أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يوسف المساتي - أحاديث مع فتاة نت: 3 (الحديث الأول)















المزيد.....

أحاديث مع فتاة نت: 3 (الحديث الأول)


يوسف المساتي
الحوار المتمدن-العدد: 4623 - 2014 / 11 / 3 - 22:06
المحور: الادب والفن
    


منذ أن يفتح عينيه صباحا حتى يغلقهما ليلا، وهو يبحر في عوالم لا تنتهي، يعيد استكشاف خارطة العالم، ويرتب زواياه من جديد.
- احتجاج من الكاتب: يحتج الكاتب على وصف ما يفعله "صاحبنا" بالإستكشاف، فهو لا يكتشف الا مكتشفا، ولا يرتب إلا ما هو مرتب سلفا، ولا ينظر إلا لما يريدونه أن ينظر إليه.
عودة: هكذا تمر أيامه، نسخة من بعضها، كأنما مرت يوميته من آلة طباعة كررت نفس التاريخ، ونفس الفعل، أو كممثل بئيس في مسرحية بئيسة، وكل ما فيها يبعث على البؤس، وبرغم ملله اللعبة إلا أنه يستمر فيها، وكل يوم يغمض عينيه، ويحاول أن يمسح ذاكرة اليوم الذي قبله، ويوهم نفسه أنه يفعل شيئا جديدا، دون أن ينجح في الكذب على نفسه، حتى الهواء الذي يستنشقه ما عاد يضيف إليه جديدا، كأنما هو هواء الأمس عاد إليه.
منذ قرر الانعزال عن ذلك العالم الذي مل تراهاته، أصبح يفضل النظر إليه من خلف شاشة حاسوبه، عوضا عن الانخراط فيه، ربما عجزا أو خوفا، لا فرق في ذلك، وعلى صفحته الفيسبوكية كم هائل من الأصدقاء يناهز الألف، لا يحادثهم إلا فيما نذر، بعضهم يعود إلى مرحلة مضت من حياته، عندما كان في المدينة، قبل أن تكرهه ظروفه على العودة إلى قريته الأصلية، لتتغير حياته رأسا على عقب، وبعض من أصدقائه الافتراضيين جمعتهم شاشة الحاسوب فقط، لم تلتقي الأوجه والأيادي يوما، لكن ومع ذلك فبعضهم عبروا كل الحواجز، واتخذوا سكنا لهم داخل وجدانه.
وحدة قاتلة تطرز أيامه، وإن كان يحب أن يدعي العكس أمام من يعرفهم، لكن دواخله تعتصر ألما، وتنزف من وحدة تدمي القلب والعين في صمت، حتى أنه كان يحسبها أصبحت قدرا ملازما له، فقد ترعرع وحيدا، رغم كبر عائلته، بيد أنه كان وحيدا وسطهم، يكتفي بتشييد عوالم خاصة به، ويبحر في سماواته التي لا تتوقف زواياها، وكلما عاد إلى الأرض إلا وتساءل عما يجمعه بمن حوله، وبعد بحثه لم يكن يجد سوى روابط دم وقرابة وهميين، وأحيانا كثيرة ما كانت تعتريه الاسئلة عن جدواهما ما دامت لم تخرجه من وحدته القاتلة، بل ربما زادتها.
تحركت أمواج الرفض داخل بحار صديقي، وقرر التوقف عن ابحاره الوهمي، ومصالحة ذلك العالم الذي هجره، طوت سفنه أشرعتها وخرج إلى المقهى الوحيد في بلدته حيث يجتمع كل الشباب، فلا مفر ولا ملجأ آخر غيره، لدرجة حتى أصبح الكثيرون يلقبونه ب"كونغرس القرية"، وإن كان البعض يرفضون هذا اللقب بدعوى أن كونغرس القرية هو المسجد وليس المقهى.
أيا كان كونغرس القرية، تظل المقهى متنفس سكانها، أو على الأصح ذكورها، هنا حيث يجتمع الكل على تناقضهم وتنوعهم واختلافاهم، وإن كانوا يتوحدون في أن أغلب أحاديثهم تدور حول الجنس والمال، وأحيانا قد يهمس أحدهم بكلام في السياسة، وسرعان ما يغيرون اتجاه الكلام، فالسياسة هنا محظورة، والمتحدث فيها منبوذ من الكل، إنهم هنا يؤمنون بالمشي بجانب الحائط، وحتى داخله إذا كان ذلك ممكنا، وإن كان في داخل كل منهم بركان خامد، تخرج بعض حممه في ساعات الأمان، ثم تعود إلى مكانها جاثمة على الصدور، خوفا من الأعين التي تترصد كل الحركات والسكنات ، ومع ذلك كأني بصاحبنا يرقب ساعة انفجار البركان، وتتحدى سلطة الخوف الساكن في كل منهم.
مضت عليه أيام عدة، يجتر نفس الكلام، نفس الجلسة، نفس الوجوه، التي وبرغم شبابها نحت عليها الزمن تفاصيل غائرة أخفت نضارتها، وطرزت عليها حزنا عميقا، يختزل تاريخ تلك القرية، بكل أجيالها التي مرت، بكل انتصاراتهم، احباطاتهم، لحظات فرحهم المسروقة على قلتها، كان "صاحبنا" كلما نظر في تلك الوجوه إلا ورأى أشباحا تخفي موتها، بابتسامة أكثر حزنا من الحزن ذاته.
ذات صباح، بينما كانت قدماه تجرانه في يأس إلى "الكونغرس"، ليجتر تفاصيل الأمس، وإذا بخوف داخله يتحرك وقد رأى نفسه يصبح شبحا كالآخرين، يؤثث فضاء ذلك المقهى البئيس، ويصبح أحد ديكوراته التي لا يغني حضورها عن غيابها، تجمدت قدماه، وقد تمردتا عن رغبته في المشي، ولم تتحركا إلا عندما استدار في اتجاه منزله، ليطلق أشرعة سفنه ويعاود الابحار من جديد.
