أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جميل الشبيبي - بلاغة التورية في تيمور الحزين















المزيد.....



بلاغة التورية في تيمور الحزين


جميل الشبيبي
الحوار المتمدن-العدد: 4671 - 2014 / 12 / 24 - 20:19
المحور: الادب والفن
    


تتميز مجموعة تيمور الحزين القصصية عن غيرها من المجموعات بكون ساردها واحدا في معظم قصص المجموعة ، وهو يعمد إلى إنشاء خطاب قصصي على وفق نظام متشابه أساسه القصة الإطارية التي تجمع حكايات متنوعة ضمن إطار واحد بالتناص الشكلي مع البنية الإطارية الحكائية في ألف ليلة وليلة، وهناك دلائل نصية واضحة على ذلك، إضافة إلى تقنيات أخرى تستفيد من الفنون المجاورة كالسينما صرخة الأحداث وغيرها مما سنشير إليه لاحقا، ومن السمات الأساسية لبنية السارد في هذه القصص وعي ساردها بأهمية وخطورة ما يسرده خصوصا في ما يتعلق بالواقع المعيش الذي تأتي الإشارات إليه بصورة مقتضبة وبجمل على شكل تعليقات او جزرات لا علاقة لها بالحكايات او زمانها بل أنها تنتمي بشكل مباشر إلى زمن الكتابة المؤشرة في نهاية معظم القصص التي تسرد هذه الوقائع والأحداث .(1)
لقد استثمر القاص احمد خلف بنية الحكاية الإطارية بطريقة مقصودة وهي تروي حكايات منوعة تعرف بعالم محكوم بعلاقات قسرية تجعل شخوصها يتحركون ويتحدثون ويعيشون ضمن هذه الأنظمة المتسلطة سواء في الحكاية الكبرى أو في الحكايات المضمنة فكلها تشي بهذا الواقع ألكابوسي الخانق، وكل ذلك يتمظهر عبر بنيات فنية وجمالية مبتكرة أساسها بلاغة التورية والتورية لغة تغطية القَصْد بإِظهار غيره؛ بميل في كلامه إلى الغمز والتورية.
وهي تشير إلى القريب وتقصد البعيد، وقد اتضح ذلك باستثمار سارد مراوغ – متكتم، واع للعبته يؤثث خطابه بحكايات ممنتجة أو محرفة من ألف ليلة وليلة تسرد على متلقين من الطلاب بشكل خاص وتطرح عليهم أسئلة عن معنى مصائر الشخصيات ومن هو المسؤول عن هذه الحالات المأساوية وتسجل إجابات غير واضحة كلها تشي بالخشية من التعبير الواضح الدقيق، بالاتجاه الذي يؤكد هذا الغموض الشفيف في البنية الكلية للخطاب القصصي في المجموعة الذي يستثمر بلاغة التورية –بمعنى الغمز- كما اشرنا، ولكي لا ينفتح التأويل على آفاق لا يريدها المؤلف وهي آفاق الحكاية الخرافية، يلجا سارد القصص إلى بث عبارات عائمة في السرد لا علاقة مباشرة لها بنظام الحكايات بل هي تتمرد على بنية الجملة القصصية باتجاه مغاير يكسر تنامي الأحداث في الحكاية باتجاه زمن الكتابة بطريقة القطع او المونتاج ، ليصبح زمن التأليف والكتابة هو الزمن الواضح نسبة إلى زمن الحكايات العائم – (الزمن الصفري ) في الأسطورة والحكاية الغرائبية ، وهذا النوع من الكتابة يعد تقنية جديدة في القصة العراقية وهي تكليل ناجح للترميزات والإشارات البعيدة لهجاء الواقع المعيش في الزمن الدكتاتوري الذي اجترحته أقلام العديد من القاصين العراقيين طيلة أعوام ذلك النظام وتجسد عبر العديد من القصص القصيرة في خطاب متقارب أساسه بلاغة التورية (2) غير أن القاص والروائي احمد خلف بتجربته الطويلة والحاذقة في كتابة القصة القصيرة والرواية يجرب هذه التقنية الجديدة في بنية السارد المتواري خلف السرد بطريقة فنية تستفيد من بنية الحكاية وتقنياتها قديما وحديثا ليمرر هذا الهجاء المر للواقع المعيش فترة نهاية التسعينيات، وقد أشار النقاد الذين كتبوا عن هذه المجموعة إلى ذلك بطريقة الترميز والتورية أيضا لان مقالاتهم قد كتبت في ذلك الزمن (3)، وقد أكد القاص ذلك أيضا بطريقة غير مباشرة ، حين ثبت على الغلاف الأخير من مجموعته رأي الدكتور على جواد الطاهر عن معنى الكتابة عنده قائلا (ونكرر أن المؤلف لا يكتب من اجل أن يكتب فقط كلاما أي كلام كما يكتب كثيرون مسودين وجه الورق وإنما هو مثقف حامل عبء ينزله بالحرف عن كتفيه في دقة وحذر وهدوء .. فأنت بإزاء العبء في مواجهة ونظر ولكنك تحسه ولا تلمسه، فمن غايات المؤلف التوصيل والإبلاغ(…) فالقاص جاد صاحب قضية، لم تكن مستوردة من الخارج أو ملقاة على القارئ أو مشتهاة قصدا ورغبة وترفا ومجانية وإنما هي حياته وفكره ومعاناته).
