أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان الشويلي - اوراق المجهول - رواية متسلسلة - الفصل السادس والسابع















المزيد.....

اوراق المجهول - رواية متسلسلة - الفصل السادس والسابع


داود سلمان الشويلي

الحوار المتمدن-العدد: 4688 - 2015 / 1 / 11 - 22:56
المحور: الادب والفن
    


الورقة السادسة:
---------------------------------------------------
كنت انا وصديقي وصهري راضي في غرفة المدرسين في بناية المدرسة الوحيدة في قريتنا التي لم يبق من ساكنيها سوى عوائل تعد على اصابع اليدين ، قال لي راضي دون ان يلتفت يمينا او شمالا، اذ لم يكن في الغرفة سوانا ، فنحن المدرسين الوحيدين في المتوسطة ، وانا المدير وهو المعاون:
- اتعرف ؟
سألته ، بعد ان مرت اصابع كفي اليسرى على شعر رأسي الاسود فيما كانت عيناي تحدقان في سجل الدرجات للتلاميذ الخمسة الذين كنا ندرس لهم :
- وماذا عرفت انت ؟
قال:
- ان الوكيل سيذهب الى لندن ليلتقي بإبن الشيخ الكبير ؟
ابتسمت، وامتد بصري من خلال الشباك المفتوح الى ارض حديقة المدرسة التي لم تر الماء ولا الخضرة منذ ان وضعت اول طابوقة للبناء، قلت له:
- اخبار قديمة .
ثم عدت ببصري الى الاوراق التي امامي والمدون عليها اسماء الطلبة الخمسة الوحيدين في المدرسة ، واردفت قائلا:
- وسيشيعه والدي الى المطار في بغداد .
بدا الغضب على وجه راضي ، وادار رأسه كمن زعل، قلت له :
- راضي... حسبتك تعرف بالامر من والدك ولهذا لم اخبرك به .
قال بإنكسار من عرف جحود عزيز عليه:
- انت تعرف انني لم اسأل والدي كثيرا مثلك ، وانما انتظر ان يقول هو ما يريد ان يقوله لي، او ان يخبر امي به.
في الحقيقة ، بيني وبين نفسي ، قلت : سيذهب الوكيل ليستجم في لندن ، وسيترك والدي يدير امور القبيلة الصغيرة ، وليجمع حق المشيخة من غلة هذا الموسم من عشيرتنا ومن ناس العشائر والافخاذ والاسلاف الذين ظلّ ولائهم للوكيل .
لا اعرف ان كان والدي يعرف ان شيخ سلف العماريين كان يكذب في ادعائه بوصايته على حق المشيخة وعلى وجود ابن للشيخ الكبير والذي يدرس – هكذا ادعى – في لندن ، ويعرف جيدا ان الشيخ الكبير لم يخلف بعده ذرية ، ام انه قد أخذ أخذا وكان كالاطرش في الزفة؟ ولكن الامور تفضي الى ان والدي كان يعرف كل شيء ، لان شيخ سلف العماريين لم يكن قريبا من الشيخ الكبير كقرب والدي منه ، الا انني اشهد امام الله والناس انه كان اكثر جرأة من والدي ، واذكى منه .
مرة ، سألت والدي قبل ان يتزوج بأمرأة اخرى غير امي عن صدق الادعاء بوجود ابن للشيخ الكبير ، قلت له :
- ابي اريد ان اسألك سؤالا واعرف انه سيغضبك الا انني يجب ان اسألك اياه .
نظر الى وجهي مليا وقال :
- الم اقل ان اسألتك بعد وفاة الشيخ الكبير رحمه الله قد كثرت ، وكلها تغضبني؟
قلت مبتسما:
- هذه سنة الحياة ... يأخذ الابناء معارفهم من الاباء.
ضحك والدي طويلا ، ثم قال :
- اسأل؟
قلت :
- هل صحيح ما كان يدعيه شيخ سلف العماريين ؟
وكمن فوجيء بالسؤال ، صمت واصفر وجهه واضطربت شفتاه، وبعد فترة اجابني :
- اتريد جوابي ام جواب عمك الذي انشق عن القبيلة ؟
قلت له :
- انا اعرف جواب عمي ، الا انني اريد ان اعرف الحقيقة منك.
