أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - إسلام بحيري - الدين و الإلحاد وجهاً لوجه [3]















المزيد.....


الدين و الإلحاد وجهاً لوجه [3]


إسلام بحيري

الحوار المتمدن-العدد: 4659 - 2014 / 12 / 11 - 08:30
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


تحدثنا في الحلقة الماضية عن البواعث النفسية للإلحاد، وأنه كان نتيجة عوامل سياسية تاريخية لا نتيجة دراسات موضوعية مجردة عن أحداث الثورة الفرنسية..

-1-
ولكن المشكلة الآن هي رمزية العلاقة بين اهداف الثورة الفرنسية وبين الإلحاد.. علاقة تآزر وتعاون ظلت تؤثر على الذهنية الأوروبية، يعني ان هذه الثورة التي دعمت الإلحاد في البداية و ناهَضَت الدين، و توّجت العقل إلها دافعت عن حقوق الإنسان ، دافعت عن المساواة، الحريات!، فصار ارتباط الذهنية الأوروبية بين الحرية والإخاء والمساواة وحقوق الانسان، وكرامته وعقله واستقلاله..الخ وبين معاداة الدين . مع العلم أننا نحن بني البشر لا نخضع في انتخابنا الأفكار والآراء والنظريات فقط للأسباب العقلية والمنطقية، بقدر ما نخضع لعوامل نفسية. وهذا عامل نفسي، أن الثورة فعلت كذا وانتجت كذا .. عامل نفسي، سيكولوجية، لكنها تؤثر في الناس إلى الآن، الناس تخضع لهذه الأمور ، حتى كبار المفكرين في الشرق والغرب قد تحدث لهم مثل هذه التجربة و يخضعون لها! وهذا ضعف الانسان.. هذا الضعف لا يتغلب عليه إلا مٌفكّر عظيم، مفكِّر يتجاوز ذاته، يتجاوز محنته، يتجاوز ألمه، ولكن للأسف هؤلاء النجوم قـلَّة.

لقد كانت بعثات الرسل في الأساس بعثات تحرير وإخاء ومساواة، وليس أشهر من قصة موسى ووقوفه ضد فرعون (أن أرسل معي بني إسرائيل ولا تعذبهم) وبطش فرعون ببني اسرائيل (يذبح أبنائهم ويستحي نسائهم) وكان موسى النبي عليه السلام هو المنقذ الوحيد لهم من هذا الطاغية.. والحقيقة أن المفسرين لم يقرأوا هذه القصة قراءة سياسية ناضجة كما هي.. وإنما صبوا كل اهتمامهم على مسألة التوحيد وادعاء فرعون الألوهية وكفى! والسبب في هذا أنه لم يكن يجرؤ أحد على التوعية السياسية لشدة ما عانى المسلمون من بطش الحكام في تاريخنا.. ولكن لم يحدث أن تعاونت المؤسسة الدينية مع الحكام على مص دماء الشعوب كما حدث في أوروبا. بل كان شيوخ الأزهر ضد الحكام على طول الخط وكانت تخرج الثورات من الأزهر على الدوام بقيادة شيوخه الذين كانت لهم كاريزما ومحبة في قلوب الناس واهتمام بمشاكلهم، على عكس ما كان في أوروبا.

