أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طلعت رضوان - لماذا يكره الأصوليون باب أسباب النزول ؟ (2)















المزيد.....


لماذا يكره الأصوليون باب أسباب النزول ؟ (2)


طلعت رضوان
الحوار المتمدن-العدد: 4625 - 2014 / 11 / 5 - 23:20
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    



أعتقد أنّ الكتب التى تناولتْ أسباب نزول القرآن تكشف عن الواقع الاجتماعى لذلك المجتمع الرعوى ، خاصة الآيات التى تناولتْ الأشياء الحياتية لأبناء ذاك المجتمع أو التى تناولتْ الأمور الشخصية لمحمد أو لزوجاته. كذلك كتب التفسير وكتب السيرة النبوية والأحاديث ، كل تلك الكتب لها أهمية قصوى لمن يُريد أنْ يتعرّف على ذلك المجتمع ، وعلى سبيل المثال فإنّ أسباب نزول ((إنّ الذين جاءوا بالإفك)) (النور/11، 12) أخرج الشيخان وغيرهما عن عائشة قالت : كان رسول الله إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه فأيتهنّ خرج سهمها خرج بها معه ، فأقرع بيننا فى غزوة غزاها فخرج سهمى فخرجتُ وأنا أحمل فى هودجى وأنزل فيه. فسرنا حتى إذا فرغ الرسول من غزوه وقفل دنوننا من المدينة آذن ليلة الرحيل فقمتُ فلمستُ صدرى فإذا عقد من جزع أظفار قد انقطع ، فرجعتُ فالتمستُ عقدى فحبسنى ابتغاؤه. وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بى فحملوا هودجى على بعيرى الذى كنتُ أركب وهم يحسبون إنى فيه. وكانت النساء إذْ ذاك خفافـًا لم يثقلنَ ولم يغشهنّ اللحم وإنما يأكلنَ العلقة من الطعام فلم يستنكر القوم ثـقل الهودج حين رحّــلوه ورفعوه فبعثوا الجمل وساروا. ووجدتُ عقدى عندما سار الجيش فجئتُ منازلهم وليس بها داع ولا مجيب فتيمّمتُ منزلى الذى كنتُ فيه فظننتُ أنّ القوم سيفقدوننى فيرجعون إلىّ . وبينما أنا جالسة فى منزلى غلبتنى عينى فنمتُ . وكان صفوان بن المعطل قد عرّس وراء الجيش فأدلج فأصبح عند منزلى فرأى سواد إنسان نائم فعرفنى حين رآنى . وكان يرانى قبل أنْ يُضرب علىّ الحجاب ، فاستيقظتُ وخمّرتُ وجهى بجلبابى . فوالله ما كلمنى كلمة ولا سمعتُ منه كلمة غير استرجاعه حين أناخ راحلته فركبتها فانطلق يقود بى الراحلة حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا موغرين فى غر الظهيرة. فهلك من هلك فى شأنى. وكان الذى تولى كيره عبد الله بن أبى سلول فقدمتُ المدينة فاشتكيتُ حين قدمنا شهرًا والناس يفيضون فى قول أهل الإفك ولا أشعر بشىء من ذلك حتى خرجتُ بعدما نقهتُ وخرجتُ مع أم مسطح قِبَـلْ مُـتبرزنا وتعثرتْ أم مسطح فى مرطها (يبدو أنّ المقصود تعثرتْ فى برازها) وقالت : تعس مسطح فقلت لها : بئس ما قلتِ.. تسبين رجلا شهد بدرًا؟ قالت : أى هنتاه ألم تسمعى ما قال؟ قلتُ : وماذا قال ؟ قالت : أخبرنى بقول أهل الإفك فازددتُ مرضًا إلى مرضى . فلما دخل علىّ الرسول قلت : أتأذن لى أنْ آتى أبوىّ وأنا أريد أنْ أتيقن الخبر من قِبلهما فأذن لى ، فجئتُ أبوىّ فقلتُ لأمى : يا أماه ما يتحدث الناس؟ قالت : أى بنية هونى عليكِ فوالله لقلــّما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلاّ كثرنَ عليها. قلتُ : سبحان الله أو قد تحدث الناس بهذا؟ وبكيتُ تلك الليلة. ودعا الرسول على بن أبى طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحى يستشيرهما (لاحظ قارئى الربط العضوى فى جملة واحدة بين كلمة الوحى واستشارة على وأسامة) فأشار أسامة بالبراءة وقال : يا رسول الله هُـمْ أهلك ولا نعلم إلاّ خيرًا. أما على فقال : لن يُضيّق الله عليك والنساء سواها كثير. وإنْ تسأل الجارية تصدقك. فدعا بريره فقال : أى بريره هل رأيتِ من شىء يُريبكَ من عائشة ؟ قالت : والذى بعثك بالحق إنْ رأيتُ عليها أمرًا قط أغمصه عليها أكثر من إنها جارية حديثة السن تنام فى عجين أهلها فتأتى الداجن فتأكله (حديث غير مفهوم ولكنه ورد هكذا فى النص الأصلى لكلام عائشة التى أضافت) فقام رسول الله على المنبر فاستعذر من عبد الله بن أبى سلول وقال يا معشر المسلمين من يعذرنى من رجل قد بلغنى أذاه فى أهل بيتى فوالله ما علمتُ على أهلى إلاّ خيرًا. قالت (عائشة) وبكيتُ يومى وظنّ أبواى أنّ البكاء فالق كبدى وبينما هما جالسان عندى وأنا أبكى استأذنتْ علىّ امرأة من الأنصار فأذنتُ لها ، فجلستْ تبكى معى ثم دخل الرسول فسلــّم وجلس . وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه فى شأنى شىء فتشهد ثم قال : أما بعد عائشة فإنه قد بلغنى عنك كذا وكذا فإنْ كنتِ بريئة فسيُبرئك الله ثم توبى إليه. فإنّ العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب ، تاب الله عليه (أى أنّ النبى تلبسته الشكوك) ثم قالت عائشة : والله ما أدرى ما أقول . وأنا جارية حديثة السن. إنى بريئة. ثم تحولتُ فاضطجعتُ على فراشى فوالله ما رام رسول الله مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله على نبيه. وقال : أبشرى يا عائشة الله قد برأكِ (تفسير وبيان القرآن الكريم مع أسباب النزول للسيوطى- إعداد محمد حسن الحمصى- ماجستير من الأزهر- من311- 314)
فى تلك الواقعة (وبغض النظر عن كلام على بن إبى طالب : النساء سواها كثير. وبغض النظر عن شهادة مسطح بن أثاقه وحسان بن ثابث- شاعر الرسول وحمنة بنت جحش ابنة عمة النبى وأخت زينب زوجته وهم الذين أيدوا واقعة الإثم) أقول بغض النظر عن كل هذا ، فالحمد لكتب السيرة والأحاديث وأسباب النزول ، لأنّ تلك الكتب هى التى عرّفتنا على ذاك المجتمع الذى امتلك فيه البعض جرأة الطعن فى شرف إحدى زوجات الرسول بل أحبها إلى قلبه وهواه، فلماذا فعلوا ذلك ؟ ذلك هو السؤال المسكوت عنه والذى يتجنّـبه الأصوليون بشتى تفريعاتهم.
