أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بقلم كامل حسن الدليمي - السرد الروائي بين الحقيقة والخيال















المزيد.....

السرد الروائي بين الحقيقة والخيال


بقلم كامل حسن الدليمي

الحوار المتمدن-العدد: 4733 - 2015 / 2 / 27 - 23:23
المحور: الادب والفن
    


السرد الروائي بين الحقيقة والخيال
قراءة في رواية " منصف الموت " للشاعرة والروائية اللبنانية حنان رحيمي
كامل حسن الدليمي
الرواية عالم سحري جميل لغتها وشخصياتها وأحداثها تتوزع بين الواقع والخيال وجمالية الرواية حينما نجد أن الوشائج التي تربطها بالواقع هي أكثر من الوشائج التي تربطها بالخيال وليس لنا ان نضع تعريفا محددا شاملا ووافيا للرواية باعتبار أنها عمل إبداعي يتخذ جماليته من مبدعه ففي الوقت الذي نجد ان الروائي : الروائية حاذقا متمكنا من اللغة عارفا باس الرواية فان ذلك يعني أننا نطلع على جنس أدبي جميل يغمرنا متعة ويطلعنا على ما لا نستطيع إدراكه بجنس أدبي آخر أو برواية تاريخية.
والرواية المعاصرة بوجه عام ما عادة تستغني في نصها السردي عن الظواهر مهما كان نوع هذه الظواهر سياسية أم اجتماعية فضلا عن أن إيغالها في الموروث الشعبي وتناول أجزاء منه يضفي عليها مسحة جماليه ويشد القارئ إليها، ولعل ما يفيد التنبيه إليه أن لغة الرواية سردية أو شعرية ترتبط بألاسلوب الذي ينتهجه الراوي وفقا لثقافته وسعة اطلاعه فلو كان الروائي شاعرا لأضفى على السرد شفافية الشاعر ذلك انه يتعامل بانتقائية مع المفردات، مع إمكانية شد المتلقي لنصه، والرواية المرتبطة بالواقع المحاكية لتفصيلاته تكون اقرب إلى النفس من تلك التي تعتمد العادات الخارقة وتغور في الاسطرة وتحلق بعيدا في فوضاءات الخيال.
إن العمق المعنوي للرواية مرتبط ارتباطا وثيقا بغناها اللفظي ولا ينبغي لأي رواية أن تتصف بمجرد مادتها السردية بل يجب أن تمتاز بخصوصيات فنيه تجعل منها شكلا سرديا مختلفا من حيث سياقته للحدث وتطور الشخصيات وتعاقب الإحداث وارتباط بعضها ببعض كحلقات مرتبطة بوثاقة، وقد نجد ان بعض الروايات قد اشتغلت ومنذ مستهلاتها على ( الأنا) الروائي ومن خلال اناها انطلقت إلى الانواة الأخرى، ولا نريد الاستغراق كثيرا في الكشف عن ماهية الرواية التي توضحت أركانها وأشبعت بحثا قدر تعلق الأمر بما بين أيدينا من عمل روائي خرج عن أنا الروائية ليتحدث بلغة جمعية وهو يترصد ظواهر غلبت على المجتمع اللبناني وقد لعبت السياسة فيها دورا كبيرا : هي رواية ( الحياة منتصف الموت) للشاعرة والروائية اللبنانية حنان رحيمي التي أصدرتها دار الدار العربية للعلوم ووقعت ضمن وقائع معرض بيروت الدولي للكتاب بدورته الخامسة عشرة 2015م .
وإذا صح التعبير فاني أطلق عن هذه الرواية عن أنها عمل إبداعي ينتمي للرواية " الاجتما..تاريخية" فقد وفقت بين الحدث التاريخي وبين الظاهرة الاجتماعية بتفاصيلها الدقيقة مشفوعة بلهجة محلية شفيفة مثلت الموروث الشعبي من أحد جوانبه الكثيرة ، فيما اخترقت الكثير من السواتر لتكشف عن مسكوت عنه ربما عجزت المدونات التاريخية الوصول إليه ، ومن المستهل ارتبطت الألفاظ بلغة العموم وحنان رحيمي لم تضع بطلها في برج عاجي لأنه ما كان إلا من مسحوقي المجتمع وصف دقيق لأجواء مشدودة منذ البدء تقول: ( صراخ متواتر ينطلق من أفق ليل مرعب , لم تسنح له طلقات الرصاص التي تصفع وجه المدينة , وتزمجر في الأفق, كأصابع من نار , أن يهدئ أو يستكين الحرب الأهلية في بدايتها , , والليل يتمزق أشلاء بأصوات المعارك التي يصل صداها من أماكن حول العاصمة بيروت . انطلق من مكان مظلم من تلك الأحياء الفقيرة التي تقع على خاصرة المدينة ) .