-2-
الفلسفة المسيحية المدرسية كانت ترى ان الطبيعة لا يمكنها ان تقول شيئا عن الله، طبيعة صامتة لا يمكن ان تُنبِئَك شيئا عن الله وعن صفات الله، على عكس التصوف الإسلامي الذي يرى الطبيعة مرآة لصفات الله تعالى، كذلك العلم قال على لسان نيوتين: "أن الطبيعة تتكلم وتُنبِيء عن الله و تشي بصفاته، وانه قادر و ابدي و أزلي وكلي العلم و كلي الارادة و كلي الحضور.. ومع انه كان يوقّر الكتاب المقدَّس ويقرؤه، وله بعض الرسائل اللاهوتية ايضاً! لكن للأسف النموذج الذي قدَّمه اسحاق نيوتن ومن سار في طريقه الصورة التي قدمها لله تبارك وتعالى، صورة ميكانيكية، كأنه صانع آلة عظيمة اسمها الكون، آلة كفؤة، تعمل بدقة ليست متناهية ، صنعها ثم تركهَا .. اذن فقد دخلنا في (نفي العناية الإلهية).. وهذا اقرب الى إله (ارسطو) ، منظور ليس إلحاديا، كما لاحظت (كارن ارمسترونغ) وقالت: الربوبيون كانو متحمّسين جدا للإيمان، بل كانوا مهووسين بالإيمان، ماكانوا ملاحدة.. بل على العكس انهم يؤمنون ايمانا عميقا بوجود الإله كخالق كمبدع للوجود ولقوانين الوجود، فإسحاق نيوتن قال" الله مبدع قوانين الوجود"، وهذه الفكرة لم يُصرِّح بها في كتبه، وإنما صرَّح بها في رسائله الى صديقه (ريتشارد بنتلي) عالم الكلاسيكيات الإنجليزي، وهذه الرسائل من اهم الوثائق التي تُطلعنا على كيفية ايمان اسحاق نيوتن الذي كتب في رسالته يقول: " ليت شعري هل الطبيعة او الصدفة هي التي ادركت ان هناك شيء اسمه الضوء و ادركت كيف ينحرف وينكسر هذا الضوء، وكيَّفت عيون الفراش والإنسان والنحل والنمل وِفقَ هذه القوانين؟".
الداروينيون الجدد يقولون نعم! لا بأس يا أخي! فتشعر حينئذ بأنهم يحذفون (دور العقل) هنا، ولا تدري هل هذه عدمية أم ماذا..، الآن في العلم الحديث يستحيل ان يكون هذا صحيحا، خاصة في الكوزمولوجيا، أما نيوتن طرح سؤالا والى اليوم لا يزال يُطرَح، واحسن من يطرحه الان عالم الرياضيات التطبيقية (بول ديفيس).

