أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد سيد رصاص - سيرورات فشل الثورات















المزيد.....

سيرورات فشل الثورات


محمد سيد رصاص

الحوار المتمدن-العدد: 4724 - 2015 / 2 / 18 - 08:45
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



هناك ظاهرة لافتة للنظر: اليمين المحافظ أنتج مفكرين هم أفضل من حلل عوامل ولادة الثورات، مثل أليكسيس دو توكفيل في كتابه: «النظام القديم والثورة» (1856) الذي وضح فيه أن الثورات هي لحظة ولادة انفجارية لجنين موجود في رحم النظام القديم وأن ما تولده الثورات من مسار عام هو استمرار لمسار كامن في مرحلة ماقبل انفجارها: نزعة المركزة التي أوصلها نابليون بونابرت (1799-1815) بعد الثورة الفرنسية عام 1789 إلى ذروتها يراها توكفيل ذروة لمسار عام بدأ مع لويس الرابع عشر (ت 1715). في انكلترا ومن خلال ثورة البرلمان ضد الملك (1642-1649) ثم ثورة 1688 -1689 التي جعلت «الملك يملك ولا يحكم» هناك توليد لجنين بدأ الحبل به مع (الماغنا كارتا) عام 1215 كميثاق حقوق وحكم للقانون لما بدأ الملك أمام تنامي قوة النبلاء بالاعتراف بحقوق وسلطات لمجالس محلية خارج سلطته المطلقة.