نستطيع أن نؤكد أن قصة (تيمور الحزين) التي حملت عنوان المجموعة هي القصة الإطارية الكبرى التي تنتظم ضمن توجهاتها معظم قصص المجموعة الأخرى و تتمرأى أحداثها وشخوصها كاشفة الدلالات المتنوعة والبنيات الفنية التي حوتها هذه القصة (لاحظ الهامش رقم (5) وفيه رأي مشابه للناقد قيس كاظم الجنابي)، ويأتي تأكيدنا هذا من رصد مجموعة من الإشارات الدالة في المجموعة، منها أن قصة (تيمور الحزين ) قد كتبت خلال سنة واحدة تقريباً بين عامي 1998- 1999(ومما له دلالته هنا أن الكاتب قد بدأ الكتابة في شهر آب وانتهى منها في شهر آذار فالشهر الأول قد شهد دخول القوات العراقية إلى الكويت عام 1990 أما شهر آذار فهو شهر الانتفاضة بداية التسعينيات) وبين هذين العامين كتبت القصص الأخرى التي تنتمي إلى أجواء هذه القصة وهي (كيد النساء 1998، (الأستاذ) دون تاريخ ولكنها وضعت في أول قصص المجموعة)، (المتسول) بدون تاريخ أيضا، (حكاية عجيبة) وقد كتبت في نيسان 1999اي بعد كتابة قصة تيمور الحزين مباشرة قصة (رجل فوق الاحتمال) وقصة (كيد النساء في دفع البلاء) وهناك دلائل نصية تشي بإطارية قصة تيمور الحزين وانضمام القصص التي ذكرناها إليها بما يجعلها القصة الرئيسية في المجموعة التي ينبغي قراءتها أولا من اجل استكمال الدلالات والإشارات العديدة في القصص الأخرى التي تؤكد أنها رسالة هجاء وموقف احتجاجي للزمن الذي كتبت فيه ومن أهم الدلائل:
بنية السارد في مجموعة القصص الإطارية
يمثل السارد في القصص التي اشرنا إليها شكلا تجريبيا جديدا في القصة العراقية المعاصرة من حيث تأثيثه للخطاب القصصي في مجموعة (تيمور الحزين) بما حفلت به هذه القصص من تقنيات فنية تؤهلها أو ترفع رتبتها إلى مستوى رواية إطارية قصيرة، تستثمر إمكانات القصة القصيرة كتقنية جديدة في الشكل الروائي الذي يمكن ملاحظة بعض تجلياته في روايات عراقية عديدة وهو مشروع سبق وان أوضحنا نيتنا في الكتابة فيه في وقت سابق (4).
ويتميز السارد في هذه القصص بقدرته على إدارة الحكاية الرئيسية والحكايات الإطارية الأخرى بوجهة نظر واحدة أساسها، القطع وتوليف الخطاب القصصي بالشكل الذي يديم تأثير الحكاية في المتلقي، ثم امتداده في سارد شبيه يدير الحكايات أو بمسرحة الحياة بطريقة المخرج السينمائي في توظيف الكادر التمثيلي وتصوير حركته إضافة إلى قطع متعمد للسرد من قبل السارد -المؤلف بشكل جمل أو عبارات أو مشاهد عائمة في السرد دالة على حاضر السرد بحيث يصبح هذا الحاضر هو المحرك في دلالات هذا الخطاب ، وليس مجموع الحكايات ،على الرغم من أن السارد في القصص التي ننوي قراءتها هو سارد بصفات مختلفة، و خطابه القصصي الذي ينشئه يحمل تقنيات متنوعة في كل قصة لكنه في النهاية يوظف توظيفا فنيا لهجاء الواقع المعيش في تسعينيات القرن العشرين في العراق، الأمر الدال على علاقة متضامنة.
فالسارد في قصة تيمور الحزين روائي ينوي كتابة رواية عن بلاده التي تعيش احد أحلك الظروف التي عاشتها بعد الحرب الكونية الثانية ص 127 من القصة) وهذا التصريح المباشر والمتمرد على السرد يتأكد بمجموعة من الجمل والعبارات الدالة على هذا الواقع في نفس القصة وفي القصص الأخرى أيضا ففي قصة (الأستاذ) التي يكون ساردها أستاذا يعي موقعه في السرد يتضح واقع الحرب من الانطباعات التي تولدها رؤيته للخراب الذي سببته (كان عدد من البنايات المهدمة بفعل الحرب ما زالت مهملة ومنسية وقد غطاها الغبار والتراب المتراكم(..) شاهد ثمة زجاجا مهشما وقضبان حديد ملتوية على بعضها ص10) وفي قصة (المتسول): (رأى الأرض مكشوفة والشوارع مهجورة تمتد أمامه) أو (الأستاذ بدوره انتابته الحسرات كالضائع أو المفقود في حرب لا جدوى منها(…) ستظهر أزقة وشوارع فيها أكوام من فضلات ومزابل وأحجار تسد بعضا من منافذ الطريق يخترقها شريط دقيق من نهر هزيل يوشك على التلاشي25) وفي قصة (كيد النساء في دفع البلاء) يروي ساردها (وهو أستاذ أيضا): (من الحكمة أن تعاد الأمور إلى نصابها وينبغي ألا تعم الفوضى، وإذا لم تكن هناك بادرة أمل ورجاء في رؤية الطريق، سيكون محالا أن يبقى في هذه الأمكنة احد .