أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمد زكريا توفيق - الميكانيكا الكمية – كيف خلقت المادة من الفراغ؟















المزيد.....


الميكانيكا الكمية – كيف خلقت المادة من الفراغ؟


محمد زكريا توفيق

الحوار المتمدن-العدد: 4667 - 2014 / 12 / 20 - 15:28
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    




عندما تضرب كرة البلياردو، وهي لعبة أولاد الذوات، كرة أخرى، نرى نتيجة التصادم أن كرة تهرب في اتجاه ما، والأخرى تستمر في طريقها أو تغير اتجاهها. لكن حاول أن تحرك كرة ساكنة عن طريق كرة أخرى تمر بجانبها دون أن تمسها.

نكتة بالطبع، عامله زي حصان يجر عربة دون أن يكون مربوطا بها. الأجسام تتفاعل بالتلامس. كرة تضرب كرة أخرى، وحصان يجر عربة لأنه مربوط بها.

هناك نوع آخر من التفاعل. تفاحة تسقط من على الشجرة، مغناطيس يلتقط مسمارا صغيرا. كرات مشحونة بالكهرباء، تتجاذب وتتنافر. الشحنات المختلفة تتجاذب، والمتشابة تتنافر. معنى التجاذب والتنافر، مثل الحب والكره، يبدءان في العمل من مسافة، من بعد. لا دخل للهواء فيها. يحدث هذا حتى في الفراغ.

الأرض تجذب القمر. الشمس تجذب كلاهما. بالرغم من أن الثلاثة يفصلها الفراغ. النواة، قلب الذرة، تجذب الإلكترونات. بالرغم من وجود "لاشئ على الإطلاق" بينهما. هذا يدل أن الأجسام تتفاعل عن بعد، بدون أن يحدث بينها تلامس.

أكثر من قرن مضى، أطلق العلماء اسم "المجال"، على الفضاء الذي يحدث فيه عمليتي الجذب والتنافر عن بعد. لكن العلماء لم يكونوا مستعدين لقبول فكرة خلو هذا المجال من كل شئ. السبب؟

هو أن التفاعل لا بد له من وسيط. لابد من وجود وسيط يجعل المغناطيس يجذب المسمار عن بعد. من هنا جاءت فكرة الأثير. حاجة كدة علشان تشوش على فكرة الفراغ المطلق.

مرت السنون، والعلماء يحاولون فهم خواص هذا الأثير الذي طلع لنا في البخت. يريدون معرفة خواصه. هذا ما يجيده العلماء أكثر من أي شئ آخر، معرفة خواص الأشياء. فرض وجود الأثير، كان ضروريا لكي يفسر لنا كيف تأتي موجات الضوء من النجوم البعيد، ولا شئ بيننا وبينها.

تجارب العلماء على الضوء لمعرفة طبيعة الأثير، أتت بنتائج متعارضة. نظرية النسبية الخاصة لأينشتاين، في بداية القرن العشرين، قامت بسحب خراطيم التنفس الصناعي لنظرية الأثير وتركتها تموت في سلام.

لم نعد نسمع عن الأثير إلا عندما كانت سامية صادق، المذيعة المصرية في الخمسينات، تعلن: "الإذاعة المصرية تنقل لكم برامجها على موجات الأثير". والمسكينة لا تدري أن المرحوم الأثير قد مات وشبع موت. لا يوجد شئ اسمه الأثير.

سقطت نظرية الأثير، قبل أن نجد نظرية بديلة. يئس العلماء من تفسير لماذا يحدث التفاعل عن بعد، وكيف تعبر موجات الضوء عباب البحر بدون بحر. قبلوا هذه الحقيقة وهم صاغرون.

لكن لا يزال السؤال يحير العلماء ويستعصي على الفهم، كيف تسنى لهذا "المفيش" أن يصبح مجالا، تتبادل فيه الأجسام الجذب والتنافر عن بعد، وتتذبذب فيه موجات الضوء لتأتينا من المجرات البعيدة؟

لقد قلنا سابقا أن الفطرة السليمة والعقل الرزين يصعبان علينا الأمور. يلزمنا شيئا من الجنون والهبل، أو حتى الجنون المتقطع. جدتي رحمها الله، كانت تقول: هذا الرجل عنده جنون متقطع، عندما لا يعجبها كلامه.

