أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مصدق الحبيب - حول حرية التعبير الفني والادبي






















المزيد.....

حول حرية التعبير الفني والادبي



مصدق الحبيب
الحوار المتمدن-العدد: 1306 - 2005 / 9 / 3 - 10:37
المحور: الادب والفن
    


"سيدي القاضي الموقر: أرجو تجريم هذه المرأه الفاسقه لانها اصرت على ان تلد طفلا عاريا!!
هذا مايتذكره الامريكيون من طرائف شعبيه تهزأ بانتوني كومستاك واهتمامه الهستيري بمقاضاة الفنانين والادباء والناشرين بتهم الفسق والدعاره . وهو احد المتطرفين الاراذل الذين جندوا طاقاتهم وطاقات نفر محدود من الزبانيه والمصفقين لمحاربة حرية التعبير الفني والادبي خلال حقبة مهمه من تاريخ صراع المجتمع الامريكي الطويل والمضني من اجل تطبيق وترسيخ ماجاء به الدستور من حريات شخصيه. فبعد ان سن قانون الفحشاء في الولايات المتحده سنة 1865 والذي حرم نشر وتداول الصوره والكلمه التي قد يعتبرها المجتمع فاحشه, انبرى المتطرفون والمنحرفون امثال كومستاك لاستغلال هذه الفرصه في محاولاتهم المريضه لتوجيه المجتمع رجعيا وابطال الحريات التي اقرها الدستور مستخدمين بذلك الصلاحيات الواسعه لسلطة القانون المستقله عبر تضليل وتعبئة مايستطيعون من مناصرين . ويذكر التاريخ بسخرية واستهجان هذا المتطرف كومستاك بشكل خاص لتمكنه من شن حمله واسعه عام 1872 تحت عنوان "نعم للاخلاق, ولا للفن والادب" والتي تمكن فيها من اقناع المحاكم الامريكيه لاتخاذ قرارات نهائيه لنبذ قرابة 16 طن من المواد المنشوره وتجريم 3600 شخص بين فنان وكاتب وناشر حتى ذاع صيته السيء في ارجاء المعموره فتداول الناس العديد من القصص والطرائف حول تطرفه الارعن واندفاعه الزائف نحوما سماه بالمصلحه العامه .



