أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسلام بحيري - محكمة الصلح الكبرى للسيد محمد ماضي أبو العزائم [الفصل الثالث-الجزء الرابع]















المزيد.....



محكمة الصلح الكبرى للسيد محمد ماضي أبو العزائم [الفصل الثالث-الجزء الرابع]


إسلام بحيري

الحوار المتمدن-العدد: 4688 - 2015 / 1 / 11 - 20:48
المحور: الادب والفن
    


(ثم تلتفت العدالة إلى الغدر):
أيها الغدر، تعلم أن الوفاء بالعهود والأمانات، من أكمل الصفات
به يعز المرء في الدنيا، ويكرم في الأخرى
أما العز في الدنيا فبما يناله الإنسان من ثقة الناس به، حتى يكون سيد قومه
فيأتمنونه على أموالهم، وأعراضهم ودينهم
ويساعدونه بأنفسهم فينال حسن الثناء منهم، والغنى بهم وعنهم
أما الكرامة في الآخرة، فمن الله تعالى بشمائله الفاخرة.

ياغدر.. اعلم أن ما قدره الله أزلا، كائن فعلا
وكم من غادر حرم قُوْته، لما قبحت نعوته
مع الحيلة والدهاء، والشيطنة والعناء
وكم من وفيِّ عاجز نال مناه، بوفائه ورضاه
ومن نال ما قدره لـه الله، بعمل شر أو خبث أراده
لا ينال إلا ما سبق لـه في الأزل، مهما احتال في العمل.

انظر يا غدر إلى الوفي كيف تُقَبّل يداه، ويعظم عند من يلقاه
وانظر إلى الغادر تراه مبغوضا عند الناس، حليف الإفلاس
وإن جلس الناس خافوا من غدره، لعلمهم بحقيقة أمره
الغادر يخون الأمانات، ويسيء المعاملات
ويفسد الأعراض، ويضيع عمره عن الله في إعراض
فيعيش في الدنيا في خزي وهوان، والله عليه غضبان
وهو من الناس في حرمان، فإذا مات ألقي في النيران
ما الذي يناله الغادر بغدره بعد بيع الدين والشرف؟ وضياع الجاه والمنزلة بسوء الحلف؟
يبيع الغادر الجوهر بالتراب، فيغضب الله ويحرم الثواب
ماذا ينال بغدره؟ ينال ما لا ينفعه، أو عمل شر لا يرفعه، أو هتك عرض أؤتمن عليه فيضيعه

الغادر عدو نفسه. لأنه يؤذيها، ومبغض لصحته لأنه بسوء عمله يُبْليها
ولو تصور الغادر قبح أعماله، التي بها خيبة آماله
لتمنى- في الدنيا- أن يكون ترابا، قبل أن يذوق عذابا
وهل لو أساء الغادر إلى غيره، هل هذا العمل يسره؟‍!
فكيف يكره الشر من غيره، ويصر عليه في جميع سيره؟!

ياغدر بالوفاء تنال السعادتين، وتفوز بالحسنيين
فاتحد معي أدلك على ما به نيل أملك :
إن طلبت منك نفسك ما حرم الله، يجب غدرها حتى تفيء إلى أمر الله
وإن عاهدتك على فعل شر، فاغدر بها وفر
وإن واثقتك على فحشاء وجناية، فاغدر بها واكبح عنها عنانه
وهنا يَحْسُنُ الغدر.. والله ولي المؤمنين
ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق
فقل يا غدر: يارب أخطأت... فارحمني.. وبفضلك فاعف عني
فإن المعترف بالخطيئة مغفور لـه، ويعطيه الله منه ما أمّلَه.

الحس: (يقطع على العدالة الكلام):
إليكِ عنا.. أتخدعين الغدر بزخرف قولك، وتضرينه بفعلك؟
وهو الفارس في ميدان الخداع، وأحرق من النار في سلب المتاع
أتريدين يا عدالة المساواة في المنفعة، وهي للشهوات والملاذ مضيعة؟
وهل علمت مقدار من يكلمك؟

أَنَا ٱ-;-لْحِسُّ مَعْبُودٌ لِكُلِّ جَهُولِ * وَإِبْلِيسُ مِنْ جُنْدِي إِمَامُ سَبِيلِي
وَمِنْ جَنَّةِ ٱ-;-لْفِرْدَوْسِ أَخْرَجْتُ آدَمًا * عَصَى رَبَّهُ طَوْعًا بِغَيْرِ دَلِيلِ
وَفِرْعَوْنُ قَدْ أَغْوَيْتَهُ متَكَبِّرًا * عَلَى ٱ-;-للَّهِ حَتَّى ذَمَّ فِي ٱ-;-لتَّنْزِيلِ
وَنَمْرُوذُ قَدْ أَضْلَلْتَهُ وَلَمْ أَرْعَوِي * فَكَيْفَ أَخَافُ ٱ-;-لْغَدْرُ فِي تَضْلِيلِي
وَهَامَانَ قَدْ شَادَ ٱ-;-لْمَبَانِي مُحَارِبًا * لِمَوْلاَهُ بِالْبُهْتَانِ وَٱ-;-لتَّعْلِيلِ
أَنَا ٱ-;-لْحِسُّ مَعْبُودٌ بِزَوْرٍ وَبَاطِلٍ * وَأَكْسِفُ شَمْسَ ٱ-;-لْعِلْمِ نُورَ عُقُولِ
أُضَلِّلُ بِالْبُهْتَانِ وَٱ-;-لزُّورِ وَٱ-;-لْهَوَى * وَأَفْسِدُ أَهْلَ ٱ-;-لْعِلْمِ بِالتَّأْوِيلِ
أَنَا ٱ-;-لْحِسُّ أَخْفَى ٱ-;-لْحَقَّ بِالْبَاطِلِ ٱ-;-لَّذِي * تَمِيلُ إِلَيْهِ ٱ-;-لنَّفْسُ بِالتَّحْوِيلِ
وَأَنْتَ ٱ-;-لْعَدَالَةُ لاَ تَمِيلِينَ لِي وَلاَ * تَرَيْنَ سَبِيلِي مَنْهَجُ ٱ-;-لتَّحْصِيلِ
وَمَنْ يَتَّبِعْ جَهْلِي يَعِيشُ مُمَتَّعًا * بِسَلْبٍ وَفُحْشٍ فِي لَظَى ٱ-;-لتَّضْلِيلِ

