أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود شاهين - غوايات شيطانية . سهرة مع ابليس. ( ملحمة نثرية شعرية ) (1)















المزيد.....


غوايات شيطانية . سهرة مع ابليس. ( ملحمة نثرية شعرية ) (1)


محمود شاهين
(Mahmoud Shahin )


الحوار المتمدن-العدد: 4608 - 2014 / 10 / 19 - 09:42
المحور: الادب والفن
    


تنويه
الأحداث السماوية في هذه الملحمة تدور خلال بضع ثوان من زمن
السماء الذي يعادل اليوم الواحد منه ألف عام من زمن الأرض.
***

ترجمت هذه الملحمة إلى اللغة الألمانية وصدرت عن دار "زنّوبيا"
إهداء
إلى روح سيد شهداء الصّوفيّة:
الشيخ "الحسين بن منصور الحلاج"
وإلى أرواح المتصوفة وشهداء المعرفة والمحبّة أجمعين.
وإلى روح النبي وجمال روح النبي
وإلى روح إلهي الحبيب، وكمال روح إلهي، الذي لولاه لما كنتُ،
ولما كانت هذه الصور، ولما كان الكلام الجميل، ولما كان هذا الكلام.
محمود شاهين
30/3/1995

فاتحة:
جئت بما لن تعبّر عنه الألوان
ولن يعبّر عنه هذا الحالــم!!
ولن يعبّر عنه الشــــيطان
ولن يعبّر عنه النثَّـــــر
ولن يعبّر عنه الشِّعــــر
ولن تعبّر عنه الأغانــــي
ولن تعبّر عنه بحورُ الكـــلام
ولن تعبّر عنه الألحـــــان
جئت بما لن يعبّر عنــــه إلا
الله
جل جلاله الســــامـــي
ومع ذلـــــك حاولـــت
مستعيناً بــــه
فهو وحده الـــقـــادر
المعين الملهـــم
المرشـــد
المتســـامي.
م.ش

[1] الشيطان يصحب الأديب إلى مملكته السماوية
حين أخذ العد التنازلي نحو الساعة الأخيرة من عام 1994 يتناقص بوتيرة قاتلة دون أن أتلقى دعوة من أي كائن لحضور حفلة ما لرأس السنة، أدركت أنني سأسهر الليلة وحدي، فما أملكه من نقود، لا يكفي لشيء حتى لمتطلبات انتحار يليق بأديب مثلي! ومع ذلك لم أقطع الأمل تماماً، إذ ثمة مئات (الأصدقاء) المدينين لي بالنقود والموائد والحفلات، ولا بد أن يتصل أحدهم إذا ما تذكرني! وعبثاً رحت أنتظر هذا الهاتف اللعين أن يرن ولو لقطع الصمت..
حين تجاوزت السّاعة العاشرة بقليل، يئست تماماً وقررت أن أنسى رأس السنة. ونظراً لأنني لم أكن قادراً على الكتابة فقد أخذت من المكتبة كتاباً عن الجن واستلقيت في السرير وشرعت في القراءة.
لم أقرأ كثيراً حين تنبهت لشخص يشبهني تماماً يقف إلى جانب السرير وينظر إلي! أبعدت الكتاب من أمام وجهي ونظرت إليه بريبة. لم أعرف فيما إذا كنت أتخيل أم أحلم. وحين أدركت أنه يستحيل أن يتجسد مثيلي في الخيال أو في الحلم بهذه الصورة، رحت أفكر في أشياء أخرى مرضية، كأن يكون الشخص الواقف أمامي تجسيداً لأحد أشكال انفصام ما في شخصيّتي!! مع أنني لم أسمع عن شخص مصاب بانفصام ثنائي أو ثلاثي أو حتى خماسي يرى نفسه مجسداً في أشخاصٍ يشبهونه. قد يكونون في خياله ويتطبع بسلوكهم وأفكارهم. أما أن يراهم واقفين أمامه أو سائرين معه، فهذا ما لم أسمع به.
ما يدهشني أن هذا الرجل لم يتكلم حتى الآن وظل واقفاً كالصنم وهو يرسل نحوي نظرات ساكنة تماماً، غير أنهّا هادئة ومطمئنة ولا توحي إلا بالود. وكان طيف ابتسامة يرتسم على شفتيه وهذا ما شجعني لأن أهتف بهدوء:
- من أنت؟
ازدادت ابتسامته اتساعاً وهو يهتف بلطف!