ليس من الترف او البذخ, ولا من قبيل المصادفه ان تعير المجتمعات المتقدمه اهتماما واسعا لرعاية وصيانة حرية التعبير الشخصي للحد الذي تتبوأ فيه هذه الحريه موقع الصداره في دساتير هذه المجتمعات وتحتل الفقرات الاولى والاساسيه في لوائح حقوق الانسان. ذلك ان حرية تعبير الفرد عن ذاته , سواء اكانت حرية الراي والكلام والنشر والتجمهر والاحتجاج السلمي اوحرية اعتناق الدين والمعتقد اوحرية التعبير الفني والادبي وحتى حريات الافراد الشخصيه فيما يختارون لانفسهم من مظاهر, هي من صلب كينونة الانسان وجزء لايتجزا من وجوده, وهي التي تميزه بشكل واضح عن بقية الكائنات الحيه. فأذا كان تطور الدماغ البشري وامتلاك القابليات الفكريه هو المميز الاول للانسان, فان السيطره الذاتيه على استعمال هذه القابليات واطلاق ماتنتجه الى الحيز الاجتماعي لايقل اهميه عن وجودها البايولوجي, بل ان مقومات هذه السيطره الذاتيه قد تعتبر اكثر اهميه واشد حسما من توفر القابليات نفسها . وبموجب هذا المنطق يصبح وجود الامكانات الفكريه عاطلا دون الاستخدام, وباطلا دون الافاده والتطبيق, وزائفا دون السيطره الذاتيه. ومن هنا ندرك ايضا انه ليس من قبيل الوهم ان تعير الانظمه السياسيه الفرديه والدكتاتوريه الاستبداديه من اهميه بالغه, ولما تنفقه من موارد وطاقات لكبح تلك الحريات وخنق المبادرات الشخصيه وقمع النشاطات الفكريه وتحجيم الممارسات الابداعيه للحد الذي اصبح جليا ومعروفا عبر التاريخ ان يشهد المثقفون في البلدان اللاديمقراطيه شتى اصناف التخويف والارهاب والاعتقال والتشريد والقتل فيما يذعن البعض الاخر لانواع الترويض والتدجين والاذلال والمسخ. وهذا مايقودنا الى الاستدلال الى انه لابد لنوعية النتاج الفكري ان تعكس طبيعة المجتمعات وطور تقدم انتاجها المادي اللذان يعكسا بدورهما هوية انظمتها السياسيه السائده. ولنا ان نرى القفزات النوعيه والكميه في طاقات الابتكار والابداع والمبادره في المجتمعات التي يحترم فيها الافراد وتصان حرياتهم وكراماتهم وتقدر فضاءاتهم الشخصيه, فيما يتراجع ويتردى الانتاج الفكري وتتقادم المهارات وتذوي الطاقات في مجتمعات السيطره المركزيه الاستبداديه والهيمنه السياسيه, حيث تذوب قيمة الفرد في بودقة التحزب والتسييس والشعارات الوطنيه والقوميه الفارغه , وتنصهر طاقاته الخلاقه عبرالممارسات الديماغوغيه الواهيه خاصة تلك التي تتوجه بالاسم الى الرعاية الباطله للثقافه فتقوم بالاعتماد على النفر المذعن والمجبور والمزيف والذي لاخيار لديه من الفنانين والادباء لتسهيل مهمة تضليل الجماهير بالتوجهات الثقافيه الوطنيه والقوميه. وتجدر الاشاره هنا بشكل خاص الى تلك التوجهات التي تاخذ من استلهام التراث الوطني والقومي ستارا لاستنزاف المشاعر الوطنيه والعواطف الشعبيه واستخدامها كواجهه لتمرير مخططات النظم السياسيه غير المكترثه اصلا بحقوق الشعوب وحرياتها, الامر الذي يؤدي الى تضاؤل القيمه الحضاريه والتاريخيه لما ينتج فكريا وثقافيا فيتحول تدريجيا الى ادوات للدعايه السياسيه الرخيصه وينتهي الى ان لايكون اكثر من نشاطات سوقيه مبتذله يشمخ بها القاده السياسيون ويتباهى بها انصاف المثقفين وادعياء الفكر. لقد شهد القرن الماضي اكبر واوسع الموجات لهجرة المثقفين من بلدانهم الاصليه الى بلدان اخرى سعيا لحرية العمل والابداع والعيش الكريم. وباستثناء نسبه واطئه من حالات النجاح , فقد انحسرت فرص الابداع للاغلبيه الساحقه وتقهقرت امام صعوبات العمل والاستقرار والتكيف للغات وثقافات وقوانين المجتمعات المضيفه مما ضاعف كلفة خسران الابداع بين ضياع الفرص القديمه في البلد الام وتبذير الفرص الجديده في البلد المستقدم .

يعتقد كاس سنستين الاستاذ المتمرس في جامعة شيكاغو ان الانتاج الفكري والثقافي يتمتع بصفات نوعيه خاصه تميزه عن الانتاج المادي السلعي الذي غالبا مايخضع في مجتمعات السوق الحره الى قوانين العرض والطلب, فيما يكون تحت السيطره المباشره لاجهزة الدوله في المجتمعات التي تعتمد على مركزية القرار الاقتصادي. واشارة الى هذا الاختلاف النوعي بين النتاجين والى الاهميه الاستثنائيه لمنتجي الثقافه الفنيه والادبيه ودورهم في المجتمع , يورد الاستاذ سنستين ثلاثة مبررات :

- يضطلع المثقفون عادة وفي كل المجتمعات بالدور غير المباشر في التاثير الجماهيري والتحفيز الشعبي, كما ينهضون غالبا بدور الرياده, واحيانا بدور القياده في تغيير قيم ومعايير المجتمع وتحويل خيارات الافراد على اصعدة الحياة المختلفه سواء ادركت هذه المجتمعات ام جهلت, وسواء شاءت ام ابت. فهو دور محتوم لابد له ان يكون.

- يساهم منتجو الثقافه من الفنانين والادباء في تقديم المجتمع الى كل ماهو ابداعي او جديد اوغريب او غير متوقع او مألوف, الامر الذي يعزز من مقومات تحقيق وترسيخ موضوعة الديمقراطيه حيث تتسنى للمجتمع فرص الخوض في تجارب وممارسات تختلف عما يختار له المتنفذون في السلطه, او ماترسم له لجان الرقابه الحكوميه من خطط جاهزه. وبافتراض شيوع المنافسه الحره الشريفه سيكون البقاء للافضل. والافضل في نهاية المطاف هو مايحقق اماني الاغلبيه الساحقه وينسجم مع تطلعاتها.

