أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - البدراني الموصلي - ثلاث وقائع من التاريخ متشابهة المقدمات متناقضة النتائج















المزيد.....


ثلاث وقائع من التاريخ متشابهة المقدمات متناقضة النتائج


البدراني الموصلي
الحوار المتمدن-العدد: 4614 - 2014 / 10 / 25 - 15:05
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


ثلاث وقائع من التاريخ متشابهة المقدمات متناقضة النتائج
لست قادرا أن افهم لماذا تتواثب في ذهني مجموعة من المعلومات المتباعدة تاريخيا بمسافات شاسعة عن بعضها وتفعل فعلها في داخلي لربطها في وحدة عضوية واحدة . ملحمة جلجامش موغلة في القدم وتتقدم على ميلاد المسيح بأكثر من ثلاثة الاف عام , والذي – ميلاد المسيح- يبتعد عن بزوغ الاسلام بما يقرب من ستمائة عام .
جلجامش لن يكون بطل موضوعتنا , ولا انكيدو الذي انزلته الالهة ليكون ندا وضدا لجلجامش .
من الشخصيات الفرعية في ملحمة جلجامش , ورد اسم البغي , التي ذكر العبقري العراقي الدكتور طه باقر ان اسمها ( شمخه ) , وهي بالتأكيد لم تكن اسما لامعا مثل جلجامش وانكيدو وعشتار واتونابشتم واوروك , لذلك ابرر نسيان الكثير من قراء الملحمة وحتى المعجبين بروعتها أسم تلك الشخصية التي لعبت دورا محوريا هاما جدا في احداثها .
انزلت الالهة , الوحش انكيدو ليكون ندا وضدا لجلجامش
. جلجامش بطل لا يشق له غبار وهو سليل الالهة العظيمة والتي علمته كل شيء ومنحته قوى لم تمنحها لسواه , كان طيبا ورحيما ومبصرا كل شيء , فتوجه اهتمامه الى البناء والاعمار وتطوير حياة رعاياه ببناء المعابد والقصور بأبهة وجلال , وحمايتهم بأسوار اوروك المنيعة التي لم يقتحمها غاز او معتد . كانت قواه خارقة , ولم يستطع بكل ما بذله من جهد هائل لأجل ازدهار مدينته وشعبه , ان يستنفذ كل طاقاته الظاهرة ولا الكامنة فيه , حتى الكم الهائل من العذارى والابكار اللواتي كان يفتضهن بنهم شديد وباستمرار لم تنقص من قواه القدر الذي يجعله يهدأ ويستكين . لم يكن ما يفعله مشينا في نظر الالهة التي كانت تراقبه عن كثب وباهتمام .لهذا لم تشأ ان تقتص منه بقسوة , بل وضعته امام امتحان عسير ليعرف من خلاله قدر نفسه ولا يبالغ في غروره ومغالاته . كانت الالهة واثقة من انتصاره واجتيازه المحنة او الفخ الذي نصبته له .. جلجامش مخلوق فوق التوصيف ويصعب على الجميع الاحاطة بكينونته ونسبته الى كينونة مشابهة او مقاربة له حتى . لم تدم حيرة الالهة طويلا للحد من هذا الامتداد الخرافي العشوائي وغير المنضبط في سلوكيات جلجامش ,الذي كانت الهة اوروك تتباهى ببنوته وتميزه , فاتخذت قرارها بعقوبة ظنت انها رادعة ولن تنتقص من هيبة جلجامش وعلو منزلته كثيرا . فأنزلت أنكيدو .
