أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد محمد رحيم - الفشل في إدارة موارد المجتمع ( 2 2 )















المزيد.....

الفشل في إدارة موارد المجتمع ( 2 2 )


سعد محمد رحيم

الحوار المتمدن-العدد: 4707 - 2015 / 2 / 1 - 13:17
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لا أحد يدّعي أن الاقتصاد العراقي كان في أوج عافيته في عام 2003.. كانت هناك التركة الثقيلة للعهد السابق بفعل الحروب العبثية، والحصار الدولي المفروض على الشعب، لا على النظام الحاكم، والسياسات الخاطئة لذلك النظام.. وجاءت عمليات النهب والسلب والتخريب العفوية منها والمنظّمة، وتحت أنظار قوات الاحتلال، لتقضي على ما تبقى من بنية الدولة المنهارة، ومؤسساتها الاقتصادية. واليوم يتحرك الاقتصاد العراقي، بسبب طبيعته الريعية، بفعل عوامل مرتبطة بالسوق الدولية، وتحديداً بسوق النفط والطاقة العالمية. وهي سوق غير مستقرة، تتحكم بمساراتها وتقلباتها جهات عديدة، وبذا هي غير مضمونة من ناحية الاعتماد عليها في مسائل النمو والتطور والاستقرار.. في مقابل ذلك نستطيع ان نزعم أن دولتنا تفتقر إلى وجود فلسفة ورؤية اقتصادية واضحة الأبعاد والاتجاهات، تعينها في رسم البرامج والسياسات. كما أن البدائل التي تتوافر لديها نادرة، شحيحة، وغير فعالة، وقد تأتي بنتائج سلبية ضارّة بمصالح الفئات الأقل دخلاً.
وإذا كانت ظاهرة العنف والإرهاب هي الوجه الآخر لحالتنا المضطربة، فإن الإرهاب نفسه، بغض النظر عن مصادره المحلية والخارجية، قد تغذى عبر قنوات الفساد، وفشل الإدارة، وضخامة المال المهدور غير المحروس جيداً، حتى بات يهدد لا مستقبل البناء الاقتصادي الحضاري للبلد، وإنما وحدته ومصيره كذلك. في الوقت الذي باتت السوق الرأسمالية العالمية، التي لها هامشها الضخم من الفعاليات غير المشروعة ( الرشى، التهريب، تبييض الأموال، التجارة في الممنوعات، الخ.. ) تحتوي ظاهرة العنف والإرهاب المستشرية في مناطق عديدة من العالم، بوصفها مجال استثمار ربحي لا يضاهى، حتى وإن كثرت أعداد ضحاياها.. أما نحن، فشئنا أو أبينا، غدونا جزءاً من لعبة العولمة، ليس منذ العام 2003 وإنما قبل ذلك أيضاً، وربما منذ فرض الحصار الاقتصادي على العراق على إثر غزو الكويت 1990، ووضع النفط العراقي تحت الوصاية الدولية، ودولرة الاقتصاد الوطني.. لكن الفرق أن اللعبة نفسها أصبحت الآن مكشوفة، كونها تُسيّر على وفق مصالح قوى لم تعد تخشى شيئاً، لأنها استطاعت الإمساك بمعظم الخيوط المحرِّكة، ولم تعد أمامها تحديات مصيرية تواجهها من خارجها بعد انهيار المنظومة الاشتراكية. أما الإرهاب العالمي فأراها حلقة مكملة في مسار اللعبة ذاتها.. تلك القوى ترى في العالم مسرحاً هائلاً تؤدي على خشبته دور البطل الأوحد، وما على الآخرين سوى الإذعان لأداء أدوارهم الثانوية المكمِّلة، وبحسب ما رُسم لهم. وإلا سيكون الويل في انتظارهم.
يقولون أن أسعار النفط لا تخضع فقط لقوى العرض والطلب وإنما لموجِّهات سياسية، بعضها ظاهر، ومعظمها خفي. وقد يكون هذا صحيحاً نسبياً، غير أن متغيرات السوق الرأسمالية، وما تشهده من تقلبات دورية تتراوح بين الانكماش والرواج، وتأثير ذلك على الطلب في حقل الطاقة، وفي المقدمة منها النفط، هي التي تحسم في النهاية هذا الأمر. لأن القرار السياسي، في الدول الرأسمالية الكبرى لا يمكن أن يتجاهل الموجِّه الاقتصادي على المديين المتوسط والبعيد. من هنا فإن سوق النفط مثل أية سوق حرة تصبح خاضعة لمستويات العرض والطلب، ولا يمكن أن تثبت على حال، أو أن تتخذ اتجاها واحداً.. والمتوقع أن تعاود أسعار النفط الصعود بعد شهور قليلة حين تنتعش الاقتصاديات الرأسمالية، ويزداد الإنتاج، وترتفع معدلات الاستخدام، ليتصاعد بالمقابل، تلقائياً، الطلب على النفط، وبالضرورة أسعاره.
