أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عباس علي العلي - رواية الغريب _ الجزء الأول , ح2















المزيد.....

رواية الغريب _ الجزء الأول , ح2


عباس علي العلي
(Abbas Ali Al Ali )


الحوار المتمدن-العدد: 4687 - 2015 / 1 / 10 - 13:51
المحور: الادب والفن
    


صديقي عدنان عرفته ملتزم دينيا فيما مضى كان كهنوتيا أكثر مني لكنه كان مستعدا في أي لحظة أن يتخلى عن أي فكرة طالما أنها تصطدم بما يفكر به, ألتهم الكثير من الكتب قرأ عشرات المؤلفات المتناقضة أبتدأ دينيا لكنه لديه ميل غريب لما هو غير مألوف حتى أنه أدمن روايات الخيال العلمي , أتذكر أهديته مرة رواية من هذا النمط كنا في ملجأ عسكري تحت الأرض والجو قاسي جدا في قمة جبل ,النار المستعرة لم تزد المكان دفئا ,شكرني ووضع الكتاب في النار وأنا كالأهبل من تصرفه ,قال لي لقد بلغت الفطام أتذكرت نبرته تلك .
كانت مدينتنا وبالأخص الشارع الذي نسكنه في زاوية من زوايا المدينة يحمل تنوع غريب وتناقض عجيب ,أغلب سكان الشارع كانوا من سكان المدينة الأصلين ,تجار ورجال حكومة مدرسين محامين أطباء وحتى رجال دين منهم والد عدنان ,نحن الذين نسكن في البيوت الخلفية وفي الحارات الضيقة أكثرهم من صغار الكسبة ومن العمال وبعض جيراننا أيضا كانوا من أهل المهن الصغيرة جدا , كان جارنا أبو غلوم إسكافيا في المدينة وأخوه الأفغاني خبازا في نفس الشارع , هذا الخليط لا يمنع أن نعيش وخاصة الأولاد والشباب وحدة حقيقية , بعض منا صار على مهنة أباءه ومنهم من تمرد والبعض خرج عن كل ما هو مألوف في حارتنا , لقد ألحد البعض وهاجر أخرون , وأخرون أختفوا عن الوجود لأنهم تمردوا على السلطة.
تعلم عدنان السحر وفنون الإخفاء والاختفاء وأمتهن البحث عن عوالم خفيفة ترك الدنيا بملذاتها باحثا عن الفردوس المفقود ,كان زهريا بلون بشرته ذا عينين واسعتين ويد بيضاء واسعة فيها خريطة غريبة نوعما عن كل ما قرأ الشيخ سابقا من خطوط وتفاصيل مميزة لكل كف إنسانية , قال الشيخ وهو العالم بكل أسرار العوالم المفقودة أنك يا ولدي مخلوق لهذا الفن ولأجله ليس لك في دنيا الناس من حظ ,لا بد أن تتلمس طريقا خاصا لا يسلكه كل من رغب فيه بل له ناس مختصون بالفطرة .... هكذا بدأت خطوات عدنان في عالم صفته الغالبة أنه بلا ملامح .
من فتح له هذا الطريق الشائك أنا عرفت الشيخ الدرويش من بعض معارفي ,منبهرا بما يعرف من أسرار شخصية ,عشت فترة من البحث عن ذاتي عن سر إحباط دائم لازمني , فكرت أن الأمر لا بد أن يحمل بعض التعجب ولا بد من أسرار , كان الشيخ الدرويش يتناغم تماما مع خيالاتي وإحساسي منحني أفق أن ما أعاني منه قد يكون أخر الفشل الذي رسمه البعض لي , ترافق ذلك وبعد زيارتي له في تغيير جدي نسبته أنا لما يعرفه الشيخ وقررت أن أصطحب عدنان له .
_ وهل تظن صديقي أن العاجز قادر على أن يمنحك القوة للحركة ,طالما لا تملك في داخلك دافع لن يسمح وجودك لأحد أن يدفعك بعيدا.
_ ولم تعتبر الشيخ عاجز وهو يملك ما لا تملك , قد يمنحك سر الحركة وهذا يكفي , أحينا المفاتيح هي التي تقود للتغيير فقط عليك أن تبحث عن أصغر مفتاح مناسب ليعطيك الشحنة اللازمة .
_ هذا صحيح فيما لو أكتمل في داخلك النظام وقد تم تنظيمه على أساس أن يكون جاهزا مع أول إشارة , أنت الآن لا تملك حتى رؤية للهدف .
_ صديقي من الأفضل أن يدافع الرجل عن وجوده فلست بمحام وأنا فقك أحامي عن فكرتي إني فقط محبط بحاجة لمن يزيح عنه هذه الغمامة.
شجاعة عدنان وحدها من أوصلته لأن يكتسب من الشيخ الدرويش ما لم يكتسب أحد , الدرويش بما يحمل من إرث لم يجاري صديقي عدنان أبدا كنت عيناي تنتقلان من هذا لذاك تتابع الحوار الحامي بينهما ,الرائع أن الدرويش لم يكن مغلفا بما هو على صورته من رجال دين تقوقعوا على حالهم ,أظن أنه أكثر مني على الأقل دراية في فهم الكثير من القوانين العلمية والاجتماعية والفكرية سرعان ما اندمجا معا في عالم محصور على القلة في تفاصيله , أفهم تماما ما يدور وما أملك الحجة والدليل للاشتراك معهم , أنتهى اللقاء بصداقة عميقة بين الأثنين ومجموعة من الوصايا والمواعيد , أما انا فكان نصيبي المشاهدة من على المدرجات وفاقد الحماسة لأن أعرف شيء .
ألتزم بكل تفاصيل خارطة الطريق الذي وضعها شيخه الطاعن في السن وجعل من نفسه رقيبا بعدما أدرك أن الروح التي كانت تراقبه في حياة شيخه قد رحلت إلى السماء , الآن يمكنه أن يطير بجناحيه الخاصتين ,لقد تحول إلى رجل بروح شفافة يرى بوضوح تماما يقرأ الخواطر دون تكلف لكنه لا يسمح لنفسه أن تغتر بما حدث , كان يسوقها مع كل انفتاح على العالم الخفي بمزيد من التقشف والخشونة , يظن أن طريقه هذا ليس مما يختاره البعض بسهولة أن يقهر النفس لصالح العقل والروح .
مترفا ولد في بيت يضم بقايا عائلة كبيرة تشظت بعدما هاجر غالب ذكورها للخارج بين العمل والتجارة والدراسة ,الأب مهنته الدين والأم من أصول غير عراقية تتميز بالأناقة المفرطة وبالسطوة على من في البيت , أتذكر أن الجد كان أرستقراطيا حقيقيا بزيه الديني , كان من الأصوات المهمة التي تتحكم بالبلدة لموقعه الديني والأجتماعي , أكثر نساء العائلة برغم من جيرتنا الطويلة لا أظن أحد من الشباب يتذكر وجها من وجوههن نسمع أن بنت الأغا تزوجت لكن بمن ومتى لم نعلم إلا الأخبار من النساء , عدنان الوحيد الذي خرج عن تقاليد العائلة وأعلن بكل جرأة أنه يعشق بنت الجيران ,ما من أحد في الشارع لا يعرف القصة ,لم نعرف ما يدور في الخفاء , لكن رحلت هي والعائلة في صباحات شتوية وجدنا قطعة قماش معلقة عند الباب , الدار معروضة للبيع .
في السنه الأخيرة من دراستنا في الثانوية قرأت في أحد الكتب التي كنا نتشارك قراءتها خاطرة لا أعرف كيف وصلت أو متى كتبها صديقي ,فيها عهد منه أن لا يلامس حسده جسد أنثى حتى يلتقيا مرة أخرى هنا أو هناك , كنت أظن أن هناك في "الجنة" عرفت لاحقا وبعد سنين ومن حواراتنا معا أن الروح تلتقي والأجساد أيضا في عالم بين اليقين واللا مرئي فقط عندما تكون الأرواح جديرة بالاقتران فعلا ,تذكرت تلك التفاصيل وأنا الآن جد في أواسط الخمسينات وصديقي ما زال عازبا ينتظر لقاء هناك.
قد لا يكون عدنان غريبا بأفكاره عن المجتمع ,عن الناس وعن نفسه , هو ينظر بعين أقل ما يقال عنها أنها تتجاوز الحجاب الشخصي أو الذاتي حينما تكون قادرة أن تنفذ عبر اللا محسوس وتصل لعمق يخشى الكثير منا حتى التلويح بوجوده فضلا عن الإيمان به ,أنا من المؤمنين حقا بتعدد العوالم الكونية القريبة والبعيدة , ما ينقصني ليس الإيمان ما أحتاجه بصيرة تنقلني من موقع المتوقع إلى موقع المشاهد , جاهدت في أيام كنت حرا إلا من نفسي أن أجرب وأسلك من بين الفراغات التي يقول عنها صديقي عدنان لأدخل , أظن كسلي وقلة ما بين يدي من وسائل لم يمنحني أحد أذن الدخول .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,568,581,099
- بعض آيات من كتاب الغضب
- هم وأنا ..... وهم
- هل يستحق الأمر أن نتفكر بالموت أم نحرص على أحترام الحياة
- البحث الممل _ قصة قصيرة
- ملامح عصر الأزمة
- حديث خاص بصوت عال
- الإبداع في قراءة النص
- كيف نقرأ النص
- متى تنهض الماركسية من سلفيتها ح2
- متى تنهض الماركسية من سلفيتها ح1
- صبرا وأحلام مبعثرة _ قصة قصيرة
- حق الإيمان وحرية التدين
- التصحيح وممارسة حق العود
- حقيقة الشيعة والسنة كمصطلح سياسي
- الهرمنيوطيقا... دلالة المعنى في الواقع الإسلامي
- أنتصار الغائية
- متى يسقط فرسان الدين
- النص واللغة
- من رسائل امرأة طفلة _ قصة فصيرة
- قصدية عالم سبيط النيلي قراءة متأنية ح1