أنا الحس لولاي ما سفكت دماء الأبرياء، ولا كشف الستر عن المصونة العصماء
ولا تلذذ أهل الجهالة في تلك الدار الفانية، تلذذ البهائم السائمة
بل ولا عبدت شمس ولا قمر، ولا تمثال صُنِعَ من حجر
أنا الحس حَجَبْتُ عن الآيات الجلية، أهل النفوس الدنية
يقول الله تعالى : ﴿-;-وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ.وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾-;- (الذريات20-21)
وأنا أُري الرجال جمال النساء، فأفتنهم بهن عن شكر الآلاء
وأُري النساء قوة الرجال، فيفتضحن في نيل الوصال، ويغفل الجميع عن المنعم المتعال
فإذا كنت أخفي آيات الله وبيناته، وأبعد المفتونين عن نيل مرضاته
كيف تخدعني العدالة، بعد أن أبعدت الناس عن ذي العزة والجلالة؟
يأمر الله فيخالفون أمره، وآمرهم فيطيعونني جاهلين قدره
أفسدت العقول، وأضللت الفحول
الحسد والعداوة والشحناء، بعض ما أوقع فيه من البلاء
ولولا ما بيني وبينك من الصلة، لجعلت لك الحضيض منزلة
فاذهبي بسلام، واتركي الملام

الغدر (يصيح على الحس صارخا)
رويدك، فقد خرجت عن النمط الأوسط في جدالك، واتق الله ولا تتطرف في أقوالك.

يَاحِسُّ كُنْتَ بِدَارِ ٱ-;-لْخُلْدِ مَسْرُورَا * تُشَاهِدُ ٱ-;-لْجَنَّةَ ٱ-;-لْعَلْيَاءِ وَٱ-;-لْحُورَا
أَغْوَاكَ إِبْلِيسُ حَتَّى ِصْرَت مُنْتَبَذًا * أَخْرَجْتَ آدَمَ مَذْمُومًا وَمَدْحُورَا
أَهْبَطْتَ لِلأَرْضِ فِي كَدٍّ وَفِي تَعَبٍ * رَاضٍ بِبُعْدِكَ مَرْذُولاً وَمَغْرُورًا
يَا حِسُّ كُنْتَ بِدَارِ ٱ-;-لْخُلْدِ فِي نَعَمٍ * يَبْدُو لَكَ ٱ-;-لْحُسْنُ تَنْزِيهًا وَتَصْوِيرَا
يَا حِسُّ قُمْ فَارْعَوِي عَنْ كُلِّ لاَئِمَةً * أَسْرِعْ إِلَى ٱ-;-لتَّوْبِ يُقْبِلُ مِنْكَ تَعْذِيرَا
إِنْ لَمْ تُبَادِرْ إِلَى مَوْلاَكِ مُلْتَجِئًا * يَا حِسُّ تَدْخُلُ نَارَ ٱ-;-لْبُعْدِ مَسْعُورَا
هَلاَّ أَرْعَوَيْتَ وَفِي ٱ-;-لأَيَّامِ مَرْودَةْ * مِنْ قَبْلِ يَوْمٍ حَيْثَ تَكُونُ مَقْهُورًا
يَا حِسُّ دُنْيَاكَ ذِي دَارٍ مُنَغَّصَةٍ * فَانْهَضْ إِلَى ٱ-;-للَّهِ تَضْحَى ثُمَّ مَأْجُورَا
خَيْرُ ٱ-;-لنَّبِيِّينَ بَشَّرَنَا وَأَنْذَرَنَا * فِي مُحْكَمِ ٱ-;-لذِّكْرِ فَاقْرَأْ دُمْتَ مَنْصُورَا
يَا حِسُّ أَقْبِلْ عَلَى مَوْلاَكَ مُلْتَمِسًا * تَشْهَدْ غَفُورًا فَكُنْ بِالشَّرْعِ مَأْمُورَا
يُولِيكَ مَوْلاَك عَطْفًا مِنْ حَنَانَتِهِ * تَحْيَا سَعِيدًا بِدَارِ ٱ-;-لْخَلْدِ مَحْبُورَاِ
هَذِي نَصِيحَةُ ذِي صِدْقٍ وَذِي ثِقَةٍ * أولاكها ويرى الإحسان موفورا