- مساء الخير.
- مساء الخير.
- أنا إبليس أو الشيطان إن شئت!
نهضت لأجلس في السرير وأنا أحدق إليه بدهشة.
- أعتذر لأنني دخلت بيتك ووقفت أمامك دون استئذان
- لا عليك لكن لماذا تقمصت شكلي؟
- كي لا أخيفك.
- أشكرك! تفضل لنجلس في الصالون وأضيفك شيئاً مما هو متيسر!
- لا أشكرك! ستتفضل أنت معي. فقد قدمت لأدعوك لحفلة رأس السنة في قصري السماوي!
لم أصدق ما يجري، فهل يُعقل ألا أجد أحداً في دمشق كلها يدعوني إلى حفلة رأس السنة كي يأتي الشيطان ويدعوني إلى قصرٍ في السماء؟!.
ونظراً لأنني كنت متخوّفاً من غوايته كأن يجعلني أشرك بالله أو أكفر به وأغدو ملحداً، فقد قاومت ضعفي وهتفت بحماقة متناسياً مقدرة الشيطان على معرفة أحوال الناس:
- أشكرك، أفضل أن أبقى هذه الليلة وحدي!
ابتسم بلطف وهو يهزّ رأسه أعلى و أسفل:
- أعرف وضعك وأعرف ما تفكر فيه. أقسم لك أنني لن أقوم بغوايتك ولن أطلب منك أي شيء؟!.
- بمن تقسم لي؟
- بالله؟
-غريب أنت تقسم بالله؟
بمن سأقسم إذن؟
- لكن الله غاضب منك لأنك لم تسجد لآدم مع الملائكة!‍
- هو غاضب منّي أجل، أما أنا فلم أعد غاضباً منه، ولم أعد أُفسِد في الأرض، ولا أطمح إلاّ في رضاه وعفوه وصفحه!
- منذ متى توقفت عن الفساد؟
- منذ زمن طويل جداً!
- لماذا توقفت؟
- لأنّ الإنسان أفسدَ نفسهُ بنفسه. ولو أعرف أنّك ستصدِّقني، لقلتُ إنني لم أغضب من الله يوماً، ولم أُحاول أن أفسد أحداً، وبقيت مخلصاً لربيّ وخالقي وسأظل مخلصاً!
يا إلهي! وكيف سأصّدقك؟
- آمل أن ترافقني لبعض الوقت لعلك تصدقني!
وأطرقت للحظةٍ أُفكرّ "ربما - إذا كان صادقاً - ليس له غاية غير ذلك. لكن ما الذي سيتغيرّ إذا اقتنعت أنّه صادق فعلاً؟ فمشكلته لن يحلّها إلاّ الله، وأشكّ في أن يغيّر البشر نظرتهم إليه ما لم ينزل عليهم أمر إلهي يؤكدّ توبته أو براءته. أكيد ثمة غاية أخرى يهدف إليها ثمّ لماذا لم يختر مؤمناً اكثر منّي، كأن يختار شيخ الأزهر مثلاً، لماذا اختارني أنا بالذات"؟! وحين أدركت انه يعرف كل ما يدور في خلدي توقفت عن التفكير وهتفت:
- أنا موافق!
ابتسم بفرح شديد وراح يشكرني، ثم استأذنني ليعود إلى شكله الذي يفضل الظهور فيه دائماً، حتّى لا أظل أبدو وكأنني أحادث نفسي إذا ما ظلّ متقمصاً شكلي. واختفى للحظة ليظهر شاباً بزيّ ملائكيّ ابيض، أضفى عليه مهابة خلاّبة ووقاراً كبيراً، وقد توشّح بوشاح أخضر، كتب عليه بخط ذهبي جميل "لا إله إلا الله" كما تعصب من تحت الكوفيّة البيضاء التي كان يضعها على رأسه، بعصبة خضراء أيضاً، لم يبد منها إلا ما هو فوق جبينه وقد كتب عليها بخط ماسيّ متلألئ اسم الجلالة وحده "الله" وتزيّا بعباءة بيضاء منقطة بنقاط ذهبية، زيّنت أذيالها وحوافها وطوقها بشريط حريري أخضر أيضاً. وقد كتب على جانبيّ الطّوق بالخط الذّهبي اسم الجلالة إضافة إلى أسماء: إسرافيل. إبليس. ميكائيل. عزرائيل. جبريل. على التّوالي. تنبّهت إلى أن اسمه يرد بعد اسم إسرافيل، الذي كما هو معروف في الإسلام أمين اللّوح المحفوظ، و نافخ الأرواح في الأجساد، ومن سينفخ في الصور يوم القيامة، وهو كبير الملائكة.