ولكن مشكلة تناول نيوتن للإيمان أنه وضع "اللاهوت التجريبي" فتصور أن الله تعالى وضع قوانين الطبيعة ثم تركها تعمل بطريقة آلية كالساعة، متأثراً في هذا بالإله الأرسطي، فجعل اللاهوت تحت رحمة العلم البشري التجريبي، وقام من حيث لا يشعر بدعم ما يسميه الملحدون الآن بـ "إله الفجوات" أي إسناد كل ما لا نفهمه أو ندرك سببه إلى الله.. وكأن الإنسان بعلمه الضحل (الذي لم يدرك من أسرار الطبيعة شيئاً تقريباً حتى الآن مقارنة بما اكتشفه بالفعل) قد حل محل خالقه ومبدع الكون الذي يعيش فيه بكل قوانينه المكتشفة وألغازه التي لم يتم الكشف عنها بعد.
كما كان رينيه ديكارت هو أول من قال بثنائية أو ازدواجية العلم /العقل والدين، الفلسفة/والوحي، كأنها أضداد أو لها مجالات مختلفة، فكانت هذه الإزدواجية سبباً في انحسار دور الدين في النهاية.
( بليز باسكال) وكان مؤمنا متنوراً وبحماس كتب يقول: "لم اغفر لـ(ديكارت) فعلته، فقد كان يسعى في كل فلسفته الى ان يستغني عن الله"، عكس مايُصوِّر للناس ، ثم يستثني (باسكال) قائلا: " على أنه لما لم يكن قادرا على البَوْحِ بهذا الغرض، اكتفى بأن يُسند الى الرّب وظيفة النقر بالأصبَع من أجل تحريك الكون، وبعد اذن استغنى عنه ولم يَعُد بحاجة اليه ". هذا الفهم العميق من العالم والمخترع والفيلسوف والمتألِّه ( بليز باسكال) فعلا وجد مصداقهُ تماما، يعني هذه نهاية المشروع الديكارتي، كما تنبأ بها ( بليز باسكال) بذكاء.
الخطوة التي خطاها (باروخ اسبينوزا) وكان اكثر عقلانية من ديكارت ذاته، هو أنه تخلى عن هذه الثنائية، وآمن بالواحدية بطريقة حلولية، أي بمعنى ان الله ليس شخصا يقبع خارج هذا العالم، الله والكون نسيج واحد، هذه الروح السارية و الحاكمة في الوجود هي الله.. د.حسن حنفي - وهو مترجم لهذه الرسالة- يقول: "الألغام التي زرعها (باروخ سبينوزا) في عصره انفجرت فيما بعد ولا تزال تنفجر الى اليوم في عصرنا هذا"
من هنا نفهم خطورة هذا المشروع الجديد مشروع اللاهوت التجريبي النيوتني الذي أحدث خللاً في المنظومة المعرفية البشرية.. ذلك أن المعرفة المستمدة من العلم البحت المجرد عن التفكير والعقل والإستعانة بتعاليم الرسل معرفة مقيدة بمحدودية الحس الإنساني الذي هو جزء مندرج داخل هذا الكون لا خارج عنه، لاحق عليه لا سابق له.. بخلاف معارف الوحي المطلقة بلا أي حدود - ونيوتن كما قلنا كان يؤمن بالوحي يوقّر الكتاب المقدَّس ويقرؤه، وله بعض الرسائل اللاهوتية! – لأنها معارف متلقاة من المصدر المطلق كُلّيّ العلم، فمجرد مقارنة هذه المعارف الكلية، بالمعارف الجزئية المقيدة بالحس والتجربة يعتبر خطأ فادح، فحينما نتحدث عن مسألة وجود الله المطلق فلا قيمة للعلم التجريبي لأن مجاله محدود بحواس الإنسان الخمس البالغة المحدودية! إن الحواس البشرية تعجز عن إدراك أمور كثيرة وليس معنى هذا أن هذه الأمور غير موجودة، فالعين البشرية تقف عاجزة أمام رؤية الكائنات الدقيقة مثل البكتريا أو الأميبا، بينما تنجح في هذا بواسطة الميكروسكوب، وأيضًا تقف عاجزة أمام إدراك ما يدور حولنا من أجرام سماوية بعيدة جدًا. بينما تنجح في هذا بواسطة التلسكوب، وبينما طائر الكناري يرى جميع الألوان فإن العين البشرية تعجز عن هذا، وبينما للصقر قدرة على رؤية أرنب بين الحشائش، وهو يُحلق على ارتفاع نحو ثلاث كيلومترات، لأنه يُكبّر الصورة ثمان مرات، فإن الإنسان يعجز عن هذا، والأذن البشرية تعجز عن التقاط الأصوات التي تلتقطها أذن بعض الحيوانات مثل الكلاب والغزلان، التي تلتقط أصوات الزلزال قبل حدوثه بنحو عشرين دقيقة.. فما هي قيمة الحواس البشرية التي تقوم عليها عبادة صنم العلم التجريبي هنا؟ واستنطاقه فيما لا يختص به ؟! إن أقصى ما ينتفع به بنو البشر من هذا العلم أن يوفروا به حياة كريمة تنعم به البشرية وتعيش به في سلام، وليس أن يستخدم في إبادة الشعوب المستضعفة وضربها بالقنابل النووية وأسلحة الدمار الشامل، بعد إنكار وجود الله تعالى كأنه يخضع للمادة التي استحدثها والحواس الخمس التي يتبجح بها هؤلاء.