هذا الفضاء الكوني، به كل الأجسام. لا شك في ذلك. جزء من هذا الفضاء الكوني، مشغول بمادة نسميها أجساما. الشمس، النجوم، القمر، الذرة، إلخ. يوجد أيضا في هذا الفضاء الكوني، مكانا خاليا نسميه فراغا، أي فارغ من كل شئ.

ليس بين جزئي الفضاء الكوني، المكان الذي تشغله الأجسام والمكان الخالي، أي اتصال. المكان الخالي لا يؤثر في الأجسام، والعكس صحيح.

ثم يأتي شاب كان يعمل في مكتب تسجيل براءات الاختراع قبل أن يذهب للتدريس في الجامعة، لكي يقلب مفاهيمنا رأسا على عقب. هو البرت أينشتاين ونظريته، النسبية العامة.

لقد تحدثنا من قبل عن نظريته السابقة، النسبية الخاصة، التي تتعامل مع السرعات المنتظمة التي تقترب من سرعة الضوء. النسبية العامة، تتعامل مع السرعات المتغيرة وأشياء أخرى. النسبية العامة تتعامل مع الأجسام والأماكن الخالية التي تحيط بها، والتي نسميها المجال. سنتوقف هنا قليلا لكي نشرح فكرة النسبية العامة باختصار شديد.

نفترض أننا فى غرفة داخل صاروخ يستقر على سطح الأرض. إذا سقطت كرة من إرتفاع داخل الغرفة فإن الكرة تسقط إلى أسفل وترتضم بأرض الغرفة. لماذا؟ الجاذبية الأرضية بالطبع.

إذا افترضنا أن الصاروخ ينطلق إلى أعلى حتى يصل إلى منطقة بعيدة عن كل الكواكب والنجوم. فى هذه الحالة، إذا سقطت نفس الكرة من نفس الارتفاع وكان الصاروخ يسير بعجلة، أى تزيد سرعته باطراد فى اتجاه السقف، فإن الكرة سوف تسقط أيضا إلى أرض غرفة الصاروخ.

فى الواقع، الكرة لم تسقط، إنما ظلت فى مكانها. أرض الغرفة هى التى صعدت إليها. لكن يبدو لنا من داخل الصاروخ، أن الكرة هي التي سقطت إلى أرض الغرفة، ما دامت سرعة الصاروخ تتزايد.

سوف نجد أيضا أن أرض الغرفة تضغط على أقدامنا، فنشعر بأوزاننا، كأننا نقف على الأرض تماما. هذا لا يحدث مع السرعة المنتظمة. لأن السرعة المنتظمة، تجعل الكرة وتجعلنا نحن أيضا داخل الصاروخ نسبح فى الهواء بدون أوزان.

هل هناك فرق بين الحالتين؟ أى بين جاذبية الأرض، وحركة الصاروخ بعجلة؟ لا فرق. الجاذبية بصفة عامة هى مجرد حركة بعجلة، أى بسرعة متزايدة. قام أينشتين بتسمية هذه الفكرة " مبدأ التكافؤ".

نحن الآن فى الصاروخ الذى يتحرك بعجلة إلى أعلى. فى أحد الجدران يوجد ثقب صغير يسمح بشعاع من الضوء يأتي من الخارج، وليكن من نجم بعيد مثلا.

بينما الضوء يسير داخل الصاروخ لكى يقع على الجدار المقابل، يكون الجدار قد تحرك قليلا إلى أعلى. بذلك يقع الضوء فى هذه الحالة أسفل المكان المقابل للفتحة.

نحن داخل الصاروخ، نرى الضوء قد انحنى إلى أسفل. فنقول بأن الضوء ينحني بتأثير الجاذبية. هذا ما يقوله أينشتاين. الجاذبية تحني شعاع الضوء.