لقد كان المستهل كشفا واضحا عن "زمكان" الحدث الزمان حرب والحديث مشحون بأشباح الموت والمكان بيروت من وسط هذا الوجع ينطلق الزبال بوصفه مهنة عالمية اختص بها فقراء هذا العالم وهم يزيلوا القمامة عن شوارع وبيوت ووجوه الطبقات الارستقراطية ، الزبال تلك المهنة التي ينظر إليها المجتمع بعين الازدراء والوضاعة لولاها لما صار وجه العالم نظيفا وقد تحدثت رحيمي في روايتها عن الزبال متسللة لشخصيته بدقة متناهية خائضة في عوالمه الخفية مدركة حتى ما يجول في خاطره وكأنها قد امتلكت أدوات استكناه ما وراء عقله لتحول الرواية إلى لوحة من الألم والتوجع فما كان مخفيا من أحوال الزبال نشرته الرواية على حبال تترصدها أعين القراء تحت الشمس ، فمن الكوخ المهلهل والثياب المبتذلة وطعام الكفاف إلى تلك القصور الفارهة والبيوتات الفخمة بون شاسع ، نعم من مسكن الفاقة والحرمان الى تلك الشوارع المكسوة بالا سفلت المصقول النظيف تقول:
( أكواخ من التنك وأخرى من الاسمنت متراصة بجانب بعضها البعض وكأنها زنازين مهجورة مسكونة بالوحشة حزام من البؤس يحيطها ... الأطفال هنا يولدون بوجوه مجعدة يولدون كبارا سيستقبلهم الجوع والعوز. طريق الخبز بعيدا ...)من هنا سيخرج بطل السرد مكللا بالجوع والهزيمة النفسية والانكسار والألم وسوء المعاش وسوء السكن هكذا عاش البطل وولد من هذا المكان البائس منطلقا للبحث عن رغيف يسد الرمق وثوب يكسو الجسد لا أكثر ..
ولي أن ازعم أن هذه الرواية لم تكن ضربا من الخيالات بل هي عزف جميل على وتر الواقع المرير للانسان وتاريخ بكل ما تعنيه مفردة التاريخ فهي اشتغلت على ارخنة حقبة زمنية مهمة من تاريخ لبنان وهي "الحرب الاهلية" وعلى رصد ما اعترى تلك الحقبة من ظواهر حمّلت الإنسان البسيط خسائر كبيرة، فتعقبت البطل خطوة بخطوة من خلال تصاعد الحدث بشكل تدريجي متناغم ، ومن خلال إجراء مقاربة أسلوبية بين رحيمي وروايات بذات المدار وجدنا أن ثمة فارق بين أن تمتزج الرواية بين السرد الأسطوري والملحمي كما قرانا في روايات جوليا اكريستيفا او انها تنطلق من حقل أكثر سعة تتشكل من خلال هذا الحقل أدوات عبقرية للكاتب من خلال ربطه بين أزمان الرواية واماكنها . فقد رصدنا ان حنان رحيمي قد تخاطرت روايتها في بعض المواقع رواية سانت بوف الذي اشتغل على تعاقب الأزمان وارتباطها الوثيق والمتسلسل مع بعضها دون حصول فجوة زمنية تسيء للعمل الروائي فليس من وقت ضائع وسط السرد الروائي (فالماضوية والمضارعة والأمرية هي الصيغ المنطقية التي يتعامل من خلالها الحدث عليه فان كل هذه الأزمان قد ضمها الحدث بشكل أسس لعلاقات رصينة بين الراوي والحدث والمتلقي قاعدته الحرص على المتابعة والتواصل الموضوعي الى النهاية ، فمثلا الأفعال الماضية قد عولجت بشكل يضع المتلقي وسط تساؤلات اشتشرافية منشّدا الى الحدث الروائي حريصا على استثمار الوقت وصولا لنهايات منطقية ، وليس بخاف أن هناك مواقف تراجيدية بل في غاية التراجيديا تجبر القارئ للتعاطف مع الشخوص حدّ البكائية المرة تقول: ( سيارة كبيرة مرت مسرعة كالبرق قطعة ابتسامتي واخفت يدك التي كانت تلوح لي , ترافق زعيقها مع صرخة قوية لينكشف بعدها عن مشهد فضيع ... )
ولعل هذا الموقف هو أول المواقف التي توالت حولت المتلقي الى جزء من النص وأمسكت به بهدف المتابعة، ولو توغلنا في متابعة تطورات الحدث الروائي لبكينا كثيرا وأعلنا تعاطفنا وتضامننا مع الشخصيات بل أعلنا حبّنا لها ليس على مستوى لبنان بل في أي مكان على الأرض أليس الزبال مهنة عالمية؟ ولعل فقد الطفل لولده بهذه الطريقة ستشكل انعكاسا سلبيا في نفسية الطفل تجاه المجتمع الذي ظلمه وتثير حنق وكره لجميع الارستقراطيين في البلاد بل في العالم مما يساعد على الانتقال من المسالمة للعدوانية على من ملكوا الثروة واتبعوا الفقراء لهم قسرا فلا خبز بلا تذلل لهؤلاء الذين تسبب شبعهم بجوع الآخرين . لم يتبقى من شخوص الرواية الرئيسيين سوى الطفل الذي لازال لا يحسن مسك المكنسة حتى يمر على شوارع المدينة كل صباح يؤدي واجبه وتلك الأم التي نكبتها الأيام بكل شيء ( عوز وجوع ومهانة وحزن على فقد الزوج) ، لابد من ان تفكر في أمرين هل ستدفع بصبيها الوحيد نحو الطريق الذي اهلك أبوه أم ستنبري للعمل بدلا عنه لتوفير لقمة العيش وهذا ما سيصعد الحدث للتنامي الواعي والمركب تركيبا ذكيا ويذهب بالأمور إلى ما هو أكثر سوداوية من أي وقت مضى ستعمل الأم خادمة في بيوت الأثرياء لتحصل من خلال ذلك العمل على فتات موائدهم .