-3-
برهان النظم
أو "نظرية التصميم الذكي"
الوجود من الذرة الى المجرة وجود مُصمَّم.. ما معنى مصمم ؟
لو وقع الانسان في كهف قديم يعود الى خمسين الف سنة خَلَت، وقع على قطعة حجر، فأخذها هكذا وتناولها بيده يراها عشوائية تماما فيلقي بها، وقع نظره الى جانبها على مبعدة خمسة امتار اكثر اقل، على قعطة حجر تقريبا على شكل كتاب مهذبة الاطراف ومنحوتة بشكل مستطيل، ومرقوم عليها رموز اشبه بالكلمات و صور، صورة لثور، صورة لعين انسان.. الخ، هل يجد الانسان نفسه مضطرا ان يفرق بين الحجرين؟ نعم بالضرورة، فالعشوائية الشكل تختلف عن المنحوتة الشكل، ويبدأ يتساءل ازاء الحجرة الثانية من الذي صممها هذا التصميم، متى صُممت ؟ ماذا تعني هذه الرموز ؟! هذا هو الفرق بين التصميم وغير التصميم..

فيقول الماديون الملاحدة توجد تصاميم طبيعية.. لامشكلة بهذا .. ولكن هذه التصاميم بلا غاية، الصدفة الفاعلية لايقول بها احد ولا الملاحدة، لأن الماديين لا ينكرون العلل الفاعلية، بل يحترمونها ويلحظونها، ويطلبونها وبها يُعللون ويفسرون، ويفترقون عن المؤلِّهة في العلل الغائيـة، يقولون هي تصاميم لكنها ليست تحكي شيئا غائيا وهدفا مسبقاً، ويعتمدون في ذلك على نظرية "الإنتخاب أو الإصطفاء الطبيعي" قدمها لنا (تشارلز داروين)..

والحقيقة أن نظرية الإصطفاء الطبيعي لا تتعارض مع نظرية الإسلام في الخلق، ففي القرآن الكريم قوله تعالى : ﴿-;-ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾-;- وكما صح به قول الرسول ﴿-;-ص وآله﴾-;- : ﴿-;- وإن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يأتى إليه الملك فينفخ فيه الروح. ثم يؤمر بكتب أربع كلمات : رزقه وأجله وعمله وشقى أو سعيد ﴾-;-. والمؤمنون يرون أن الإصطفاء الطبيعي هو سنن الله في الخلق والتكوين، وأنه ينقضها متى شاء كما في معجزات الأنبياء، وكما في الظواهر الخارقة التي لا تخضع للتفسير العلمي حتى الآن، ويقف الماديون حيالها موقفاً لا أدرياً.. ونجد أغمض تلك الظواهر لدى الروحانيين والصوفية، كظاهرة "التواجد في مكانين في الوقت ذاته" Bilocation ومثل ظاهرة "طي الأرض" التي هي سرعة السفر وسرعة الوصول دون وسائل مواصلات، وهذه الظاهرة عند الصوفية أمر طبيعي معروف عندهم تماماً، وللسيوطي – من علماء الصوفية - مؤلفات كثيرة في إثبات مثل هذه الظواهر، والطريف أنها في الترجمة الإنجليزية ترجمة حرفية Tay al-Arz وتوجد مقالة عنها في الموسوعة الحرة http://en.wikipedia.org/wiki/Tay_al-Arz

العلم يقف عند حدود الظواهر والأسباب الطبيعية، ويكفر بكل اشارة الى ماوراء الطبيعة، والخالق سبحانه في الوعي الجمعي الإنساني وراء الطبيعة، فكيف نبرهن على وجوده وهو وراء الطبيعة بأداة لا تعترف بما وراء الطبيعة (العلم التجريبي) ؟ أو بمعنى أدق وأصح (لا تملك البرهنة ولا الحكم على أي شئ وراء الطبيعة) ؟!! هذا تعسُّف واضح! لذلك كل من يطالب البرهنة على وجود الله تعالى علمياً كما يطالب الملحدون الجدد فهو متعسف متناقض يناقض نفسه!

