أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ميثم الجنابي - الظاهرة الإسلامية السياسية الحديثة (2)















المزيد.....


الظاهرة الإسلامية السياسية الحديثة (2)


ميثم الجنابي
(Maythem Al-janabi )


الحوار المتمدن-العدد: 4652 - 2014 / 12 / 4 - 17:32
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    



لقد جرى الحديث في المقال السابق عما يمكن دعوته بالأثر الذي تركته الثورة السلامية في إيران وليس محدداتها الفكرية السياسية أو مرجعياتها النظرية والمذهبية. مع أنها تحتوي على كوامن جوهرية وجدت تعبيرها في التاريخ السياسي للفكرة الشيعية وعقائدها النظرية الكبرى وتقاليدها المذهبية الخاصة. فالعقائد الشيعية تحتوي على ولاية خاصة بها من حيث المقدمات التاريخية والعقلية والوجدانية والمؤسساتية. ومن ثم هي نتاج تاريخ ووعي ذاتي خاص، رغم ارتباطها العضوي بتاريخ الإسلام والدولة (الخلافة)، ولكن بوصفها تيار المعارضة والتقية السياسية والروحية. ونعثر على ذلك في خصوصية فكرتها السياسية المتعلقة بالإمام والإمامة، سواء من حيث شروطها وشخصيتها وغايتها، التي تستلهم أساسا فكرة الحق والعدالة والحرية والنزعة الإنسانية. وشأن كل عقائد تاريخية متداخلة أو مندمجة في مؤسسات تابعة للدولة أو معارضة لها أو متوازية معها، عادة ما تتحجر مع مرور الزمن، لكنها تظل تحتوي على بريق التأجيج المتنوع. وخصوصية هذه الظاهرة في الفكرة الشيعية السياسية ترتبط بطبيعة ونوعية فكرة المهدي وفكرة المنتظر، ووحدتهما في "صاحب الزمان" (المهدي المنتظر). الأمر الذي يشير إلى كمون البريق الأبدي للانتظار والهداية، بوصفه أسلوب امتلاك الزمن الأبدي، أي تاريخ الحق. ووجد ذلك تعبيره في التحوير والتطوير والتغيير الذي لازم فكرة الإمام والإمامة في مختلف مدارس التشيع، وديمومتها النظرية والعملية الواسعة في التيار الإمامي (الاثني عشري). وليس فكرة ولاية الفقيه سوى احد نماذجها، المعبرة عن خصوصية الظاهرة في إيران. كما أن فكرة "ولاية الفقيه" هي الصيغة العملية الجديدة لفكرة الإمام الشيعية، بمعنى تطويع مضمون الإمامة الروحي والعملي بالشكل الذي يجعل من الفقيه (رجل الدولة المحكوم بالقانون والشرعية) مرجعية نظرية وعملية كبرى بالنسبة للدولة والأمة. ومن ثم البحث عن صيغة جديدة لعلاقة الدين وبالدنيا بالشكل الذي يضمن وحدتهما المعقولة بما يتناسب ومتطلبات الحياة الآنية، والمقبولة في استجابتها لتقاليد الفكرة الإسلامية العامة، ولكن ضمن تقاليد الرؤية الشيعية وعقائدها.
إن عدم إدراك هذه العقدة الجوهرية الأولية في تاريخ "الإسلام السياسي" هو الذي أثار وما يزال يثير هذا الكم الهائل من التفسير والتأويل المتنوع والمختلف ليس فقط حول ماهية "الإسلام السياسي"، بل وحول حركاته وأحزابه وتياراته الكبرى والصغرى. فقد كانت الأفكار والمواقف العامة السابقة من الإسلام موحدة بتقاليد نمطية، باعتباره كلا واحدا صلدا من جهة، وعلى طرفي نقيض واضح وجلي من مؤيد ومعارض، متشاءم ومتفاءل، من جهة أخرى. بمعنى أنها كانت تنظر إلى الظاهرة الإسلامية باعتبارها تاريخا ماضيا أو عينة غريبة أو أشياء أخرى من هذا القبيل، وليس بوصفها حالة تلقائية محتلمة لها مسارها الذاتي وقانونها الخاص. ومن الممكن العثور على كل هذه الجوانب في تلك الكمية الضخمة لما يمكن دعوته بتقاليد الغرائب والعجائب في النظر إلى الإسلام من زمن الحكايات والقصص والرحلات إلى فكرة التمايز والتعارض بين الشرق والمغرب في ميدان الفكرة الثقافية أو فلسفة التاريخ الحديثة للأمم والأديان والثقافات.