قال لي وهو يريد اقناعي :
- انت تعرف يا ابني انني لا املك سوى خمسة دونمات من الارض وهي غير منتجة ، وانت تعرف يا ابني ان الشيخ الكبير رحمه الله قد كانت يديه خضراء معي ، وانت تعرف يا ابني انك اكملت الدراسة الجامعية في بغداد بالاموال التي كانت تفيض من يدي الشيخ الكبير رحمه الله ... فلا تبسق في الاناء الذي تشرب منه .
كان كل الذي قاله والدي صحيحا مائة في المائة ، الا انني سألته :
- وما شأن افضال الشيخ الكبير بسؤالي؟
رد قائلا:
- الم اقل انك تكثر الاسئلة!؟
قلت له :
- لقد طلبت منك ان اسألك فوافقت .
قال،بعد ان تعمقت تغضنات رقبته واصفر لونها :
- لم اكن اعرف ان سؤالك هوهذا الذي يدفعنا لترك القبيلة مع الذين تركوها ، او ان نسد نهر الخير بوجوهنا.
سألته مستزيدا:
- وكيف؟
قال بعد ان نهض من الكرسي الذي كان يجلس عليه واتجه الى باب الغرفة يروم الخروج ، او الهروب من اسألتي:
- لنترك الاجابة الى وقت اخر.
عرفت وقتها – بل تيقنت - ان ابي لا يريد ان يجيب عن سؤالي ، وانه يخبئ ما يشيب له رأس الرضيع ، وان خروجه من غرفتي بعد طرح هذا السؤال هو فراره من شيء ما يجب ان اعرفه جيدا ، الا انني وبعد ايام تذكرت قوله لي عن حالتنا الاقتصادية ، وعن افضال الشيخ الكبير على والدي ، وعن اكمال دراستي الجامعية، فرحت احلل اقواله هذه الواحدة تلو الاخرى ، ثم اقوم بالربط بينها علّني اصل الى ما اريد.
بدأت من حالتنا الاقتصادية ، ورحت احلل في سجلي الخاص ، فكتبت فيه : ان الداني والقاصي يعرف ان والدي – على الرغم من انه شيخ عشيرتنا بالوراثة عن ابيه - كما عمي ابو خيرية- يملك خمسة دونمات ، دونمين ونصف ورثها عن ابيه الحاج سلمان ودونمين ونصف ورثتها امي عن ابيها الحاج سالم ، وكلها كانت ارثا من جديّ والد الحاج سلمان والحاج سالم، اذن فنحن نعتبر من العوائل متوسطة الدخل ، بالقياس الى ابي راضي الذي يمتلك عشرة دونمات .
ثم فتحت صفحة جديدة في السجل ورحت ادون : من المعروف للداني والقاصي ان ابي من اقرب اصدقاء الشيخ الكبير ، ومن المعروف جيدا ان الشيخ الكبير نهر من الخير كان يفيض على جنبيه ، وعلى احد جوانبه كان يقف والدي ،كما كان بعض افراد القبيلة ، وكنت اعلم علم اليقين ان الشيخ الكبير قد ارتحل من عالمنا هذا الى عالم الرحمن الرحيم دون خلف، وان يديه اللاتي كانتا تحمل الخير لنا قد قبضت او انها صارت عظما نخرا ليس الا ، واعرف جيدا ان قبيلتنا ظلت بدون رأس يقودها ، اقصد بدون شيخ ، واعرف جيدا ان ابناء قبيلتنا الكبيرة قد تبخروا ، كانوا في قدرمغلق يغلي ، وعندما رفع الثقل عن غطائه – اقصد الشيخ الكبير - تبخر كل شيء ، عندها تذكرت غورباتشوف وما فعله بالاتحاد السوفيتي برفع يديه من على قدر الاتحاد الذي كان يغلي، كل هذا اعرفه ، واكثر منه ، لكن الذي لا اعرفه ان للشيخ الكبير ابنا يدرس في لندن ، وان شيخ سلف العماريين هو وكيله على حقوق المشيخة وابنه ، هذا ما لا اعرفه ، ويجب ان اعرف الصدق في الخبر.