وتنبّهت كذلك إلى أنّ اسم النّبي محمد (صلّى الله عليه وسلّم) لم يرد بين هذه الأسماء، وكذلك أسماء الأنبياء الآخرين، إلا إذا كانت ترد ضمن الخط الكوفي الذي كانَ يزيّن أذيال العباءة. ويبدو أنّه عرف في ماذا أفكّر، فقد قال:
- الأنبياء جاؤوا لبني آدم ولم يأتوا للملائكة، وهذا الكون مليء بالكواكب التي تعجُّ بالبشر الذين أُنزل عليهم ملايين الرُّسل والأنبياء، ولا يُعقل أن أطرّز عباءتي بأسمائهم، فهم أكثر من أن تتّسع لأسمائهم آلاف العباءات! وليس من اللائق أن أفضل نبياً على آخر!
لم أُعلّق ولو بكلمة على ما سمعت، غير أنني تساءلت:
- ألا تقول لي لماذا اخترتني أنا من بين المؤمنين لتدعوه إلى حفلة رأس السّنة مع أنّ إيماني متواضع كما تعلم؟!
فقال دون تردد:
- لأنّك أحد القلائل الذين يعرفون كم من إيمان عظيم ظاهره كفر، وكم من كُفر فظيع ظاهره إيمان !
ونظراً لأنني أدرِك أو أعتقد أنني أحد هؤلاء الكافرين في الظاهِر، المؤمنين في الباطن فقد تساءَلت على الفور:
- لكن ألا تقول لي كيف تقدر أن تعرف ما يدور في باطن إنسان مثلي؟
أدرك على الفور أنني تساءلت دون تفكير، وربّما بسذاجة مقصودة، فلم يجبني، وتابع ما يعرفه عنّي:
- ونظراً لأنّك أحد القلائل الذين يدركون ما معنى أن لا يجرّدني الله من قدراتي الخارقة رغم غضبه عليّ بعد رفضي السّجود لآدم، فقد جئت إليك!
نبّهني قوله إلى ما أدركته بوعيي مُنذ زمن طويل، ولا أعرف كيف أنساه حين الحاجة إليه.
سألته:
كم يبعد قصرك السَّماوي من هنا؟
أجاب ببساطة وكأننا سنسهر في بيروت:
- حوالي مائة مليون سنة ضوئيّة!
أطبقت بيديّ على رأسي وعدت لأجلس على السَّرير بعد أن نهضت.
هتف متسائلاً:
- ماذا جرى لك؟
- هل يُعقل لأي كائن مادي حتّى لو أُتيح له أن ينطلق بسرعة خياليّة تفوق آلاف آلاف أضعاف سرعة الضّوء، أن يقطع هذه المسافة في أقل من ساعة ونصف ليحتفل بقدوم السّنة الجديدة في قصرك السَّماوي؟!
ابتسم بسخرية أوحى لي خلالها أنّه اكتشف أنّ عقلي ما يزال قاصراً عن التّوغّل في المطلق واللانهائي، أو أنّه لم يقتنع بإمكانيّة هذا (الإيغال) وتوقّف عند حدٍ معيّن.
قال:
- ومن قال لك أنّك ستقطع هذه المسافة ككائن مادّي، بل من قال أنّك ستقطعها كمسافة داخل حدود الزّمان والمكان؟!!
- يا إلهي! ماذا تقصد بقولك هذا؟
- أقصُد أننا سنختفي خلال جزء من ستّين جُزء من الثانية ونظهر هُناك في اللحظة ذاتها!!
- نظهر هناك في قصرك على بُعد مائة مليون سنة ضوئيّة؟!
- في قصري، أو في مملكتي السَّماويّة!
- وخلال جزء من ستّين جزء من الثانية؟
- أجل!
- ما هذه القدرة الخارقة؟
- إنّها قدرة الله.
- وخلال لحظة اختفائنا هذه، هل نظل كائنين ماديين أم نصبح كائنين روحيين أم نصبح عدماً؟!
- هذا ما لا يعرفه إلا الله، و لا يعرف كيف يحدث إلاّ الله أيضاً!
- وأين نكون خلال لحظة الاختفاء؟
- نكون خارج حدود الزّمان وخارج حدود المكان!
- هل نكون في العدم؟
- ممكن!
