أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - شوكت جميل - مخطوطات العهد الجديد_دراسة نقدية_















المزيد.....



مخطوطات العهد الجديد_دراسة نقدية_


شوكت جميل

الحوار المتمدن-العدد: 4607 - 2014 / 10 / 18 - 22:17
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


في هذه الدراسة نتناول مخطوطات العهد الجديد، على طوال مسارها التاريخي، وما يكون قد مسّها من تغيير، و الاختلافات فيما بينها إذا كانت ثمة اختلافات..و لم نسلك في دراستنا تلك السبيل الهين اليسير فنريح و نستريح؛فلا نحن ذهبنا مذهب بعض المتدينين المتعصبين الذين يعصمون النسّاخ من الخطأ قبل أن يعصموا النص"المقدس"من أن يسمه أهون تحريف و لو بحرفٍ..
و لا نحن ذهبنا مذهب بعض اللادينيين المتعصبين الذين يرون أن النص لم يكن سوى غرضٍ للهو،يعبث به النسّاخ بالإضافة و الحذف ما شاء لهم العبث،و إنما سلكنا السبيل المضني العسير،سبيل الباحثين الجادين الغير متلبسين بهوىٍ غير هوى الحقيقة،و الذين سلخوا أعماراً في التنقيب عن المخطوطات،فإن هم حصلوا عليها أفنوا سنيناً في المقارنة و الدرس،حتى يمدوا أمثالنا من الراغبين في المعرفة برأيٍ إن لم يكن قاطعاً فهو الأكثر ترجيعاً،و ما أحسبني في هذا المقام سوى عارضٍ لبضاعتهم؛إذ لم أسهم فيها بشيءٍ،و ما أحسبني مخولاً للإسهام في هذا المجال المتخصص الدقيق من العلم.

حقّ عليّ التنبيه بأن هذا الدراسة تتعامل مع هذه النصوص تعاملها مع أي مخطوطٍ قديمٍ يُراد تحقيقه،كمخطوطات أرسطو..أو سوفكليس..إلخ،و ليس لهذه الدراسة ثمة علاقة بالله،أو أنه أوحى بهذه النصوص أم لم يوحِ،فَمن يتوقع أن يجد بها شيئاً مثل ذلك ، فأنصحه ألا يضيع وقته الثمين.
...............................................

أولاً:مصادر نصوص العهد الجديد:
( أ ) المخطوطات اليونانية،
)ب) الترجمات القديمة،
)جـ) اقتباسات الكتَّاب القدامى.

ثانياً:الاختلافات بين المخطوطات.

ثالثاً:الخلاصة

أولاً:مصادر نصوص العهد الجديد:

( أ ) المخطوطات اليونانية:
كان الكتَّاب الأقدمون - عندما يستشهدون بالمخطوطات اليونانية، يشيرون إليها بطرق مختلفة: إما بالاسم أو برمز يربط بين المخطوطة وصاحبها، أو بالمكتبة التي تحتفظ بها. ولما كثر الاستشهاد بإعداد متزايدة من المخطوطات، أصبح من الضروري استخدام نظام أبسط. ولقد بذلت محاولات عديدة في هذا المضمار، قبل أن يستكمل النظام المستخدم حالياً، حيث يشار إلى المخطوطات - البردية - وكلها بالحروف الكبيرة المنفصلة - بحرف >PP 66P 72< وتشتمل على رسالة يهوذا ورسالتي بطرس الرسول، بالإضافة إلى العديد من كتابات أخرى. ويرجع تاريخها إلى القرن الثالث الميلادي.
جـ - البردية >P 73< وتشمل على جزء صغير من إنجيل متى.
د- البردية >P 74< و الجدير بالملاحظة هو أنها مخطوطة بردية رغم أنها كتبت في القرن السابع الميلادي، وتضم سفر أعمال الرسل و الرسائل الجامعة في صور قصاصات.
هـ- البردية >P 75< وتضم جزءاً كبيراً من إنجيلي لوقا ويوحنا. وترجع إلى أواخر القرن الثاني أو بعد ذلك بقليل.
وقد تم نشر برديات بودمر - ما عدا البردية >P73< - مع صور فوتوغرافية لها.