اكتشف أينشتاين مبدأ التكافؤ هذا. أى تكافؤ الجاذبية مع الحركة بعجلة، عام 1907م. قام بنشر هذا المبدأ فى نفس العام. ظل هذا الاكتشاف الهام فى طي النسيان حتى عام 1911م.

خلال هذه المدة، كان أينشتاين مشغولا ببحوث خاصة فى الفيزياء الكمية. لكنه عندما عاد لاستكمال أبحاثه عن النسبية والجاذبية، أصبح "مبدأ التكافؤ" مسألة هاجس واستحواذ، امتلكت عقله ولبه.

لم يعد يفكر إلا في هذه المسألة. أخذت منه أربع سنوات كاملة لكي يكمل الفكرة ويتم نظريته الجديدة. نظرية النسبية العامة عام 1915م، والمعدلة عام 1916م.

عندما كان أينشتاين يدرّس فى معهد البوليتكنيك عام 1912م، تيقن أن هندسة اقليدس والرياضيات القديمة لا تصلح لاستكمال أبحاثه فى نظرية النسبية العامة الجديدة.

لكن، لماذا لا تصلح هندسة اقليدس لمثل هذه الأبحاث؟ رجاء التركيز معى، حتى نفهم هذه النظرية الهامة التي تستعصي على الفهم. كوب من القهوة قد يساعد في مثل هذه الأحوال.

الدائرة لها محيط وقطر. المحيط هو الخط الذى يحيط بالدائرة، والقطر هو المستقيم الذى يصل بين نقطتين متقابلتين على المحيط مارا بالمركز. كل الدوائر التى نعرفها تتفق فى شئ واحد. هو أنه لو قسمنا طول محيط الدائرة على طول قطرها، لحصلنا على نسبة ثابتة نسميها "ط".

ط هذه ليس لها علاقة بكبر أو صغر الدائرة. سواء كانت الدائرة فى مساحة العملة المعدنية أو في مساحة ملعب كرة القدم، أو أكبر أو أصغر. نسبة المحيط إلى القطر = ط. وهي ثابتة لا تتغير فى جميع الدوائر.

هذه النسبة قيمتها الحقيقية غير معروفة بالضبط، لكن قيمتها التقريبية تقدر ب 3.14 أو 22÷7.

لكن، إذا كنا نتكلم عن الفضاء، وأبعاد النجوم، وشعاع الضوء الذى ينحني، والأطوال التي تنكمش مع السرعة، لا تصلح لدينا القوانين التى تقول أن مجموع زوايا المثل 180 درجة، ونسبة محيط الدائرة إلى قطرها = "ط"، والخطوط المتوازية لا تتقابل. لماذا؟

لأنه مثلا، إذا كان لدينا صاروخا يسير بسرعة تقدر بنصف سرعة الضوء، ويدور فى محيط دائرة كبيرة. فإن طول محيط الدائرة سوف ينكمش بمقدار 13%.

لكن قطر الدائرة يظل ثابتا، لأنه عمودي على الحركة. (الأطوال تنكمش فى اتجاه الحركة فقط، هكذا تقول النسبية الخاصة). بذلك تكون نسبة محيط الدائرة إلى القطر أصغر من ط بمقدار 13%.

لو كان لدينا شعاع ضوء، يسير بالقرب من نجم كبير مثلا، سوف ينحني الشعاع، ولن يصبح خطا مستقيما. الخطوط المنحنية إذا كونت مثلثا فإن مجموع زواياه قد تزيد عن 180 درجة أو تقل عن 180 درجة، حسب نوع الانحناءات هل هي محدبة أو مقعرة.

وجد أينشتاين أن أفضل هندسة يمكن أن تساعده فى حساباته، هى هندسة ريمان. هذه الهندسة أسسها عالم الرياضيات الألماني بهرهارد ريمان عام 1854م.

هندسة ريمان لا تعمل فى مستو واحد مثل هندسة اقليدس، إنما على أسطح منحنيات كروية. مقعرة ومحدبة أو على شكل سرج الحصان، وغيرها. لكي يستطيع أن يستفيد أينشتاين من هذه الهندسة، كان عليه أن يعيد كتابة معادلاته لكي تصف الحركة فى فراغات منحنية وليست مستوية.