غير أن الحالة اختلفت حالما اختلف ظهور "الإسلام" بهيئة قوة "سياسية". من هنا الاتفاق والاختلاف في تحديد حركاته وتياراته الجديدة ضمن معايير الفكرة السياسية والأيديولوجية فقط. بمعنى انه لم يجر إدراكها بمعايير الفكرة الفلسفية التاريخية القائلة، بأن ما يجري في العالم الإسلامي هو مجرد مظهر من مظاهر التراكم الذاتي والصيرورة التاريخية الثقافية بوصفها مركزية جديدة، وأن بروز القوة السياسية وتبلورها العملي الظاهري والمباشر، هو مجرد مظهر من مظاهر الانتقال من الوعي اللاهوتي الديني إلى الوعي الديني السياسي في صيرورة المركزية الإسلامية الجديدة. بحيث يمكننا العثور عليها ليس في الوسائل فحسب، بل وفي الغايات الكامنة وراء التنظير والتطبيق، كما لو أنها تجسيد لعمل "العقل الماكر" في هذه العملية التاريخية المعقدة للانتقال.
فقد كانت هذه العلمية التاريخية للانتقال تسير بخطى التفريغ التدريجي للفكرة الراديكالية والثورية والرومانسية على النطاق العالمي من جهة، وصعود الموجات المتدرجة للمراكز التاريخية الثقافية والقومية الكبرى من جهة أخرى. وبالتالي لم يكن "الإسلام السياسي" سوى التجسيد الظاهري والعملي لهذا المسار المتناقض والمعقد في الوقت نفسه في عالم الإسلام.
تشير ظاهرة صعود "الإسلام السياسي" في الوعي النظري والتحليلي والدعائي المعاصر عند تخوم ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، أولا وقبل كل شيء، إلى ظاهرة الهيمنة شبه المطلقة للوعي السياسي. وهذا بدوره لم يكن معزولا عن طبيعة التغيرات البنيوية على النطاق العالمي وداخل دول العالم الإسلامي بشكل خاص. إذ أخذت آنذاك تبرز بوضوح ملامح الأزمة الأولى لمرحلة الحداثة الخربة بأثر سيطرة وهيمنة الراديكاليات الثورية السياسية. فقد استطاعت هذه الراديكاليات صنع "إجماع" جسدي ووجداني لازم مرحلة "الاستقلال السياسي". لكنه اخذ بالتلاشي والاضمحلال بأثر الامتحان التاريخي الأول، لذي واجهته مختلف الراديكاليات (الدنيوية) السياسية بوقوفها أمام إشكاليات التحديث والتحرر الفعلي. الأمر الذي أدى تدريجيا إلى تحول الأيديولوجيات الراديكالية وشعاراتها إلى مجرد رماد، بعد حريق الهزائم المتتالية في مختلف الميادين وبالأخص في ميدان البدائل، لذره في عيون "الجماهير"، أي تلك القوة الخشنة التي لا يمكن للراديكالية أن تعيش وتحيى بدونها. من هنا تحول الدين واللاهوت وتقاليدهما العريقة في النفسية والذهنية الجماهيرية إلى احد المصادر الكبرى لتأطير وشحذ ملامح الاحتجاج بمختلف صوره وأشكاله ومستوياته. وبالقدر ذاته انحدرت الراديكالية "الدنيوية" بمختلف أشكالها، إلى نفس نفسية وذهنية الجماهير. بمعنى انحطاط الجميع إلى قاع الجمهور والعوام. مع ما ترتب عليه من صعود نخب عامية وأمية بقدر واحد. ومن ثم تسابق الجميع في توسيع مدى "الوعي الجماهيري". وهو وعي ديني لاهوتي من حيث أصوله وجذوره (قومية ضيقة أو عرقية أو طائفية، أو جهوية أو خليط من هذه الأشياء)، بما في ذلك عند التيارات الدنيوية (العلمانية). وليس غريبا أن ترجع اغلب النخب السياسية "الدنيوية" (العلمانية) الحاكمة (ولأسباب نفعية صرف)، بسب ثقافتها الدينية اللاهوتية الأولية إلى جذورها الأولية. وقد كشف ذلك لاحقا عن حقيقة تقول، بان الفكرة الراديكالية الدنيوية (العلمانية) لم تكن في الواقع أكثر من قشور تحتها يكمن اللب اللذيذ للقلب والذاكرة والوجدان واللسان، أي للوعي النظري والذوق الفعلي للنخب السياسية. بمعنى انه كشف عن أن فكرها النظري وسلوكها العملي كان نفسيا خالصا، أو ما كانت الفلسفة الكلاسيكية الإسلامية تطلق عليه عبارة الجدلي والبلاغي والشعري.