انكيدو كان وحشا يقتات ما تقتاته الوحوش , وفيه من الجلف والشراسة ما يبعده كثيرا عن صفات البشروآلاف الفراسخ عن صفات الآلهة التي كان ثلثا جلجامش منها و والثلث الثالث فقط كان بشريا. وضعت الالهة في انكيدو قدرا هائلا من الجلف والوحشية وبما يكفي ليكون ندا وضدا لجلجامش . وحسب طبيعته وعلى مقاييس الالهة كان سلوكه غير مشين ايضا رغم انه يتقاطع تماما مع سلوك نده جلجامش , كل الناس في اوروك ضاقوا ذرعا بأنكيدو وتضرعوا كثيرا ان تنقذهم الالهة منه دون جدوى , وكان اكثر المتضررين من وجوده هم الصيادون الذين يعتاشون على نصب الافخاخ ويدقون حفر القنص في ارض الغابات ( اغلب الظن انها غابات القصب ) المحيطة بأوروك لاقتناص الطرائد والارتزاق ببيعها او الاعتياش على أكلها . احد هؤلاء الصيادين وبعد أن أعيته الحيلة في كيف يمكنه ان (ينقذ !!! ) طرائده من بين يدي هذا الوحش الذي يسبق الجميع فيستلبها منهم , غير عابئ بأحد او مهتم لشيء.بل كان يمزق شباكهم ويدمر حفرهم وغالبا ما يطلق تلك الطرائد الواقعة في الشباك او الافخاخ لتعود الى البرية اذا لم يكن جائعا فيلتهم بعضا منها ,وهكذا يحرم الفقراء من رزقهم وقوتهم .عاد ذلك المسكين الى بيته بعد رحلة صيد مضنية مرهقة , كل حصيلتها الخيبة والكآبة , ولولا حكمة الرجل العجوز الذي قشع غمامة الحزن الثقيلة عن روح ولده بنصيحة, انتجت لنا , بل لكل المجتمع البشري قياسات انسانية رائعة , سوف نمر عليها مسرعين لتكون أطارا للصورة التي نحاول رسمها . شمخه كانت بغيا يعرفها اهل اوروك , وبالتأكيد كانت محطة ذات قيمة كبيرة لاختبارات الرجولة لأغلبهم , ومنهم العجوز الذي يبدو انه قد سبر اغوارها واكتشف فيها سرا ثمينا يمكن ان يكون العلاج الناجع والفعال لكآبة ولده ويأسه وكآبة جميع الصيادين وشعب اوروك ويأسهم . لقد كان ذلك السر قوة الجنس السحرية .
أمر العجوز ولده الصياد ان يصطحب معه , البغي شمخة الى ميادين الصيد , حيث يجول انكيدو ويصول دون ان يكون هناك من يردعه ويكف أذاه عن هؤلاء الفقراء المحبطين , وان يجعلها تكشف عن ثدييها الناضجين ومفاتن جسدها امام الوحش انكيدو , وتتغنج حتى تزوغ عيناه ويسقط صريعا في حبائلها . وقد كانت مصيدة محكمة تماما , ليس لطرائد الصيادين ولكن للطريدة الاكبر والأعتى : انكيدو . نجحت الحيلة بعد لأي وضنك . واستطاعت شمخة شيئا فشيئا وبمهارة المتمرسين بالمهنة ان تلف خيوطها حول عنق طريدتها وان تسوقه سوق النعاج , ويالفرحة المساكين المحبطين . لقد ولج انكيدو عالما لم يكن يمر له على بال , فقد كانت مواصفات تكوينه الخلقية والخلقية مغايرة تماما لما يتطلبه هذا العالم الساحر المملوء باللذة والبهجة , صار مدهوشا بالمتعة والرقة المتناهية التي منحتها له شمخة , وطالبته بمثلهما لأغناء الدقائق التي اختزلت جلفه ووحشيته وشراسته , ثم طغت عليها ومسحتها بالكامل , وتحول بعدها الى كبش ظل محتفظا بقرنيه المخيفين ولكنه فقد قدرة النطاح بهما .لقد حوله الحب والجنس الى كائن اقرب الى الانسان منه الى الوحش المرعب الذي كانه قبل ان يلتقي شمخه .
كان هذا سردا زمنيا لجزء من الملحمة , لا احبذ ان اسميه سردا تاريخيا , لأن التاريخ لم يكن الا جزءا ضئيلا جدا من سياقاته , بل ليس موجودا اصلا , لأنها اسطورة لم يحكمها زمان محدد وأن كان لا بد لصانعها ان يجري احداثها على جغرافية تساعد على فهمها والتصديق بها .