وجد أينشتين أنه أمام عمل جبار، وأن نظرية النسبية الخاصة التى نشرها عام 1905م كانت بمثابة لعب عيال، بالمقارنة بما ينوي الخوض فيه. وحيث أنه عالم فيزياء وليس عالم رياضيات، وجد نفسه مضطرا إلى الاستعانة بصديقة الوفي روسمان، الحاصل على دكتوراة فى الرياضيات، والذى كان يعمل بالتدريس منذ سنوات.

روسمان كان أكبر فى السن من أينشتاين بسنة واحدة. كان صديقا وفيا لأينشتاين أثناء الدراسة، وكان يعيره ملخصاته، وهي التى ساعدت أينشتاين على التخرج.

كان روسمان سعيدا بمساعدة أينشتاين. لكنه حذره بأنه غير مسؤول عن الناحية الفيزيائية فى شطحات وجنون أينشتاين. مسؤولية روسمان تنحصر في جانب العلوم الرياضية فقط.

الثلاث سنوات التالية كانت أصعب السنوات بالنسبة لأينشتاين. بعد بدايات خاطئة كثيرة ونهايات غامضة غير سليمة، استكملت نظرية النسبية العامة. النظرية النهائية تحتوي على معادلات رياضية عالية المستوى، وتطبيقاتها العلمية صعبة حتى على المتخصصين.

لكن كل العلماء الآن يتفقون على أن هذه النظرية الجميلة، ليست فقط أعظم أعمال أينشتاين، لكنها نظرية كاملة. تعتبر من أهم نظريات الفيزياء. بل من أعظم النظريات التى ظهرت فى العلوم على الإطلاق.

فكرة استخدام الزمن كبعد رابع ليست غريبة علينا، نستخدمها طول الوقت. فى هندسة اقليدس، ليس هناك زمن. عندما نستخدم الزمن فى قياس سرعة وعجلة الأجسام المتحركة، نستخدمه كعنصر مستقل عن الفراغ والحجوم. لكن ليس هناك ما يدعو إلى فصل الزمن كبعد عن الفراغ بأبعاده الثلاثة. سأوضح ذلك حالا.

إذا كانت النقطة تتحرك على الخط المستقيم. فهنا بعد واحد، يحدد مكان النقطة ببعدها عن بداية الخط. إذا كانت النقطة تتحرك فى مستوى، صفحة من كراسة مثلا. فإننا يمكن تحديد مكان النقطة ببعدها عن خط رأسى وخط أفقي. أى أننا نحتاج إلى بعدين لتحديد مكان النقطة.

إذا كانت النقطة أو الجسم فى الفراغ، مصباح يتدلى من منتصف الغرفة مثلا. فيلزمنا ثلاثة أبعاد لتحديد مكان المصباح. بعده عن حائط ما، وبعده عن حائط آخر عمودي على الحائط الأول. كذلك ارتفاع المصباح عن سطح الأرض. هذه الأبعاد الثلاثة تمكننا من تحديد مكان المصباح فى أى مكان فى الغرفة. فى هذه الحالة لدينا أبعاد ثلاثة.

نحن الآن نتكلم عن أشياء. نقطة أو مصباح. لا نتكلم عن أحداث. الأحداث تستلزم وجود بعد رابع هو الزمن. إذا اتفق اسماعيل على أن يقابل حسن فى مطعم يقع بالدور الخامس فى العمارة، التى تقع فى شارع كذا، المتقاطع مع طريق كذا، فى تمام الساعة الواحدة ظهرا.

هنا يلزمنا أربعة أبعاد لكى يتم هذا الحدث. اسم أو نمرة الشارع، اسم أو نمرة الطريق القاطع لهذا الشارع، ورقم الدور الذى يوجد به المطعم. البعد الرابع هو الساعة الواحدة ظهرا، أى الزمن.

الفرق بين الزمن والأبعاد الثلاثة الأخرى، هو أنك تستطيع الحركة على هذه الأبعاد الثلاثة مجيئة وذهابا. يمين وشمال. إلى الأمام وإلى الخلف. لكن الزمن يسير فى اتجاه واحد. إلى الأمام فقط. مثل السهم المنطلق من القوس. لا يرجع إلى الوراء.