جرى ليعانق صفحته الفيسبوكية وداخله شوق عاشق أضناه الجفا، ومسته نار الكوى، تطلعت عيناه إلى شاشة حاسوبه، وجلس منتظرا أن تفتح صفحته الفيسبوكية، وقد تعود دائما على ثقل اتصاله بالشبكة، فأحيانا بينما يجلس في انتظار الاتصال، كان يغمض عينيه ليتصور غيلما يحمل الإرسال على ظهره قادما صوبه، وعلى عكس تصوره هذه المرة تراءت له صفحته أمامه بسرعة، وعلى اليمين طلبات صداقة معلقة في انتظار موافقته، لم يتعود أبدا على هذا العدد، توقف برهة، تأمل ذلك الكم، تبسم قليلا ثم همس لنفسه:
- ألعلهم زوار الليل، وأصحاب العيون المبثوثة في كل مكان، قد اعترتهم رغبة قراءة ما أنشر على حائطي.
فهو أحيانا كثيرة ما كان يتحدث في المحظور، ولم تكن تلك أول مرة يحاول أصحاب العيون الكبيرة، المنتشرة في كل مكان، التجسس عليه، ألم يجندوا أحد أصدقائه ذات يوم ليكتب تقارير دورية عن نشاطاته؟ قبل أن يكتشف الأمر فيقول لصديقه ساخرا.
- لو كنت قد أخبرتني كنت كتبت التقارير بنفسي نيابة عنك حتى أخفف من عبئك.
تدخل من الكاتب: يعتقد الكاتب أن "صاحبنا" مصاب ربما بنوع من جنون العظمة، فمن يكون هو حتى ...، على كل فلندعه يواصل هذيانه.
عودة: لم يتردد كثيرا حرك فأرة حاسوبه إلى زر الإلغاء، وأخذ يضغط على كل الأسماء التي ارتاب منها، قبل أن يستوقفه اسم غريب، لامس شيئا ما بداخله، أحاله على أم كلثوم ليتحرك حنينه لأغاني كوكب الشرق، التي كثيرا ما كان يسمع والده يترنم بها، بل وصل عشقه لها أن وضع لافتة على باب منزله بعنوان واحدة من أشهر اغانيها.
تحركت كل ذكرياته مع والده، تذكر لحظة وفاته، وكيف وصل متأخرا، ليجدهم قد انتهوا من دفنه، دون أن يلقي عليه النظرة الأخيرة، فتنطبع صورته حيا في ذهنه ووجدانه، تأبى أن تفارقه، أو حتى أن تجعله يصدق موته، شرد بذهنه بعيدا، وقد راقصته أطياف الذكريات، ومضى شريط حياته أمام عينيه.
قبل أن يستفيق من شروده، ويعاود النظر لصفحته من جديد، ولطلب الصداقة المعلق، دخل لصفحة مرسل الطلب ليجدها امرأة في منتصف الأربعينيات من عمرها، دارت الأسئلة برأسه، وراوده قلق غريب، اتجه ليضغط على زر الإلغاء، وقبل أن يفعل صاح الديك كما لو كان يحتج على هذا الفعل، ابتسم صاحبنا ابتسامة خفيفة، فقد كان متعودا على صياح الديك عند العصر.
عاد لينظر من جديد إلى صفحته الفيسبوكية، وتذكر طلب الصداقة المعلق، وهواجسه حوله، ثم ابتسم وهمس لنفسه:
- سأكون ساذجا إذا اعتقدت أنهم لا يعرفون كل ما أكتبه، ثم ماذا بعد؟ أليس آخرها قبرا كما أقول دائما؟ لماذا أكتب إذا كنت أخاف أن يصل ما أكتبه إليهم؟ هل لأحصد اعجابات افتراضية؟ وفي وقت المواجهة الحقيقية أجفل كما يفعل كثيرون؟؟ وهل هناك من يهتم أصلا بما أكتبه؟؟ ثم ألا يكفي أن اسمها يذكرني بوالدي؟؟
يضغط "صاحبنا" على زر الإضافة ويكمل إبحاره كما كان يفعل دائما، وأول ما تقع عليه عيناه، هو البيت الشعري "ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا / ويأتيك بالأخبار ما لم تزود".
ابتسم كما لو كان هذا البيت الشعري يخاطبه ومضى في رحلة الإبحار.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,797,533,462
- إلى شكيب الخياري: احمل أوراقك وارحل.
- أحاديث مع فتاة نت: 2 (الراوي)
- وطن المحسودين
- البونية وخطاب الملك
- أحاديث مع فتاة نت: 1 (ما قبل البداية)
- مقاربة أولية للإشكاليات المرتبطة بزراعة القنب الهندي
- في انتظار الموت
- لماذا نغضب؟؟
- سيدي صاحب المقام العالي
- ترانيم على قبر الأمل الميت
- مشاهد على هامش عيد الأضحى
- اللغة العربية والقداسة وسؤال البقاء
- تعقيبات على التعليقات الواردة في المقال المعنون ب:- رد على ا ...
- أسامة بلادن: انتهى تاريخ الصلاحية
- رد على السيد شاهر الشرقاوي: عفوا ولكنه قيد وجمود
- عملية اركانة والقاعدة: لماذا؟؟
- 20 فبراير..لوبيات الفساد: المواجهة القادمة
- بضع مئات..بضع آلاف..مئات الآلاف..كرة الثلج تكبر
- عن الحجاب مرة أخرى (2): من التراث الوثني إلى الخلط بين الحجا ...
- عملية أرغانة و20 فبراير: التحد المستقبلي