مرة ، وكمن يحقق مع متهم، رحت اسأل ابي عن شيخ سلف العماريين ، سألته:
- لم اره يكثر المجيء الى مضيف الشيخ الكبير سوى في المناسبات وعند جمع وتوزيع الغلة ، فكيف اختاره الشيخ الكبير وكيلا ووصيا ؟
تعكرت صفحة وجهه السمراء المتغضنة ، ثم اصفرت ، وراحت شفتاه ترتعشان ، واحسست كأني ارى الى شعيرات لحيته البيض قد قفت من كلامي، ومن بين الشفتين المرتجفتين ، جاءني صوته متعثرا، مخذولا:
- ابني لماذا لا تسكت ؟ الله يلعن الساعة التي ادخلتك فيها المدرسة ... كانت غلطة ... غلطة كبيرة ، لم نحصل من جرائها سوى هذه الاسئلة النكدة .
ثم خرج ، ليس من الغرفة فحسب وانما خرج من باب الدار ، دون ان يقول شيئا اخر ، ويحمل الصمت غائما في عينيه غضبا.
***
الورقة السابعة:
-------------------------------------------------
مرت الايام بنا كما مرت على خلق الله منذ ملايين السنين ، رتيبة ، كئيبة ، لا شيء فيها يذكر.
الأيام تتسارع، وتمضي الشهور،والليل ينسلخ من النهار، والنهار ينسلخ من الليل ،وكلاهما ينسلخ من الاخر دون ان نعرف ايهما كان البداية ، انها حكاية البيضة والدجاجة ، ونحن لا نرغم تفكيرنا على الوصول الى نتيجة ايهما الباديء في الانسلاخ ،كما اصبح عليه الحال عند ابناء قبيلتنا ، اذ تناست الناس محنتها ، او انها ارتضت بما آلت اليه امورها، كما تناسى خلق الله محنهم منذ قتال هابيل و قابيل ، واصبح كل ما في ايديهم هو الاهم ، اما انا وراضي فلم ننس محنتنا .
كنا نعيش حياتنا الزوجية ، انا مع شقيقته ، وهو مع شقيقتي ، بروتينية قاتله ، تروس في آلة مزيتة لا تعرف التوقف ، فكان يومنا متشابها ، استنسخ بواسطة ورق الاستنساخ الاسود ، كنا ننام ليلا مع زوجاتنا ، ونمارس الجنس معهن وكأن شيئا لم يكن،او لم تكن خيرية قد قبلتني الاف القبلات ومصت شفتاي الاف المرات ، فيما تتراقص في رأسينا ، رغما عنا، خيالات حبيباتنا بين الحين والاخر.
اخبرني راضي مرة:
- اصدقك القول يا خيري !
سألته مبتسما :
- وهل كنت معي في السابق غير صادق؟
رد علي ببرودة كثيرا ما عهدتها فيه:
- لا يأخذك تفكيرك الى ابعد مما اعني ، انا اريد ان اخبرك بعلاقتي الزوجية مع شقيقتك؟
قلت له وكنت اظن ان هناك ما كدر صفو تلك العلاقة :
- وهل آذتك بشيء؟
رد علي مبتسما وخجلا :
- كلا ، الا انني اريد ان اقول ...
سكت خجلا بعض الوقت ، وعندما طال سكوته طلبت منه ان يخبرني بكل شيء، ولا يخبئ عني شيئا ، قلت له مؤكدا :
- انك تعرف انني سأقف الى جانبك في كل شيء.
ابتسم، ومن بين ملامح وجهه المليئة بالحياء تحدث بكلام متعثر:
- اعرف ذلك... الا انني اريد ان اقول لك ... انني ...اعيش مع زوجتي ...– اقصد شقيقتك – حياة روتينيه، وما زالت فوزه تعيش معي .
ضحكت بصوت مجلجل ، وقلت له وكانت الكلمات تخرج من شفتي مملوءة بالضحكات :
- والحالة نفسها اعيشها مع شقيقتك ، فما الغريب في ذلك؟هذه هي الحياة .