ان تقنيات السرد هي مجمل ما يميز الرواية الأدبية الجادة عن الحكي الشعبي البسيط، وهي الآليات التي تتحكم في تحبيك الأحداث وتشخيص الأبطال وبلورة الفكر المحرك لفعل الروي. عناصر كثيرة تدخل فيما يسمى تقنيات السرد، وهي ليست طرق السرد فقط كما قد يتبادر إلى بعض الأذهان، أي لا يكفي لإتقان السرد أن يختار الكاتب ضمير المتحدث ومنظوره، بل عليه أن يأخذ في الاعتبار البناء الشامل للرواية وأهدافها وتصاعد أحداثها واستدراجها إلى نهايات تحقق الهدف الفلسفي للمحكي. والاهتمام بفنيات الرواية لا يمكن تحقيقه بمجرد الرغبة أو التطلع، هو نتاج اطلاع موسع ودراسة عميقة ثم ممارسة تحاكي وتغاير في آن واحد ، وبالاخذ بما ورد في رواية حنان رحيمي فان الادراك العقلي وتهيئة النهايات كان حاضرا قبل الشروع بكتابة روايتها ويخيل الي من ان موضوع الرواية هو موضوع محلي بامتياز يتخلص في ان مسببات العنف الذي يمارسه البعض بروح عدوانية انما هو واحد من افرازات الضغوط النفسية المسلطة على بعض الاشخاص وحكاية الزبال الذي انطلقت مجتمعي طبقي يميز بين الاشخاص وما تعرض له بطل الرواية من ضغوط نفسية اسست في داخله الروح العدوانية الانتقامية فيما بعد ولمتابع الرواية يجد ان الخوانق النفسية التي تعرض لها بطل الرواية تلخصت بما يلي:
1- العقدة الاولى هي مشهدية مقتل والده امام عينيه وهو ما زال في مرحلة الطفولة .
2- الفقر المتقع الذي تعيشه اسرته وتحمله مسؤولية العمل وتوفير لقمة العيش لوالدته بعد فقدان الاب .
3- اتهام أهل الحي لوالدته بالخروج عن أخلاقيات المجتمع وان لها عشيقا قد اختلفت له فغابت عن البيت لهذا السبب .
4- نقمة الناس عليه من خلال زواجه واتهامهم لمن اختارها بتهم لا اخلاقية .
5- مرض والدته نتيجة للعمل المهين في بيوتات الأغنياء وبالتالي عجزه عن توفير ثمن دواءها .
6- رؤيته للتمايز الطبقي في المجتمع مما ولد لديه الحقد والحنق على كل الاغنياء.
ومن خلال اجتماع هذه الضغوطات النفسية فانها لا بد ان تنتج لنا وبلا شك شخصية مريضة ناقمة على كل من حولها من اشخاص مهما كانت مكانتهم في المجتمع محاولا بذلك تقمص شخصيات تؤدي دورا كبيرا وتحصل على شهرة مجتمعية لا تتناسب وجذورها التاريخية ، وليس لنا بهذه العجالة ان نستعرض كل ما ارادت قوله الروائية الا اننا نؤكد على انها قد وضعت يدها وبقوة على فم الجرح منذ الوهلة الاولى لشروعها في كتابة الرواية فهي ابنة البيئة التي تعايشت معها واستخلصت ماهية كل طبقة من طبقات المجتمع ثم ان نظرة شمولية قد سادت الحدث المسرحي صعودا وارتقاءا وصولا الى النهايات الذكية التي تركتنا منشدين للاحداث معبرين عن تعاطفنا مع بطل الرواية حتى النهاية ومستفيدين حقيقة مفادها ان المجتمعات العربية هي اكثر المجتمعات قدرة على صناعة العنف من خلا العلاقة القائمة بين طبقات المجتمع بدءا من السلطة السياسية ونزولا الى اصغر المهن وبعد هذه السياحة القصيرة والتي لم تتطرق إلى التحليل العضوي لعناصر الرواية انما توخيت من خلالها تسليط الضوء فقد على حقيقة ان (حياة في منتصف الموت) رواية تستحق كل الاحترام وهي من التجارب التي امتازت بالطرح الموضوعي وبأسلوب ينتمي الى المدرسة الواقعية في تعاملها مع ظاهرة من ظواهر المجتمع واذ اصفق من قلبي لهذا الجهد فأنني أدعو المختصين بالنقد الروائي لإخضاع هذه الرواية للدراسة والتحليل لانها حقيقة تستحق ذلك مع تمنياتي للروائية العربية حنان رحيمي بالمزيد من التقدم والتألق والعطاء .