- يساهم المثقفون ونتاجاتهم بتجسيد وتطبيق مبدا التعدديه الثقافيه والاجتماعيه وترسيخ مشروعيتها على اختلاف محاورها من اصل وعرق وجنس ودين ومعتقد وانتماء اقليمي , ذلك ان من المفروض ان تتصدر شغيلة الثقافه الطليعه المتقدمه في المجتمع والنخبه العليا من متعلميه , ولما يدل ذلك على استعدادها الطبيعي لقبول وهضم وتطبيق المفاهيم المعاصره في الحريه والمساواة والعداله الاجتماعيه.

ان صيانة حرية التعبير الفني تعتبر مهمة مركزيه من مهام الديمقراطيه باعتبارها حكم الشعب الحقيقي, وليس شعارا سياسيا محظا, وسلطة الشعب الفعليه تعني غياب سلطة الفرد او المجموعه المختاره سواء اكانت حزبا سياسيا ام نخبه عسكريه ام عائله ملكيه ام سلطه دينيه, فليس من شان اي سلطه تحديد او تعريف مايستمتع به الشعب من فنون واداب اوما يقتضيه ذوقه العام وماتفرزه تطلعاته الاجماليه, وليس من شان هذه السلطات مهما كان قدر مشروعيتها فرض الرقابات الحكوميه على ماينتج او يعرض او يباع او يتداول بحجة التاثير على المصالح الوطنيه.

واذا شاء للتعبير الفني والادبي ان يكون حرا, فانه سيتمتع بالقابليه الاستثنائيه على الاقناع الامر الذي يرهب السلطات المركزيه, ذلك ان اول مايتبادر الى اذهان السلطويين هو الخوف من الاقناع المضاد "للثوره" !! وهنا تنشا الحاجه الطبيعيه لاستحداث القوه المضاده المتمثله اولا بالرقابه الحكوميه وشبه الحكوميه باعتبارها اداة السلطه الرسميه لمنع الافكار المخالفه والحيلوله دون وصولها الى مستوى الادراك والتداول الشعبي, وثانيا بالموازنه بخلق مايسمى بالدعاويه او فن الترويج ( البروباكاندا) باعتبارها الخيار الاخر الذي توفره السلطه كموردومنفذ ثقافيين. على ان هذا الصراع الديناميكي بين فكر السلطه والافكار المضاده يحتم ان تكون حرية التعبير صنوا للممارسه الديمقراطيه بل شرطا اساسيا من شروطها. ومن الاسباب الاخرى لتبرير الارتباط الصميمي بين حرية التعبير والديمقراطيه هي :

- طبيعة العلاقه التبادليه والمتعاقبه بين المفهومين والتي تشير الى ان اختيار الصيغه الديمقراطيه للحكم يحمل معه تلقائيا الالتزام بحماية حرية التعبير فيما لايمكن لمفهوم حرية التعبير ان يصبح حقيقة واقعه مالم تتوفر البيئه المناسبه في ظل الصيغه الديمقراطيه لعملية اتخاذ القرار.

- تقوم حرية التعبير بمثابة صمام السيطره والامان على عمل وتصرفات الحكومه المنتخبه, ولذلك فان بأمكان الية التعبير الحر ان تعمل كمحدد ضروري لمشيئة الاغلبيه حيث تتقرر مديات هذا المحدد من قبل القضاء المستقل وغير الخاضع لسلطة الحكومه.

- في الوقت الذي يشيرالمعنى الحرفي لحرية التعبير الى اعطاء فرصه التعبير للجميع, يكمن المعنى العملي والواقعي لها في الانتفاع مما هو مفيد ونبذ ماهو ظار عن طريق التصفيه الاوتوماتيكيه وليس بالتقرير المباشر. يقول الباحث مايكلجان في كتابه "الحريه السياسيه" المنشور عام 1965 "ليس المهم, في الوسط الديمقراطي, ان تعطى الفرصه لكل من يريد ان يقول شيئا ما, بقدر ماهو اهم ان تعطى الفرصه لكل ماله قيمه اجتماعيه ان يقال "

- قياسا بحكم الفرد او النخبه المختاره , يتطلب حكم الشعب دفقا هائلا من المعلومات المتعدده والافكار المختلفه والتعليقات العلنيه وردود الافعال الحره والمواقف الحقيقيه والنوايا المكشوفه مما يستلزم المساهمه الجماهيريه المتعدده والشامله والتي تؤول في نهاية المطاف الى اظهار الوقائع وكشف الحقائق وتقويم الاخطاء. وتجدر الاشاره هنا الى ماشدد عليه البروفسور ريتشرد موون في كتابه "الحمايه الدستوريه لحرية التعبير" المنشور عام 2000 على "ان حقيقة الامور غالبا ماتميل الى الظهور العلني في ظل اجواء التباين والاختلاف والنقاش المفتوح بدلا من بيئة الاذعان الى المسلمات الدوغمائيه مهما كانت مقنعه".