فى الواقع، الفراغ بأبعاده الثلاثة يسير مع الزمن إلى الأمام. مثل القطار الذى يسير إلى الأمام. الزمن يمثل المحطات التى يمر به الفراغ. هذه فكرة الزمن كبعد رابع فى نظرية النسبية.

نظرية النسبية العامة تقول بأن كل جسم يغير شكل الفراغ حوله. أي يجعل الفراغ حول الجسم مثل المجال الكهربائي أو المجال المغناطيسي. هذا بالتالى يؤثر فى أى جسم آخر يدخل فى هذا الفراغ المنحني. الفراغ الذي نتحدث عنه له أربعة أبعاد. من الصعب تصور انحنائه. لكن يمكن توضيح الفكرة فى بعدين فقط.

تخيل مفرش سرير مشدود من أربعة أركان. سوف نجده في مستو أفقي. أما إذا وضع فى وسطه كرة من الحديد مثلا. فإنه سوف يهبط من الوسط عن المستو، ويخلق مساحة هابطة حوله، بحيث إذا وضعت كرة صغيرة أخرى على المفرش، فإنها تنزلق إلى أن تصل إلى الكرة الحديد الأصلية.

من يشاهد ذلك يقول بأن الكرة الحديد جذبت الكرة الصغيرة، لكن في الواقع، انحناء المفرش هو الذي جعل الكرة الصغيرة تنزلق إلى المركز. وإذا دفعنا الكرة الصغير فى اتجاه عمودى، فإنها تدور حول الكرة الحديد.

كذلك الشمس تخلق حولها مجالا للجاذبية، مثل المجال المغناطيسي. أي إنها تمط الفراغ حولها. الأرض وباقي الكواكب، تدور حول الشمس، بسبب أن الفراغ حول الشمس ممطوط أو منحني.

فى تجربة الصاروخ والثقب، الذى ينفذ منه الضوء، وجدنا أن الضوء ينحني إلى أسفل. وقلنا أن حركة الصاروخ بعجلة هى التي جذبت الضوء إلى أسفل.

على كل حال، الفراغ داخل المصعد، لا تنطبق عليه هندسة اقليدس. لأن الضوء لا يمشي في خطوط مستقيمة، وليس مجموع زوايا المثلث 180 درجة، و قيمة "ط" أقل من 3.14 وهذا ما نعنيه بالفراغ المنحني.

كان يعلم أينشتاين أن تأثير انحناء الفراغ على الضوء صغير جدا من الصعب قياسه. إننا نحتاج إلى كتلة ضخمة مثل الشمس، لكي تجعل الضوء يحيد عن مساره بمقدار يمكن قياسه. حسب أينشتاين حيود الضوء عن نجم معين يرافق الشمس باستخدام معادلاته.

إذا كان النجم يقترب من الشمس، فعندما يظهر معها يكون من الصعب رؤيته بسبب ضوء الشمس الساطع. علينا أن ننتظر كسوفا للشمس لمعرفة موقع النجم، عندما يمر ضوءه بالقرب من الشمس.

فى عام 1914م، قام فلكيون ألمان بالذهاب إلى روسيا لاختبار صحة نظرية أينشتاين بخصوص انحراف مسار الضوء لهذا النجم وقت كسوف الشمس. لكن بسبب ظروف الحرب فى ذلك الوقت، تم أسر الفلكيين الألمان وتدمير أجهزتهم. أطلق سراحهم فيما بعد، لكن البعثة باءت بالفشل الذريع.

لحسن حظ أينشتاين أن البعثة فشلت. لأن حساباته لحيود مسار ضوء النجم لم تكن صحيحة. كانت معادلاته التى استخدمها خاطئة. لكن عندما نشر الصيغة النهائية لنظرية النسبية العامة عام 1916م، أعاد أينشتاين حساب حيود مسار ضوء النجم وجاء برقم جديد.