سألني بعد ان وصلته عدوى الضحك :
- اصحيح ذلك ؟
وانا اوقف ضحكي ، وبشيء من رصانة لملمت اطرافها جيدا ، قلت له وانا ارتدي قناع الرجل الحكيم:
- راضي ... ان المحنة كانت عظيمة ، وكان وقعها علينا شديدا .
سألني:
- وما ذنبنا نحن ؟
قلت له بذات قناع الرجل الحكيم:
- ذنبنا اننا ابناء هذه القبيلة.
سألني شبه غاضب بكلمات سبق ان قلتها له :
- وما ذنب ابناء القبيلة كلهم بذلك ؟
قلت برصانة الحكيم العارف بكل شيء:
- الاباء يزرعون والابناء يحصدون ، وهذا ما حصدناه انا وانت ، انها محنة الهية .
عندها كمن سمع ما يغيضه... ثار بحدة ... نهض من كرسية واقترب من المنضدة الخشبية التي كنت اجلس الى جوارها ... وضع يدية عليها واحنى ظهره وواجهني بالكلام ، غلضبا ، ثائرا قائلا:
- انت تقول هذا!!!؟ ...انت خيري الدارس في الجامعة في بغداد تقول ذلك!!!؟...انت خيري الذي ملأت رأسك ورأسي بكتابات سارتر، وكامو ، والوجودية تقول ذلك !!!؟
ثم صاح بأعلى صوته:
- خيري يقول ذلك يا ابناء القبيلة ويريد مني ان اصدقه؟
لم اره كما رأيته تلك اللحظة ، كان وجهه قد تغير لونه ، وصوته تغيرت نبراته حدة ، فيما فغرت انا فاهي وعيوني لم تتركه لحظة واحدة .
ودون سابق انذار عدل من وقفته ، ودار على عقبيه، ربما شعر بالانتصار، او شعر بالخذلان، الا ان ما دونته بعد ساعات في سجلي في غرفة الخلوة على سطح دارنا هو : لم اشاهده مثلما رأيته اليوم هكذا ، كنت اعهده وديعا ، ولا يكثر الاسئلة ، وكان هو نفسه يعيب علي كثرة اسألتي ،- تساءلت - كيف حفظ هذه الاسماء الوجودية وكان هو عندما كنت احدثه عنها يهرب مني في بادئ الامر، وعندما عرف ان هروبه مني يزعجني – وهو لا يريد ازعاجي ولا يحب زعلي - ولا طائل منه ، فأنا اذكر له – رغما عن انفه – كل ما اقرأه في هذه الكتب،يبقى يسمع صاغرا صابرا، واليوم صباحا وفي غرفة المدرسين في المدرسة – المدرسان الوحيدان فيها هما انا وهو – كان احتجاجه على ما قلته قد جاءني عاليا متفجرا ، حتى انني خلت ان كل كلمة قالها قد سمعها طلاب مدرستنا – اقصد الطلاب الخمسة فقط في مدرستنا – الا انني حمدت الله انهم لا يعرفون اصحاب الاسماء التي ذكـرها ، وحتما انهم لم يحفظوها ، لكن الذي قاله ضرب في صميم افكاري ، عندما ذكـّرني بسارتر وكامو والوجودية ، لم افاجأ ... لانهم ما زالوا معي هنا ، فأفكارهم المطروحة في كتبهم ما زالت على رفوف مكتبتي الصغيرة ، وما زلت اعود اليها بين وقت واخر ، واعترف ان تفكيري مفارق لهذه الافكار، لان مجتمع قبيلتنا لا يسمح لها ان تظهر ، او لنقل بدقة انها غير مستوعبة من عقولهم ، الا ان راضي – كما ظهر اليوم لي – يفهم ذلك ولهذا قال لي ما قال .