- تقوم حرية التعبير على افتراض اساسي مفاده ان الفرد هو كائن اجتماعي يتمتع بالعقلانيه وقدر من الحريه كفيل بتمكينه من الادلاء بأرائه والاستعداد لسماع اراء الاخرين, فيما يستلزم تقدمه التفاعل الطليق والمواصله الشفافه مع الاخرين في الحيز الاجتماعي من اجل تبادل الاراء والمعلومات ووجهات النظر. على ان تكفل مثل حرية التعبير هذه, والمضمونه بالنظام الديمقراطي, نشوء وتطور مشاعر الاعتماد على النفس والاستقلال الشخصي وتحقيق الذات التي تنطوي جميعا على ادراك المرء لسعات طاقاته الكامنه ومديات امكاناته الفرديه مما يساهم اجمالا في ترسيخ ثقة المصوتين وزيادة حذقهم ورهافة احاسيسهم بالقدر الذي يجعلهم قوه جديره بالاكتراث ومؤهله لاحداث التغيير. فضرورة حرية التعبير تتجسد في ضرورة الاتصال والمواصله الاجتماعيه, والتي من خلالها تتهيا للفرد شروط ومقومات تطوره. يشير الاستاذ موون الى ان "فهم الافراد لانفسهم ولبعضهم, وادراكهم لابعاد المحيط الذي يحيون فيه يتمحور اولا واخيرا حول امكاناتهم على الاتصال والتواصل ببعضهم وعلى طبيعة وطاقات وسائل الاتصال التي توفرها مجتمعا تهم, على ان يكون الاتصال الاجتماعي الحر كفيل بتمكين الافراد من تقييم حيواتهم وتقرير مصائرهم, وبالتالي جعلهم مؤهلين لاتخاذ القرار الاجمالي لتقرير مصائر مجتمعاتهم عبر النقاش والتمحيص والانتخاب. وكان جان ستيوارت مل, فيلسوف الحريه الفرديه وزعيم مذهب المنفعه قد اكد على مثل هذا التفسير قبل قرابة قرن ونصف في كتابه الشهير "حول الحريه" المنشور عام 1859 بقوله "لايمكن لاي مجتمع ان يحوز على الثقه الكامله في احكامه حول ماهو حقيقي وماهو زائف مالم يسمح اولا بالتعبير الحر والمفتوح عن اراء الافراد المتضاربه ووجهات نظرهم المتنافسه" .






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,625,735,271
- فلنرفع للعراق الحر علما جديدا


المزيد.....




- ?إشادة بفيلم «أسماء» أثناء عرضه ضمن برنامج «فيلمستيل» في سوي ...
- شِريف كُومِيدي: ثقافة البُوسَانْ
- «غضب» براد بيت في صدارة أفلام السينما الأمريكية
- كفرمندا تكرم كوكبة من الأدباء
- براءة الممثلة المصرية مروة عبدالمنعم من تهمة قتل خادمتها
- هشام عبد الخالق: «السقا» تميمة حظي في السينما
- وزارة الثقافة تضع اللمسات الأخيرة للطبعة الثامنة من تظاهرة ...
- الخير والشر والنزعة الأخلاقية في السينما الأمريكية
- البداية والنهاية في الرواية العربية لأشهبون
- الثقافة تختتم فعاليات أسبوع النزاهة الوطني 2014


المزيد.....

- طقوس للعودة / السيد إبراهيم أحمد
- أبناء الشيطان / محمود شاهين
- لا مسرح في الإسلام . / خيرالله سعيد
- قصة السريالية / يحيى البوبلي
- -عزازيل- يوسف زيدان ثلاث مقالات مترجمة عن الفرنسية / حذام الودغيري
- بعض ملامح التناص في رواية -الرجل المحطّم- لطاهر بن جلون / أدهم مسعود القاق
- مجموعة مقالات أدبية / نمر سعدي
- موسى وجولييت النص الكامل نسخة مزيدة ومنقحة / أفنان القاسم
- بليخانوف والنزعة السسيولوجية فى الفن / د.رمضان الصباغ
- ديوان شعر مكابدات السندباد / د.رمضان الصباغ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مصدق الحبيب - حول حرية التعبير الفني والادبي