فى عام 1919م، قام الفلكي البريطانى المشهور آرثر ايدنجتون بتنظيم بعثة إلى جزيرة برنسيبي غرب أفريقيا، لاختبار تنبؤ أينشتاين الجديد. لمدة 19 يوما قبل كسوف الشمس، كان الجو صحوا والسماء صافية. لكن يوم الكسوف، كانت السماء ملبدة بالغيوم.

عندما بدأ كسوف الشمس، وأخذ قرص القمر يحجب قرص الشمس، لم يظهر أي نجم من وراء السحب. لكن لحسن الحظ، بدأت تظهر بعض النجوم من وراء السحب فى الخمس دقائق الأخيرة للكسوف. عندها قام ايدنجتون بتصوير النجوم التى ظهرت فى خمس لقطات فوتوغرافية.

عاد ايدنجتون إلى انجلترا لكي يفحص لوحاته الفوتوغرافية، ويقوم بعمل حساباته. النتيجة أثبتت أن الضوء القادم من هذه النجوم، قد تغير مساره وانحرف ناحية الشمس بمقدار يطابق تماما المقدار الذى تنبأ به أينشتاين باستخدام معادلاته الرياضية فقط. النسبية العامة قد تأكدت بالدليل العملي.

النظرية تقول بصريح العبارة أن الأجسام تؤثر في الفراغ المحيط بها. الفراغ بمعنى الحيز الخالي الذي لا يوجد به أي شئ، والمحيط بالجسم. هذا الفراغ أو المجال، لن يصبح متجانسا متى وضع فيه جسم. الجسم يعكر صفو الفراغ.

تجربة الألواح الفوتوغرافية داخل مجال مغناطيسي، أثبتت أن ميلاد الإلكترون ومضاده البوزيترون يحدث في نفس الوقت. هذا يعني أن المجال أو الفراغ يمكن أن يتحول إلى مادة. كذلك، عندما يتقابل الإلكترون والبوزيترون يتحولان إلى عدم، وتنطلق أشعة جاما. عددها 2 فوتون.

أين ذهبت كتلتي الإلكترون والبوزيترون؟ تحولتا إلى شئ غير مادي. إلى ما يشبه المجال. بينما طاقتيهما تحولتا إلى أشعة جاما. الفراغ ليس به إلكترونات حقيقية. إنما إلكترونات تصورية بمفهوم ديراك. شئ يمكن أن يصبح حقيقي. الفراغ أو الخلاء أو المجال، هي أرواح في البرزخ تنتظر البعث.

الفراغ المفرغ، بمفهومنا العام، الخالي من كل شئ، غير موجود في هذا الكون. غير موجود إلا في عقولنا. مثل الغول والعنقاء والخل الوفي. الموجود فقط ، مادة ومجال تملأ الكون. كل منها له تأثير على الآخر، وكل منهما يمكن أن يتحول للآخر.

أشعة جاما أيضا يمكنها أن تتحول إلى مادة، إلى أزواج، كل منها عبارة عن إلكترون واحد وبوزوترون واحد. بفرض طاقتها تعادل ضعف كتلة الإلكترون مضروبة في مربع سرعة الضوء. وهي طاقة تقاس بملايين وحدة الطاقة (إلكترو-فولت). بالنسبة لخلق بروتون واحد، نحتاج إلى آلاف الملايين من هذه الوحدة.

فوتونات طاقة الأشعة، مثل الضوء وألفا وجاما، إلخ. ستظل فوتونات، إلى أن تزيد طاقتها بقدر كاف. فتتحول بقدرة قادر إلى أزواج، مادة ومضادات المادة. عملية الخلق تبدأ من هنا.

الفراغ يعني إمكان تحول المادة إلى مجال كمي، والمجال الكمي إلى مادة. الفراغ أسهل في التصور من المجال. لكن الفراغ غير موجود. غير موجود يا ولدي. الموجود هو إما مادة، أو مجال يؤثر في المادة، ويمكن تحويل كل منهما إلى الآخر بالطاقة. الفراغ عبار عن بحر كوني، يقفذ الدلفين أو جسيمات المادة، منه وإليه.