اكثر الباحثون - المتخصصون منهم بالميثولوجيا والادب والتراث الانساني - تنقيبهم ونبشهم في اعطافها وزواياها , وانني لن استطيع ان اجاريهم في مضمارهم الشائك هذا , فقد تناولوها من جميع جوانبها واضفوا عليها من خزينهم المعرفي الكثير وتوحدوا جميعا في اعتبارها قمة فنية شاهقة جدا .
كل الذي استطيع ان اضيفه الى ما قيل عن الملحمة هو الانتباه الى ان تلك البغي التي تمتهن الجنس وبيع الجسد , يجب أن تجل وتحترم وتوضع في اعلى مراتب التقدير , وذلك بالاحتكام الى تحليل بسيط لنتائج ممارستها الروتينية لمهنتها مع انكيدو فقد انتشلت مجموعة من الفقراء المحبطين من تحت جبال اليأس والكآبة والقنوط , واعادت اليهم بل الى اوروك كلها جمالا شوهه ومزقه الوحش انكيدو .اضافة الى نتيجة جليلة اخرى هي الصداقة المتينة التي ربطت بين قلبي جلجامش العظيم وانكيدو الذي كان وحشا وضدا له , حتى ان احدهما مات فبكاه الاخر مر البكاء . لقد ادت دورا جليلا لا نستطيع ان نقدر له ثمنا حتى اليوم . وقد اسهب الكثيرون في تحليلاتهم , وكما ذكرنا فأن اغلبهم كانوا صادقين ومصيبين وثاقبي النظر . واقربهم لي وللقراء الاعزاء ما كتبه الاستاذ رائد الحواري في الحوار المتمدن – العدد 4329 - . لكي نفهم جمالية العمل الجليل الذي قامت به شمخة , اقترح عليكم اعزائي الا تفوتكم قراءته . لنركز على ان الجنس كان اهم عناصر البناء الدرامي لهذه الواقعة الاسطورية .
لنربط عمل شمخة , مع الوقائع الثلاث التي اوردتها في العنوان , فلنعتبره – مجازا – الواقعة الاولى . ليتسنى ان ننتقل الى الثانية , وهي تبعد عن شمخة بأكثر من ثلاثة الاف عام .
في الميثولوجيا اليهودية والمسيحية , اسم لم يبرز كثيرا في تراكماتنا الثقافية العربية . لسنا بصدد البحث عن الاسباب , لن نحتاجها , وكل الذي نبتغيه هو استعراض الواقعة والتركيز على جوانبها ضمن سياقها الزمني , وذلك لربطها مع الواقعتين الاخريين .
القصة وردت بوضوح في انجيل متى , وتحدثت عن الامبراطور هيرودس انتيباس – 39 الى 4 ق م - الذي تربع على عرش الامبراطورية الرومانية بخليط من الدسيسة والمكر والغريزة الحيوانية الكامنة في النفس البشرية بدرجات متفاوتة , وتجاوز في دسائسه حب التسلط وتنصيب نفسه امبراطورا بدلا من اخيه غير الشقيق هيرودس الثاني الذي كان احق منه بالملك , الى الاستيلاء على زوجة اخيه الراقصة المتهتكة التي وصفت في اكثر من موقع بأنها ليست امرأة بل انها الشهوة الجنسية بذاتها متمثلة بجسد ناري يلهب المشاعر والاحاسيس بلا رحمة .وقد الهم جمالها وفتنتها كثيرا من صانعي التاريخ الثقافي للشعوب , ربما ابتداءا من المؤرخ يوسيفوس فلافيوس الذي ترك لنا وصفا جغرافيا جيدا لموقع الواقعة الانجيلية , وكان قد زار بادية الاردن وشاهد عيانا قلعة مكاور – مقر الامبراطور – والتي تبعد حوالي سبعين كيلومترا عن العاصمة الاردنية عمان , ومثلها عن البحر الميت, وليس انتهاءا بالموسيقار الشهير ريتشارد شتراوس الذي ضمن الرقصة في اوبراه الشهيره ( سالومي ), ولا بالكاتب الامريكي ارسكين كالدويل الذي اعطى الرقصة اسما موحيا جدا ( الرقصة ذات الغلالات السبع ) والذي يرسم صورة واضحة للهيئة والزي الذين رقصت بهما سالومي امام الامبراطور الذي خلده مجونه اكثر من اي شيء آخر فطفى على سطح التاريخ حين دفعه الى اغتيال نبي من انبياء اسرائيل هو يوحنا المعمدان , الذي يعرفه الاسلام بأنه النبي يحيى بن زكريا .