ولكن حتى مع قفزات لافتة في تلك الأسعار لابد من تغيير السياسات الاقتصادية في العراق باتجاه التوسع في الاستثمارات. والمعروف أن مستوى الاستثمار في أي بلد هو دالة لحجم الادخار القومي. والأخير عراقياً تضرر إلى حد بعيد لأسباب عديدة منها ( فضلاً عن الفساد ونهب المال العام )؛ استنزاف الموارد في غير قنواتها الصحيحة، وعدم استخدامها عقلانياً من أجل زيادة الإنتاج، وتنويع مصادر الدخل القومي.. ولا شك أن العادات الاستهلاكية السيئة، على الصعيدين الحكومي والمجتمعي، والتبذير الحاصل في التعامل مع الأغراض، وخلق الحاجات الزائفة.. أي أن تقاليد المجتمع الاستهلاكي الرأسمالي قد انتقلت إلينا بالعدوى، عبر وسائط الإعلام والثقافة الجماهيرية. وهذه المرة بالحث على اقتناء سلع براقة، غير ضرورية في الغالب، ومعظمها رديئة الصنع، لا تكاد تنطوي على قيمة استعمالية معتبرة، بعدما فُتحت أبواب استيرادها للطارئين على الحياة التجارية، من غير أن تخضع لمقاييس السيطرة النوعية، ومن غير روادع ضريبية.. وهناك، بالتأكيد، صور أخرى للتبذير والهدر الاقتصادي. وهذه بمجموعها أدت إلى استنزاف الجزء الأعظم من الدخل القومي وتبديده في روافد استثمارية مهلهلة مغرقة بالفساد وسوء الإدارة والتنظيم، أو في روافد استهلاكية، غير عقلانية، وسيئة، على حساب الادخار.
إن الشريحة الطفيلية التي استحوذت بطرق شتى، غير مشروعة، على قدر مهول من الثروات الوطنية، واغتنت على حساب الطبقات الأكثر تضرراً وفقراً في المجتمع، تعد اليوم عائقاً موضوعياً أمام أي تقدّم يمكن أن يحصل في الحقلين السياسي والاقتصادي.. ومن غير تحجيم تأثير تلك الشريحة، وإعادة ما قامت بنهبه إلى خزينة الدولة فإن أية إجراءات تصحيحية تضع أسسها وتنفذها الحكومة ستبقى غير مثمرة، إن لم نقل عقيمة.. ومن المعروف أن الشريحة الطفيلية، على أرضية سياسية وأمنية قلقة ومضطربة، تأخذ بالتكتل في شكل مافيات يحمي بعضها بعضاً، في الوقت الذي تعمل فيه على نشر الفساد في نطاق أكبر مساحة ممكنة ليسهل عليها الاستمرار والحركة بأمان.. وتكون مستعدة بطبيعة الحال أن تقاتل وتقتل في سبيل ألا تفقد امتيازاتها وتخسر مصالحها.
يقتضي إيجاد الحلول طرح الأسئلة الصحيحة، والتي هي كناية عن المشكلات الحقيقية التي يواجهها مجتمعنا في الحاضر، ومنها: كيف يمكن إعادة بناء المجتمع السياسي العراقي على أسس عقلانية وعادلة؟. كيف ننمّي المجتمع المدني ونجعله المصدر الأعظم للمجتمع السياسي إلى الحد الذي يمكن أن يتماهيا وينصهرا معاً؟. كيف نحدّ من هيمنة وسلطة المجتمع الأهلي بمؤسساته التقليدية وأعرافه المعوِّقة للتنمية ولبناء الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة؟. كيف يمكن تجفيف منابع الإرهاب وقطع التمويل عنها؟. كيف يمكن تسخير وسائل الإعلام والثقافة والتواصل الاجتماعي لتفكيك الإيديولوجيات التكفيرية والمتطرفة؟.