إلى هنا يجب أن أتوقف. الموضوع كبر، وسيكبر أكثر وأكثر. ونحن نلهث وراء هذا العالم المجنون الذي نعيش فيه، لكي نعرف إيه حكايته، لعلنا نقتبث شيئا من أسراره. وحيث أن شهرزاد قد أدركها الصباح، وسكتت عن الكلام المباح.

فإلى اللقاء، لكي نكمل تخاريف الميكانيكا الكمية، التي فاقت كل حد. لكنها تخاريف زي العسل. مبنية على نظريات علمية في غاية الروعة والرصانة لشبان زي الورد. مدعمة بالحجة والبراهين، ومؤيدة بالتجربة والمشاهدة.






كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,513,409,000
- الميكانيكا الكمية – الفراغ الكوني ليس فراغا
- الميكانيكا الكمية – شئ من نظرية النسبية
- الميكانيكا الكمية – أشعة بيتا والنيوترينو
- الميكانيكا الكمية – النواة قطرة سائلة
- الميكانيكا الكمية – قوة ربط النواة وأنفاقها
- الميكانيكا الكمية – الغوص في أعماق الذرة
- الميكانيكا الكمية – الإلكترون سحابة حول النواة
- الميكانيكا الكمية – ألاعيب شيحة والنط من فوق الأسوار
- الميكانيكا الكمية – مبدأ عدم اليقين لهيزنبرج
- الميكانيكا الكمية – الموجة الاحتمالية
- الميكانيكا الكمية – الطبيعة الموجية للمادة
- الميكانيكا الكمية – ما هو الضوء ومن أين يأتي؟
- الميكانيكا الكمية – أول الغيث قطرة
- كيف ظهرت نظرية الكم من حطام النظرية الكلاسيكية
- معالم على الطريق
- لن يستطيع الأزهر قيادة حركة التنوير والإصلاح الديني؟
- فريدريك نيتشة – اسلوبه ورأيه في المرأة
- فريدريك نيتشة – الثقافة والأخلاق
- نيتشة - 1
- امفيتريو، لبلاوتوس


المزيد.....




- بالصور.. التونسيون يدلون بأصواتهم لاختيار رئيس جديد للبلاد
- بالصور.. التونسيون يدلون بأصواتهم لاختيار رئيس جديد للبلاد
- بالفيديو.. تدريب مشترك بين القوات الخاصة المصرية والأمريكية ...
- بيان ختامي لـ-التعاون الإسلامي- يقرر التصدي لمخططات نتنياهو ...
- قائد حوثي بعد الهجمات على أرامكو: أجواء السعودية والإمارات م ...
- إغلاق مراكز الاقتراع في انتخابات الرئاسة التونسية.. وسط عزوف ...
- قائد حوثي بعد الهجمات على أرامكو: أجواء السعودية والإمارات م ...
- إغلاق مراكز الاقتراع في انتخابات الرئاسة التونسية.. وسط عزوف ...
- مارب.. صدى تقيم ندوة نقاشية حول السلام والتعايش في الخطاب ال ...
- مواجهات عنيفة وغارات للتحالف شمالي حجة


المزيد.....

- نقد الاقتصاد السياسي، الطبعة السادسة / محمد عادل زكى
- التاريخ المقارن / محسن ريري
- ملكيه الأرض فى القرن الثامن عشر على ضوء مشاهدات علماء الحملة ... / سعيد العليمى
- إملشيل، الذاكرة الجماعية / باسو وجبور، لحسن ايت الفقيه
- أوراق في الاستشراق / عبد الكريم بولعيون
- إشكالية الخطاب وأبعاده التداولية في التراث العربي واللسانيات ... / زهير عزيز
- سلسلة وثائق من الشرق الادنى القديم(1): القوائم الملكية والتا ... / د. اسامة عدنان يحيى
- التجذر بدل الاقتلاع عند سيمون فايل / زهير الخويلدي
- كتاب الدولة السودانية : النشأة والخصائص / تاج السر عثمان
- العقل الفلسفي بين التكوين والبنية / زهير الخويلدي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمد زكريا توفيق - الميكانيكا الكمية – كيف خلقت المادة من الفراغ؟