وعن أسباب نزول آية ((ولا يأتل..الخ)) (النور/22) كان أبو بكر يُنفق على مسطح الذى أيّد حديث الإفك وأذاعه بين الناس ، فقال أبو بكر والله لا أنفق عليه شيئـًا بعد الذى قاله عن عائشة فأنزل الله الآية. ثم أرجع إلى مسطح ما كان يمنحه من نفقة والسبب أنّ الآية المذكورة ورد بها ((ألا تحبون أنْ يغفر الله لكم)) فقال أبو بكر والله إنى أحب أنْ يغفر الله لى . ونظرًا لخطورة حديث الإفك ولأهمية عائشة بالنسبة لحامل رسالة الإسلام ، فقد تضمّنتْ سورة النور 15 آية عن عائشة (المصدر السابق – ص 314، 316)
ورغم أنّ البشر فى الحضارات السابقة على الإسلام (مصر وفارس واليونان الخ) كانوا يعرفون قواعد السلوك الحضارى ، وبالتالى كان من الطبيعى أنْ يستأذن الإنسان قبل دخول بيوت جيرانه. ولكن يبدو أنّ العرب (حتى وقت رسالة محمد) لم يكونوا يعرفون قواعد السلوك تلك ، فكانوا يدخلون على جيرانهم بدون استئذان ، ويبدو أنّ السبب فى ذلك أنّ معيشتهم كانت داخل عشش وأكواخ ، وهو الأمر الذى عالجه القرآن فى آية ((يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتــًا غير بيوتكم حتى تستأذنوا.. الخ)) (النور27) وفى الآية 28((فإنْ لم تجدوا فيها أحدًا فلا تدخلوها..الخ)) وفى الآية 29 نفى للآية 28 ((ليس عليكم جناح أنْ تدخلوا بيوتـًا غير مسكونة.. الخ)) فيبدو أنّ النصوص كانت تحاول التوفيق بين العادات القديمة والحرص على السلوك الحضارى الجديد وغير المألوف بالنسبة لهم .
أما عن الدور الذى لعبه محمد عندما خطب زينب بنت جحش لزيد بن حارثة ، ثم التطور الدرامى الذى انتهى بتطليق زينب من زيد وزواج محمد منها ، وعند تأمل ترتيب الآيات فى سورة الأحزاب يكتشف العقل الحر أنّ الآية رقم 5 نصّتْ على تحريم التبنى والسبب كما ذكر البخارى عن ابن عمر ((ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلاّ زيد بن محمد حتى نزلتْ ((ادعوهم لآبائهم)) بينما الآيتان 36، 37 من نفس السورة تناولتا فصم وفصل العلاقة الزوجية بين زيد وزينب بنت جحش تلبية لرغبة الرسول فى زينب ((فلما قضى زيد منها وطرًا زوجناكها)) أى أنّ تحريم التبنى جاء لاحـقــًا (وبالأدق أحد توابع تطليق زينب من زيد) ووفق ما جاء فى كتب النفسير وأسباب النزول فإنّ زينب بنت جحش شخصية درامية من طراز رفيع ، إذْ أنها رفضتْ زيد فى بداية الأمر وكان الوسيط فى الخطبة النبى محمد ، بل وتعالتْ على زيد وعلى وضعه الاجتماعى وأنها من وسط اجتماعى أرفع من وسطه. ولذلك كما كتب الطبرانى بسند صحيح من قتادة قال : خطب النبى زينب لزيد ، فظنتْ زينب أنه يُريدها لنفسه. فلما علمتْ أنه يُريدها لزيد أبتْ (= رفضتْ) فأنزل الله ((وما كان لمؤمن ولا مؤمنة)) فرضيتْ وسلــّمتْ. وأخرج ابن جرير من طريق عكرمة عن ابن عباس قال : خطب رسول الله زينب بنت جحش لزيد بن حارثة فاستنكفتْ منه وقالت : أنا خير منه حسبًا فأنزل الله الآية. وفى رواية أخرى أخرج ابن أبى حاتم عن ابن زيد قال : نزلتْ فى أم كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط وكانت أول امرأة هاجرتْ من النساء فوهبتْ نفسها للنبى ((وامرأة مؤمنة إنْ وهبتْ نفسها للنبى إنْ أراد النبى أنْ يستنكها خالصة لك من دون المؤمنين)) (الأحزاب/ 50) وكما جاء فى باقى الخبر أنّ النبى (بعد ذلك) زوّجها زيد بن حارثة ((فسخطتْ هى وأخوها