عندما كان هيرودس انتيباس حاكما للجليل وما جاورها من بادية الاردن, منتدبا من الامبراطور الكبير كاليغولا , سنحت له زيارة الى روما عاصمة الامبراطورية الرومانية العظيمة حينذاك , والتقى بهيروديا زوجة اخيه الامبراطور الشرعي , وطاش الدم في رأسه لسحر جمالها وفتنتها الطاغية , مثل اي ماجن خليع . مع ان قلعته في مكاور كانت تعج وتضج بأعداد من الغانيات الكاسيات العاريات وبحاشية تماثله مجونا وتبذلا . فلم يتمالك نفسه , وسطى عليها واخذها لتعيش هي وطفلتها سالومي معه في قلعته . وبعينين لا تقلان حدة عن عيني صقر ضار , كان هيرودس يتشوف جمال الصبية سالومي وفتنتها التي ازدهت بربيع الصبا ,ويستشرف انها ستفوق امها كثيرا, وصار يمني نفسه بالأنقضاض عليها ذات لحظة . وكانت الأم وهي من البراعة ما كشف لها عن سيلان لعاب الذكر الماجن على ابنتها , قد اضمرت في قلبها شيئا لطالما انتظرته طويلا وصبرت كثيرا ان يحققه لها زوجها المغرم بها حد الجنون ولكنه لم يكن يجرؤ ان يفعل .
لقد اعلن يوحنا المعمدان ان زواج هيرودس من هيروديا باطل وفحش لا ترتضيه الشرائع السماوية التي كانت شريعة موسى هي الطاغية عليها , وامتلأت براري الجليل وما جاورها بصوته المجلجل الذي كان يخشع له جميع الناس لصدقه وتعبيره عن قيم عليا كانوا يطمحون ان تسود بينهم لتصير لمجتمعهم نظاما اخلاقيا مرشدا للخير ورادعا عما يعتبر فحشاءا ومنكرا . لقد كانوا مع ضآلة رصيدهم المعرفي يستشعرون ان النظام – اي نظام – سيسهل حياتهم ويبسطها لهم لو كانت فيه نسبة من العدالة مهما ضؤلت . وحتى الامبراطور الماجن نفسه , كان الخوف يتسلل الى داخله ويصور له ان غضب الله قد يطاله اذا تمادى في معصيته . وكان يوحنا المعمدان ناقوس الخطر الذي يرن بين الفينة والاخرى في اذنيه لينتشله من غيبوبته شبه الدائمة , لذلك لم يجرؤ يوما ان يؤذي يوحنا المعمدان أو أن يسيء اليه مهما اسرف يوحنا في قسوة كلماته ضده. اضف الى ذلك ما كان يعرفه الامبراطور يقينا من حب الناس ليوحنا وتقديسهم له بأعتباره نبيا مرسلا من السماء ومبشرا بنبي قادم ببشرى جديدة للعالمين . وقد صدق يوحنا , فقد ولد السيد المسيح في زمنه وكان له شرف تعميده في نهر الاردن.