(ثم يلتفت الغدر إلى العدل)
مولاي نجح الله آمالك، وقرن بالقبول أعمالك
تلطف بتلك القوى المتباينة، ولا يستفزنك يا مولاي سوء المعاملة، فأنت حريص على الخير في المعاينة
وتفضل فكلف النور يبين للحس شروره، ويوضح لـه غروره
ويرده إلى النمط الأوسط، ليسلك على النهج القويم فقد أخلط
وأعلم يا مولاي أن صبرك على شرور أعمالهم، ينتج تحسين حالهم
وقد قال الله تعالى: ﴿-;-إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾-;- (البقرة: من الآية153)

رئيس المحكمة: (للنور منشدا)
يَانُورُ بَيِّنْ لَنَا ٱ-;-لْمِنْهَاجَ وَاضِحَةً * لِلْحِسِّ وَامْنَحْهُ إِحْسَانًا وَعَاطِفَةً
فَالْحِسُّ فِي غَمْرَةٍ لاَهٍ وَفِي شَرَهٍ * لاَ يَرْعَوِي بَيْنَ ٱ-;-لْمِنْهَاجَ ظَاهِرَةً
يَانُورُ أَنْتَ ضِيَاءُ ٱ-;-لسَّالِكِينَ لَهُمْ * أَبْدَيْتَ نَهْجَ ٱ-;-لْهُدَى بِالْحَقِّ سَاطِعَةً
أَظْهِرْ أَيَا نُورُ مِنْهَاجَ ٱ-;-لْحَبِيبِ لَنَا * كَيْ تَهْتَدِي أَنْفُسٌ تَضْحَي مُشَاهَدَةً

النور: (لرئيس المحكمة منشدا)
يَاعَدْلٌُ أَبْشِرْ فَظُلُمَاتُ ٱ-;-لْهَوَى مُحِيَتْ * وَٱ-;-لنُّورُ أَشْرَقَ مِنْهُ ٱ-;-لآيَ قَدْ سَطَعَتْ
لاَحَ ٱ-;-لضِّيَا نَبِّهِ ٱ-;-لأَفْكَارَ أَيْقَظَهَا * وَٱ-;-لآيُ آيُ ٱ-;-لصَّفَا لِلْقَوْمِ قَدْ وَضُحَتْ
كُلُّ ٱ-;-لنُّفُوسِ ارْعَوَتْ عَنْ غَيِّهَا وَغَدَتْ * تَسْعَى إِلَى ٱ-;-لْحَقِّ بِالإِقْبَالِ وَٱ-;-تَّحَدَتْ
ٱ-;-لْحَقُّ أَبْلَجٌ لاَ يَخْفَى وَإِنْ حَجَبَتْ * أَنْوَارُهُ ظُلُمَاتِ ٱ-;-لْحَظِّ أَوْ سَتَرَتْ
وَٱ-;-لْحِسُّ يَعْلَمُ أَنَّ ٱ-;-لْغَيَّ آخِرُهُ * نَارٌ لَقَدْ سُعِّرَتْ بِالْعَدْلِ وَٱ-;-تَّقَدَتْ
أَمْهِلْهُ يَا عَدْلُ حَتَّى تَسْتَبِينَ لَـُه * آيُ ٱ-;-لْقُرَآنِ فَآيُ ٱ-;-لذِّكْرِ قَدْ شَرَحَتْ

(ثم يلتفت النور إلى الحس قائلا):
أي أخي.. كنت تستضيء في الفردوس بنور الجمال الرباني، سابحا في الملكوت ومشاهدا ما به الأنس بالعطف الرحماني
فلا ترى عيناك إلا حقا جليا، أو جمالا باقيا عليا
ولا تسمع أذناك إلا زَجَلَ المسبحين من ملائكة السماء، أو ترتيل الروحانيين بالحمد والثناء
في بهجة وإيناس، لا وصب فيها ولا إلباس

ياحس.. مالك نسيت تلك المسرات؟ وتسليت بالشرور عن الخيرات
وتستبدل الاستضاءة بنور الله، في ملكوته الأعلى متنعما برضاه
بالاستضاءه بنور شمس السماء، حيث الكد والعناء
تأنس بالفاني، وتبتهج بالأماني
وتلتفت عن ذي الجلال والإكرام، إلى عبادة شهوتك والذل للئام

ياحس.. تذكر من بيديه صنعك، وإلى رياض الفردوس رفعك، وبخطيئة إلى الأرض وضعك
أخرجت ياحس من الجنة بخطيئة فكيف تطمع فيها مع كثرة الخطايا؟! هل نسيتها أم تناسيتها؟ هلا تذكرتها فذكرتها؟
كيف ترضى بالدنيء، وتسارع إلى الوبيء
وترى ملء البطن وستر الجسم ووطء النساء، هو السعادة والهناء
جهلت يا حس وما كان لك أن تجهل، وكيف لا؟ ولابد لك عن تلك الدار أن ترحل
إلى دار الإقامة، في نزل الكرامة، أو في محل الندامة

أعط يا حس لكل وطن حقه، فقد رأيت في الدنيا من الفناء برقة
وليست السعادة ملء البطن وتجميل الجسم والأنس بالنساء، هذه سعادة الوحوش الراتعة في الخلاء
أما سعادتك يا حس فهي روحانية، ومسراتك وبهجتك ملكوتية
فحصّل الزاد بالمجاهدة، حتى تفوز بعد الآية بالمشاهدة

يا حس.. تذكر نشأتك الأولى، يوم تجلى لك مولاك، وبقوله سبحانه وتعالى: (ألست بربكم) أكرمك وناجاك
واستضيء بنور الشمس في سيرك وحركاتك الجسمانية، واستضيء بنور عقلك الذي يعقل عن ربك في سيرك إلى إقامتك السرمدية

وتذكر قول الله تعالى: ﴿-;-إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾-;- (لأنفال: من الآية2)
وقوله سبحانه: ﴿-;- فَبَشِّرْ عِبَادِ.الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ﴾-;- (الزمر: من الآية17-18).