وقالا : إنما أردنا رسول الله (ولكنه) زوّجنا من عبده)) (339، 340) ولكن الثابت والشائع عند معظم المؤرخين أنها نزلتْ فى زينب وزيد . وتشتبك دراما شخصية زينب بنت جحش مع دراما شخصية عائشة زوجة محمد ، إذْ عندما حاول التمهيد لعائشة بزواجه من زينب وأنّ هذا الزواج بناءً على رغبة السماء ، فإذا بها ترد عليه الرد غير المُـتوقــّع من زوجة (نبى) إذْ قالت له ((إنى أرى ربك يُسارع فى هواك)) وفى رواية أخرى (بنفس المعنى) قالت ((ما أرى إلاّ ربك يُسارع فى هواك)) ويرتفع سقف الميتافيزيقا عندما تقول زينب بنت جحش ((يا رسول الله.. ما أنا كإحدى نسائك.. ليستْ امرأة منهنّ إلاّ زوّجها أبوها أو أخوها أو أهلها.. غيرى.. زوّجنيك الله من السماء)) (الاصابة- نقلا عن د. عائشة عبد الرحمن – بنت الشاطىء- فى كتابها نساء النبى- ضمن مجلد تراجم سيدات النبوة- دار الريان للتراث- مطابع الشروق- عام 87- ص235)
وعن علاقة محمد بزيد ذكرتْ د. عائشة عبد الرحمن أنّ (محمد) أخذ (زيد) من يده وقام به إلى الملأ من قريش فأشهدهم أنّ زيدًا ابنه وارثـًا ومورثـًا)) فلما بلغ سن الزواج ((اختار له النبى بنت عمته أميمه بنت عبد المطلب : زينب بنت جحش.. وكرهتْ زينب وكره أخوها (عبد الله بن جحش) أنْ تـُزف الشريفة المضرية إلى مولى من الموالى)) أى عبد من العبيد . وكانت بنات الأشراف لا يتزوجنَ من العبيد فقالت زينب يومها ((لا أتزوجه أبدًا)) ولكن النبى أقنعها بهذا الزواج بالآية 36من سورة الأحزاب . أى أننا إزاء دراما امتزج فيها الواقع بالميتافيزيقا . وتستمر الدراما باعتراف د. بنت الشاطىء التى كتبتْ ((لكن حياة الزوجيْن لم تصف لهما ، فما نسيتْ زينب قط أنها (الشريفة) ولم يجر عليها رق (= عبودية) ولا أساغتْ أنْ تكون (تحت) مولى (= عبد) كهذا دخل بيت أهلها رقيقا (= عبدًا) وقاسى زيد من صدها وإبائها وترفعها ما استنفد صبره فشكا إلى النبى غير مرة ما يجد من سوء معاملة زينب فكان يوصيه بالصبر وقال له ((امسك عليك زوجك (= زوجتك) واتق الله)) فماذا فعل هذا المسكين ليستحق الزجر: ومن الذى تـُوّجه إليه نصيحة (اتقاء الله) هو الصابر على مناكدة زوجته التى تـُعيّره بالعبودية أم أنّ النصيحة تـُوجّه للزوجة التى تترفع عليه ؟ وتستمر الدراما البديعة فى تطورها كما وردتْ فى كتب التاريخ العربى/ الإسلامى ومنها ما ذكره الطبرى فى تاريخه حيث أنّ ((الرسول جاء يطلب زيدًا وعلى باب زينب ستر من شعر، فرفعتْ الستر فانكشف عنها وهى فى حجرتها حاسرة فوقع اعجابها فى قلب رسول الله)) أى أنّ عائشة زوجة محمد كان معها الحق عندما قالت جملتها الثاقبة ذات الدلالة العميقة ((إنى أرى ربك يُسارع فى هواك)) ويستمر الطبرى (وغيره) فى سرد ما حدث بعد ذلك حيث أنّ زينب دعتْ محمد للدخول وأنها من شدة فرحها بتلك الزيارة ((أعجلتها اللهفة عن استكمال ثيابها)) فانصرف ولم يدخل وهو يقول ((سبحان الله العظيم.. سبحان الله مُـصرّف القلوب)) وللعقل الحر أنْ يتوقف عند جملة (الله مُصرّف القلوب) فوفقــًا لقواعد علم النفس فإنّ المعنى أنّ (الحب) تغلغل داخل صدر النبى مثله مثل أى إنسان ، خصوصًا مع ربط جملة محمد بما كتبه المؤرخون عن أنه بعد أنْ رأى زينب ((وقع فى اعجابها قلب الرسول)) ولكن الدراما تتطور لتأخذ شكل الأسئلة العصية على الفهم بسبب الغموض الوارد فى الحوار الذى دار بين محمد وزيد (زوج زينب) الذى قال لمحمد ((بلغنى أنك جئتَ منزلى)) وبدون مناسبة نجد أنه أضاف ((فأفارقها؟)) أى أطلقها؟ وللتأكيد على هذا المعنى جاء رد محمد عليه فى شكل سؤال فقال لزيد (أرابك منها شىء؟) أى بعد الترجمة إلى لغة عصرنا : هل تشك فى سلوكها ؟ فكان رد زيد ((لا والله يا رسول الله. ما رابنى منها شىء ولكنها تتعظم علىّ بشرفها وتؤذينى بلسانها)) وكما كتبتْ د. بنت الشاطىء فإنّ زينب هجرتْ فراش زوجها زيد ((حتى نفد احتماله ففارقها وكان الطلاق)) وأضافتْ أنّ اعجاب الرسول بزينب ، والستر من الشعر الذى رفعته الريح وانصراف الرسول وهو يقول : سبحان الله مقلب القلوب ، قصة حكاها سلف لنا صالح ((غير مُهتمين بالكيد للإسلام قبل أنْ تسمع الدنيا بالحروب الصليبية والتبشير والاستشراق)) ومعنى ذلك (كما فى كل كتابات د. بنت الشاطىء) أنها ضمن التيار الإسلامى الأصولى الذى دأب على الهجوم على الغرب وعلى المستشرقين وعلى (التبشير بالمسيحية) فى تناقض من ذلك التيار لتاريخ الإسلام الذى بدأه محمد ومن تبعه : أليس سبب الغزوات (كما جاء فى كتب التراث العربى/ الإسلامى) هو نشر الإسلام؟ أو ليس النشر هو التبشير؟ مع مراعاة أنه لم يكن تبشيرًا بالحُسنى وإنما : الإسلام أو الجزية أو القتال . أكتب هذا للتأكيد على أنّ كتاب د. بنت الشاطىء لا يمكن الطعن عليه من أحد الأصوليين وأنّ كتابتها شهادة صادقة وغير مجروحة بصفتها من المدافعين عن الإسلام فى كل كتبها.
ولذلك فإنّ أحدًا لا يمكن أنْ يتشكك فيما نقلته د. بنت الشاطىء عن الزمخشرى فى (تفسير الكشاف) لسورة الأحزاب حيث كتب أنّ رسول الله ((أبصر زينب بعدما أنكحها زيدًا فوقعتْ فى نفسه. وقال سبحان الله مقلب القلوب. فإنْ قلتُ (الكلام ل الزمخشرى) ما الذى أخفى فى نفسه ؟ قلتُ : تعلق قلبه بها وقيل مودة مفارقة زيد إياها)) أى أننا إزاء رغبة بشرية بنسبة 100% ولا علاقة لها بالميتافيزيقا ووقوف السماء معه لتنفيذ رغبته. ورغم ذلك فإنّ د. بنت الشاطىء – نظرًا لإيمانها العميق بالميتافيزيقا – كتبتْ تـُدافع عن الإسلام وعن واقعة تحريم التبنى (وهذا هو الهدف من طلاق زينب من زوجها كما يُروّج كل الأصوليين) ونقلتْ ما كتبه الزمخشرى من أنّ زواج محمد من زينب بعد تطليقها من زوجها ((زواج أباحه الشرع وقضتْ به مصلحة عامة هى ألا يكون على المؤمنين حرج فى أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهنّ وطرًا.. ومصلحة أخرى وهى أنّ زينب ستنال شرف أنْ تغدو من أمهات المؤمنين . ومن هنا كان عتاب الله لرسوله حين كتم الأمر وبالغ فى كتمه. والله لا يرضى له إلاّ اتحاد الظاهر بالباطن)) وكتبتْ د. بنت الشاطىء أنّ زينب كانت (تحت) زيد بن حارثة ، وكلمة (تحت) هى الكلمة الشائعة فى كتب التراث العربى/ الإسلامى للتعبير عن أنّ فلانة زوجة فلان كما هو الوضع السائد لدى الشعوب المُـتحضرة . ثم أضافتْ ((ولما طلقها زيد وانقضتْ عدتها تزوّجها رسول الله. ولما تزوّجها تكلم فى ذلك المنافقون وقالوا : حرّم محمد نساء الولد وقد تزوّج امرأة ابنه. فأنزل الله (ما كان محمد أبا أحد) هنا يدخل عنصر جديد للدراما ، وهو الناس الذين عاشوا تلك القصة الواقعية ، وكانت الدهشة تـُثير عقولهم فدفعتهم إلى التساؤل : كيف لصاحب الدعوة الذى حرّم نساء الولد ، فإذا به هو نفسه ينقض هذا (التشريع) ويتزوج من امرأة ابنه ؟ حتى ولو كان بالتبنى ؟ ولأنّ تلك الأسئلة لم تـُعجب محمد أطلق القرآن على أصحابها (المنافقين) وتتواصل الدراما فى مشهد وصول خبر الزواج إلى صاحبة الحظ السعيد (زينب) وكتبتْ د. بنت الشاطىء أنّ سلمى خادمة محمد (= عبدته) هى التى نقلتْ الخبر، وفى رواية أخرى أكثر دراماتيكية أنّ زيدًا (زوجها) هو الذى نقل إليها الخبر، فتركتْ ما فى يدها وقامتْ تـُصلى لربها شاكرة. مشهد يحتاج لممثلة على درجة عالية من اتقان فن التمثيل لتؤدى هذا الدور الشائك المُـعقد الذى سينقل زينب من حال إلى حال مختلف ، فبدلا من أنها زوجة (عبد) ستصير إحدى زوجات الرسول ، فياله من تطور درامى يتغافل عنه من نحسبهم من المبدعين . ثم يأتى مشهد (العرس) إذْ كانت الوليمة ((حافلة : ذبح المصطفى شاة وأمر مولاه (= عبده) أنس بن مالك أنْ يدعو الناس إلى الوليمة. فترادفوا أفواجًا ، يأكل فوج فيخرج ثم يدخل فوج (حديث أنس فى وليمة العرس ، أخرجه الشيخان فى كتاب النكاح فى الصحيحيْن) ثم تنتقل الدراما إلى عائشة زوجة محمد خاصة فى (ليلة الدخلة) فكتبت د. ينت الشاطىء ((باتتْ عائشة ليلتها فريسة الغيرة لما تعرف من جمال زينب . وكذلك غارتْ نساء النبى وضقنَ بهذه العروس الجديدة : تعتز بجمالها وقرابتها للرسول . ولم تـُكذب زينب ظنهنّ فقالت فى وجوههنّ : أنا أكرمكنّ وليًا ، وأكرمكنّ سفيرًا : زوّجكنّ أهلكنّ ، وزوّجنى الله من فوق سبع سموات)) واشتعل الموقف بين نساء النبى وخاصة عائشة التى قالت ((لم تكن واحدة من نساء النبى تـُناصبنى غير زينب)) ولأنّ النبى كان يُطيل المكوث عند زينب ، لذلك عقدتْ عائشة (وبتدبير منها) اتفاقــًا مع زوجتيْن من زوجات محمد : حفصة وسودة ، وهذا الاتفاق أطلقتْ عليه د. بنت الشاطىء (مؤامرة) وملخصه : أيتهنّ دخل عليها الرسول إثر انصرافه من عند زينب فلتقل له : إنى أجد ريح مغافير (أى رائحة العسل الأسود) وكان يحدث أحيانـًا أنْ تحتدم بينهما المنافسة فى حضرة الرسول فيخرج ، وحدث مرة أنْ أفلتَ لسان عائشة بكلمة غضب لها محمد ، وكذلك الشجار والنقار بين زينب وصفية بنت حُيى (إحدى زوجات محمد) إذْ كانت زينب تـُعايرها بديانتها اليهودية. ومن المواقف الدرامية الشاقة على زينب ما تعرّضتْ له عائشة فى موضوع حديث الإفك ، فكان موقف زينب غاية فى الحرج نتيجة شهادة أختها حمنه التى شهدتْ بثبوت الواقعة ، الأمر الذى جعل موقف زينب عسيرًا وهى تـُواجه زوجها المطعون فى شرفه ، ومِنْ مَنْ : من أختها. ولذلك قالت عائشة (زوجة محمد) عن زينب (رغم ما كان بينهما من شجار ونقار) ((لم أر قط امرأة خيرًا فى الدين من زينب وأتقى لله وأصدق حديثـًا))
تلك واقعة واحدة من بين عشرات الوقائع التى كشفتْ عنها كتب التراث العربى/ الإسلامى ، وبصفة خاصة كتب (أسباب النزول) وكتب (تفسير القرآن) وهى وقائع تصلح كمادة درامية (روائية/ سينمائية/ تليفزيونية) وبينما المادة الخام موجودة ، لا يوجد (المبدع) الذى يمتلك جرأة دخول حقل الألغام المُسمى (عدم الاقتراب والتصوير) فيما يخص التراث العربى/ الإسلامى إلاّ إذا كان على طريقة الأفلام المصرية والعربية الساذجة والمُزوّرة للتاريخ ، وخاصة التى تمّ انتاجها فى ستينيات القرن العشرين مع سطوع نجم الناصرية ، الذى لا يزال ساطعًـا رغم كل الهزائم التى تسبّب فيها ولم يدفع ثمنها إلاّ أبناء شعبنا .