تساءلت ، ودونت تساؤلي في السجل : هل فهم راضي سارتر والوجودية والوجود والعدم اكثر مني ؟ ام انه فهم ما يمكن فهمه من خلال ما كنت اذكره له ؟
كان عليّ ان اتأكد من ذلك منه ، ولكن – تساءلت - ما علاقة الوجودية بالمحنة التي مرت بقبيلتنا ، وما زالت اثارها عميقة، ليس في وجداننا فحسب ، وانما كانت ظاهرة في كل ما هو موجود في الحياة ، فقد يبست الاف الدونمات من الارض ، واخليت دور من ساكنيها ، ولعب الرحمن او الشيطان بعقول ابناء القبيلة ، وراح قابيل وهابيل ويوسف واخوته يجولون ويصولون دون عائق بين ناس القبيلة ، بل انهم دخلوا بين الاخ واخيه ، والابن وابيه ، والحبيب وحبيبته ، ولكن ما حدث لم يكن سارتر يعرف به ، ولم يكن قد درسه في فلسفته واظهره في كتبه ، لانني اعلم علم اليقين ان ما قاله سارتر ينطبق على المجتمع الغربي المادي ولا ينطبق على مجتمعاتنا الشرقية الاسلامية، او مجتمع قبيلتنا ،اما انني ذكرت انها محنة الهية ، فهذا ديدن ابي وابيه وناس قبيلتنا اجمعين ، عندما كانوا يسألون عن هذه المحنة ،فيجيبون انها محنة الهية، وحقيقة انها امتحان صعب، ان كان الهي ام غيرالهي ، فقد جرى هذا الامتحان علينا جميعا وحصلنا على نتائجه باليد وفي النفوس.
وتابعت التدوين :وانا اصلا – اكدت - لست شيوعيا او دارونيا او وجوديا كما اراد سارتر من الوجودية - حدثت نفسي - بل كنت معجبا بما كانت تطرحه فلسفته ، والذي قربني اليها احد الزملاء في قسمي وهو رجل متدين ، وحذرني من ان اؤمن بما جاءت به هذه الفلسفة حرفيا، وانما ذكرها لي وذكر مصادرها لانها ستفيدني كثيرا في قراءاتي ، قال لي محذرا:
- ليس ما يفيدك افكارها ، بل اقصد الاسلوب الذي طرحت من خلاله ، وقوانين الوصول الى تلك الافكار .
والحقيقة اقول، لم افهم منه ما كان يرمي اليه ، لم اعرف ما الاسلوب الذي كان يقصده ولا القوانين ، فرحت اشتري جميع الكتب – بطبعات ترجماتها غالية الثمن - التي تتحدث عن الوجودية ، وحتى ادبها الروائي، والمسرحي، والقصصي ، فتضخمت عندي مكتبتها ، الا انني – وبعد المحنة خاصة- عرفت ان تحذير صاحبي في قسم التاريخ كان دقيقا .
اذن فأنا لم اكن وجوديا في نظرتي للاشياء ، وما زال ايماني بالله قويا ،وما زلت اقول ان المحنة التي عصفت بقبيلتنا هي امتحان الهي .
هكذا اكدت لراضي عصر ذلك اليوم بعد ان اغلقت سجلي واسرعت الى بيته ، وكان هو في غرفته الخاصة التي كانت شقيقتي تسميها صومعته العالية .
عندما دخلت عليه صومعته فاجأته – كما اخبرني هو – قلت له :
- راضي... انا لم اكن في يوم ما وجوديا، الا انني كنت اقرأ كتبها للاطلاع ليس الا، وما زلت مؤمنا بما اؤمن به ، ويؤمنون به ابناء قبيلتنا.
ضحك عاليا ، وراح يهدئ من ثورتي كما تفاجأ بها ، ثم قال :
- لم ارك مستفزا هكذا ، هل استفزك قولي صباح هذا اليوم ؟
قلت له : لقد كان كلامك سببا لي في مراجعة افكاري ، فتوصلت الى انني لم اعتنق الافكار الوجودية ابدا ، وانني كما انت وكما ابي وابيك وناس قبيلتنا ما زلت اؤمن ان كل شيء من عند الله .