حتما سينتشرون في الأصقاع البعيدة ص75) وفي قصة (رجل فوق الاحتمال) يقول ساردها عن الشخصية التي سماها (راعي البقر): (إنما أردت التخلص من حلمه الوحيد، كان هذا كافيا لجعل الكلمات تختلط مع بعض وكذلك الصور والاطلاقات المدوية واشتباك الأشرار مع الناس الأخيار في حرب طاحنة لا معنى لها ص113) وهناك لازمة مشابهة عن نفس هذا الموضوع في قصة تيمور الحزين وفي قصة الأستاذ، في الأولى يخرج السارد عن حكاية حبه باتجاه المخطوطة التي كتبها (عباس جويني) المؤرخ المفترض لحياة وغزوات تيمور لنك فيقول على لسان عباس جويني (…هذا ما آلت إليه البلاد التي سميت ارض السواد ، وهي ارض مرت عليها خيول الفاتحين والطامعين من أقوام وملل مختلفة من عجم وأتراك ومغول وتتر (…..) وهدموا سور المدينة وعبثوا بالبلاد شر عبث، قتلوا الأولاد والصبيان وأباحوا افتراس النساء (….) حتى أن الناس باعت أجزاء من أجسادها ، لكي تستطيع مقاومة الجوع والمرض والفقر ص131) ونلاحظ في هذا المقطع الذي حذفنا جزءا من فقراته ليستقيم المعنى بالاتجاه التأويلي الذي نفترضه، أن السارد –المؤلف يعلق على الخرم الموجود في المخطوطة، والحذف التي تم فيها بشكل متعمد، ثم يقحم العبارة الأخيرة (حتى أن الناس باعت أجزاء من أجسادها) على سياق عبارات المخطوطة ليكسر الإيهام الذي يمكن أن تولده مخطوطة عباس جويني عن تيمور الأعرج بأن ذلك قد حدث في ذلك الوقت، ليصبحَ زمن العبارة متجها نحو حاضر السرد وليس ماضيه وهذه الجزرات النصية نجدها أيضا في القصص الأخرى وهي تؤكد تضامن هذه القصص. ويتأكد ذلك في قصة الأستاذ أيضا في هذه العبارات (أليست محنة أن يفكر بأولئك الأصدقاء الذين تواروا في الظل او تهالكوا على الرحيل، أين الحكمة في هذا كله يا أستاذ وأين مستقاها؟ وحيد وسط المئات بل ومرصود منذ مغادرته المدرسة ص10) وفي قصة المتسول تبدو المدينة وهي تعيش حربا (لا جدوى منها ص24) وان أهاليها قد هربوا منها (قال احد الأولاد:حقيقة، توجد مدينة هرب منها أهاليها .ص24) فكان رد طالب آخر قائلا: (نعم، اعرف مدينة تشبه مدينتنا ص24). وفي قصة ( حكاية عجيبة )يقول ساردها (كان يقول لي: أنا آخر الناجين من المأساة ، أبناء جيلي وحدهم ابتلوا في المحنة لما اندفعت العاصفة الهوجاء تكنس في طريقها كل شئ حي ص47).
إن هدفنا من هذه القراءة بيان التحديث والتجريب الفني في بنية السارد في القصص المتضامنة مع قصة تيمور الحزين بالشكل الذي يجعل من هذه القصة قصة إطارية كبرى تنضوي تحت خطابها وتقنياتها القصص الأخرى وهي تجربة مهمة في أدب الروائي والقاص احمد خلف.
وقد أشار نقاد وأكاديميون على تقارب أو تشابه بعض قصص المجموعة (5)
تقنيات تجلي السارد في القصص والحكايات
من أهم مظاهر تجلي السارد في قصة (تيمور الحزين) كونه سارد حكايات إطارية تتداخل فيها حكاية حاضر السرد مع الحكايات المروية بلسان عباس جويني مشكّلة مبنى حكائياً واحداً، تبدأ من الواقع المعيش إبان فترة التسعينات (زمن كتابة القصة) باتجاه حكايات أخرى تستفيد من سجلات التاريخ التي لم يلتزم المؤلف بها ولم (يعتمدها الا كمرجع لاسناد الخيال) كما أشار المؤلف في نهاية مجموعته، وكذا الحال في القصص الأخرى التي تتضامن مع هذه القصة.
يظهر السارد في بداية القصة وهو يزمع كتابة رواية عن بلاده ص127) ويأتي هذا التصريح بعد مقدمة قصيرة عن كدس من أوراق قدمتها له أمه جلبها أبوه حين كان جنديا في الجيش العثماني لعله يجد فيها ما ينفعه ص127، وبهذا المعنى يظهر السارد الرئيسي في القصة بصفة مؤلف روايات محكوم بحياة رتيبة بين البيت وبار الغزال الشارد يحتسي الخمر مع صديق شاعر. ومن خلال العبارات المقتضبة التي يبثها عن حياته نتعرف على فشل حبه بسبب هذه الحياة، ولكن مع كل هذه التفاصيل المحبطة عن حياة السارد فانه يضخ عبارات دالة تؤكد ولعه (بكثرة السؤال عن أحوال الناس من أمثالي ص129) وبعد هذه الفقرات يبدأ السارد – المؤلف في تصفح الأوراق الصفراء مواصلا التنقيب والتقليب فيها وخلال ذلك يكتشف ضياع بعض الصفحات وتآكل بعضها بفعل تنلقها من يد إلى أخرى، وكل ذلك يكشف للقارئ انه بإزاء مخطوطة غير متسلسلة تسمح للسارد –المؤلف انتقاء التفاصيل التي يريدها والمخطوطة تمتلئ بالهوامش على حواشيها تمهيدا لاستثمار فضاء المخطوطة في البناء الفني في هذه القصة.