يا حس.. اعلم أن الله غني عنك، ولكنه رءوف رحيم بك
بين لنا سبحانه وتعالى سبل الهدى لأنه كريم حليم
فاتق الله وسارع إلى مغفرة من ربك وجنة عرضها السموات والأرض
وارحم بقية القوى المتحدة معك من شرور أعمالك، ومن فساد آمالك

ولي نصيحة لك منفردا أبديها ؛ لأني عن المجتمع الآن أخفيها:
أذكّرك بنشأتك الأولى والآخرة، حتى تعلم منزلتك في مراتب الوجود بصريح الآية الظاهرة
لأنك متى علمت من أنت مقدارا، أعلنت التوبة جهارا
وندمت على ما واجهت به مولاك، الذي أمدك بالإيجاد وبإحسانه والاك
وأعد لك إن أنت أقبلت بإخلاص عليه، ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر لديه.

يا حس.. غذاؤك المسرات، وكمالها أن تكون باقية بلا آفات
نيلها بالإقبال في تلك الدار على عمل الباقيات الصالحات
فإن هذه الدار فان نعيمها، في عناء سليمها، وفي شقاء سقيمها، وفي كد غنيها، وفي كرب فقيرها
ولا يصفو عيشها لذي مال، ولا يصفو صفوها من شوب الوبال
وَرَدْتَ إليها عريانا خارج من ضيق، وتخر ج منها عريانا بلا زاد ولا رفيق
يعكر صفاءها الموت، ويكدر هناءها الزوال والفوت
فأين المسرة التي تنشدها فيها؟ إذا تذكر الحس أنه منقول إلى دار يحاسب فيها؟

يا حس.. أذكرك فاذكر، وأنبهك إلى نعم مولاك فاشكر لا تكفر
وأيقظ قلبك إلى ما أعده الله لك من الملك الكبير فسارع ولا تنفر

يا حس.. إن النصوح يطاع، ويجب لـه الاتباع
خصوصا إذا دلك على الحق، وبين لك الطريق بالصدق
والمحجة أنوارها ساطعة، والحجة أضواؤها لامعة
فأسلم وجهك لله وحده، وكن بالإخلاص عبده، يمنحك فضله ورِفْدَه

(يظهر استحسان عام ثم ينطلق الجميع مترنمين بتلك الأناشيد)
بُشْرَى لَنَا زَالَ ٱ-;-لْجَفَا * حُلَّ ٱ-;-لْهَنَا وَافَى ٱ-;-لصَّفَا
زَالَ ٱ-;-لْخِلاَفُ وَأَشْرَقَتْ * شَمْسُ ٱ-;-تِّحَادِ ٱ-;-لاصْطِفَا
قَدْ ذُلَّ إِبْلِيسٌ وَلاَحَ لَنَا ٱ-;-لْهُدَى * حَيْثُ ٱ-;-لنُّفُوسُ تَشَفَّعَتْ بِالْمُصْطَفَى
نُورُ ٱ-;-لْوُجُودِ مُحَمَّدُ ٱ-;-لْهَادِي ٱ-;-لَّذِي * مَنْ يَتَّبِعْهُ يَكُنْ مُرَادًا مُنْصِفَا
عُدْنَا إِلَى نَهْجِ ٱ-;-لْحَبِيبِ مُحَمَّدٍ * بِالصِّدْقِ وَٱ-;-لإِخْلاَصِ نَرْجُو مَنْ عَفَا
أَنْ يُبْدِلَ ٱ-;-لتَّفْرِيقَ بِالْجَمْعِ ٱ-;-لَّذِي * يَحْلُو بِهِ ٱ-;-لإِقْبَالُ فِي نُزُلِ ٱ-;-لصَّفَا
بُشْرَى لَقَدْ فَرِحَ ٱ-;-لْحَبِيبَ مُحَمَّدٌ * بِالاتِّحَادِ وَقَدْ شَرِبْنَا قَرْقَفَا
دَارَ ٱ-;-لشَّرَابِ شَرابُ حُبِّ مُحَمَّدٍ * أَحْيَا ٱ-;-لنُّفُوسَ تَنَالُ مِنْهُ ٱ-;-لشَّرَفَا
ٱ-;-لْحَمْدُ لِلَّـهِ عَلَى نَيْلِ ٱ-;-لْهُدَىٰ-;- * وَٱ-;-لشُّكْرُ لِلَّهِ لِنَيْلِ ٱ-;-لاصْطِفَا