لقد كشف ذلك عن أن الفكر الدنيوي (العلماني) لم يكن دنيويا وليس تلقائيا. وذلك لأنه لم يختمر في مجرى إشكالاته الواقعية. لقد كان تقليديا أيضا ومتغربا وبلا جذور. من هنا هيمنة الصيغة الأيديولوجية الفجة فيه. وبالتالي لم يكن بإمكان هذه الراديكاليات السياسية الدنيوية (الأيديولوجية) أن تصنع حداثة. وذلك لأنها كانت من حيث ظاهرها مجرد تقليد عادي للراديكاليات الأيديولوجية الأوربية، ومن حيث باطنها استمرار للنفسية والذهنية الدينية واللاهوتية الإسلامية. الأمر الذي أدى بالضرورة إلى ضعف وتشوه التنوير والحداثة، ومن ثم تلاشي وانعدام الفكرة النقدية بوصفها فكرة البدائل والعقل الحر. من هنا أصبح الرجوع إلى الماضي العروة الوثقى، والبرهان "المقدس" والمعّوض عن انعدام اليقين وتفشي اليأس والسقوط. ووجد ذلك انعكاسه ليس فقط في اندثار الإصلاحية (الإسلامية) وفكرة الإصلاح العقلانية، بل وتشوه الراديكالية السياسية الدنيوية نفسها. وليس نمو وصعود وهيمنة التيارات السلفية الإسلامية المتشددة سوى الوجه الآخر لهذا الاندثار والتشوه المشار إليه أعلاه.
إن ظهور فكرة الرجوع إلى الماضي أو احد نماذجه تعكس أولا وقبل كل شي عدم تجاوز مراحل "التاريخ الطبيعي"، وبالأخص في مراحله الدينية اللاهوتية والدينية السياسية. وذلك بسبب عدم تحرر العقل الثقافي أو عدم بلوغه حالة الحرية الفعلية التي تجعل من المستقبل فقط مشروعه الواقعي. مع ما يترتب عليه بالضرورة من تحول فكرة الاحتمال العقلاني إلى مرجعية متسامية وكبرى بالنسبة للعقل النظري والعملي. وليس مصادفة أن تشترك كافة الحركات الإسلامية، بدون استثناء، بإعلاء أو تقديس الماضي أو بعض نماذجه وتحويله إلى مرجعية اليقين المطلق. ومن ثم يصبح حتى المستقبل، أيا كان شكله ومحتواه، مجرد عينة لما كان أو لما ينبغي أن يكون بما يتوافق، في أفضل الأحوال، مع نماذج قديمة "مثلى". مع أن التاريخ الفعلي لا يعرف نماذج مثلى، بل هي مجرد تجارب إنسانية متنوعة ومختلفة تعكس مسار الصيرورة التاريخية للأمم وثقافاتها. من هنا بقاء كافة الحركات الإسلامية السياسية المعاصرة أسيرة هذا الرجوع، حتى في أفضل "اجتهاداتها" النظرية والعملية. ومن ثم لم يعن البقاء ضمنها إما البقاء ضمن ماض منصرم وإعادة إحياء لمومياء العقائد (من هنا التبجح أيضا، بان للعالم الإسلامي تاريخه الذاتي التقويمي أيضا، ومن ثم لا علاقة له بالعالم المعاصر، لأنه مازال ضمن القرن الخامس عشر!)، وإما إعادة إنتاج مختلف مظاهر ومستويات الأزمة الذاتية (للعالم الإسلامي والفكرة الدينية والتدين والثقافة). ولا يعني هذا في الواقع سوى وضع فكرة الأزمة خارج وجوده الذاتي دون أن يدرك بأنه هو بحد ذاته نتاج للأزمة وتمثيل لها بالقدر نفسه. من هنا أيضا غروره الكبير باستعادة نفس أوهام الفكر الدنيوي المترتبة على فقدانه للوعي الذاتي بشكل عام والتاريخي القومي بشكل خاص. غير أن أوهامه أكثر تعقيدا واشد تخريبا. وذلك لأنه لا يدرك بان ما يطرحه هو إما اجتهاد مشوه أو تمثل تقليدي للماضي أو جمعهما حسب مصالح التحزب العقائدي والسياسة الحزبية. والأتعس من ذلك انه يعتبر نفسه الممثل الوحيد للحق والحقيقة والأصول والجذور والمستقبل!