تحتوي مخطوطة المؤرخ المفترض (عباس جويني) على أحداث الأيام الأخيرة من حكم تيمور لنك، وتسرد هذه الأحداث بالتناوب بين السارد المؤلف الذي يوجه القراءة باتجاه مقصود وبين رواية المؤرخ المفترض عباس جويني، يتضح ذلك من الأحداث والعبارات التي يعرض صفحاتها السارد- المؤلف، ويوجهها باتجاه يعكس حاضر السرد بعبارات ومشاهد عديدة تشي بذلك، كما نلاحظ أن لغة الراوي عباس جويني واستطراداته تشبه إلى حد كبير لغة المؤلف واستطراداته العديدة عن حياته الخاصة وأقوال حبيبته زينب وكذلك صديقه الشاعر، مما يجعل المخطوطة المفترضة من قبل هذا المؤلف تقنية وفضاء رحبا يسمح للمؤلف أن يستثمره بالاتجاه الذي يكمل فيه روايته عن حرب بلاده وأهوالها. ويتضح ذلك من وجهة النظر المزدوجة بين المؤلف والراوي –المؤرخ عباس جويني التي تتناوب في سرد حكايات المخطوطة من أمثلة ذلك ما اشرنا إليه عن اسم البلاد وبيع أبنائها أجزاء من أجسادهم. وهي قريبة المعنى من تصريح المؤلف بكتابة رواية عن بلاده وهي تخوض الحرب، وفي صفحات المخطوطة الأخرى تتجه وجهة نظر السارد- المؤرخ نحو حياة الترف الباذخ لتيمور في مشهد السرادق المعد لاستقباله وهنا يسلط الضوء على (القادة والأمراء والمساعدين الرئيسين ومستشاريه الخاصين (و) قادة السرايا والأفواج والمجاميع الانتحارية الضاربة (نشدد على الجملة الأخيرة ) ص131) ثم يكمل وصف السرادق من الداخل فتبدو هيبة المكان وفخامته وهو (يوحي بجلال الهيبة وعنفوان صاحبه ص132) وحين يدخل تيمور السرادق في الوقت المحدد (نهض الجميع وقوفا واستعرضهم بعينه بلحظة خاطفة، نظرة سريعة ثاقبة، دلت على رضاه وقناعته ص132) ثم يسرد الراوي جويني حلم تيمور عن البومة التي حطت على كتفه (وراحت تنهش نياشيني) طالبا منه تفسيرا ثم يورد المؤلف هامشا من الصفحة الرابعة في هذه الأوراق (على هيئة عمود من أعمدة الصحف اليومية المنتشرة هذه الأيام واضح أن المؤلف ابتدعه بعد أن سرد حكاية تيمور يصور فيها حالة جنود يرزحون تحت البرد القارس ص134) وهذا الهامش يخرج المخطوطة من فضائها التاريخي إلى فضاء آخر، حيث تكشف العبارات التي وردت فيه تلميحات وإشارات واضحة عن زمن تأليف القصة في نهاية تسعينيات القرن العشرين، على الرغم من انحراف حركة السرد باتجاه ذات المؤرخ عباس جويني وهواجسه وهو يوجه خطابه إلى حبيبته كاشفا فيه خوفه وخذلانه من تيمور في أيامه الأخيرة وموجها فيه هجاء مرا يعلن فيه موقفه من حرب لا جدوى منها ولا خلاص (هاهو تيمور حزين، لكنه يدفع بآلاف الجنود للموت جنود السرايا والأفواج سرايا تتبعها سرايا يا حبيبتي وملاكي، لو كنت معي لشاهدت كيف يتجمد الدم في العروق وكيف يموت الجنود من برد ورعب وجوع (..) آه يا حبيبتي، لو رأيت أفواجا من الجنود يلوحون بأسمالهم كالفزاعات حيارى يدورون وعلى غير هدى يركضون وقد أضناهم الجوع وهدهم الضما أيديهم مخضبة بدم القرابين هي ذي السرايا والأفواج تصيح في الريح: الا تنتهي وليمة الجثث؟ص135).
هذا الهامش الموضوع على لسان مؤرخ مفترض، هو أقوى هجاء مر من المؤلف للحرب الخاسرة التي عشنا تفاصيلها، وهو يستثمر فضاء المخطوطة والحروب الدامية التي حدثت في زمن تيمور ليدين ويهجو ويرفض حروبنا المرعبة وليكشف من خلال ذلك وبتكثيف دال مأساة الجنود والمراتب الذين تحولوا إلى ( هياكل متيبسة في الخرائب والمزابل وزوايا الفضلات …ص135).
بعد هذا الهامش يعود المؤرخ إلى تكملة حكاية تيمور في أيامه الأخيرة ، بوجهة نظر تتابع علاقته بزوجته وعلاقتها بالمؤرخ جويني الذي يكتب تقريضا عنها، وتنتهي المخطوطة بالمبارزة بين تيمور ومتحديه إلى المبارزة ( حسين الصوفي ) وخلال ذلك يتم قطع تسلسل الأحداث بالعودة إلى حكاية الحبيبة زينب التي يحاول السارد – المؤلف إعادة علاقته بها، وهو قطع مبرر لإزالة الانطباع الذي يولده الهامش الذي شددنا عليه بلسان عباس الجويني عند الرقيب، كما أن تصوير المبارزة بين تيمور وحسين الصوفي، هو أرصاد مقصود لمستقبل تيمور الذي قضى على يد رجل من عامة الناس، وهو ما كان مفترض الحدوث لمستقبل الواقع المعيش أيضا !!
وهناك خطاب بضمير المخاطب موجه بشكل مباشر إلى تيمور فيه لوم وتقريع للذات المخاطبة تبدأ بمقطع من قصيدة للشاعر سعدي يوسف (ماذا فعلت بنفسك)ثم تنثر أجزاء الخطاب المباشر باتجاه تيمور وسمرقند (سنوات عبرت خفافا في طريقها لصنع مجد تتري، لكنه أي مجد تفقد فيه كل موسم من مواسم جني ثمار انتصاراتك ، عزيزا على قلبك، ابنا بارا أو مساعدا مخلصا جنديا باسلاً(…) ماذا فعلت بنفسك ؟ الم تكن سمرقند كافية عليك؟ تلملم أحلامك العريضة وتدفن فيها روحك القلقة. سمرقند بساط اخضر وارض مرتوية بالمياه ….،ص144). وهو خطاب متمرد على نظام المخطوطة أيضا وبالشكل الذي يؤكد استحالة النطق به أمام تيمور حتى من اقرب الناس اليه، إذن هو خطاب داخلي (مونولوج) يحمل هجاءً ساخراً عائماً في ثنايا السرد، متمرداً على السرد وعلى انضباط وحيادية الخبر في المخطوطة، فهو جزء من الخطاب الذي يعنى به القاص عناية خاصة كي يديم بلاغة التورية في هذه القصة والقصص المتضامنة معها أيضاً.وفي قصة (رجل فوق الاحتمال) نتعرف على صورة مشابهة لتيمور مجسدة في رجل تستهويه حياة (راعي البقر) فيندفع لإنشاء حياة شبيهة بحياة راعي البقر الذي (قال أخي: كان في كل مساء يقطع المسافات الطويلة ، كي يصل مزرعته يجر وراءه خادمه الخاص وحارسه وأنا (مدير أعماله) نتبعه على خيول حسنة القياد نحو مزرعته المليئة بعشرات الأبقار، تحرسها الكلاب المدربة ص116) وخلال سرد الأحداث يبدو (رجل فوق الاحتمال) كناية عن الواقع المعيش في بنية شخصية متجبرة تعيش عبر نزوات ورغبات أساسها التلذذ بقتل الآخرين (كان يحب تلك الخفة في التقاط مسدسه وانتزاعه من غلافه والتصويب في لحظات ثم إعادته إلى موضعه ص117) وهو يملا الفضاء (بالصراخ: أريد رجلا بدمه ولحمه أرديه قتيلا ص117).