رئيس المحكمة:
إن ما يجب علينا من الشكر لله تعالى على عظيم نعمته، وجميل منته
مالا نستطيع أن نقوم به إلا بمعونة منه سبحانه وتعالى إذ لا حول ولا قوة إلا بالله
وإني أشعر من نفسي، أن الأفراح ستعم كل الوجود في النظام الشمسي
من ملك الله وملكوته، وعوالم قدسه، وجبروته
فلله الحمد والمنة، حيث ألف بين النفوس وأحيا السنة
وجمعنا على القيام لـه سبحانه وتعالى بالوفاء، ومنحنا سبحانه وتعالى بفضله الصفاء

وإني ألتمس من أعضاء محكمة الصلح العالية، وأخص منهم قاضي الحنانة الوافية
وهو سيادة الرحمة..
أن يبين للنفوس فضل المنعم الوهاب، العطوف الرحيم التواب
ووسعة رحمته سبحانه وتعالى، وقدر حبه لحبيبه ومصطفاه محمد ﴿-;-ص وآله﴾-;-

(يظهر إبليس وهو شبح عليه اللعنة ظاهرة، والشقاوة متبادرة ويخاطب العدل)
إبليس: ( يقاطع الرئيس )
يا عدل، إن سبب تلك النعمة إبليس، ولكن الإنسان كفور تعيس
لولاه لما فاز الإنسان بالتوبة والغفران، ولا حظي بمحبة الله والإحسان، فاشكروا إبليس الذي بسببه نيل الرضوان
أَُتْعَبَ- في إخراج آدم من الجنة- إبليس نفسه، فأكرم الله آدم بالتوبة ورد إبليس بالتعسة
وأفسد النفوس فأغواها، فلعنه الله وهداها
فلإبليس التعسة والهوان، واللعنة والخذلان، ولمن اتبع سبل الهدى الجنة والرضوان، بعد التوبة والغفران.

"النفوس كلها في نفس واحد تقطع على إبليس الكلام قائلة"
النفوس (للرئيس):
لا تصغ لقول إبليس ؛ فإنه لعين تعيس
أخبرنا الله تعالى أنه أعدى عدونا، فكيف نتخذه كولينا
كفرنا بإبليس الطاغوت، وآمنا برب العالمين رب العزة والجبروت

(ثم يرفعون النعال ويصفعونه بها على القفا حتى خرج واختفى.. وتنشد النفوس):
قَدْ وَضَّحَ الْقُرْآنَ مِنْهَاجَ الْهُدَى * نَفْسِي لِمَنْ يَدْعُو لِمَوْلاَيَ الْفِدَا
حَاشَا نَمِيلُ إِلَى اْلَغَواَيِة بَعْدَ أَنْ * لاَحَ الضِّيَا فَمَحَا الضَّلاَلَةَ وَالرَّدَى
إِبْلِيسُ يَدْعُونَا إِلَى اْلكُفْرِ الَّذِي * يُلقِى بَنِيهِ فِي جَهَنَّمَ سَرْمَدَا
تُبْنَا إِلَى الرَّبِّ الْغَفُورِ لِعَلَّنَا * نَحْظَى بِفَضْلِ اللَّهِ نَحْيَا سَعْدَا

الرحمة (تخاطب النفوس بعد هدوئها وإنصاتها) :
إن رحمة الله وسعت كل شيء، فأقبلي أيتها النفوس بكليتك على الله
فإن الله سبحانه وتعالى يحب التوابين، ويحب جل جلاله المتطهرين
فأبشركم بمحبة الله، إذا أخلصتم في التوبة ونيل رضاه
وهلم أيتها النفوس فقولي معي:
﴿-;-رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾-;- (الأعراف: من الآية23)..
﴿-;-رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾-;- (الحشر: من الآية10)..
أحسنتَ إلينا وأسأنا إلى أنفسنا..
وتدبري أيتها النفوس قول ذي الجلال والإكرام جل علاه:
﴿-;-قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾-;- (الزمر53-54).

أيتها النفوس.. إن الله تعالى افتتح إيجادكم برحمته، وأمدكم بسوابغ منته
وهو الغني في ذاته، وأسمائه وصفاته، الظاهر للنفوس والعقول بآلائه وآياته
لا تضره سبحانه وتعالى المعاصي وإن عظمت
فهو يغفر كبائر السيئات لمن شاء فضلا منه وكرما، ويبدلها حسنات إحسانا منه وحلما
ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون..

فأقبلي أيتها النفوس متيقنة من الله بالقبول، وأنيبي إلى الله بالإخلاص تسعدي بالوصول
فإن أحدا لا يمكنه أن يضر الله ولو ملأ السموات والأرض ذنوبا، ولا يمكن لأحد أن ينفع الله ولو ملأ السموات والأرض إحسانا وتقريبا
لأنه سبحانه وتعالى هو الضار النافع، وهو جل جلاله الخافض الرافع.

لقد كنتِ أيتها النفوس عدما فأنشأك النشأة الأولى بحنانه، وسيعيدك إلى النشأة الأخرى بصريح قرآنه
وقد تبينت لكم المحجة، ووضحت لكم الحجة
فاسلكي أيتها النفوس سبيل الله القويم، وانهجي على صراطه المستقيم.