في المقابل الماركسية كانت أفضل من حلل سيرورات فشل الثورات من خلال كتاب كارل ماركس: «الثامن عشر من برومير لويس بونابرت» (1852) الذي يقدم تحليلاً غير مسبوق ولا لاحق لسيرورة فشل ثورة 24- 25 شباط 1848 الفرنسية وكيف انتهت في انقلاب عسكري قاده رئيس الجمهورية يوم 2 كانون أول 1851 ضد الجمعية التشريعية وجعل من نفسه امبراطوراً باسم (نابليون الثالث) واستمر حكمه حتى الهزيمة أمام الألمان في معركة سيدان بأيلول 1870. كتاب ماركس هذا يصل بعده إلى أن يكون كتاباً تعليمياً للسياسة، كفن وحرفة، يفوق كتاب مكيافللي. هناك كتاب ثان ماركسي قدمه ليون تروتسكي عام 1936 بعنوان: «الثورة المغدورة» لا يمكن بدونه الوصول إلى تفسير نهاية ثورة أوكتوبر1917 في انهيار مبنى الاتحاد السوفياتي بالأسبوع الأخير من عام 1991.
أحد مؤشرات فشل الثورة
المصرية ما يرمز إليه المصير القضائي لحسني مبارك
يفرش ماركس سيرورة المسار الفرنسي بين يومي 24 شباط 1848 و2 كانون أول 1851 كالتالي: ثورة 24 -25 شباط 1848 شاركت فيها فئات وطبقات واسعة من المجتمع الفرنسي تمثلها اتجاهات سياسية: اشتراكيون، الجمهوريون الدستوريون (اتجاه الناسيونال بزعامة لامارتين)، مع حياد لـ(الملكيون الشرعيون: أنصار آل بوربون، الذين أطيح بعرشهم في ثورة تموز 1830، بعد أن عادوا بحراب الأجنبي عام 1815 بعد هزيمة نابليون بمعركة واترلو). أطاحت الثورة بالملك لوي فيليب من آل أورليان وكان حكمه مستنداً طوال ثمانية عشر عاماً إلى بورجوازية المال والبورصات الصاعدة القوة. في انتخابات الجمعية التأسيسية يوم 23 نيسان 1848 توزعت المقاعد التسعمئة كالتالي: الناسيونال 500، الأورليانيون 200، الشرعيون 100، الاشتراكيون 100. كان اليسار الاشتراكي متركزاً لدى عمال مدينة باريس، وقد خشي جميع الآخرين من تكرار تجربة يعاقبة روبسبيير عامي 1793- 1794 لما حكمت باريس فرنسا كلها رغماً عنها. قام جنرال قريب من (الناسيونال)، هو كافينياك، بعمل مجزرة راح فيها الآلاف من عمال باريس في حزيران 1848، وأصبح هو الحاكم التنفيذي حتى انتخابات الرئاسة يوم 10 كانون أول 1848. كان (الناسيونال) وريثاً وقريباً من (الجيرونديين) بزعامة دانتون الذي قاده روبسبيير إلى المقصلة، وكانوا يحلمون بتطبيق النموذج الانكليزي لسلطة البرلمان مع رئيس من دون صلاحيات وكانوا لا يمانعون في المساومات الأخيرة حتى 2 كانون أول 1851 أن تكون هناك ملكية دستورية، في لقاء من قبلهم مع الأورليانيين. كان جميع اليمين مع مجزرة حزيران، ولكنه بعدها لم يكن موحداً في الخيارات: جمهورية برلمانية دستورية (الناسيونال)، عودة آل بوربون، ملكية دستورية كما كان يطرحها الأورليانيون. أمام تنازع وتشتت اليمين المنتصر برز مغامر، ذو ماض غير لامع ولكنه ابن أخ نابليون بونابرت، أتى من الخارج وليرشح نفسه لرئاسة الجمهورية. فاز بغالبية كاسحة فاجأت الجميع. نال لويس بونابرت أصوات الفلاحين، الذين توزعوا بين الناسيونال والأورليانيين ومن كان منهم كثير التدين أعطى صوته للشرعيين في 23 نيسان 1848 قبل ثمانية أشهر. الفلاحون عام 1848 هم أكثرية عددية في المجتمع الفرنسي، وكانوا عماد جيش نابليون بونابرت الذي وصل إلى موسكو عام 1812، وفي يوم 10 كانون أول 1848 أعطوا صوتهم لابن أخ نابليون تعلقاً ببريق ماض وقائد نظم ملكيتهم الجديدة للأرض بعد أخذها من الأرستقراطية العقارية ومن الكنيسة ثم كاد يوصلهم للسيطرة على كامل أوروبة، ولكن أسباب الحاضر كانت أقوى عندهم يومها: ملل من التنازع السياسي الذي ألصقوا به سبب الركود الاقتصادي الذي بدأ صيف 1848 وضيق من زيادة الضرائب اجتمعا مع ملل من الحزبية وإدارة الظهر لها وللسياسة ومع اتجاه إلى تسليم مقادير الأمور إلى فرد رأوا فيه (المخلص - المنقذ) رغم أنه لم يكن على أية صفة من صفات عمه العظيم. ضد الناسيونال ساند الشرعيون والأوليانيون لويس بونابرت وظنوا أنه وسيلة موقتة لتصفية الحساب مع الجمهوريين الدستوريين الذين رأوا فيهم الخطر الرئيسي بعد تصفية اليسار في حزيران 1848. تعاون لويس بونابرت معهم وساندهم ضد الناسيونال في انتخابات الجمعية التشريعية بأيار1849. ساد الأوليانيون والشرعيون البرلمان ومن خلاله الساحة السياسية حتى أيار 1850 عندما بدأ لويس بونابرت يوجه حرابه ضدهم ويضع سلطة الرئيس في مواجهة الجمعية التشريعية. كان تكتيك الشرعيون والأورليانيون هو السيطرة على الجمعية من أجل منع التجديد لولاية الرئيس ثانية عام 1852 ومن ثم إعادة النظام الملكي. استندوا للمادة 45 من الدستور، ولكن أمام بونابرت بدأت انقساماتهم: من الملك القادم: أورلياني أم بوربوني، ثم بدأ جناح أورلياني ينحاز للجمهورية (بزعامة رئيس الوزراء السابق للوي فيليب: تيير). يرى كارل ماركس أن ما ساعد لويس بونابرت في نجاح انقلابه العسكري ضد الجمعية التشريعية وحلها واعتقال زعمائها يعود لعوامل عدة: الميل إلى السكينة والنظام بعد موجات من الاضطراب السياسي، وعامل تضخم جهاز الدولة الفرنسية (موظفون نصف مليون، وجيش أيضاً نصف مليون) وإلى أن الدولة «جعلت نفسها مستقلة تمام الاستقلال، وقد وطد جهاز الدولة مركزه إزاء المجتمع المدني» وفق تعبير ماركس، مع تخلي بورجوازية المال والبورصة عن الأورليانيين لصالح ديكتاتور فرد يأخذ صورة الامبراطور نابليون الثالث. في انقلابه والذي رأى تأييداً شعبياً كبيراً، أعطى من خلاله غالبية الفرنسيين مقاديرهم ومصائرهم ووضعوها بيد فرد واحد، قدم لويس بونابرت نفسه بوصفه (حامي النظام) و(رمز الاستقرار) وقد لقي تعبيره قبل أشهر من الانقلاب تأييداً شعبياً كبيراً: «فرنسا تطالب قبل كل شيء بالسكينة».
هذه سيرورة ثورة لغالبية في مجتمع انتهت بعد ثلاث سنوات وعشرة أشهر باستقالة غالبية مجتمعية من السياسة وتسليم مصائرها لفرد واحد. في انكلترا ثورة 1642- 1649 حصل شيء مماثل مع أوليفر كرومويل عام 1653 لما قام بحل البرلمان ونصب نفسه (الحامي: البروتكتور). عادت الملكية إلى انكلترا عام 1660. ربما أيضاً كان انقلاب نابليون بونابرت في 9 تشرين ثاني 1799 ايذاناً بهزيمة واترلو عام 1815 وبفشل ثورة 1789 ولو أن نجاحاته هو وكرومويل قد أعطتا دفعاً لأن تكون ثورات لاحقة استمراراً وتكميلاً لثورتي 1642- 1649 و1789. كادت ثورة شباط 1917 أن تنتهي إلى هذا المصير في آب لولا تحالف لينين مع كرنسكي ضد حركة الجنرال كورنيلوف وبعد هزيمة الأخير قام الزعيم البلشفي بالإطاحة بحكومة كرنسكي في ثورة أوكتوبر 1917. كانت سيطرة ستالين وديكتاتوريته الفردية منذ عام 1929 بداية لفشل ثورة البلاشفة والتداعي اللاحق للبناء السوفياتي.
هنا، بعد أربع سنوات من «الربيع العربي»، التي حصلت فيه ثورات في تونس ومصر وما يشبه الثورة في اليمن، يفوز بالرئاسة التونسية شخص مسن يقارب عمره التسعين كان رئيساً للمجلس التشريعي لنظام بن علي بعد ثورة أطاحت ببن علي وكان عمادها الجيل الشاب، كما يفوز حزب هذا الرئيس المنتخب بالمرتبة الأولى في الانتخابات البرلمانية، وهو حزب يشكل طبعة منقحة عن حزب بن علي. في اليمن يعود الرئيس السابق علي عبدالله صالح إلى السلطة بين يومي 21 أيلول 2014 و6 شباط 2015 من وراء ستارة الحوثيين. في مصر، التي تشبه ثورة 25 يناير 2011 وصولاً إلى انقلاب 3 يوليو 2013 مسار ثورة 24 -25 شباط 1848 الفرنسية حتى انقلاب 2 كانون أول 1851 كما يشبه السيسي لويس بونابرت، كان أحد مؤشرات فشل الثورة المصرية ليس فقط انقلاب 3 يوليو وإنما أيضاً ما يرمز إليه ويعكسه في الفضاء السياسي المصير القضائي لحسني مبارك الآن بالقياس لمصير رئيس منتخب هو محمد مرسي ولكن هنا تأخذ رمزية أكثر مآلات المتحدث السابق باسم (ائتلاف شباب الثورة) أحمد دومة: مجموع سجونه في عهدي مبارك وطنطاوي تبلغ ثماني عشرة مرة. سجنه مرسي مرتين. حكم عليه السيسي بالمؤبد.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,428,086,711
- محاولات تحجيم روسيا
- بين(القاعدة) و (داعش)
- رهاب الإسلام عند الغرب
- تجربة الحركة الإسلامية السورية
- بوادر انتعاش لليسار عند العرب؟
- تقلقل وضع تركية الاقليمي
- فشل -الربيع العربي-
- تحوّلات في مشهد المعارضة السورية
- تفسيران عربيان للسياسة
- اليمن:26سبتمبر و21سبتمبر
- من سيملأ فراغ انحسار تيار الإسلام السياسي؟
- محاولة في تحديد -الأصولية-
- تحديد السلفية
- داعش كمؤشر على انحسار تيار الاسلام السياسي
- من البنا إلى البغدادي
- تضعضع المخفر الإسرائيلي
- الأشكال المتبدلة للتعبير السياسي
- الزواج الليبرالي – الاسلامي في سورية
- فراغ الدكتاتور
- ربيع العسكر