لقد كان فضاء المخطوطة في قصة (تيمور الحزين) إطاراً فنيا ملائما استثمره القاص بوجهات نظر فنية وجمالية، أساسها هذا التداخل الممتع بين حاضر محاصر وخانق وبين فضاء تاريخي تكشف المخطوطة تفاصيل مفترضة عن السلطة السياسية فيه، وهي تعيش آخر أمجادها بتهديد جدي من أعدائها، وكل ذلك يجري بفنية عالية، تستثمر الحكاية بوجهات نظر من الحاضر إلى الماضي ومن الماضي إلى الحاضر، في رحلة تحمل نوايا إنسانية بدلالات عميقة فيها هجاء مر وساخر لكل متسلط ومتجبر.
وإذا انتقلنا إلى القصص الأخرى فسوف نجد نظاما مشابها وتقنيات متنوعة أيضا تضفي على الخطاب القصصي فيها دلالات مشابهة لما تعرفنا عليه في قصة تيمور الحزين، الأمر الذي يسمح لنا بتوصيف هذه القصص مجتمعة كرواية قصيرة فصولها هذه القصص التي سنتناولها في هذه القراءة مؤجلين تأكيد هذا التجنيس إلى مناسبة أخرى.
في قصة (الأستاذ) يستثمر الروائي احمد خلف تقنية الإخراج السينمائي، كي يحيط بالجو المعقد الذي يعيش وسطه الأستاذ (بيئة محاصرة، نوايا مبيتة ضده، فضاء مشاكس فيه كل الاحباطات) ولذا يلجا الروائي إلى هذه التقنية لخلق مستويات متنوعة تكشف هذا الجو، وتسلط ضوءا كاشفا عليه .
في المستوى الأول نتابع الأستاذ بوجهة نظر حيادية (سارد عليم) وهو وحيد باتجاه بيته، بذاكرة مشغولة بالحصار الذي يحيط به من طلبته ومجموعة من الناس وهو يحاول اجتنابهم باتجاه (تصورات تزداد فيها اللذائذ الناعمة وتفتح له الأماكن المغلقة أبوابها الموصدة، جدران من المرايا العاكسة والضوء الندي يرتمي عند قدميه وبين أصابع يديه ص9)، لكن هذه الرغبة في مخيلته تقطع وتنحى من تداعياته الحالمة ليحل محلها هواجس أخرى عن عذابه اليومي في رحلته اليومية من المدرسة إلى البيت وبالعكس أهمها: حقيقة الخراب الذي يحيط به، تفكيره اليومي بالذين غادروا وتواروا في الظل ، رصد حركته اليومية من قبل (خطوات مستترة تتبعه عن كثب كأنه مطارد في السر ص10) وخلال كل ذلك يتكشف أمامه حجم الخراب والدمار في الواقع المعيش وتتحول وجهة النظر من السارد المصاحب للشخصية إلى ضمير المتكلم بلسان الشخصية الرئيسية /الأستاذ وتعود مرة أخرى إلى السارد المصاحب، ويتم ذلك في اسطر معدودات أما التبرير الفني في ذلك فنجده في الضرورات الفنية لإظهار هذه الحياة المعقدة التي يعيشها الأستاذ بمستويات سردية متنوعة ،ولكي تتضح غربة الأستاذ وتوحده مع نفسه يعمد الروائي إلى التقنية السينمائية ليدخله في مشهد آخر يشاركه فيه راكب دراجة بخارية وامرأة لا يعرفها ،ومئات الناس لكنه يشعر بأنه وحيد حتى في هذا المشهد ، فيطرح على نفسه أسئلة وتمنيات وشكوى غير مجدية (وحيد وسط المئات…الهي لماذا تخليت عني .. ترى من قالها في ساعة محنته؟ اهو بوذا أم المسيح؟ نيرون أم تيمور لنك ؟ ص13) وتستمر هذه الهواجس والترقب والخوف في المشهد السينمائي الذي يفترض أن له دورا فيه ولكن أعماقه تتمرد على كل شئ لتكشف وحدته وغربته وسط حشد غير متجانس من الناس، وحالما يستطيع الإفلات من هذا المشهد ويختلي بنفسه يفاجئ بالكلاب (حشد من الكلاب السائبة تلهث ص16) وهي تسدير برؤوسها إليه، ليجد نفسه محاصرا ( بعشرات الكلاب تحدق به عن قرب وتوشك أن تطبق عليه في الحال ص16).