قال بعد ان قدم لي قدحا من الماء البارد :
- ومن قال لك انني اؤمن بما يؤمن به والدي ؟
ذهلت لقوله ... بل كان قوله مفاجأة لي بعد صداقة هذا العمر الطويل ، لهذا سألته قائلا :
- اعرف انك قليل الاسئلة ، واعرف انك كنت لا تتحدث معي الا عن "فوزه "، واعرف انك عندما زاملتني في الجامعة كان قسمك في بناية اخرى بعيدة عن بناية قسم التاريخ ، ولكن اعرف ايضا اننا في قسم داخلي واحد وكنا نخرج سوية ،وندخل سوية ، الا انني لا اعرف ان لك افكارا غير الافكار التي كنت اعرفك بها قبل ان نذهب الى بغداد وندرس في الجامعة ، فهل كانت لك افكارا غير التي كنت اعتقد انك كنت تؤمن بها؟
لم يجب على تساؤلي ، الاانه طلب مني ان ارتاح ، قال :
- ان سلم دارنا صعب الارتقاء ، لم يكن البنـّاء الذي اضافه الى بناية الدار موفقا في تصميمه.
ثم راح يشرح لي افكاره، وكلها تصب في مجرى "فوزه" حبيبته التي اخذتها موجة المحنة، كما اخذت معها ابنة عمي وحبيبتي وخطيبتي "خيرية "، وما كان يعتقد به عن مسؤولية الانسان عن افعاله ،ولا علاقة للاله فيها.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,272,627,621
- اوراق المجهول - رواية متسلسلة - الفصل الرابع والخامس
- اوراق المجهول - رواية متسلسلة - الفصل الثاني والثالث
- اوراق المجهول - رواية متسلسلة
- ورقتي التي قرأتها في الحفل التأبيني للأديب الراحل (( محسن ال ...
- حرق سعدي يوسف
- القصة في ذي قار - مقترب تاريخي ... عبد الرحمن الربيعي انموجا
- التحول المجاني - رحلة الشيخ من مرجع الى علامة-
- فليحة حسن والقصيدة ألايروتيكية !
- رحلة في الذاكرة -النقد والدراسات-
- ذكريات - 1 -: - ابن المدينة الحارة في مدينة الثلج-
- قانون الشمري للاحوال الشخصية الشيعية وعمر البنت
- ليس دفاعا عن المرأة ( مناقشة حديث نبوي )- ( ملف بمناسبة 8 ما ...
- ذكريات : 4
- العراق تحت احتلالين
- السياب والذكريات الاولى
- ذكريات مع الشاعر رشيد مجيد - 3
- الشعر خارج منطقته - ليس دفاعا عن الشاعر سعدي يوسف -
- هل مات مانديلا ؟
- ذكريات مع الشاعر رشيد مجيد - 2
- ذكريات مع رشيد مجيد


المزيد.....




- مجلس الحكومة يتدارس قانون تنظيمي متعلق بالتعيين في المناصب ا ...
- منفوخات الأدباء فوق فيسبوك البلاء – علي السوداني
- أعلنت -جائزة الشيخ زايد للكتاب-: أسماء الفائزين في دورتها ال ...
- بوتفليقة يرفض التنحي ويؤكد أنه باق
- عبق المدائن العتيقة.. رحلات في فضاءات الشرق وذاكرته
- المخرج المغربي محسن البصري: رغم الصعوبات السياسية في إيران إ ...
- فرقة -بيريوزكا- الروسية للرقص الشعبي تحتفل بالذكرى الـ 70 لت ...
- كازاخستانية تفوز بـ -أفضل ممثلة- في مهرجان هونغ كونغ السينما ...
- -حاصر حصارك- إضاءة على ظلّ محمود درويش
- -دفتر سنة نوبل-... ذكريات ساراماغو في كتاب


المزيد.....

- مدين للصدفة / جمال الموساوي
- جينوم الشعر العمودي و الحر / مصطفى عليوي كاظم
- الرواية العربية و تداخل الأجناس الأدبية / حسن ابراهيمي
- رواية -عواصم السماء- / عادل صوما
- أفول الماهية الكبرى / السعيد عبدالغني
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- ليلة مومس / تامة / منير الكلداني
- رواية ليتنى لم أكن داياڨ-;-ورا / إيمى الأشقر
- عريان السيد خلف : الشاعرية المكتملة في الشعر الشعبي العراقي ... / خيرالله سعيد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان الشويلي - اوراق المجهول - رواية متسلسلة - الفصل السادس والسابع