في واحدة من ليالي المجون الداعرة , وكانت القلعة ضاجة بصخب الراقصات بألوانهن واجسادهن شبه العارية , ومنهن هيروديا , أم سالومي , أما سالومي فقد كانت ضمن الحاشية المترنحة ولكن المرتكنة جانبا , مما سعر النار في قلب هيرودس وهو ينظر الى ذلك الربيع المزدهر في جسد سالومي , وتلك الثمار التي حان قطافها , فقام من مربضه مسعورا بالشهوة والرغبة الجامحة , وأمر سالومي بأن تقوم لترقص . لكنها بغنج العذارى ودلهن , ( مع يقيني ويقينكم ايضا انها لم تكن من العذارى ), امتنعت وتعللت بأنها لم تكن راغبة ان ترقص . فكانت تلك لحظة التاريخ التي امتدت الى يومنا هذا .
حيث نهضت هيروديا وبقسوة الام على ابنائها المخطئين , عنفت سالومي وأمرتها ان تلبي رغبة المهووس المسعور , ولم يكن هدفها الحقيقي تلبية تلك الرغبة , بل كانت تريد اطفاء الحريق الذي اشعله يوحنا المعمدان في قلبها منذ ان وطأت قدماها قلعة مكاور . وربما في لحظات معدودات استعرضت – كما معروف عن المحتضر المقترب من الموت – كل حقدها وكراهيتها ليوحنا , واشترطت على الامبراطور الذي فقد صوابه واتزانه شرطا واحدا اذا حققه لها , سترقص سالومي كما يشاء . لقد طلبت منه ان يقدم لها رأس يوحنا المعمدان على طبق من فضة . وقد صعق المخمور وطارت من رأسه ( في تقديري )ثلاثة ارباع نشوة الخمرة والراقصات الداعرات , اما الربع المتبقي فقد صار سيد اللحظة اياها , بل صار سيد الزمن اللاحق بأكمله . وهزالامبرا طور رأسه رافضا لولا لمحة من عينيه الى الكنز المستتر خلف غلائله الشفيفة , لقد رفض الطلب الذي كان يرفضه عندما يكون شيء من الصحو في رأسه . ولكن الربيع الفاتن امامه اكتسح كل ما تبقى في رأسه من صحو , فأمر جنوده ان يسارعوا بالتنفيذ , وكان له , بل لها ( ام سالومي ) بالاساس , ما ارادت , وجاء الجنود برأس يوحنا المعمدان على طبق من فضة ووضعوه بين يدي الامبراطور المنقسم الى نصفين , احدهما المجون وما سوف يتبعه من لذة غامرة , والآخر الرعب الذي اعتصر قلبه من جراء فعلته , فكان ما كان , ورقصت سالومي , والطبق بين يديها تارة وفوق رأسها تارة اخرى , وصارت تخلع غلالاتها السبع ( وكانت - اصلا - شفافة لا تكاد تستر شيئا من مفاتنها ) واحدة بعد الاخرى حتى غدت عارية تماما وهي تحمل رأس المعمدان على يديها .ويقال ان تلك هي اول رقصة تعر في التاريخ .
ولنسجل ان هذه هي الواقعة الثانية من التاريخ الذي نراجعه في موضوعتنا هذه , ولنستل منها ان اهم مقدماتها هو الجنس وقوته الخارقة , وهو ما يربطها بأحكام بالواقعتين الأخريين . وان التاريخ خلد كل شخوصها , الذين لعب كل منهم دوره في صناعة نتائج مختلفة عن سابقتها , نختصرها بالقول انها لطخت وجه الامبراطور بعار ابدي لقتله احد انبياء الله , وكشفت عن مكامن حقد المرأة والكهوف العميقة التي تستطيع ان تختزن فيها حقدها حتى تحين اللحظة .
لسنا بصدد اعداد بحث دقيق , بل كل ما نبتغيه هو التركيز على ان الجنس كان المحور لتلك الاحداث. مثلما كان في الواقعة التي سبقتها .