لم أفكر في حياتي أن يحمل الشيطان هذا الفهم الموغِل في التصوّف للقدرة الإلهيّة، وكم حاولت في الماضي أن أقنع نفسي بما وصل إليه الفكر الصّوفي عند ابن عربي و الغزالي والشيخ عبد الكريم الجيلي دون جدوى، فقد كانَ من الصّعب عليّ أن أوحد بين الوجود والعَدَم وبين المادة والروح كما هما عند الجيلي وابن عربي، وظلَّ عقلي واقفاً أمام العدم الذي استحال وجوده عليّ، وبالتالي أنكرت ككل الماديين أن يكون الوجود قد جاء من العَدَم، وها أنا أواجه الحقيقة التي لا يمكن إنكارها.
سألت الشيطان:
- بما أنّك عشت لحظات الاختفاء هذه كثيراً، وهي جزء من حياتك اليوميّة، فهل يُمكنك أن تحس بوجودك خلال لحظة الاختفاء، بحيث يمكنك أن تعبّر عنه فيما بعد بالكلام؟!
- للأسف لا، فأنا لا أعرف ما أصير عليه خلال هذه اللحظة ولا أعرف كيف أصيرُ إليه ولا أحسُّ بما أصير عليه، ولهذا لا يمكنني أن أعبّر عمّا أصير إليه بالكلام أو أدركه بالحواس أو بالعقل!
- وهل يُمكن للملائكة والبشر أن يتوصّلوا إلى معرفة ذلك ذات يوم ويحلّوا رموزه؟!
- نعم حين يقترب البشر أكثر من الله، فقد يتوصّلون إلى معرفة الكثير من المعجزات.
- معرفة الله نفسه، بكُليّته، متى يمكن أن يتوصّلوا إليها؟
- حين يعرفون أنفسهم تمام المعرفة!
- ومتى سيعرفون أنفسهم…؟
- ذلك علمه عند الله.
- هل تعرف أنتَ نفسك؟
- لا!
- والملائكة؟
- والملائكة كذلك.
- ومن يعرف نفسه إذن؟
- الله وحده هو الذي يعرف نفسه بنفسه تمام المعرفة!!
- ماذا سنقول إذن عن المعرفة التي توصَّل إليها البشر عن أنفسهم وعن الله حتّى الآن؟!
- ليست أكثر مِنْ ذرّة صغيرة مِن التجلّي الظاهري للإله!
ويبدو أننا نسينا رأس السّنة، فقد راحت مئات الأسئلة تزدحم في مخيّلتي، ورغم أنّه ذكّرني بذلك مؤكّداً لي أننا سنتحدّث كثيراً في الأيام القادمة، إلا أنني طلبت إليه أن يجيبني على بعض الأسئلة قبل أن نختفي ونظهر.
قلت:
وماذا عن الاختفاء الذي تحسّون به وترون النّاس من خلاله دون أن يروكم أو تتسرّبون إلى دمائهم كما نسمع، دون أن يحسّوا بكم؟
- ثمّة مئات الأشكال للاختفاء المادّي والتشكّل في كائنات أُخرى، وهذه لا نفقد حواسنا وإدراكنا خلالها، وسأحدّثك عن ذلك فيما بعد.
- أرجوك، أريد أن تتحوّل للحظة إلى جُزيء الكتروني!
اختفى من أمامي على الفور. تساءَلت:
- أين أنت أيها الملِك؟
فأجابني:
- أنا على غلاف الكتاب الذي إلى جانبك!
أخذت الكتاب وحدّقت إلى الغلاف فلم أرَ شيئاً، وتناولت عدسة مكبّرة ونظرت عبرها فلم أرَ شيئاً أيضاً. عاد إلى شكله وهو يضحك لمحاولتي رؤية جزيء إلكتروني بعدسة كهذه، فيما كانت مئات الأسئلة تصطرع في مخيّلتي.
قلت:
- هل البشر والجن والملائكة كائنات ماديّة أم روحيّة حسب فهمك؟
- الملائكة والجن كائنات من نور ونار وروح، والبشر كائنات من أديم وروح، والله سبحانه وتعالى قادر على أن يُحيل الرّوح إلى مادّة والمادّة إلى روح حين يشاء. أطرقت إليه للحظة وسألت:
- لو طلبت إليك أن تعبّر عن مفهومك لله بمنطق الكلام، بكلمات مختصرة، فماذا تقول؟
شرع على الفور في ترديد نشيد حفظه عن ظهر قلب كما يبدو:
الله الكلام!