فمن الناحية الظاهرية يمكن إرجاع هذا التحول الأيديولوجي إلى كل من الجذور الراسخة للبنية التقليدية، والوعي التقليدي، ونمطية الفكر الإسلامي المنحدر من مراحل التخلف والانحطاط، وهيمنة العقائد الحنبلية، بحيث تحولت إلى الناطق والمعبر الوحيد عن فكر "أهل السنة والجماعة". كما يمكن تفسير ذلك بكون الإسلام لم يمر بمرحلة إصلاحية كما هو الحال بالنسبة لأوربا، بوصفه الشرط الضروري لتذليل نمطية الفكرة الدينية اللاهوتية، ومن ثم التحرر من اثر الدين التقليدي والتدين اللاهوتي السياسي. مع ما ترتب عليه من "دخول" كل هذا "المخزون الإسلامي" القديم في القرن العشرين دون المرور بغربلة الإصلاح والثورة. أما من حيث الباطن، أو الصيغة الأكثر دقة في تعبيرها عن طبيعة الإشكالية الفعلية بهذا الصدد، فأنها تقوم فيما يمكن دعوته بإشكالية الزمن السياسي الثقافي والعالمي، وإشكالية الزمن والتاريخ الإسلامي. وهي إشكالية ليست الفكرة القائلة، بان الحالة المأزومة "للإسلام السياسي" هي بسبب "الدخول المفاجئ للإسلام في القرن العشرين" دون المرور بمرحلة الإصلاحية الدينية، سوى الصيغة المقلوبة للواقع ومجريات التاريخ. وذلك لان هذا الحكم ممكن التطبيق على مختلف نماذج الوعي المستلب. لكنه صعب التطبيق على واقع وتاريخ العقائد الكونية الراسخة. إضافة لذلك، إن "الدخول المفاجئ" للكولونيالية الأوربية وكسرها تاريخ التطور الطبيعي للعالم الإسلامي آنذاك كان يشكل احد الأسباب الجوهرية والتاريخية الكبرى لانحراف طريق التطور الطبيعي. وذلك لان المسار السياسي للعالم الإسلامي كان في اغلبه مسارا ضيقا وتائها بقدر واحد. وذلك لأنه كان يجري ضمن الدهاليز المظلمة لاستراتيجيات الكولونيالية النفعية والتجارب الأوربية. مع ما ترتب عليه من جمود قاس لفعل الآلية الخشنة للمركز والأطراف، والبؤرة والأفلاك. وترتب على ذلك تمرض وتسوس الجذر الأكبر والفعلي لهذه الإشكالية، والقائم فيما يمكن دعوته بالمسار المقلوب للعالم الإسلامي في القرن العشرين! وبالتالي انفصام الزمن والتاريخ، ومن ثم اغتراب عن النفس وعن التاريخ العالمي، أي اغتراب مزدوج. لقد سار العالم الإسلامي في اغلب مناطقه ودوله ضمن مسار الزمن الحديث بهيئة أفلاك دائرة حول أقطاب أخرى. من هنا انعدام التاريخ الفعلي فيه. بعبارة أخرى، لقد كان"تاريخه الحديث" مجرد زمنا أيديولوجيا وسياسيا صرفا، وليس تاريخا فعليا بوصفه تراكما للصيرورة الطبيعية والذاتية في تطور الأمم والثقافة.