(النفوس في نشوة وإنصات ثم تسمع همسات الاستحسان والتسليم
وينزل العدل من على كرسيه إلى مستوى العامة وسط القاعة وينادي بأعلى صوته)

رئيس المحكمة : (يرفع يديه صائحا ببهجة)
قال الله تعالى: ﴿-;-يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾-;- (الحجرات: من الآية13).
وقال ﴿-;-ص وآله﴾-;-: "المسلمون متكافئون يسعى بذمتهم أدناهم على أعلاهم وهم يد على من سواهم"
وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب : (الناس ولدتهم أمهاتهم أحرارا)
وإنا والحمد لله قد ظهر الحق لذي عينين، ومحا الله البين من البين
وأصبحنا كما قال ﴿-;-ص وآله﴾-;-: (مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى لـه سائر الجسد بالسهر والحمى).
ومعنى ذلك أن كل فرد من أفراد المسلمين ككل عضو من أعضاء الجسد، وأن المجتمع الإسلامي لكل فرد كالجسد لكل عضو.

ولقد أدركنا كلنا مقدار البلايا التي أصابت المجتمع والأفراد، بسبب التفرقة والانفراد
وكيف لا تدرك تلك الآلام، وقد أوهنت الشحم والعظام
أين هذا المجد السابق والعز الذي لا يضام ؟ وأين هذا العفاف والصون والملك الذي لا يضام؟
أذهبته التفرقة حتى صارت النقائص كمالات، والرذائل مستحسنات
وصار العامل بتقوى الله مهانا، والدال على الخير مدانا
والمتشبه بالبهائم السائمة نابها مهابا، والفاحش الفاجر عند الناس محترما مثابا

عجبا!!.. عجبا!!
كيف يرضى المؤهل لمقعد صدق عند مليك مقتدر، أن يهوي في الدرك الأسفل من الشر المستعر
والدنيا قد آذنته بزوالها، وأعلنته بمن في القبور برحيلها
وكم من قصور خاوية، رحل أهلها إلى القبور مفارقين الدار الفانية
فلا لوم على الدنيا وقد أعلنت بمصيرها، ولا لوم على الشيطان بعد أن بين الله سبحانه عداوته للنفوس فما هي معاذيرها؟

فسارعي أيتها النفوس، لمحاب الملك القدوس
وراقبي أيتها القلوب، عظمة علام الغيوب
وتدبري قول رسول الله ﴿-;-ص وآله﴾-;-: " كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا : ومن أبى يا رسول الله؟ قال : من أطاعني فقد دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى".

النفوس: ( تهتف بصوت واحد)
لقد سمعنا وأطعنا، فبين لنا الصراط المستقيم، فإنا بالله قد اعتصمنا، وعليه سبحانه توكلنا.

رئيس المحكمة: (يعود إلى كرسيه)
الحمد لله الذي شرح للاستقامة صدورنا، وإني أطلب من الهدى والتوفيق أن يبينا للنفوس مناهج الخير، ويوضحا لها سبل السير.

الهدى: (للنفوس)
أيتها النفوس، إني أهنئكم بفضل الله وبرحمته، وإحسانه ومحبته
اعلموا أن نجاة غير المسلم في الدنيا بالنطق بالشهادتين، والمسارعة للقيام بأركان الإسلام بلا مَيْن
ونجاته في الآخرة إخلاص دينه لله رب العالمين، حتى يكون من المؤمنين
ونجاة المؤمنين لا تكون محققة إلا بالتوبة
وأساس التوبة محبة الله تعالى حتى تصح إليه سبحانه وتعالى الإنابة، وتصح لـه برسول الله ﴿-;-ص وآله﴾-;- المعية

ومن تاب طامعا في الجنة أو خائفا من النار، فهو أجير سوء لا عبد للمنعم الغفار
وإنما تقبل التوبة من عبد عَظّم الله وحَقّر ما سواه، وأقبل بكليته عليه يبتغي فضله ورضاه
لأن الله تعالى وهب لنا النعم التي لا تحصى، والآلاء التي لا تستقصى، فضلا منه وكرما
فهو العلي العظيم المتفضل ونحن العبيد الأذلاء، المضطرون إلى الله تعالى في كل نَفَس
فكيف نعبده لعلة وغرض، أو نخافه وقاية من العقوبة أو دفعا للمرض؟‍‍!!

فهلم بنا نتوب إلى الله توبة نصوحا، حبا لله سبحانه وتعالى حتى يكون إخلاصنا صحيحا
فكل عبد تاب إلى الله سبحانه عند الشدة، أعطاه ما يريده وعن حضرته رده
وكل عبد تاب إلى الله تعالى ليفوز بالجنة، يقول الله لـه : يا عبدي عظمت الجنة، ونسيت ذا الإحسان والمنة؟

وكمال التوبة- أيتها النفوس- أن تستبدلي الضحك "في الغفلة" بالبكاء، والشبع "في المعصية" بالجوع والعناء، واللذة "في المخالفة" بالألم لنيل الصفاء
وتستبدلي ترك ما أمر الله جل جلاله به بالمسارعة إلى طاعته سبحانه وتعالى
ومن تاب لبلية أصابته، أو مصيبة إلى الله تعالى اضطرته
فهو فرعون زمانه، وهامان أوانه، يقول الله تعالى: ﴿-;-يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾-;- (فاطر:15)
فعجبا لفقير مضطر إلى الله، يواجه بما يكرهه ربه ولا يرضاه
والعلي الكبير المتعال، يفيض نعمته وإحسانه من غير سؤال
فسبحانه من صبور حليم، وبئس العبد عبدا يعصى قويا قادرا، بظاهِرِهِ وخَفِيّهِ عليم
ينسى الموت والبلاء، ويختفي ويعصي الله ويظن أنه في خلاء، والله تعالى يقول: ﴿-;-وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾-;- (الحديد: من الآية4).