***





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,796,259,339
- لماذا يكره الأصوليون باب أسباب النزول ؟
- بشأن منح جائزة ابن رشد للغنوشى
- العلاقة بين الإرهاب والغزو والنهب
- الأصولى وتوقف النمو العقلى
- بشر يحاكمون الحيوانات والحشرات (3)
- بشر يُحاكمون الحيوانات والحشرات (2)
- بشر يُحاكمون الحيوانات والحشرات (1)
- دراما حياة ومقتل عثمان بن عفان
- الجمل وصفين وبحور الدم
- القرآن والأحاديث والسيرة والغزو
- هامش على أحاديث وسيرة (نبى) العرب (3)
- أحاديث (نبى) العرب محمد (2)
- قراءة فى أحاديث (نبى) العرب محمد (1)
- مغزى تعدد أسماء الآلهة
- الجسد بين الإنسان والوطن إبداعيًا
- العلاقة بين الواقعى والغرائبى فى (ماكينة الأحلام)
- حنان الشيخ وروايتها البديعة مسك الغزال
- ذيح الابن فى تراث الشعوب القديمة
- الأدب الإسرائيلى ومجابهة الصهيونية
- الخيال والواقع فى الأسطورة الأوزيرية


المزيد.....




- رفع دعوى على ثلاثة أشخاص بتهمة الاعتداء على الكنيس اليهودي ف ...
- يهودية نجت من محرقة الهولوكست فأحرقت بلدية بباريس جثتها بالخ ...
- الأزهر يستنكر صورة للسفير الأمريكي تظهر فيها القدس دون المسج ...
- الأزهر يستنكر صورة للسفير الأمريكي تظهر فيها القدس دون المسج ...
- يهودية نجت من محرقة الهولوكست فأحرقت بلدية في باريس جثتها!
- الإسلام? ?في? ?الصين?.. ?من? ?عهود? ?الامبراطوريات? ?الى? ?ا ...
- أميركيون مسلمون.. ومندمجون
- بين الإسلام السياسي والعلمانية
- صورة للهيكل محل المسجد الأقصى هدية إلى السفير الأمريكي
- المعلمي يذكر بضرورة الالتزام بمبادئ الإسلام في حالة الحروب


المزيد.....

- حول تجربتي الدينية – جون رولز / مريم علي السيد
- المؤسسات الدينية في إسرائيل جدل الدين والسياسة / محمد عمارة تقي الدين
- الهرمنيوطيقا .. ومحاولة فهم النص الديني / حارث رسمي الهيتي
- كتاب(ما هو الدين؟ / حيدر حسين سويري
- علم نفس إنجيلي جديد / ماجد هاشم كيلاني
- مراد وهبة كاهن أم فيلسوف؟ / سامح عسكر
- الضحك على الذقون باسم البدعة في الدين / مولود مدي
- فصول من تاريخ الكذب على الرسول / مولود مدي
- تفكيك شيفرة حزب الله / محمد علي مقلد
- اماطة اللثام عن البدايات المبكرة للاسلام / شريف عبد الرزاق


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طلعت رضوان - لماذا يكره الأصوليون باب أسباب النزول ؟ (2)