النزعة الغالبة على العلم الحديث الآن هي نزعة مادية، يصرُّون تماما على أننا يجب أن نقف عند حدّ العلل الفاعلية المادية الطبيعية، ممنوع ان تتعداها، مجرد ان تشير مجرد اشارة الى علة وراء طبيعية مباشرة تُتهَم أنك تسيء الى العلم وتدمره ! لأنه يشير الى خارج الطبيعة، كأن هذا العلم أمسى علماً جديداً، كأنه آيدولوجيا،... لكن هل بالعلم science وحده يحيى الإنسان ؟ هل بالعلم وحده يدركُ الانسان؟ هل بالعلم وحده تفسر الأشياء و تدرك الأشياء؟ هل العلم هو اقصى حدود وإمكانات وطاقات العقل الانساني؟ وبعبارة مختصرة موجزة : "هل نلغي عقولنا بحجة العلم" ؟!!! العلم نشاط من نشاطات العقل، والعقل أوسع وأبعد وأضخم بكثير من العلم التجريبي، القوى العقلية ابعد بكثير من القوى العلمية.

نبـدأ بدليل يراه المؤلهون المؤمنون اقوى الأدلة وأبسطها يمكن ان يستوعبه العامِّيّ، على انه في عمقه دليل قوي جدا، وليس من السهل البتّة ان يُنقَض، انه الدليل المعروف في الادبيات اللاهوتية سواءا في العلم الاسلامي او اليهونصراني بدليل العناية - وهي تسمية غير موفقة- او الدليل الغائي - والتسمية الاحسن دليل النظم أو النظام وهو الذي اتخذ في العصر الحديث وبالذات في ثمنينات القرن العشرين والى اليوم اسما معاصرا وله ابعاد وإيحاءات علمية اكثر منها فلسفية هو (دليل التصميم الذكي)، برهان التصميم او برهان النّظم او الدليل الغائي - الذي تحدث عنه بإسهاب على ان جعله خامس ادلته (توماس الإكويني) في الخلاصة اللاهوتية ، وسبق في تقريره الاسلاميون بشكل عبقري متفرد تابعهم فيه (الاكويني) وغيره ، (وليام بيلي) نشر كتابه سنة 1802 م المشهور جدا في انجلترا علم اللاهوت الطبيعي و ذكر فيه الاستعارة الشهيرة "أمثولة الساعة" أي شبّه فيه الكون بالساعة، فلابد من هذه الساعة الدقيقة المتآزرة المتكافلة الأجزاء المتعاونة التي تحكي غائيّة وقصدية وهدفية لابد لها من مُصمِّم هادف عاقل وحكيم وقدير، ذلك كان مثال من امثلة برهان النظم او الدليل الغائي او العناية.

المقدمة الصغرى هنا حسيَّة، يتكفّل الحس يتمويلنا بها، ن هل يؤثر كون مقدمة برهان النظم الصغرى حسيّةً على طبيعة البرهان كما ظن (ديفيد هيوم) في كتابه "محاورات في الدين الطبيعي" ظن ان هذا الدليل هو من الادلة التي تنتمي الى الحس فيمكن ان يتعاطى العلم الطبيعي معه.. وهذا غير صحيح، هو دليل عقلي محض، هنا (هيوم) لم يفهم الحقيقة، لم يكن متمكنا من الفلسفة العقلية..
مقدمة الدليل الصغرى : حسيَّة كما تشاهد انت الساعة مصنوعة وهي صناعة بشرية فتراها تسير بنظام معيّن محكم ودقيق، وتشاهد في الكون تفس النظام والإحكان والدقة، في هذه الخلية، في هذا الجسم، في القلب، في المخ، في العين، في الذرة، في المجرة، في حركة الكواكب، في أي شيء في الكون، ترى فيه نظماً تصميماً، ويزودنا العلم بشواهد كثيرة يُمكن ان تُتخذ مقدمة صغرى في هذا البرهان، علم وظائف الاعضاء physiology علم الأحياء biology علم التشريح anatomy في علم الفلك.. في الكيمياء ..الفيزياء..

ماذا تقول المقدمة الصغرى الحسية؟ تقول: "هذا الشيء منظَّم".