صورة لغلاف الرواية





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,397,780,965





- مصر.. وفاة مخرج فيلم -زمن حاتم زهران- إثر وعكة صحية مفاجئة
- مايكل جاكسون: كيف كان يومه الأخير؟
- زملاء ناجي العلي يوظفون الكاريكاتير لإسقاط ورشة البحرين وصفق ...
- مكتبة قطر الوطنية.. تواصل ثقافي مستمر في زمن الحصار
- فيديو لمدحت شلبي حول -اللغة الموريتانية- يثير موجة سخرية عبر ...
- بالفيديو: فنان أفريقي يجسد أسلافه في العبودية
- حول مؤتمر البحرين... وزير الثقافة الفلسطيني يوجه رسالة للشعو ...
- صدر حديثًا: كتاب -من برج بابل إلى أبراج نيويورك-
- بداية ونعي وأتباع -فشي شكل-!!
- فيلم -الممر-.. خطوة للأمام أم تقليد لسينما الحرب الأميركية؟ ...


المزيد.....

- الاعمال الشعرية الكاملة للشاعر السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- مسرحيات (برنارد شو) توجهات لتوعية الإنسان / فواد الكنجي
- الملاكم / معتز نادر
- النقابات المهنية على ضوء اليوم الوطني للمسرح !! / نجيب طلال
- الاعمال الكاملة للدكتور عبد الرزاق محيي الدين ج1 / محمد علي محيي الدين
- بلادٌ ليست كالبلاد / عبد الباقي يوسف
- أثر الوسائط المتعددة في تعليم الفنون / عبدالله احمد التميمي
- مقاربة بين مسرحيات سترندبيرغ وأبسن / صباح هرمز الشاني
- سِيامَند وخَجـي / عبد الباقي يوسف
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بقلم كامل حسن الدليمي - السرد الروائي بين الحقيقة والخيال