فأسرعي أيتها النفس بالتوبة إلى الله، وخافي يوم لقاه، فإن الموت لا ندري متى يحل والسفر طويل، والزاد قليل
وكم إنسان خاط ثوبه فكفن فيه، وجمع ماله فقيل لـه: انتقل إلى القبر لتلقى جزاءك فيه
وكم نال المناصب العلية، فأدركته المَنِيّة
فتوكلي أيتها النفوس على من أنشأك من ماء مهين، وأقبلي بالكلية على رب العالمين
واعلمي أن تحت كل قدم أجسام ملوك وعلماء، وعظام شجعان وكبراء
طَحَنَهُمُ الموتُ فلم يُبْقِ لهم آثارا، فنكحت بعدهم نساؤهم وعمر غيرهم الديار
وصاروا رهن الثرى إما إلى روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار
تعبوا في جمع الأموال فعذبوا عليها، وتمتع بها غيرهم، وسهروا في جلب الدنيا ففارقوها نادمين عليها. وانتفع بها غيرهم

لا سعادة للعبد إلا بالعمل الصالح المقبول، ولا خير يناله إلا بعد المجاهدة للوصول
قال الله تعالى: ﴿-;- وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً.وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾-;- (الطلاق2-3).

(تجهش النفوس بالبكاء الخفيف وتصيح):
النفوس : (سائلة)
بين لنا ما هي محبة الله؟

الهدى (مجيبا):
إن الإنسان لا يحب الله إلا إذ عرف نفسه، وفهم منزلته من مراتب الوجود
حتى يعلم أنه من عدم أنشأه، وأوجد لـه ما في السموات وما في الأرض فضلا منه قبل أن يبتدئه
وعلى أحسن التقويم صوّره، ولمواجهته العلية في مقعد صدق خلقه وقدّره
وجعل لـه عقلا يعقل عنه سبحانه آياته، وفكرا يسبح في ملكوته الأعلى فيقتبس النور من مشكاته
ولسانا ناطقا بالحكمة، وقلبا مشرقا بالفطنة
حمله الأمانة بعد أن أبتها السموات والأرض والجبال، وأقامه خليفة عنه في الأرض وبين لـه الحرام والحلال.

وإذا علم الإنسان تلك الأسرار، تناول رحيق لا حول ولا قوة إلا بالله، ففر إلى الله من نفسه وحظه وهواه
ولديها يحب من تفضل عليه سبحانه وببره وإحسانه والاه
فيلحظ بجوهر نفسه الطاهر، القريب الظاهر القادر
ويلحظ بسره العامر بالأنوار، عظمة الكبير القهار
ويحب من عليه بهذا الخير العظيم تفضل، ويبذل النفس والنفائس لكي بها إلى الله يَتَوَصّل
حبا في نيل فضله ورضاه، والفوز بشهود وجهه العلي يوم لقاه
وهذه محبة السالكين، الذين ذاقوا حلاوة علم اليقين
قال رسول الله ﴿-;-ص وآله﴾-;- (أحبوا الله لما يعذوكم به من النعم، وأحبوني لحب الله، وأحبوا آل بيتي لحبي)
وقال ﴿-;-ص وآله﴾-;-: "تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في ذات الله"

فإذا حصلت تلك المحبة، سارع الإنسان إلى نيل القُرْبَة
فحافظ على أركان الإسلام، حبا في ذي الجلال والإكرام
ولديها يبحث عن العالم العامل، المرشد الكامل، ليتلقى عنه عمله موقنا، ويعمل بعمله محسنا
حتى يفوز بقسط من محبة الله تعالى لـه، فإذا أحبه الله قبل علمه وعمله
فصار عاملا من عمال الله، دالا على الله بالله، كما قال الله تعالى: ﴿-;-فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾-;- (النساء: من الآية69).

وبعد هذا المقام محبة المقربين حقيقتها غامضة لا تُرْسَم، وهي من علوم الروح لغير أهلها لا تُعَلّم
وإنما تُتَلَقّى من أهلها بالإشارة ؛ لأنها لا تُحَدُّ بالعبارة
قال الله تعالى: ﴿-;- يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾-;- (المجادلة: من الآية11)
وقال ﴿-;-ص وآله﴾-;-: "إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء بالله فإذا ذكروه: أنكره أهل الغِرّة بالله".

ومن أحب الله سارع إلى مابه التقريب، وبذل النفس والنفائس فيما يحبه الحبيب
وقد بين ما يحبه سبحانه في كتابه، وشرح إليه صدور أحبابه..
وأقوى برهان على المحبة، صرف الأنفاس في القيام بما فرض الله وسَنَّهُ رسول الله ﴿-;-ص وآله﴾-;- لنيل القربة
ومن أهمل في السنة والفرض، وادعى المحبة هلك يوم العرض
وكيف يعصي المسلم أمر الله، ويطمع يوم القيامة في النجاة؟!
والعاصي عدو ربه، حتى يتوب من ذنبه
وليست محبته إلا دعوى يدعيها أهل الضلال؛ لأن المحبة نار تستعر في القلوب تجذبها إلى ذي الجلال
وهي سر بين الله وبين عبده، لا يبيح بها إلا من تعرض لرده
ومن أباح بمحبة الله لعباده، لا يفوز بمراده..