ومن تاريخنا العربي والاسلامي , واقعة متميزة جدا , لطالما تناطح فيها عنزان متضادان من كل صنف , مصدق ومكذب , محب ومبغض , متشكك ومتيقن , واخيرا وليس آخرا مؤمن وكافر.ومنذ وقوعها قبل اكثر من الف واربعمائة سنة ولحد اليوم , وتناولها كل هؤلاء , ومزقوها شر ممزق , بحثا عن مقدماتها , ثم مبرراتها , ومن ثم نتائجها . ولطالما فقد الكثيرون من كلا الطرفين قرونهم في ذلك النطاح , ولأنني لا املك ما يملكون فأنني سأحشر نفسي حشرا بينهم , غير عابئ هل سأخرج من ذلك الميدان سليما معافى , ام سأطرح ارضا منهزما , وما اكثر المطروحين ارضا في تاريخنا العتيد .
لن نضيف جديدا بقولنا , ان العرب – ومنذ الجاهلية !!! - كانوا يستمروؤن تبني الاطفال او الصبيان من الذكور خاصة , وحتى الذين كانوا يشترونهم بثمن , ليجعلوهم خدما في بيوتهم وموالين تابعين لهم في غدوهم ورواحهم كمظهر من من مظاهر الأبهة والفخامة بين القبائل والبطون , وكان من غير الغريب ان يعطى الصبي المتبنى اسم وليه , فينسب اليه , ويقال فلان ابن فلان , الذي هو غير ابيه البيولوجي بل متبنيه . وقد ذكر التاريخ اسماء العديد من هؤلاء الصبيان واوليائهم الملحقين بهم .والذين صار لهم شأن بعد حين .
وقصة الصبي زيد بن حارثة الاسدي , لم تكن ستحظى باهتمام احد , لولا ما تكشف تباعا من تفاصيلها بعد تزويجه من قبل النبي من زينب بنت جحش الهاشمية وهي ابنة اميمة بنت عبد المطلب , عمة محمد وهي سليلة دوحة شريفة عالية النسب .
قيل ان ام زيد كانت في زيارة لاهلها , وتم اختطافه منها اثناء ذلك , وبيع في سوق عكاظ , ولا يهمنا من اشتراه اولا قدر ما يجب ان نذكره بأنه قد آل لاحقا الى خديجة بنت خويلد التي وهبته الى محمد بعد زواجه منها . وقد تعاطف محمد المحروم من الذرية في حينها مع زيد وبلغ حد انه أخذه الى الكعبة ووقف على صخرة فيها وعرف اهل مكة ان زيدا ابنه وانه يرث منه ما شرع الله أرثا للولد الصحيح , وصار يسمى (زيد بن محمد ) . منذ تلك الدقائق . , نرى ان كل شيء جرى وفق منظومة اخلاقية سليمة , تعارف العرب عليها وكرسوها نظاما واضحا لا لبس فيه , بل على العكس فهو يندرج حتى في قياسات زماننا هذا ضمن قيم المرؤة والطيبة والكرم والنخوة .باستثناء جانب العبودية والرق فيه , والذي كان معظم وجهاء العرب انذاك يتجاوزونه بحسهم الانساني الفطري , فيعتقون عبيدهم ومواليهم عندما ينضجون , وكان اكثر هؤلاء يردون هذا الجميل لأوليائهم بالبقاء في خدمتهم بكل امانة واخلاص , وهذا ما جرى مع زيد ايضا عندما علم اهله انه في كنف رجل من اهل مكة اسمه محمد . فتوجه ابوه وعمه الى هناك ليفتدياه ويعيداه الى اهله وعشيرته , ويقال ان الرجلين التقيا محمدا وزيدا معه , وانهما انصاعا بيسر الى قرار زيد نفسه بالبقاء مع محمد , عندما خيروه بينه وبين العودة الى اهله , ويقال انه قال لابيه وعمه انني عند من هو اشرف واكرم من كل اهلي وعشيرتي .
تعاظم حب محمد لزيد , ومثل اي اب حان عطوف , قرر تزويجه , وكانت سعيدة الحظ , او تعيسته , اترك لكم اعزائي الفصل في هذا , الفتاة الجميلة جدا , المحسودة بين قريناتها , زينب بنت جحش الهاشمية .