وفي قصة (المتسول) يكرر المؤلف قصة الأستاذ بتنويع يضفي على نهايته المأساوية حضورا آخر، فالأستاذ هنا ليس له أي دور سوى سرد الحكايات وحث طلبته على الاستماع إلى حكاياته التي نجد تفسيرا لها بإصراره على روايتها باقتباس هذا المقطع من قصة (كيد النساء في دفع البلاء) التي نعتبرها قصة متضامنة مكملة لهذه القصة وفيها يتساءل (الأستاذ) سارد القصة والشخصية الرئيسية فيها (كيف استطاعت شهرزاد ان تحكي للملك المرتاب ، الحكايات كلها حتى ينام قرير العين دافعا الريبة بعيدا عن قلبه الذي تثقله الظنون ص75) ويواصل (لعله إذا ما أراد أن يتشاغل عن هموم يومه الثقيلة، أن يستل من خرج الذكريات (حكايات تولدها حكايات) (…) يتلو بعضها على مسامع طلبته ويروي لهم الحكايات عن قصد، علهم يدركون ما آلت إليه الأمور ص75)، وهذا ما نجده في قصة ( المتسول )، حين يسرد الأستاذ على لسان شهرزاد (ضياع العدل) في حكاية نور الدين والجارية فـ(البنت ضاعت والولد قتلوه في ساعة اختلط فيها الحابل بالنابل ص24)، مما يولد أسئلة عن صدق هذه الحكاية أو كذبها عند الطلاب ، آذ يتساءل بعضهم قائلا ( ألا تراه يخترع لنا الحكايات ؟وفي مدينة خالية من البشر ص24)، وفي هذه القصة تقنيات متنوعة إلى جانب استثمار الحكاية الخرافية وتطويعها باتجاه الحاضر منها استثمار تقنيات السينما ( القطع – المزج – اللقطة الكبيرة المقربة ) إضافة إلى وجهات النظر المتنوعة التي يديرها ساردون آخرون كشهرزاد ومجموعة من الطلاب الذين يمتلكون حرية القول والمناقشة إضافة إلى تأسيس مشاهد متنوعة تشي بعلاقة معطوبة بين السارد- الشخصية وبين واقعه تدفعه إلى تبني تقنية الحلم بإنشاء مدينة حلميه بديلا عن مدينته التي تبدو أمام ناظريه بمشهد عام فيه(أزقة وشوارع فيها أكوام من فضلات ومزابل وأحجار تسد بعضا من منافذ الطريق ص25)في حين تتجسد المدينة الحلمية (كإحدى الصور العالقة في ذهنه منذ زمن بعيد كحلم أو رؤيا ناقصة لا تستكمل إلا بالتنفيذ أو الحيز الملموس ص25) وهو يريد مدينته خارج حدود الخراب والحروب : ( سأجعلها تعيش دهرا في سلام، مدينة اصنعها بيدي هاتين اخرج منها الكلاب السائبة(….) لن تكون هناك صفارات إنذار، الشحاذون والعميان والعاهرات والعجزة، سيكون لهم المأوى أو ليغادروا سرا ص25).
إن تقنية الحلم في هذه القصة هو رد فعل ايجابي على الخراب الذي ولدته الحرب، الذي اتضح في تفاصيل القصص كلها، أما تقنية الحكايات الإطارية التي تستثمر الماضي فهي توظف هنا بطريقة مغايرة تماما لما قرأناه في القصص الرؤيوية الحديثة (6) فتلك القصص صنعت من ذلك الماضي فردوسا مفقودا يمثل وجها مغايرا للواقع المعيش في أوضاعه المأساوية واللانسانية ، أما هنا فتتأكد المغايرة في استثمار هذه الحكايات باتجاه آخر يشير وبشكل واضح إلى أنواع العسف الذي تمارسه قوى متجبرة متمثلة بالملوك وحاشيتهم وحراسهم على ذوات بريئة لا ذنب لها سوى اعتزازهم بحريتهم وقناعاتهم بحياة آمنة تنتهك دائما من قبل حكامهم ، هذا ما نقرأه في حكاية الجارية كهرمانة وحبيبها نور الدين الذي يقتل وتعذب هي دون أي ذنب وفي قصة (كيد النساء في دفع البلاء) يعرض لنا السارد – الأستاذ بالتناوب مع لسان شهرزاد حكاية الحكيم ريان وجاريته جمانة وكيف استولى عليها الملك على الرغم من حبها وولائها للحكيم الذي علمها ورباها ولم يكتف الملك بذلك بل انه عرَض حياة الحكيم إلى أقسى أنواع التعذيب لأنه لم يقبل هداياه تعويضا عن جاريته كهرمانة على الرغم مما فعله الحكيم للملك إذ خلصه من البرص والجرب (الذي أصاب الملك وعبث بخلقته حتى بات يستحي من الظهور أمام الحاشية وبين الناس ص76) وفي القصص الإطارية هذه التي ضمنها الروائي روايته القصيرة الممتعة نجد استكمالا ذا ثراء ودلالات عميقة في ذلك التواشج بين الحاضر والتاريخ كامتداد حي أساسه ذلك العسف والتجبر والقهر من قبل حاكم متسلط وشعب مظلوم في كل منعطفات التاريخ القديم والمعاصر .وهي بهذا المعنى هجاء يبدأ من بيئة وواقع مشخص باتجاه التعميم حين سيجد فيها كل متلق يعيش ظروفا مشابهة في العسف وضياع العدل فضاء ينتصر لمحنته وعذاباته اليومية الشائكة.
وهناك تساؤلات وإمكانات الانفتاح على تأويلات منوعة نراها في ذلك الجهد الذي يبذله الأستاذ لإثارة انتباههم إلى حكاية مدينة الحجر (المدينة التي اكتشفها السندباد في رحلته الأخيرة ص19) التي تحجر فيها كل شئ حي وبات من عالم الجماد غير أن كل جهود الأستاذ تذهب سدى، مما يضطره إلى التأمل في الخارج من خلال النافذة ليرى المتسول والكلب وهما يتحركان على الرصيف، ويرى أن (كل ما يجري أمامه يوحي بحركة غامضة، كأن فيها فيلما سينمائيا يجري تصويره بالدقة المطلوبة، وان المخرج والمصور كليهما يختفي عن أعين المارة عنوة ص21). وعندما يعود إلى طلابه يصيح بهم ليثير انتباههم إلى حكاية مدينة الحجر، لينتقل السرد بعد ذلك إلى شهرزاد التي تلخص حكايتها عن جارية تروي حكاية أسرها وكيف تم إعدام شاب أمامها (يشبه البدر التمام)، ولكن كل ذلك سرعان ما يقطع بخروج الأستاذ وتكاثف التداعيات على ذهنه وهي تجسد خوفه وهو يتساءل (ما يهمني الآن معرفته ما إذا كان المتسول يتابعني أم أنا الذي أتابعه ) ليعيد الحكاية مرة أخرى وهو يستعير صوت شهرزاد مركزا (على ضياع العدل )في قصة الجارية التي تتعلق بنور الدين، وكأنها معروفة لطلاب الصف الذين يتحدثون عن إثرها في نفوسهم بعد انتهاء الدرس كي نتابع تداعيات الأستاذ ورعبه مما يحيط به. وفي هذه القصة يعمد القاص إلى تنويع الرواة، ويستطرد في بث تفاصيل هذه الحكاية لكشف شراهة الملوك والحكام إزاء النساء، وفي ذات الوقت يوجه السارد – الأستاذ الانتباه إلى ما يحيط به في الواقع المعيش متسائلا (من هو الضحية يا أولاد؟ص80) لكن الجواب يبقى معلقا وعندما يسال احد التلاميذ (من يروي لمن ؟ص82) يجيبه الأستاذ (نحن نروي الحكايات ولا بد أن يأتي يوم نروي فيه كل ما جرى وما حدث، وستنوب ألسنتكم عما روته شهرزاد، لا بد يا أولاد من شهرزاد تحكي ولا مفر من وجود شهريار يصغي إليها، نحن نجمع الأشلاء ونؤلف بين الأجزاء لتكتمل الحكاية على ألسنتنا، لعل غيرنا يأتي ويروي الحكايات كلها ص82) وبهذا يغلق الأستاذ دفتر الحكايات ويشير من خلال كلماته البليغة والمكثفة غالى مستقبل الحكاية التي ستجد من يرويها كاملة دون تورية أو تحريف.