و- وأقدم قصاصة معروفة من المخطوطات اليونانية للعهد الجديد - بل لعلها أقدم من البردية >P66<، هي قصاصة صغيرة يرمز إليها بالرمز >P52< وتوجد في مكتبة جون ريلاندز (Rylands) في مدينة منشستر بإنجلترا، وهي تضم سطوراً قليلة من الإصحاح الثامن عشر من إنجيل يوحنا. ويرجع تاريخ هذه البردية إلى النصف الأول من القرن الثاني الميلادي، كما سجل ذلك محررها، وكذلك حسب تقدير علماء الكتابات القديمة. وتقدم هذه البردية الدليل على خطأ نقاد توبنجن (Tubingen) ، في زعمهم أن الإنجيل الرابع كتب في نحو 160م ، فهذه البردية تثبت أن الإنجيل الرابع كان متداولاً قبل ذلك بوقت طويل حتى أنه وصل في أوائل القرن الثاني إلى أعماق مصر حيث وجدت هذه البردية.
وهناك برديات أخرى موجودة إما فرادى أو في مجموعات في المكتبات في أجزاء مختلفة من أوروبا والولايات المتحدة و الشرق الأوسط.
(1) المخطوطات بالحروف الكبيرة المنفصلة: يبلغ عدد المخطوطات المكتوبة بالحروف الكبيرة المنفصلة على رقوق من الجلد، نحو مائتين وخمسين مخطوطة تتفاوت أحجامها من قصاصة تضم بضعة آيات إلى مخطوطة تضم العهد الجديد كله وقد كتبت في فترات بين القرن الرابع حتى القرن العاشر الميلادي، ولذلك هي أحدث عهداً من معظم البرديات. ولكن قيمة هذه المخطوطات أكبر من قيمة البرديات لأنها أشمل منها في محتواها، بالإضافة إلى أنه في خلال فترة الكتابة بالحروف الكبيرة المنفصلة، حصلت المسيحية على الاعتراف الرسمي بها في أوائل القرن الرابع، وبالتالي فان معظم هذه المخطوطات تدل على أنها كتبت بيد كتبة مؤهلين . وفيما يلي أهم هذه المخطوطات:

أ - مخطوطة ألف (01) أو المخطوطة السينائية (350م) CODEX SINAITICUS)):

وترجع إلى القرن الرابع الميلادي وتضم العهدين القديم و الجديد كاملين، وهي محفوظة في المتحف البريطاني بلندن. وقصة اكتشاف هذه المخطوطة في دير سانت كاترين في سيناء (ومن هنا اكتسبت اسمها)، على يد قسطنطين تيشندروف (Tischendorf) قصة مثيرة. وتعد هذه المخطوطة من أهم مخطوطات العهد الجديد التي وصلت إلينا، وهي مكتوبة بخط جميل مع بعض الزخرفة، على أربعة أعمدة في كل صفحة. ويبلغ طول كل صفحة خمس عشرة بوصة، وعرضها ثلاث عشرة بوصة. وقد نقلها تيشندورف من سيناء إلى روسيا في 1859م حتى إنه أبى أن يسجلها تحت رقم مبهم في القائمة الأبجدية للمخطوطات بل سجلها تحت أول حرف من حروف الأبجدية العبرية الألف. وفي 1933م قامت الحكومة البريطانية بشراء هذه المخطوطة من الحكومة السوفيتية بمبلغ مائة ألف جنيه إسترليني.

ب- المخطوطة المرموز لها بالرمز A(02) أو المخطوطة الإسكندرية (Codex Alexandrinus) .(400م_..):

وهي مخطوطة من القرن الخامس وتشمل معظم العهدين (ولكن ينقصها من العهد الجديد إنجيل متى كله تقريباً وجزء من إنجيل يوحنا، ومعظم الرسالة الثانية إلى كورنثوس)، وهي معروضة في المتحف البريطاني بجانب المخطوطة السينائية. وبعد أن حصل بطريرك القسطنطينية على هذه المخطوطة من الإسكندرية أهداها في 1627م إلى الملك شارل الأول ملك إنجلترا. ويبلغ طول الصفحة فيها ثلاث عشرة بوصة وعرضها عشر بوصات، ومكتوبة على عمودين في كل صفحة، وبها من الزخارف أكثر مما بالمخطوطة السينائية.

جـ- المخطوطة الفاتيكانية >B(03)<( CODEX VATICNUS) (325 -350):

وقد كتبت في منتصف القرن الرابع الميلادي تقريباً، وهي موجودة في مكتبة الفاتيكان منذ القرن الخامس عشر أو قبل ذلك. ولعلها أهم مخطوطة باقية للعهد الجديد، وكانت أصلاً تضم العهدين كليهما وجزءاً من أسفار الأبو كريفا، أما الآن فينقصها معظم سفر التكوين وجزء من المزامير في العهد القديم، وجزء من الرسالة إلى العبرانيين وكل رسائل تيموثاوس الأولى والثانية وتيطس وفليمون وسفر الرؤيا في العهد الجديد. وطول الصفحة مثل عرضها ويبلغ نحو إحدى عشر بوصة. أم النص فمكتوب بخط جميل أنيق بدون زخرفة، وعلى ثلاثة أعمدة في كل صفحة.