واظن ان فرحتيهما كانت غامرة , زينب وزيد , فقد كانا لائقين لبعضهما تماما , شبابا وحيوية وتوقا الى ممارسة حقهما الطبيعي او الفطري في اثبات رجولة احدهما وانوثة الآخر , رغم ما اخترعه بعض الأعناز ( جمع عنز ) المتناطحة من احساسها بدونية زيد مقابل دوحتها , دوحة بني هاشم السامقة . لم يستطع احد ان يقنعني بمثل هذا الهذر , فقد كان زيد ابنا لمحمد وسيرث منه مايرث الولد الصحيح , ويبدو لي ان الوحي لم يكن موفقا بأن سارع بأن نزل على محمد بالآية التي تقول له ولزينب وزيد ( وماكان لمؤمن ومؤمنة ان يكون لهم الخيرة من امرهم , ومن يعص الله ورسوله فقد ظل ظلالا مبينا ) والتي ارغمت زينب على القبول , فقد كانت هذه الاية – على ركتها لما تحمله من تكريس للعبودية والخنوع وتدخل غير معقول في قضية خاصة جدا بين انسانين – التبرير الوحيد لبعض المتناطحين لصحة تمنع زينب عن الموافقة على زواجها من زيد .
وانني من الآسفين فعلا , لما آلت اليه الامور بعد ذلك , وليس في رغبتي ان افكر ان نبيا جليلا مثل محمد بن آمنة بنت وهب , الذي دانت له مغارب الارض ومشارقها , قد يهبط هذا الهبوط , فينزو مثل صبيان لم يبلغوا الحلم .
كلنا نعلم انه كان مزواجا , وان الجنس قد شغل الحيز الاعظم من اهتماماته , وشرع له ربه ما يطلق له العنان , ولم يعرضه لألام الكبت وعذاباته , فقد فتح له الباب على مصراعيه , بأن شرع له قانونا محكما , ( مثنى وثلاثا ورباعا , وما ملكت ايمانكم ) وما ملكت ايمانكم كانت سائدة في زمنه عرفا بين الاغنياء والموسرين , لكنها صارت له شرعا وقانونا . لا اعتراض لنا على هذا اذا تذكرنا انه كان يتباهى بين الرجال والنساء بأنه يملك قوة اربعين فحلا , وفي بعض الروايات قوة اربعين بغلا .
اما ان ينزو على زوجة ابنه , لمجرد انه رآى بعضا من مفاتنها من شرخ باب بيتها , وهي على سجيتها وطبيعتها بلباس المرء في بيته , في بيئة الصحراء العربية . فليس في هذا اية مصداقية في نصائحه بالتعفف وغض الطرف .
تفاصيل كثيرة نحاول ان نستغني عنها , ونختزل معانيها بآيات خصه الله بها ولكل منها مدلولاتها التي لا نريد ان نستفيض في تفسيرها ( فلما قضى زيد منها وطرا , زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في ازواج ادعيائهم اذا قضوا منهن وطرا ) , لقد تحول الزواج الذي امر به ربه زينبا ان تتزوج زيدا رغما عن انفها الى وطر , وياللبؤس الذي تعنيه كلمة ( وطر ) ,( ما كان محمد ابا احد منكم ) , لقد تنكر لموقفه على صخرة الكعبة ليخبر المؤمنين ان زيدا ابنه وانه سيرث ما يرث الأبن الصحيح , ( يا ايها النبي لم تحرم ما أحل الله لك , تبتغي مرضاة ازواجك , والله غفور رحيم ) , فقد رد دعوات المنافقين – في رأيه – والذين استهجنوا فعلته تلك , وخاصة نساءه اللواتي كن اكثر منه تمسكا بالحق والانصاف . ( ادعوهم لأبائهم , هو اقسط عند الله . ) وهذا ما برر به تنكره لتبنيه لذلك الصبي البريء واعاده شكلا فقط الى ابيه الحقيقي فصار يسميه زيد بن ابن حارثة . كثيرة هي الاوجاع التي سببتها تلك النزوة الطارئة . وأسوءها , في رأيي هو تحريم التبني تحريما مطلقا , مما ادى الى قتل أحلام بعض الفقراء المعدمين في حياة جديدة عند ابوين جديدين قد يمتلكان شيئا من الرخاء والرفاهية .