بعد ذلك مقدمة عقلية محضة ليست حسية: "وكل منظَّم لابد له من منظِّم"

واذا كان ذلك كذلك لابد ان نصير الى استخلاص النتيجة، اذن لابد ان نحدد منظِّما لهذا الشيء المنظَّم .. لابد ان يكون له منظِّم، ويصير البحث في هذ المنظِّم!.. كيف؟ من هو المنظِّم؟ يمكن ان تكون الطبيعة منظِّماً؟ الصدفة ممكن ان تكون منظما؟
سوف نرى.. تحدث أرسطو عن اربعة انواع من العلل : العلّة المادية، الصورية، الفاعلية، الغائية.
يعني هذه المنضدة لها صورة معينة هذه الصورة تسمى عند ارسطو (علة صورية) أي شكل الشيء
مما صُنعت هذه الطاولة ؟ من الخشب، وهذه (العلة المادية)
ومن الذي صنعها ؟ النجار، هذه (العلة الفاعلية)
لماذا صنعها؟ للأكل عليها، وهذه (العلة الغائية).

الان نتقدم خطوة الى الامام وهي : المادي كالمؤلّه كالمؤمن كلاهما يؤمنان بالعلّيّة، يعني المادي لاينفي العلية، بل على العكس، العلم الطبيعي المادي نفسه يقوم على مبدأ العلية على مبدأ فلسفي، وهو يبحث عن الاسباب، اذن أين يفترقان ؟ في مسألتين :
المسألة الأولى : تختص بالعلل الفاعلية، المادي يسلسلها الى مالا نهاية، يقول لك هذه العلة معلولة لكذا وهذه معلولة لكذا، وكل علة يكون معلولا باعتبار آخر الى مالا نهاية، توجد مشكلة الان! .. لأننا اذا اخذنا هذه التسلسلية (الى مالا نهاية) سوف نعارض العلم! سنصطدم بإشكالات علمية، الان أشهر نظرية في نشوء وخلق الكون، نظرية (الانفجار الكبير) تقول لك : لا.. لابد للكون من بداية، لاتستطيع ان تسلسل الى مالا نهاية، هذا الكلام (كان زمان).. ! لايوجد بالنسبة لهذه النظرية شيء اسمه الى مالا نهاية.. فمفهوم الـ (مالا نهاية) هو مفهوم مجرد، ليس له حقيقة خارجية، العلم يقول هذا ، ويقف مع الإيمان جنباً إلى جنب (لابد من هذا)، الحقائق الدينية الكبرى المطابقة للحقيقة لا تتلوّن ولا تتغير بحسب المكتشفات العلمية بل لابد أن يؤيدها العلم، ولذلك كلما تطوّر العلم اتضحت الحقائق الإيمانية يوماً بعد يوم أكثر فأكثر.. اللهم إلا في حالة الكفر بالعلم نفسه بعد أن كفروا بالفلسفة وبالعقل وبكل شئ.

ولأن الماديين التفتوا الى هذا الاشكال العلمي فقد طوروا نظريتهم فتنازلوا عن سلسلة العلل الفاعلة الى ما لا نهاية الى نظرية اخرى تسمى نظرية "خاصية المادة" (وضعها ديفيد هيوم) فقالوا ليست لدينا مشكلة، فهذه المادة وهذا الكون بكل مافيه من مادة "نعم له بداية معينة"، لكن المادة نفسها "تتصف بخصائص معينة تجعلها قادرة على ان تُصمِّم برامج وأنظمة وتصاميم معقدة" عجيب! هل فهمت شيئاً ؟ نحن نريد تفسير للعلة الفاعلية، ولكن نظرية "خاصية المادة" من حيث تزعم انها تفسر، في الحقيقة لاتفسر شيئا! فعندما تسأل عن أي شيء تريده، ستجد الاجابة (انها خاصية المادة)! المادة تفعل هذا!!