وقبل ذلك، وبعد ذلك؛ كيف نخرج من الدائرة المغلقة للاقتصاد الريعي والذي لا يبقي لنا سوى موقع جد هامشي في عالم معولم صاخب، وعصر يتسارع في تطوره العلمي والتقني والمعلوماتي والثقافي والإعلامي؛ أقول كيف نخرج من تلك الدائرة المغلقة لنبني أسس اقتصاد متنوع بموارده، ومنتج في قطاعات الزراعة والصناعة والخدمات والسياحة والمعلوماتية؟.
والآن؛ هل نركن إلى اليأس أم نبحث عن حلول؟ ولا حلّ باعتقادي من غير تنمية الاقتصاد، من خلال إرادة سياسية وطنية وتخطيط فعال. فمن المعتاد أن يلقّن دارسو الاقتصاد السياسي بفكرة أن المبدأين الأولين في مادة التنمية الاقتصادية هما؛ إرادة التنمية، والتخطيط لها. وإذا كانت إرادة التنمية مرتبطة بالوعي والمزاج السياسيين للسلطات الحاكمة، فإن تخطيط التنمية إجراء علمي تقني محترف. وأي تخطيط من هذا القبيل، يتطلب أولاً إجراء إحصاءات دقيقة تبيّن حجم السكان وتوزيعه الجغرافي والعمري والوظيفي، ومعلومات عن طبيعة الثروات الموجودة، والتي بالمستطاع إيجادها، وذلك قبل تحديد الغايات، ومن ثم الأولويات، وبعدها الوسائل التي يمكن اعتمادها في التنفيذ.
لا يمكن، من غير إعادة ترتيب البيت السياسي العراقي، النهوض بقطاعات الاقتصاد الوطني الإنتاجية والخدمية.. وهذا يجب أن يحصل قبل، أو يتزامن مع، الاستخدام الأمثل لموارد المجتمع وقوى الإنتاج المتاحة، وتنميتها وتطويرها، وترشيق الإدارة وعصرنتها، ومواكبة التحوّلات العميقة والسريعة في مجالات التقنية والحوسبة والرقمنة والمعلوماتية. وهل يتحقق هذا من غير أن يأخذ كل فرد قادر على العمل دوره المناسب في العملية الاقتصادية والتنمية الاجتماعية، وفي إطار مناخ ثقافي جديد من قيم وتقاليد وأعراف تقدّس العمل الإنساني، وتدين وتسفِّه وتحارب الطفيلية والفساد وممارسة العنف.
حين يدرك السياسيون أن الجسم السياسي لا يمكن أن يشفى من أمراضه وعاهاته ويتخلص من سمومه إلا بتنمية الاقتصاد، ستكون لديهم الفرصة للتفكير الصحيح بالحلول الناجعة.. سيكون احتمال انقاذنا أكبر من احتمال وقوعنا في الفخ المميت؟.
حين يدرك السياسيون أن صراع الأطراف المختلفة المحموم للاستحواذ على الكعكة الدسمة، وحرمان الآخرين منها سيحوِّلها إلى سم زعاف. وأنها حين توزّع فقط بعدالة، وحسب الاستحقاق الذي معياره الأول المشاركة الحقيقية في العملية التنموية، وليس التوسل بأية ادعاءات دونكيشوتية، أو سرديات ملفقة وموهومة، ستكون تلك الكعكة مصدر ازدهار وسلام وعافية للنفوس قبل الأبدان. وإذ ذاك سنضمن أن الأجيال القادمة لن تذكرنا بسوء، ولن تصبّ على أرواحنا لعناتها.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,721,984,894
- الفشل في إدارة موارد المجتمع ( 1 2 )
- المكان والهوية والاغتراب
- قصة قصيرة؛ مساء عاطل
- السردية التأسيسية للدولة وموقع المثقف
- أيمكن ممارسة الديمقراطية من غير مبدأ التسامح؟
- ثلاث قصص قصيرة جداً
- باتريك موديانو هل يستحق نوبل الآداب؟
- الاقتصاد السياسي للعنف
- موقع الهوية
- الهجرات الداخلية وهوية الأمكنة ( 2 2 )
- الهجرات الداخلية وهوية الأمكنة ( 1 2 )
- المكان العراقي: السلطة والثقافة والهوية ( 3 3 )
- المكان العراقي: السلطة والثقافة والهوية ( 2 3 )
- المكان العراقي: السلطة والثقافة والهوية ( 1 3 )
- الجسد العراقي: التاريخ، الهوية، والعنف
- لماذا يرتد بعضهم إلى الطائفية؟
- الجسد العراقي: السلطة، الثقافة، الهوية
- المثقفون: الحلم العراقي وهوية الدولة
- السلطة، الجسد المعولم، والمجتمع الاستهلاكي
- الهوية وغربة الإنسان في عالم معولم