والّلا كلام!
وما يُعبّر عنه الكلام!
ومالا يُعبّر عنه الكلام!
وما لن يُعبّر عنه الكلام
بل وما يستحيل على الكلام
أن يرقى إلى التعبير عنه!
وما يستحيل على الكلام
أن يتضح دونه!
ولن يتضح دونه!
***
وسع كرسيُّه السماوات والأرض
ولم تتسع لوجوده السماوات والكواكب!
ووسعه قلب عبده المؤمن
ولم تتسع له ملايين القلوب!
***
لا تستطيع أن تعرفه
ولا تستطيع أن لا تعرفه!
فهو الحواسُّ والعقول
والّلا حواسَّ والّلا عقولّ
وما هو فوق الحواس والعقول!
وهو ما تدركه الحواسُّ والعقول!
وما لن تدركه الحواسُ والعقول!
بل وما يستحيل على الحواس والعقول
أن تدرك وجوده الكليّ!
وهو ما يستحيل على الحواس و العقول
أن تدرك دونه
ولن تدرك دونه
ويستحيل عليها أن تدرك دونه
إنّه اللــــــــه
لو كانت مياه البحار و الأنهار
مداداً
لما كفت للتعبير عنه
فكيف يتسنى لي أن أُعبّر عنه؟!
إنّه اللــــــــه!
***
كنت جالساً أُحدّق إليه بدهشة وأنا أستمع إلى ما يشبه بعض التعابير والأفكار من التصوّف الإسلامي و الهندي و الصيني والقرآن الكريم والحديث الشريف.
تساءَلت مستوضحاً:
- هل تقصد أنّ الله هو كل شيء ولا شيء،المحسوس والمجرّد،الظاهر والباطن،البادي والمخفي، الوجود والعدَم، المادّة واللا مادة، الروح والجسد، السالب والموجب؟!
- أنا أقصِد ولا أقصِد، فلا أستطيع أن أقول أنني قصدت كذا، كذلك لا أستطيع أن أقول أنني لم أقصد!
- لماذا تُعقّد الأمور أيّها الملك؟
- أنا لم أعقّد شيئاً، فالقادر على كل شيء قادر حتى على أن يكون عدماً، وأن يخلق وجودا من العدم، وعدماً من الوجود.
- هل هذا يعني أنّ الله يمكن أن يحيل الوجود إلى عَدَم؟
- وما يوم القيامة إن لم يكن شكلا ًمن أشكال إعادة الوجود إلى العدم ومن ثُمَّ العدم إلى الوجود؟!
- هل العدم وجود مادي أم روحي أم تعبير مُجرّد حسب مفهومك؟
- الحقيقة المُطلقة لا يعلمها إلاّ الله، ويمكن أن يكون كلُّ شيء هو العدم واللا عدم!
- وماذا لو قلت لك أنّ العدم كلمة مجرّدة لا تدل على شيء، وتلغي كل شيء؟!
- تكون قد كفرت. لأنّ كلمة "العدم" حتى في مفهوم الناس البسطاء، تدُّل على العدم و تشير إلى أنّها كلمة مكوّنة من خمسة أحرف! فأين العدم إذن؟!
- أنت تحيّرني بفهمك الموغل في المُطلق و اللا نهائي، فهل أنت حقّاً إبليس؟
- أجل أنا إبليس! وأنا لست أكثر من كلمتين قالهما الله جلّت قدرته "ليكن إبليس "فكنت كما أرادني، ومنحني من القدرات الخارقة ما لم يمنحه إلاّ لنفرٍ قليلٍ من الملائكة.
- سعادتي بقدومك إليّ هذه الليلة لا توصف بكلام، وتعرّفي إليك أكبر من كلِّ الكلام، فهيّا يا عزيزي أحلنا إلى العدم وأعدنا إلى الوجود في قصرك السَّماوي أو مملكتك السَّماويّة!
- أي لباسٍ تفضّل أن ترتديه هذه الليلة؟
- أمضيت عمري حزيناً كئيباً، وياليتك تسبغ عليّ ما يليق بحزني ووقار شيبي!
وخلال لحظة وجدت نفسي أتسربل في حُلّةٍ ملكيّةٍ سوداء على قميصٍ حريريٍّ أبيض حيك بخيوطٍ من الذّهب، وقد طُوّقت عنقي قلادة من الماس، تدلّت فوق "الكشكش" الذي كان يُغطّي عُرى القميص، وتبدو منه الأزرار الياقوتيّة الثمينة، ووجدت على رأسي تاجاً من الزمرّد المرصّع بكُلّ أنواع الجواهر المتلألئة.