نظرية خاصية المادة تبطل المسعى العلمي.. ويبقى العلم ساذجاً طفولياً، جافاً خشناً ،يصف فقط ماذا يحدث.. وبالأساس ان تقدم العلم لايمكن ان يكون رهنا بمجرد الوصف، العلم لايتقدم الا بمستويات من التعليل والسؤال.
مثال صارخ على فشل نظرية خاصية المادة : في البدن الإنساني زُهاء مـئة تريليون خليـــة ( التريليون: عشرة أُس 12) كل خلية - باستثناء كريات الدم الحمراء، وباستثناء الخلايا الجنسية التي فيها نصف الجينوم البشري - كل خلية في بدننا تحتوي على الجينوم كاملا وكل خلية تقريبا من هذه المئة تريليون خلية قادرة على ان تعكس وعلى ان تنجز كل وظائف البدن الإنساني، لأنها تحتوي على الجينوم كاملا، ولكن يبدو هنا سر التخصص.. سر كبير مدهش، لماذا تتخصص الخلية الكبدية بأن تكون خلية كبدية ؟!! فتعمل فقط فيها الجينات المطلوبة والمحدودة، وتدخل اخرى في سبات خلوي، لماذا؟! لا تقل لي قابلية المادة، العقل يرفض هذا الهراء، هناك خطة واضحة على مستوى بنيتك الانسانية كلها، توزع المئة تريليون خلية توزيعا دقيقا جداً جداً على أجهزتك وأعضائك!!
ما هذا..!! ومن الذي أعطاك هذا!!

والمٍسألة الثانية : في العلّة الغائية، المؤلّه يقول : "انا اؤمن وأوقن بالعلة الغائية، بمعنى ان العلة الفاعلية لابد ان تتصف بقدر من الذكاء والفهم والادراك يسمح لها ان تصمم تصاميم، وان تخلق اشياء وأن تبدع موجودات تخدم قصودا وأهدافا معينة" طبعا العلم لا يعترف بالغائية - معركة بين العلم والفلسفة - ولا يدخل في تخصصه الإجابة عن "لماذا".. وإنما يجيب فقط عن "كيف"، وتتعجب كثيراً حين تقرأ لريتشارد دوكنز وهو يكشف عن عقليته الضحلة فيقول (ما هي "لماذا" هذه بحق السماء) ؟! يعني أنت يجب عليك أن تعيش خنزيراً تأكل وتشرب وتنكح ثم تموت دون أن تسأل "لماذا".. عطّل عقلك.. إياك أن تفكّر!!
هذا أسميه نتن.. بل موت و"تعفُّن دماغي".

العلم المحض ليس هو كل المعارف العقلية، ليس خلاصة الحضارات الإنسانية، ليس هو كل شئ، ليس هو الوحيد المستخدم لتفسير الوجود واكتمال الرؤية وتكامل الفهم.. العلم مجرد مقدمة وأرضية وقاعدة تبني عليها.. لابد من دور العقل، لابد أن تفكر وتسأل! ولو كان العلم هو الوحيد لما كنا على حق إذا لم نسأل "لماذا".. نحن بهذا نحذف عقولنا ونلقي بها في Recycle Bin سلة المهملات..
إن الإلحاد المعاصر ليس إلحادًا عقلانيًا، ولا فلسفيًا، ولا منطقيًا، ولا علميًا.. إنما هو إلحاد إصرار وعناد.. إصرار أحمق على إلغاء العقل لأجل إلغاء وجود الله.. إصرار على حد تعبير (بليز باسكال) : إرادة الإلحاد.. ! باتت المسألة ليستمسألة بحث علمي وإنما نفسيات مشوهة وعقول ميتة لا تعمل.

وهنا نتذكر عبارة آينشتاين ( العلماء فلاسفة ضعفآء ).. وفي الدراسة النفسية ودراسات الابداع يتأكد دآئما ان اذكى البشر هم الفلاسفة، ثم الفنانون، ثم ثالثا هم العلماء !!

-4-
مثل "توماس هاكسلي" صاحب فرضية القرد او مبرهنة القرد، التي هي مجرد شعر او خيال محض ليس لها علاقة لا بالعلم ولا بالفلسفة، هلوسة فكرية، فيقول: "أنا اعتقد انه لو جلس مجموعة من القرود الذكية الشامبانزي ، على آلة طباعة وتضرب عشوائيا وبقيت على هذا فترة طويلة، أظن انه بعد فترة طويلة ليس مستبعدا بالمرة ان تكتب هذه القردة الأعمال الكاملة لـ (ويليام شكسبير)"!
طبعــا الملاحدة يتشبثون بهذا بطريقة او بأخرى، احيانا ليس بهذه الطريقة الفجّة ولكن بطريقة اخرى يؤكدون انهم يؤمنون بقدرة العشـوائية في الزمانية الطويلة على انتاج شيء غير عشوائي ومُصمَّم وجميل وقوي جداً.. !