المزيد.....




- صدر حديثا كتاب «أيام في طوكيو»، للدكتور رضا عبد الرحيم
- عصابة كبرى داخل دولة مافيا فلاديمير بوتين
- هل تبقى اللغة الإنجليزية الأكثر شعبية في العالم؟
- أدب ما بعد الاستعمار في كتاب «القرن المحلّق» للدكتور مصطفى ج ...
- بنشماس يعلن عن نواياه لقيادة البام خلفا للعماري
- رئيس الحكومة : زيارة كوريا الجنوبية فتحت الباب أمام المزيد م ...
- سبعة جنود مغاربة قضوا أثناء أداء مهامهم سيكرمون بمقر الأمم ا ...
- -جيمس بوند- يعود بفيلم جديد... وهذا موعد طرحه
- د.رضوان الحمادي رئيس مؤتمر رواد التنمية لـ (الزمان): غياب ثق ...
- لطيفة التونسية توجه رسالة لحسني مبارك


المزيد.....

- دراسات يسيرة في رحاب السيرة / دكتور السيد إبراهيم أحمد
- رواية بهار / عامر حميو
- رواية رمال حارة جدا / عامر حميو
- الشك المنهجي لدى فلاسفة اليونان / عامر عبد زيد
- من القصص الإنسانية / نادية خلوف
- قصاصات / خلدون النبواني
- في المنهجيات الحديثة لنقد الشعر.. اهتزاز العقلنة / عبد الكريم راضي جعفر
- المجموعة القصصية(في اسطبلات الحمير / حيدر حسين سويري
- دراسات نقدية في التصميم الداخلي / فاتن عباس الآسدي
- لا تأت ِ يا ربيع - كاملة / منير الكلداني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يوسف المساتي - أحاديث مع فتاة نت: 3 (الحديث الأول)