ومن الممكن فهم هذه الحالة كما هي حالما يجري تأملها وتحليلها ضمن سياق التاريخ الفعلي العالمي آنذاك أي ضمن سياق الفكرة القائلة، بأنها كانت جزء أو مظهرا من مظاهر الذروة التاريخية للفكرة الراديكالية والرومانسية الثورية على النطاق العالمي، أي ذروة ما يمكن دعوته بعهد الأصنام والآلهة السياسية! ومن الممكن رؤيتها على مثال وأمثلة شخصياتها الكبرى، مثل مختلف شخصيات وأيديولوجيات (اليسار الجديد) في أوربا، والمهاتما غاندي وماو تسي تونغ في أسيا، ومانديلا، وباتريس لوبومبا وكثير غيرهم في إفريقيا، وجمال عبد الناصر، وبن بله، وعبد الكريم قاسم في العالم العربي، وتشي غيفارا وكاسترو في أمريكا اللاتينية، وحركات المرتدين والمعارضة داخل المعسكر الاشتراكي، الذين كان اغلبهم يدعو ويؤسس من حيث نوازعه الشخصية إلى اشتراكية أفضل. وكذلك فلاسفة مدرسة فرانكفورت، وفرانس فانون، ومختلف أشكال "التدين الثوري" مثل اللاهوت السياسي في أوربا، ولاهوت الثورة والتحرير في أمريكا اللاتينية، وأخيرا "الإسلام الثوري" في العالم الإسلامي.
وفي نفس الوقت انه عصر المواجهات السياسية والأيديولوجية الحادة على النطاق العالمي، الذي كان موجّها ومسّيرا ومبنيا على أساس ثنائية لا تقبل القبول بالآخر، واختلاف وتناقض وصراع لا ينتهي ويشمل كل شيء. وضمن ذلك وبأثره برزت فكرة "الطريق الثالث" و"عالم ثان" و"عالم ثالث" و"عدم انحياز" وما شابه ذلك.
وضمن هذا السياق يمكن فهم بواعث ومقدمات الاختلاف والتباين في تصنيف حركات "الإسلام السياسي" الحديثة. بمعنى تحكم البواعث السياسية والأيديولوجية في تصنيفها، بأثر ما أسميته بالتيه السياسي والأيديولوجي لدول العالم الإسلامي في تاريخها الحديث. وذلك لأنها تصنيفات تعكس في الأغلب اثر المناهج الفلسفية والسياسية والسوسيولوجية الأوربية الحديثة في الموقف من الظاهرة. إذ أنها لا تتعدى في الأغلب السباحة مع موجات التبدل المنهجي ونمط الأيديولوجيات السائدة في التجارب الغربية (الأوربية) الحديثة، رغم أنها لا تخلو من محاولات جدية في البحث عن أسباب جزئية ومظاهر مؤيدة للتقييم والتصنيف العام. ومن ثم فهي تعكس، ضمن سياق المباحث العلمية حالة الاجتهاد النظري، وحداثة الأفكار المنهجية، وكيفية استعمالها في الموقف من "الظاهرة الإسلامية" أكثر مما تتبع حيثيات نشؤها وتطورها الفعلي ضمن ما ادعوه بالمركزية الإسلامية الجديدة.
وفيما لو أرجعنا اغلب هذه التصنيفات المتنوعة والمختلفة، فأنها تعود إلى خمس، وهي:
التصنيف الأيديولوجي والطبقي، الذي يتحدث عن اتجاه برجوازي صغير يحتوي على إمكانيات ديمقراطية ثورية كامنة، واتجاه برجوازي إقطاعي يتميز بدور رجعي ومحافظ.
وثانيا التصنيف الديني، الذي يوزعها إلى اتجاه أرثوذوكسي، وتحديثي، وإصلاحي، وانبعاثي. والأخير ينقسم إلى اتجاهين تقدمي (كالقذافي) ورجعي (كالإخوان المسلمين). بينما يقسمهم آخرون إلى أصولية (وهابية وسلفية) ودعاة التغيير (الإخوان المسلمون).
أما الثالث فهو التصنيف السياسي، الذي يتكلم عن وجود تيار تقليدي محافظ، وتحديثي إسلامي، وانبعاثي طوباوي. بينما يتحدث آخرون عن اتجاه معتدل، وإصلاحي (مثل العدالة والتنمية في تركيا، وحزب النهضة في تونس، و(جماعات إسلامي) في الباكستان، واتجاه وسط (حزب الله وحماس) واتجاه راديكالي (القاعدة، الجهاد، طالبان).
والرابع هو التصنيف السوسيولوجي، فانه يقسمها إلى تيار إصلاحي ديني، وتيار ذي نزعة غربية أوربية، وثالث ديمقراطي راديكالي داع لفكرة "الطريق الثالث"، وفكرة الإسلام بوصفه دين "العالم الثالث".