المزيد.....




- فيروس كورونا: التفشي بلغ -مرحلة حرجة وقد يتحول إلى وباء شامل ...
- سناتور حليف لترامب يدعو إلى إقامة منطقة حظر طيران فوق إدلب
- ارتفاع عدد الجنود الأتراك الذين قتلوا في إدلب إلى 33
- ليبيا... اندلاع اشتباكات عنيفة في العاصمة الليبية طرابلس
- الناتو لا يناقش تفعيل بند الدفاع الجماعي بخصوص الوضع حول سور ...
- مقتل 22 جنديًا تركيًا بغارات جوية في سوريا
- لأول مرة دوري كرة قدم للسيدات في السعودية
- مقتل 22 جنديًا تركيًا بغارات جوية في سوريا
- جدل في مواقع التواصل بشأن صحة البابا تزامنا مع انتشار كورونا ...
- معاناة الهنديات المهجورات مزدوجة.. أزواج هاربون ومجتمع يراهن ...


المزيد.....

- دور المثقّف العربي في التّغيير: المثقّف و الوعي المطابق لحاج ... / كمال بالهادي
- الاحتجاجات التشرينية في العراق: احتضار القديم واستعصاء الجدي ... / فارس كمال نظمي
- الليبرالية و الواقع العربي و إشكالية التحول الديمقراطي في ال ... / رياض طه شمسان
- غربة في احضان الوطن / عاصف حميد رجب
- هل تسقط حضارة غزو الفضاء بالارهاب ؟ / صلاح الدين محسن
- الإسلام جاء من بلاد الفرس ط2 / د. ياسين المصري
- خطاب حول الاستعمار - إيمي سيزير - ترجمة جمال الجلاصي / جمال الجلاصي
- حوار الحضارات في العلاقات العربية الصينية الخلفيات والأبعاد / مدهون ميمون
- عبعاطي - رواية / صلاح الدين محسن
- اشتياق الارواح / شيماء نجم عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد محمد رحيم - الفشل في إدارة موارد المجتمع ( 2 2 )