هتفت وأنا أرى نفسي ملكاً:
- أنت تخجلني أيها الملك، ألا يكفي أنك تدعوني إلى مملكتك السماويّة.
- لا تخجل فكل هذا من فضل الله، وفضله علي أكثر من فضله على البشرية كُلّها، في الكواكب والأكوان كلّها!
- شكراً لله الذي منحك كلّ هذه النِّعم.
- هل أنت جاهز؟
ووجدت نفسي أقف في حركة استعداد، ولم أكد أقول له "جاهز" حتى وجدت نفسي معه في عالم آخر تماماً:
عالم ساحر كالجنان
وربّما أجمل من الجنان
في مياه بحريّة تمخرها الأنهار!!
وتنتصب أسفلها وفوقها
القصور العائمة!
بين الحدائق الخلاّبة!
ذات الورود اليانعة!
والثمار الدانية.
تحلّق في لجّتها الطيور!
والأقمار المضيئةّ
والقناديل المتوهجة!
والحوريّات العاريات!
وجنيّات البحر!
والفتيات الأبكار الناهدات:
كاعبات الصدور
منيرات الخدود
رقيقات الشفاه
فاتنات القُدود
ظبيانيّات الأعناق
طويلات الشعور
ضامرات الخصور
ممتلئات الأرداف
ممتشقات القوام
صاهِلاتٍ جامحاتٍ كالخيول
بعيونٍ سارحات
وأنظارٍ كالسهام
وأهدابٍ سابلات
وبطونٍ كالحرير
وسررٍ قلَّ لجمالها نظير
وأفخاذٍ غاويات
وسيقان كالمرمر المصقول
وأنوف كالسيوف!
وأيادٍ حانيات.
وركبٍ للقبل
وفروج كاللوز المقشّر
صغيرات!
كُنّ يحلقن كاليمام
بين حور عين طاغيات
ينثرن من حولنا أريج
الورد السماوي
ويبتسمن كربّات الجمال
ويرمقننا بسحر العيون
القاتلات
فسبحان خالق الكائنات.
***
تنبهت لنفسي وأنا أُحلّق مع الملك تحت الماء، وأننا نتنفس دون أن نشعر بوجود الماء، وأنّ ملابسنا لم تبتل بالماء، فحاولت أن أخرج من حالة الذهول وسحر الحوريّات و جمال الحدائق والعوالم، وأخاطب الملك، غير أنني تخوّفت من أن يدخل الماء إلى فمي رغم أنني كنت أتنفّس. ويبدو أنّه عرف ما يدور في مخيلتي، فسألني، فيما كان صوت الحوريات وآلاف الأسماك والحيتان والدّلافين والطيور والحيوانات البرية والأشجار والورود والشعب المرجانية يردد بأنغام عذبة مُرحّباً بنا:
"أهلاً بجلالة مليكنا الحبيب وضيفه الأديب"
قال:
- يمكنك أن تتحدث بسهولة، ويمكنك أن تحادثني تخاطراً إن شئت!
ولوح بيده اليمنى لجموع الكائنات والحوريات وراح يوزّع عليها ابتسامات ساحرة،ففعلت مثله، وأنا أُدرك أنّ ابتسامتي ليست ساحرة.
سألته:
- أين نحن أيها الملك؟
- نحن في مملكتي السماويّة ‍‍‍‍!
- هل هذا يعني أن لديك أكثر من مملكة؟
ابتسم ونحن ننطلق تحت الماء وسط هذا المهرجان الاحتفالي الساحر:
- لدي مليون مملكة، وكل مملكة عدد سكانها ألف مليون شيطان كلهم من نسلي، وأنا ملك ملوك الممالك كلها!!
صعقني النبأ فرحت أتساءل في نفسي عن سر الحكمة الإلهيّة في الإبقاء على قدرات الشيطان ومنحه كل هذا الثراء رغم غضب الله منه وعليه!
كان سرب من الظباء ترافقه بعض الحوريات والدلافين والأسماك الملونة والنوارس وطيور جميلة لا أعرف ما هي تعبر أعماق البحر من حولنا في احتفال راقص.
تساءلت:
- هل نحن في السماء أيها الملك؟
- أجل! نحن في السماء.
- وما هذا البحر العجيب إذن الذي تعيش فيه الحيوانات البريّة والطيور إلى جانب الحوريات والجنيات والأسماك والأشجار والورود والكائنات المائية الأخرى، والأدهى من ذلك، الأنهار التي تمخره دون أن يختلط ماؤها بمائه؟!
