وحيد وأعزل في متاهة معادية


المزيد.....




- إسبانيا .. أزيد من 273 ألف مغربي مسجلين بمؤسسات الضمان الاجت ...
- شاهد: افتتاحية مبهرة لمهرجان الكرَّامين السويسري بحضور 7 آلا ...
- ساحة النوم والراحة والسياسة: 13 معلومة من تاريخ السرير
- إيران تبث لقطات -تدحض- الرواية الأمريكية بشأن إسقاط طائرتها ...
- الإعلان الترويجي لفيلم Cats يسبب رعبا جماعيا على شبكة الإنت ...
- 21 سنة من الرموز التعبيرية.. هل يمكن أن تكون أول لغة عالمية ...
- معرض فنان تشكيلي نرويجي يحقق نجاحا مبهرا في موسكو
- شاهد.. واقعة مستفزة لعازف يجلس على أغلى بيانو في مصر ووزارة ...
- قنوات إيرانية تبث لقطات تدحض الرواية الأمريكية بشأن إسقاط طا ...
- فيديو كليب يعرض الفنان محمد رمضان لغرامة


المزيد.....

- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- نشيد الاناشيد المصرى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- متر الوطن بكام ؟ سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كرباج ورا سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر 1 سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كانت وعاشت مصر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عدنان حسين أحمد - استثمار السيرة الذاتية