المزيد.....




- نجوى كرم في السعودية.. صورة بـ-العباءة- وطلب للجمهور: -حدا ي ...
- سنغافورة تصادر قطعا عاجية بقيمة 12.9 مليون دولار
- غريتا تونبرغ.. طفلة سويدية تحمل هموم الكبار البيئية
- بين أمريكا وإيران وناقلة بريطانيا.. ما علاقة الماضي بالحاضر؟ ...
- نتنياهو يستعرض قوة إسرائيل أمام صحفيين عرب: لولانا لانهار ال ...
- الخارجية الروسية: هدم إسرائيل لمنازل فلسطينيين في القدس تصرف ...
- ناشط سياسي مصري مشهور: سأكون جانب إيران إذا وقعت حرب مع أمري ...
- زيارة السعودي لإسرائيل.. ما بين -التطبيع- و-المؤامرة-
- من تركيا إلى السعودية...ما هي أشهر تعليقات بوريس جونسون عن ا ...
- فيديو: الشرطة الكندية تنشر صوراً لأسترالي وأمريكية قبيل مقتل ...


المزيد.....

- لصوص رفحا وثورتنا المغدورة في 1991 / محمد يعقوب الهنداوي
- الهيستيريا النسائية، العمل المحجوب، ونظام الكفالة / ياسمين خرفي
- ثورة وزعيم / عبدالخالق حسين
- التنظير حول الطبقية في الدول الناطقة باللغة العربية أفكار وا ... / نوف ناصر الدين
- العامل الأقتصادي في الثورة العراقية الأولى / محمد سلمان حسن
- مجلة الحرية عدد 4 / محمد الهلالي وآخرون
- مجلة الحرية عدد 5 / محمد الهلالي وآخرون
- ممنوعون من التطور أم عاجزون؟ / محمد يعقوب الهنداوي
- أ.د. محمد سلمان حسن*: مبادئ التخطيط والسياسات الصناعية في جم ... / أ د محمد سلمان حسن
- الانعطافة الخاطئة في العولمة، وكيف تلحق الضرر بالولايات المت ... / عادل حبه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد سيد رصاص - سيرورات فشل الثورات