- إنه بحري. بحري المعلق في السماء. بحري الذي لا مثيل له بين البحار في كل الأكوان، بحري الذي أقمت فيه مملكتي السماويّة، وشيّدت فيه أجمل القصور العائمة!
كنا ننطلق داخل الماء، دون أن نطير ودون أن نسبح، والحوريات يحففن بنا من كل جانب. مررنا على جماعة من الجن المجنحين بينهم جنيّات خارقات الجمال.كانوا يرقصون و يمرحون ويشوون ظباء على نار أُشعلت في الماء، وقد تضوّعت رائحة الشواء لتعمَّ أعماق البحر.
هتفت بدهشةٍ:
- ما كُلُّ هذه المستحيلات التي أراها أيها الملك؟
- ليس في مملكتي ما هو مستحيل أيها الأديب، ضع في اعتبارك إمكانيّة حدوث كل ما هو مستحيل، حتى لا تُفاجأ أو تندهش أمام المستحيلات التي ستراها!
- هل سنحتفل برأس السنة هنا؟
- لا سنحتفل في قصري. لكني أحببت أن أريك شيئاً من مملكتي السماويّة قبل أن أضعك في أجواء القصر وبين آلاف المحتفلين.
- ولمن هذه القصور التي نتجاوزها؟
- هذه بعض قصور أعواني و أتباعي في هذه المملكة.
- وهل سنحتفل تحت الماء أو فوق الماء؟
- كما تريد، فقصري ينهض من أعماق الماء إلى قرابة ألف كيلو متر في السماء!!
وأخفيت دهشتي انسجاماً مع ما أوصاني به!
- هل لي أن أسألك مع من سنحتفل؟
- مع الحوريات والعلماء والملوك والملكات من أبنائي وأحفادي. وثمّة بعض المفاجآت التي ستعرفها في حينها.
- لعلك دعوت بعض بني البشر؟
- لن أقول لك!
- لعلك دعوت كليوباترا وزنّوبيا وبلقيس وهيلين الطروادية؟!
- لن أقول لك!
اعترضت تحليقنا حوريتان كأنّهما ربّتان للجمال، وأصرّتا على أن تضيّفانا من كأسيهما خمراً وتعانقانا، فتذوّقنا خمرهما ولثمنا شفاههما.
دخت أنا من خمر الشفاه وخفت على إيماني الضعيف أن ينهار هذه الليلة في عوالم الشيطان، مع أنني لم أحس بعظمة الله وأراها كما أحسست بها ورأيتها هذه الليلة.
مررت لساني على شفتيّ متلذذاً بنكهة الشفاه الحوريّة فيما كان الملك يتوغّل إلى جانبي في لجّة الماء.
تساءلت:
- أخاف أن ينتهي العام الماضي ويبدأ العام المقبل ونحن لم نصل القصر بعد؟!
قلت ذلك مع أنني أعيش في جوٍ احتفالي، لكنه أخبرني أن هذا ليس الحفل، وأن ثمّة حفلاً آخر ينتظرني.
شرع الملك في الضّحك. قال:
- هل نسيت أنّك الآن في زمنٍ آخر وعالمٍ آخر أيها الأديب؟
- ومع ذلك فأنتم تحتفلون هذه الليلة برأس سنتكم؟!
- أجل، وقد توافق ذلك ولأول مرّة بالصدفة، في حوالي مائة ألف مملكة من ممالكي المنتشرة في الكون. فالزمن يختلف في كُلِّ مملكة من ممالكي المليون، ما عدا مملكة واحدة، هي مملكتي الكائنة في المحيط الأطلسي على كوكب الأرض، التي يتوافق زمنها وتعاقب الليل والنهار فيها مع زمن الأرض.
- وهل لك مملكة على كوكبنا أيضاً؟
- إنها مملكتي الأولى، أقمتها منذ حوالي ثلاثين مليون عام!
- يا إلهي! ألا تقول لي بأي رأس سنة تحتفلون أنتم هذه الليلة؟
- نحتفل باليوم الأوّل من العام الأول بعد الخمسين مليون عام من خلق آدم! وكُلّ يوم من هذه الأيام يُعد بألف عام مما تعدّون!