المحبة نار لكن ما ألذها للنفوس الزكية..
وآلام ولكن ما ألطفها على من منحوا العطية
عناء الحبيب راحة، وعذابه في الحبيب بهجة ينال بها أفراحه
يجوع فيطعمه على بساط مؤانسته، ويسهر فيؤنسه على موائد كرامته

نام البطالون، وقام المحبون
وشبعت بطون أهل الهوى، وجاعت قلوبهم من التقوى
وجاعت بطون أهل المحبة، واطمأنت قلوبهم بعواطف المتفضل عليهم بالمنة
ارتاحت أبدان أهل الجهالة على الفراش الوطيء من الحرير، وسبحت أرواح أهل المحبة مشتاقة إلى من ليس لـه نظير
تراهم بين الناس جلوسا، وأرواحهم شربت بيد الحبيب من طهور الشراب كؤوسا
أطاعوا الله فَمَلّكَهُم نفوسهم
فسألوه فوهب لهم أنسه
ففروا من كل شيء إليه، وأقبلوا به عليه
فهم المحبون المحبوبون
الحاضرون مع الناس بأجسامهم وهم بقلوبهم عنهم غائبون
رضي الله عنهم ورضوا عنه..

(تطرق الرؤوس في ذلة وخشوع، ويسود صمت تام... فيطرق رئيس المحكمة عدة طرقات)

رئيس المحكمة: ترفع الجلسة للمداولة والحكم.

(ينسحب الرئيس وأعضاء المحكمة من باب جانبي تاركين قاعة الجلسة بينما تسدل الستار ببطء)

(تسدل الستار)

يتبع





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,273,849,971
- محكمة الصلح الكبرى للسيد محمد ماضي أبو العزائم [الفصل الثالث ...
- محكمة الصلح الكبرى للسيد محمد ماضي أبو العزائم [الفصل الثالث ...
- فضل النبي الأعظم ص على البشرية وأثره في رقيّ الحضارة الإنسان ...
- الحركات الإستقلالية للبلاد العربية
- محكمة الصلح الكبرى للسيد محمد ماضي أبو العزائم [الفصل الثالث ...
- محكمة الصلح الكبرى للسيد محمد ماضي أبو العزائم [الفصل الثاني ...
- محكمة الصلح الكبرى للسيد محمد ماضي أبو العزائم [الفصل الأول]
- جان بول سارتر: لا دين لي، لكن لو خُيّرتُ، لأخترت دين (علي شر ...
- الدين و الإلحاد وجهاً لوجه [13]
- فضل النبي الأعظم ص على البشرية وأثره في رقيّ الحضارة الإنسان ...
- هل أثنى القرآن على فلاسفة اليونان ؟
- فضل النبي الأعظم ص على البشرية وأثره في رقيّ الحضارة الإنسان ...
- الرد على سامي لبيب في مقاله 50حجة تفند وجود الإله [2] ببساطة ...
- الدين و الإلحاد وجهاً لوجه [12]
- الرد على سامي لبيب في مقاله 50حجة تفند وجود الإله [1]
- الرد على سامي لبيب في مقاله (الإيمان بفكرة الله ضار والإلحاد ...
- الرد على سامي لبيب في مقاله (الإيمان بفكرة الله ضار والإلحاد ...
- الرد على الأستاذ طلعت رضوان في مقاله (مغزى تعدد أسماء الآلهة ...
- الإلحاد.. هل هو إيمان أو دين أم عدمية وداعشية ؟!
- الدين و الإلحاد وجهاً لوجه [11]


المزيد.....




- المؤتمر الإنتخابي لإتحاد الأدباء تطلعات وآمال – احمد جبار غر ...
- وصفها هيروديت قبل ألفي عام.. أخيرا انكشف سر -باريس- الفرعوني ...
- زقورة أور.. أقدم أهرام بلاد الرافدين المليئة بالأسرار
- هل تحضر -الخوذ البيضاء- لمسرحية جديدة في سوريا
- بين برلمانييه المتمردين وضغط أخنوش.. ساجد في ورطة
- بوريطة يدعو إلى تجاوز النقاشات -العقيمة والمنفصلة عن الواقع- ...
- رئيس مهرجان الأقصر: السينما الأفريقية عالمية لكنها بحاجة للد ...
- المفكّر السيد ياسين
- مهرجان -بابل للثقافات العالمية- بشعار -كلنا بابليّون- في دور ...
- العثماني : لا تراجع عن التوظيف الجهوي


المزيد.....

- مدين للصدفة / جمال الموساوي
- جينوم الشعر العمودي و الحر / مصطفى عليوي كاظم
- الرواية العربية و تداخل الأجناس الأدبية / حسن ابراهيمي
- رواية -عواصم السماء- / عادل صوما
- أفول الماهية الكبرى / السعيد عبدالغني
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- ليلة مومس / تامة / منير الكلداني
- رواية ليتنى لم أكن داياڨ-;-ورا / إيمى الأشقر
- عريان السيد خلف : الشاعرية المكتملة في الشعر الشعبي العراقي ... / خيرالله سعيد


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسلام بحيري - محكمة الصلح الكبرى للسيد محمد ماضي أبو العزائم [الفصل الثالث-الجزء الرابع]