المزيد.....




- أفلام المهمشين.. أفضل 5 أعمال ناقشت قضايا الفقراء
- انتحار الشاعر الكردي محمد عمر عثمان في ظروف غامضة
- فنانون لبنانيون يحاولون -ركوب- موجة الحراك الشعبي
- بالصور... لأول مرة في تونس تدريس اللغة الإنجليزية للصم
- فرقة -الأمل- الصحراوية تقدم أغانيها الفلكلورية والمعاصرة في ...
- التحفة الملحمية -الآيرلندي- تفتتح الدورة 41 لمهرجان القاهرة ...
- ماجدة الرومي ترد على تأخرها في التضامن مع التظاهرات اللبناني ...
- -اليمن عشق يأسرك-.. فنانة قطرية ترصد السحر في أرض بلقيس
- فنانون يقتحمون تليفزيون لبنان احتجاجا على عدم تغطية المظاهرا ...
- بالفيديو.. فنانون يقتحمون مقر تلفزيون لبنان


المزيد.....

- عالم محمد علي طه / رياض كامل
- دروس خصوصية / حكمت الحاج
- التخيل اللاهوتي ... قراءة مجاورة / في( الخيال السياسي للإسلا ... / مقداد مسعود
- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عباس علي العلي - رواية الغريب _ الجزء الأول , ح2