ولم أقدر إلا أن أندهش، بل بتُّ متخوفاً من أن أفقد عقلي. ورغم قناعتي أنّ الله أكبر من أن يعنيه إيماني أو إلحادي، لتساميه وتعاليه وعدم حاجته إليّ، إلا أنني لا أستطيع أن أستغني عنه، ولا أتصوّر أن أفقد محبّته من قلبي، فرحت أتوسَّلُ إليه في سرّي:
"إلهي، إذا كان في ما يحدث معي هذه الليلة ما يُبعدني عنك، فابعدني عنه، وأعنّي ربّي لأبتعد عنه، وإذا كان فيه ما يقرّبني منك ويبقيك في قلبي، فدعني أغرق في جمال خَلقك وبهاء مخلوقاتك حتى الموت".
فوجئت بالملك إبليس يربت على ظهري وهو يدرك تماماً ما كان يدور في خيالي. قال:
"لا تخف هيّا، نحن الآن نقترب من قصور ملكات الحوريّات ذوات الأجساد والرّؤوس السُّباعيّة، وهؤلاء لن يدعننا نتجاوز قصورهنّ دون أن يدعوننا لمشاركتهنّ الإحتفال ومطارحتهن الغرام "!!
وفيما كنت أهتف"يا إلهي ماذا في مقدوري أن أفعل مع تنّين إذا لم أنجُ؟ " ظهرت كوكبة منهنّ أمامنا، وما أن أبصرتهن حتى وجدت نفسي مسحوراً ومنقاداً رغماً عنّي إلى سحر الجمال الذي تبيّن لي أنه غير تنّيني!!
***





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,361,306,716
- أقل الكلام في خير ما سطرته الأقلام !
- على هامش الحوار بيني وبين صديقي المؤمن - العقل الحر والعقل ا ...
- ( أصابع لوليتا ) حب وألم وفهم خطأ لسفر أيوب !
- شاهينيات :في الخلق والخالق والمعرفة (14)
- -قناديل ملك الجليل - ملحمة الفارس الأسطورة !
- -غريب النهر - سفر الشتات الفلسطيني
- شاهينيات :في الخلق والخالق والمعرفة (13)
- البطولة الجماعية في ( فرس العائلة )
- حوار مع صديقي المؤمن !
- سعود السنعوسي يحلق عاليا في - ساق البامبو-
- عزازيل : صراع الكنائس حول طبيعة المسيح؟
- ماذا فعلت بعلاء الأسواني في نادي السيارات ؟!
- شاهينيات :في الخلق والخالق والمعرفة (12)
- شاهينيات :في الخلق والخالق والمعرفة (11)
- شاهينيات :في الخلق والخالق والمعرفة (10)
- شاهينيات :في الخلق والخالق والمعرفة (9)
- شاهينيات :في الخلق والخالق والمعرفة (7)
- شاهينيات :في الخلق والخالق والمعرفة (8)
- شاهينيات :في الخلق والخالق والمعرفة (6)
- شاهينيات :في الخلق والخالق والمعرفة (4)


المزيد.....




- أزمة -البام-: مجرد نموذج للتيه الحزبي المشترك !
- في بلاد النوافذ المحطمة.. كيف يتواصل شعراء اليمن بزمن الحرب؟ ...
- بالصور.. 9 تنبؤات من أفلام الخيال العلمي القديمة التي تحققت ...
- في ضرورة الثورة الفكرية / بقلم حمّه الهمامي
- إنفانتينو يشكر بوتين باللغة الروسية بعد تقليده وسام الصداقة ...
- الخارجية الروسية: موسكو تعتبر منظمة التحرير الممثل الوحيد لل ...
- التطريز اليدوي التونسي.. لوحات فنية تبدأ -بغرزة-
- حقيقة وفاة الفنان المصري محمد نجم
- صابرين: أنا لست محجبة! (فيديو)
- الخارجية المغربية: ننوه بجهود كوهلر ومهنيته


المزيد.....

- النقابات المهنية على ضوء اليوم الوطني للمسرح !! / نجيب طلال
- الاعمال الكاملة للدكتور عبد الرزاق محيي الدين ج1 / محمد علي محيي الدين
- بلادٌ ليست كالبلاد / عبد الباقي يوسف
- أثر الوسائط المتعددة في تعليم الفنون / عبدالله احمد التميمي
- مقاربة بين مسرحيات سترندبيرغ وأبسن / صباح هرمز الشاني
- سِيامَند وخَجـي / عبد الباقي يوسف
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود شاهين - غوايات شيطانية . سهرة مع ابليس. ( ملحمة نثرية شعرية ) (1)