ألاحظ أخيرا أن قراءة هذه الرواية القصيرة يمكن أن تكون بطريقتين الأولى على وفق التسلسل التي وضعها فيه مؤلفها أي من نهايتها لان قصة الأستاذ هي آخر قصة كتبت في المجموعة – كما أرى – تنتهي فيها رحلة العذاب التي عاشها السارد المؤلف في قصة تيمور الحزين وفي القصص الأخرى نهاية مأساوية، هي نهاية الرواية القصيرة ،وبذلك تكون النهاية مقررة سلفا في بداية المجموعة، بانتهاء أو موت الشخصية الواعية التي تعيش الواقع المعيش والتي تحاول فضح وإدانة وهجاء توجهه باتجاه العسف والشروط اللانسانية والموت البطئ .أو أنها تقرأ من نهاية الكتاب أي من قصة (تيمور الحزين) باتجاه قصة (الأستاذ) قراءة من البداية إلى النهاية .
الهوامش
*تيمور الحزين –مجموعة قصصية – احمد خلف –دار الشؤون الثقافية بغداد 2000
1. كتبت هذه القصص بين عامي 1998- 1999وهي أعوام الأحداث الحاسمة في ذاكرة العراقيين، فيها اشتد الحصار على الناس وجرت أحداث خطيرة دفعت بأعداد غفيرة من الناس إلى الخروج من العراق بطرق متنوعة للخلاص من هذا الكابوس وبهذا المعنى فان مجموعة (تيمور الحزين *) ممثلة بساردها المتميز وحكاياتها الدالة على تلك السنوات العجاف تشير إلى تلك السنوات وتسجل موقفا من كاتبها تجاه تلك الأحداث أساسه الرفض والاحتجاج المبطن على النظام السياسي الذي كان سببا رئيسا في حدوث هذه المآسي الرهيبة، وقد سجل الكاتب هذا الموقف الرافض للنظام الدكتاتوري في زمن حكم النظام ومن خلال مؤسساته الثقافية والإعلامية (صدرت المجموعة عن دار الشؤون الثقافية – بغداد عام 2000) وهذه المجموعة من أكثر المجاميع القصصية جرأة على الفضح المباشر الدال وبكلمات مركزة وإشارات واضحة ومركزة دالة على ذلك.
2. انظر قراءتنا المعنونة (ملامح من التجريب في القصة العراقية القصيرة – قصة التسعينات نموذجا – مجلة مسارات العدد (3-4) السنة الثالثة2008 صفحة 74
3. وردت هذه الإشارات في القراءات والكتابات التي كتبها نقاد وأكاديميون عن تجربة القاص الروائي احمد خلف في الكتاب المعنون (أحزان صانع الحكايات – دراسات في أدب القاص الروائي احمد خلف – دار الشؤون الثقافية –بغداد 2002بتحرير وتقديم الدكتور فاضل عبود التميمي) وهذه مقتطفات مما ذكره هؤلاء النقاد عن هذا الهجاء للواقع المعيش بطريقة التورية والإشارات الغامضة إلى هذا المعنى:
- فهم يعيشون (يقصد أبطال الكاتب) في وسط يخاف معرفتهم ، لذلك هم على الدوام مهددون (بفتح الدال الأولى) لأنهم مهددون ( بكسر الدال الأولى) ص19 ( فالأستاذ – (المدرس في قصتي (الأستاذ) و(المتسول) يتنقل بوجوده المريب والمقلق فهو خطير لأنه قادر على أن يحكي لنا قصصاً… انه يحكي من اجل أن يرى الموت، لان الصمت يعادل الموت ص21)–الروائي سعد محمد رحيم.
- (فقد كانت حكاية تيمور حكاية موازية لحكاية بلد القاص وما عاناه مما هيأ الظروف أمام الكاتب ووضعها على المتن ، وبهذا حقق نوعا من الإزاحة ودفع القصة نحو استجلاء سر تيمور نفسه والذي يشكل الرمز الكلي أو الترميز الإجمالي للقصة وربما للمجموعة برمتها ص62)-الناقد قيس كاظم الجنابي.
- (واغلب شخصيات النصوص تعكس حالة من الاغتراب والوحدة والعزلة فالأستاذ – في القصة التي تحمل الاسم نفسه- تتردد فيها عبارة (وحيد وسط المئات ) ولأكثر من مرة فهو يعاني عزلته القاتلة ص82)–عباس لطيف.
- (الخواء المستتر وراء هيمنة السطوة السائدة على الرقاب والمستبدة والمفروضة كأمر واقع يشكل أجواءه ومعالمه ورادته بوصفها جزءا من عالم ضاغط مهيمن لا افتراضي ص)119الناقد سعد عوض الزيدي.