فجاء المجلس القومي البريطاني للفنون والعلوم وأخذ مسألة القرد هذه على محمل الجد، وأراد ان يجرب هذه المبرهنة، وقال لدينا امكانيات، علام ننتظر عشرة بلايين سنة لكي نرى النتيجة.. لدينا حواسيب عملاقة بعض تقوم بمليارات العمليات الحسابية في الثانية الواحدة!، فقاموا بهذه التجربة تمثيليا بمجموعة قرود، وجعلوها تضرب تمثيليا على لوحة المفاتيح عشوائيا لشهر كامل، بعد هذالم نجد كلمة واحدة تتكون من حرف ! .. أي باللغة الانجليزية حرف A ممكن تكون كلمة اذا كانت مسبوقة بمسافة فارغة، ومتبوعة بمسافة فارغة.. هنا تصبح كلمة.. هذه هذه لم يجدوها.. ومع لك فنفس المنطق الهرائي يعمل ولكن مع عمل Replace وإحلال خاصية المادة أو أي كلام فارغ بدلاً من أضحوكة قرد شكسبير هذه..

التحاليل التي أجريت بواسطة الميكروسكوب الإلكتروني الحديث خلال القرن العشرين أظهرت نتائج مختلفة تمامًا. ففي الخلية توجد تصاميم معقدة بحيث لا يمكن أن تكون عبارة عن مصادفات، وهذا ما صرّح به عالم الرّياضيات والفلكي الشهير الإنكليزي الأصل السيد "فريد هويل" قائلا: "كومة من خردة الحديد أخذتها عاصفة هوجاء، ثم تناثرت هذه القطع وتكونت طائرة بوينغ 747 بالمصادفة" ؟ إن مثل هذه النتيجة غير ممكنة ومستحيلة !

وكذلك الأمر بالنسبة إلى تكوين الخلايا الحية. ويمكن القول إنّ التشبية غير كاف وذلك لأن الإنسان تقدم بحيث استطاع أن يصنع طائرة "بوينغ 747" ولكنّه مع تقدمه هذا لم يستطع أن يقوم بتركيب خلية حية واحدة في أيّ مختبر علمي.

وللحديث بقية..





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,610,389,347
- الدين والإلحاد وجهاً لوجه [2]
- الدين والإلحاد وجهاً لوجه [1]
- -سلفيون ملاحدة- موقف االسلفيين والملحدين/اللادينيين من نموذج ...
- كيف يكون الإسلام هو الحل ؟!
- جمعة رفع المصاحف.. بنو أمية يطلبون تحكيم شرع الله في ميدان ا ...


المزيد.....




- فرنسا تكافح الإسلام السياسي
- الحريري يبتعد عن السياسة… والموفد الفرنسي والفاتيكان يدعمان ...
- إيران تدعو الدول الإسلامية لممارسة -الضغط الشامل- على السعود ...
- أمينة النقاش تكتب:تونس فى قبضة الإخوان
- مع التقدم التركي .. الأقليات المسيحية الأشورية قلقة على مصير ...
- مع التقدم التركي .. الأقليات المسيحية الأشورية قلقة على مصير ...
- المرشد الأعلى للثورة الإيرانية: أفشلنا مخططات العدو خلال الأ ...
- قمع التظاهرات في إيران وارتفاع مستوى -التهديد الوجودي- للجمه ...
- “تجمع العلماء المسلمين”: المقاومة الإسلامية هي رمز عزة لبنان ...
- مصر.. المحكمة العسكرية تصدر أحكاما على عناصر من الإخوان المس ...


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - إسلام بحيري - الدين و الإلحاد وجهاً لوجه [3]