أما التيار الخامس فهو من يمكننا أن نطلق عليه عبارة التصنيف الجامع المانع، أي التصنيف الذي يطلق احد المصطلحات على الظاهرة الإسلامية الحديثة من خلال إرجاعها إلى تيار واحد عام شامل كما هو الحال في مصطلحات الإسلامية، والأصولية، والإرهابية، والراديكالية.
إن هذه التصنيفات وأمثالها تعكس ما يمكن دعوته بمرحلة التصنيف المدقق للأشياء والظواهر، ووضعها الدقيق على رفوف العلم والمعرفة. وكانت جميعها وما تزال تستجيب من حيث مقدماتها وذهنيتها إلى قواعد الفكرة الأيديولوجية، على خلاف ما سيحدث لاحقا والآن في عصر الثقافة الرقمية. إذ أصبحت قضية التصنيف والتحديد أكثر يسرا من حيث الأصول، وأكثر تعقيدا من حيث البنية. وذلك لأن جذرها المنطقي يقوم في تناسب صفر وواحد. والواحد هو الأنا، والصفر هو الآخر! وبلغ ذلك ذروته مع مرحلة الانحلال الاشتراكي وصعود "القطب الواحد".
لقد أصبح التصنيف أكثر سهولة، كما هو جلي في إرجاع كل هذا التنوع الغريب إلى مصطلحات "الإسلامية" و"الإرهاب الإسلامي" والأصولية الإسلامية". وهو تصنيف سوف ينتهي مع مرور الزمن أما إلى آحاد عديدة وأما إلى صفر واحد! وذلك لان التاريخ لا يخلو أيضا من "سفسطاته" الخاصة. و"التسييس الإسلامي" المعاصر أو "الإسلام السياسي" هو احد المظاهر التاريخية لوعيه السياسي والثقافي الطبيعي من اجل الارتقاء إلى منطق الحقائق في الرؤية والمنهج والتاريخ المستقبلي. وفي النهاية هو نتاج مرحلة متأزمة لم تحل فيها وتستبدل منظومة المرجعيات الثقافية للانتقال من الوعي اللاهوتي الديني إلى الوعي الديني السياسي عبر انتصار الفكرة الإصلاحية الدينية والتقاليد الدنيوية العلمية الحديثة. وهذا بدوره كان نتاجا لمساره التائه في "مراحل" التاريخ السياسي والأيديولوجي، الذي كان أشبه ما يكون بالمشي على الرأس. فقد سارت الأغلبية المطلقة لدول العالم الإسلامي بطريق المرحلة اللبرالية الغربية، ثم الاشتراكية الشرقية، ثم القومية العرقية، وأخيرا الإسلامية. بينما كان المسار التاريخي الفعلي يفترض الاتجاه بطريق معاكس تماما، أي الانتقال من الإسلامية صوب القومية ومنها صوب الليبرالية ثم الفكرة الاجتماعية العقلانية.
فالاجتهادات النظرية المتنوعة في مساعيها كشف علاقة الإسلام بالسياسة انطلاقا من واقع هذه العلاقة أو من ضرورتها تهدف في نهاية المطاف إلى بناء صرح تأويلي يؤيد أو يعارض هذه العلاقة لا إلى تأسيسها العلمي والعملي بمعايير الحاجة التاريخية والانتماء الثقافي. وفي الوقت نفسه يجدر الإشارة إلى أن هذا التأسيس هو الإشكالية الأعقد من الناحية النظرية والعملية، لأنه يفترض في آن واحد البقاء في حيز الانتماء الثقافي لعالم الإسلام وتقاليده المتنوعة، ومجاراة العالم المعاصر في إبداعات العقل والوجدان. ومن الصعب بلوغ ذلك دون إدراك الحاجة التاريخية لهذا التمّثل بمعايير الانتماء الثقافي للتاريخ الذاتي(الإسلامي). حينئذ تتحول علاقة الإسلام بالسياسة إلى إشكالية يصبح تأسيسها النظري وتحقيقها العملي جزء من المرجعيات الثقافية للوجود والوعي الاجتماعي والقومي والإسلامي.