- (لعل محاضرة ( الأستاذ) رمز العلم والمعرفة – هنا – كونه كان (يدرك حقيقة الخراب لكنه يغلق فمه أو يعلق ابتسامة طارئة (لاحظ لفظة طارئة) اتقاء الملامة الجارحة ماذا يفعل بحياته الفانية الآن ؟ الآن حيث كل شئ خارج مساره) وهي صورة أخرى من صور العجز والانغلاق التي سادت شخصيات قصص المجموعة وكشفت عما يدور في داخل الكاتب نفسه من صراع بين سلطة الواقع ورغبة التغيير ص188-)189- الأستاذ سعد إبراهيم عبد المجيد.
- (والحكاية هذه لم تكن معنية بالدروس التي تطرحها (شهرزاد) فحسب بل بما يجري في الواقع خارج غرفة الدرس خاصة (المتسول) وكلبه وحركة المرأة التي يجد الراوي الأستاذ متسعا لكي يوائم بينهما بطرح نظرته للحياة مجسدا صورة المأساة – الروائي والناقد جاسم عاصي ص146.
4. انظر قراءتنا لرواية (الفريسة) موقع الحوار المتقدم العدد: 1938 – 6/6/20076 .
5. انظر كتاب (أحزان صانع الحكايات – مصدر سابق حيث أكد أكثر من ناقد أو باحث على تضامن هذه القصص من أمثلة ذلك:
-(بين قصتي (الأستاذ) و(المتسول) ثمة عناصر مشتركة (الأستاذ..التلاميذ..الكلب ..المخرج.. المصور..الشارع..النوافذ) وكأن القاص بكتابته لقصته الثانية ( المتسول)أراد أن يستدرك ما فاته في القصة الأولى (الأستاذ))-القاص سعد محمد رحيم ص22
-(ونحن نفرغ من قراءة (تيمور الحزين) الكتاب القصصي للقاص احمد خلف) –الناقد قاسم محمد عباس.
-( إن قصص (تيمور الحزين) يمكن أن تدرس بوصفها عملا سرديا موحدا أي ( نصا سرديا) يتكون من مجموعة فصول ثم مشاهد وفقرات عبر رؤية شمولية تستند إلى وحدة المناخ والإرث الحكائي برمته دون أن يعني ذلك أن هذه القصص ليست قصصا قصيرة –) الناقد قيس كاظم الجنابي ص64
-(يمكن اعتبار قصة(المتسول) امتدادا لأجواء وطبيعة قصة (الأستاذ) وفانتازيتها العالية- )عباس لطيف ص83.
-على الرغم من استقلال القصص عن بعضها ، فهي تشكل ما يماثل حبات مسبحة وان استقلت أحجارها عن بعضها – م.م.عباس جويد اليوسفي ص94.
6- انظر كتاب (بناء مدينة الرؤيا في القصة العراقية القصيرة – محمد خضير أنموذجا –جميل الشبيبي – الموسوعة الثقافية –دار الشؤون الثقافية –بغداد 2007





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,102,485,531
- (البدون)إشكالية إنسانية وليست عرقية
- تساؤلات الأنثى في عالم ذكوري
- السجن فضاء قصصيا
- البحث عن هوية في فضاء بديل (رواية عجائب بغداد ن ...
- الفيلة تطير فوق نفايات المدن
- في رواية جاهلية ليلى الجهني تتحرى سجلات إذلال الأنثى في الحا ...
- حافات الدانتيلا ذاكرة يقظة من تاريخ الأسى
- الجنون و الحجر الصحي الدائم بديلا للحياة
- عالم خارج هموم الذات
- أنثى مفخخة
- من أشكال التجريب في السرد الروائي العراقي
- قراءة في رواية مدينة الصور
- من بحوث المهرجان الثاني للشاعر كاميران موكري – السليمانية
- ذاكرة جيل الحرب تفتح نافذة على :
- الروائي إسماعيل فهد إسماعيل ونزعة التجديد في تقنيات السرد ال ...
- قراءة في ديوان اغاني موسم الجفاف
- مجازات وصور مبتكرة من عالم الطفولة
- موعد النار واسئلة الوجود المحيرة
- التطبيق على تقنية ( المشهد ) في القصة القصيرة /عربة تحرسها ا ...
- قراءة في قصيدة عاشقة الليل


المزيد.....




- صدر حديثا كتاب -محمد: أربعون مقدمة-، للكاتب مايكل محمد كنيت ...
- حفل توقيع لكتاب -عروش تتهاوى.. النهايات الدرامية للأسرة العل ...
- قط بوتين تعلم اللغة اليابانية
- بشار الأسد يخطئ مجددا بحق العروبة.. هكذا تحدث عن تاريخ اللغة ...
- رسائل المنفى.. الهجرة واللجوء بين الأدبين الفلسطيني والسوري ...
- -مطاردة الساحرات- لم تُنقذ نيكسون.. فلماذا يستعين بها ترامب؟ ...
- -السفينة العمياء- رواية جديدة تدعو للسلم العالمي ووقف الحروب ...
- بنعيسى والسفيرة بنصالح العلوي يناقشون أهمية الثقافة في الفضا ...
- على طريقة أفلام هوليوود... جامعة أوروبية تنقذ طالبها العربي ...
- فيدرين وقادة سياسيون يحللون تأثير قرارات ترامب على النظام ال ...


المزيد.....

- خرائط الشتات / رواية / محمد عبد حسن
- الطوفان وقصص أخرى / محمد عبد حسن
- التحليل الروائي للقرآن الكريم - سورة الأنعام - سورة الأعراف ... / عبد الباقي يوسف
- مجلة رؤيا / مجموعة من المثقفين
- رجل من الشمال / مراد سليمان علو
- تمارين العزلة / محمد عبيدو
- المرأة بين المقدمة والظل، عقب أخيل الرجل والرجولة / رياض كامل
- الرجل الخراب / عبدالعزيز بركة ساكن
- مجلة الخياط - العدد الثاني - اياد الخياط / اياد الخياط
- خرائب الوعي / سعود سالم


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جميل الشبيبي - بلاغة التورية في تيمور الحزين