اتمنى بصدق , ان تكون هذه القصة خرافية وجزءا من اسطورة , مثل سابقتيها , ولكن أنى لأمنيتي أن تتحقق ولو بشكل جزيء ضئيل , لأن نتائجها ما زالت تتحكم في عقول الملايين , بل المليارات من البشر .وصار الاسلام هو الدين السماوي الوحيد الذي يحرم التبني .
طلاق زينب من زيد , اقل ما يقال عنه انه خال من مراعاة المشاعر الانسانية لشابين ارتبطا برباط يفترض ان يكون مقدسا , ليته لا يندرج تحت صفة لااخلاقية تلصق بمحمد .
وأن يكن , فأن تأثيره الآني , لم يغط مساحة واسعة , بل اقتصر على ثلاثة , محمد وزيد وزينب . لكنه امتد قرونا طويلة , ودمر قانونا طبيعيا سائدا الى اليوم حتى بين الكثير من البهائم وحيوانات البرية .هو قدسية الزواج .
باختصار _ البغي شمخة انقذت الصيادين من وحشية انكيدو
- سالومي وامها تآمرتا لتقتلا نبيا من انبياء بني اسرائيل
- محمد الغى قانونا طبيعيا هو قدسية الزواج
ثلاث وقائع اهم مقدماتها الجنس , ولكنها أتت بنتائج متناقضة تماما .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,054,190,087
- سايكس - بيكو جديدة ام بايدن - داعش جديدة جدا Brand new ج 2
- سايكس - بيكو جديدة ام بايدن - داعش جديدة جدا Brand new - ج 1
- لا تربط الجرباء حول صحيحة
- نداء هام جدا الى من لايهمه الامر ولن يهمه ابدا
- مات الملك ...... عاش الملك ( العبادي والمالكي )
- فيان دخيل والشيطان اتقى واشرف من كل المتأسلمين والمتأسلمات
- اقتراح سخيف الى اخي وعديلي وزميلي نوري المالكي


المزيد.....




- تعرف على المرشحة -المسيحية- لوزارة الهجرة والمهجرين
- مرصد الإفتاء المصري: -داعش- يعدم المتراجعين عن أفكاره في دير ...
- العراق.. اغتيال رجل دين دعا المحتجين في البصرة لرفع السلاح
- من هو عبد الله عزام -الأب الروحي للجهاد الأفغاني-؟
- إقرار بعدم السند القانوني للحركة الإسلامية واعتراف بتسبب ذلك ...
- الريسوني يرد على وقوف -علماء المسلمين- بصف قطر وتركيا ودور ا ...
- العراق.. مقتل رجل دين بارز في البصرة
- مقتل 40 شخصا في غارات جوية للتحالف الدولي على تنظيم الدولة ا ...
- تنظيم -الدولة الإسلامية- ينسحب من منطقة تلول الصفا في جنوب ش ...
- أردوغان: تجاوزنا مرحلة تحولت فيها المساجد إلى حظائر


المزيد.....

- لماذا الدولة العلمانية؟ / شاهر أحمد نصر
- الإصلاح في الفكر الإسلامي وعوامل الفشل / الحجاري عادل
- سورة الفيل والتّفسير المستحيل! / ناصر بن رجب
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(2) / ناصر بن رجب
- في صيرورة العلمانية... محاولة في الفهم / هاشم نعمة
- البروتستانتية في الغرب والإسلام في الشرق.. كيف يؤثران على ق ... / مولود مدي
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(1) / ناصر بن رجب
- فلسفة عاشوراء..دراسة نقدية / سامح عسكر
- عودة الديني أم توظيف الدين؟ المستفيدون والمتضررون / خميس بن محمد عرفاوي
- لكل نفس بشرية جسدان : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - البدراني الموصلي - ثلاث وقائع من التاريخ متشابهة المقدمات متناقضة النتائج