فالظاهرة الإسلامية الحديثة ليست فرضية أيديولوجية مجردة، كما أنها ليست مجرد "تسييس" للإسلام. فالجدل الدائر حول ما يسمى "بتسييس" الإسلام هو من بقايا التحزب الأيديولوجي النابع من انعدام أو ضعف إدراكه للحقيقة القائلة بان "الظاهرة الإسلامية" هي أولا وقبل كل شيء الإشكالية الثقافية السياسية الأعقد والأكبر للعالم الإسلامي. من هنا تنوعها وخصوصيتها، والتي ينبغي البحث عنها في كيفية الانقطاع الذي حدث تاريخيا بين المرجعيات الثقافية والواقع المعاصر للإسلام في هذه المنطقة أو تلك. وهو السبب الذي جعل ويجعل منها مع مرور الزمن بحثا عن المرجعيات الثقافية الذاتية، أي محاولة لإعادة إرساء أسس جديدة لما ادعوه بالمركزية الإسلامية الجديدة.
***





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,471,133,633
- واقع وآفاق الظاهرة الإسلامية السياسية الحديثة(1-10)
- سعدي يوسف - نقد القرود، وقرود النقد!
- الخوارج – إرادة الحق والحقيقة (4)
- الخوارج – خروج الإرادة المتسامية(3)
- الخوارج – استقامة الإرادة وعنف الوجدان(2)
- الخوارج – غيب الإرادة وخراج الروح (1)
- الخوارج والدواعش- قطبا الحق والباطل
- الصراع الروسي – الأمريكي حول المشرق العربي وإيران(3-3)
- الصراع الروسي – الأمريكي حول المشرق العربي وإيران (2)
- الصراع الروسي – الأمريكي حول المشرق العربي وإيران (1)
- الخلافة العربية عند محمد عبده والخلافة الإسلامية عند داعش
- المركزية الإسلامية المعاصرة- قوانين التاريخ ومنطق الثقافة
- المالكي وعبد الكريم قاسم - نهاية المأساة وبداية المهزلة
- التحدي التاريخي الأكبر للبديل الوطني العراقي
- القضية السورية وإشكالية صراع الشرق والغرب
- الدولة والأمة والإصلاح في سوريا
- الدولة الشرعية والإصلاح في سوريا
- المالكي وملكوت الدولة العراقية
- الإخلاص في فكرة المقاومة عند (حزب الله)
- (حزب الله) والقضية السورية


المزيد.....




- بعد عملية ترميم بتكلفة 6 ملايين دولار.. مصر تستعد لافتتاح قص ...
- الدوالي.. ما سبب تكوينها وكيف يمكن الوقاية منها؟
- زوجان يواجهان حكماً بالسجن لـ6 أعوام بسبب أخذ رمال من شاطئ س ...
- العثور في المغرب على رفات أقدم ستيغوصورس في العالم
- وكالة: شركة شحن إيرانية تستأجر الناقلة أدريان داريا بعد احتج ...
- شاهد: كولونيا الألمانية تتحضر لإطلاق معرض "غايمز كوم&qu ...
- الحوثيون يعلنون إسقاط طائرة أمريكية مسيرة جنوب شرقي صنعاء
- وكالة: شركة شحن إيرانية تستأجر الناقلة أدريان داريا بعد احتج ...
- وكالة: شركة شحن إيرانية تستأجر حاليا الناقلة أدريان داريا
- الإدارة الأمريكية تمهل -ناسا- وقتا إضافيا لتنفيذ مخططاتها


المزيد.....

- التربية والمجتمع / إميل دوركهايم - ترجمة علي أسعد وطفة
- العلاج بالفلسفة / مصطفي النشار
- مجلة الحرية العدد 3 / محمد الهلالي وآخرون
- كتاب الفيلسوف بن رشد / عاطف العراقي
- راهنية العقلانية في المقاولة الحديثة / عمر عمور
- التطور الفلسفي لمفهوم الأخلاق وراهنيته في مجتمعاتنا العربية / غازي الصوراني
- مفهوم المجتمع المدني : بين هيجل وماركس / الفرفار العياشي
- الصورة والخيال / سعود سالم
- في مفهوم التواصل .. او اشكال التفاعل بين مكونات المادة والطب ... / حميد باجو
- فلسفة مبسطة: تعريفات فلسفية / نبيل عودة


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ميثم الجنابي - الظاهرة الإسلامية السياسية الحديثة (2)