د - المخطوطة الأفريقية >C(04)<: وهي أهم مخطوطة باللغة اليونانية للعهد الجديد على رقوق أعيد استعمالها بعد محو الكتابة التي كانت عليها قبلاً. وتوجد هذه المخطوطة في المكتبة القومية في باريس، ويرجع تاريخها إلى القرن الخامس الميلادي، وكانت أصلاً تضم كلا العهدين القديم و الجديد، وفي القرن الثاني عشر تم محو النص الكتابي من عليها فنزعت معظم أوراقها، وما بقي منها كتبت عليه بعض أقوال أفرام السرياني. وقد تمكن تيشندورف من قراءة النص الكتابي ونشره، إلا أنه استخدام الكيماويات في محاولة إظهار الكتابة الأصلية، قد شوه المخطوطة بدرجة كبيرة. وتضم الأجزاء المتبقية من المخطوطة أجزاء من كل أسفار العهد الجديد تقريباً.

هـ ـ المخطوطة البيزية ( Codex Bezae )ويرمز لها بالرمز >D (05 )<: وهي مخطوطة من القرن السادس وتضم الأناجيل الأربعة وسفر الأعمال، وهي محفوظة في مكتبة جامعة كمبردج منذ أن أهداها إليها تيودوربيزا في 1581م. وقد كتب النص على عمود واحد لكل صفحة مع اختلاف في أطوال السطور. والنص فيهما مدون بلغتين هما اليونانية واللاتينية على صفحتين متقابلتين. وترتيب الأناجيل فيها يبدأ بإنجيل متى ثم يوحنا فلوقا ثم مرقس. وتعد الممثل الرئيسي لما يعرف بالنص الغربي ( Western text ). ولنصوصها بعض الظواهر المميزة، كما أن سفر الأعمال فيها يزيد بمقدار العشر عن النص المألوف.
و ـ المخطوطة الكلارومونتانية ( Codex claromontantanus ) ويرمز لها بالرمز ( 06 ) D Paul . وهي محفوظة في المكتبة القومية في باريس، ويرجع تاريخها إلى القرن السادس وتضم كل رسائل الرسول بولس إلى جانب الرسالة إلى العبرانيين، ومن الملفت للنظر أن المخطوطتين المسجلتين تحت الرمز >D< مدونتان بلغتين هما اليونانية واللاتينية على صفحتين متقابلين (اليونانية على الصفحة اليسرى). وقد كتب النص في كلتا المخطوطتين بحيث يكون لكل سطر معنى مستقل، لذلك اختلفت أطوال السطور. وتمثل كلتا المخطوطتين النص الغربي.

ز ـ المخطوطة الأرجوانية البتروبوليتانية ( Codex Purpureus.. Petropolitanus ) ويرمز لها >N(022)< وهي مكتوبة بحروف فضية على رقوق أرجوانية، ومثلها في ذلك >Q(023) Codex ، (042)<، >(043)<. وترجع هذه المخطوطات الأربع إلى القرن السادس الميلادي. ويوجد معظم المخطوطة الأرجوانية >N(022)< في ليننجراد، كما توجد أجزاء منها في أماكن أخرى عديدة .

ح - المخطوطة الفريريانية أو الواشنطينية (Codex Freerianus) وترجع إلى القرن الرابع أو القرن الخامس الميلادي، وهي محفوظة في قسم فرير للفن في معهد سيمشسونيان في واشنطن ويرمز لها بالرمز W(032) وهي مثل المخطوطة D تضم الأناجيل الأربعة بالترتيب الغربي (أي متى ـ يوحنا ـ لوقا ـ مرقس).

ط - المخطوطة الزاكينيثية (Codex Zacynthius) ويرمز لها بالرمز >14 (040)< وهي محفوظة في مكتبة جمعية التوراة البريطانية في لندن، وهي عبارة عن رقوق مكتوبة بعد محو كتابة سابقة، وترجع إلى القرن الثامن، وتحوي إنجيل لوقا، وهي أقدم مخطوطة معروفة للعهد الجديد، كتب فيها النص الكتابي مع شروحات الآباء، كما أنها المخطوطة الوحيدة الباقية التي كتب فيها النص وتفاسير الآباء بالحروف الكبيرة المنفصلة .

(2) المخطوطات بحروف صغيرة متصلة : والمخطوطات المكتوبة بهذه الطريقة تزيد عدداً عن المخطوطات المكتوبة بالحروف الكبيرة المنفصلة بنسبة عشرة إلى واحد، مع احتمال فقدان نسبة كبيرة من المخطوطات بالحروف الكبيرة المنفصلة أكثر مما فقد من المخطوطات بالحروف الصغيرة وذلك لأن المخطوطات الأولى أقدم من الثانية، كما يدل التفاوت الكبير بين أعداد المخطوطات المتبقية من النوعين، على أن عملية الكتابة بالحروف الصغيرة كانت أسرع وأيسر وأقل تكلفة من الكتابة بالحروف الكبيرة المنفصلة. وأهم المخطوطات المكتوبة بحروف صغيرة هي :

(أ‌) المخطوطة المرقومة >I<: وهي مخطوطة من القرن الثاني عشر وتضم كل العهد الجديد ما عدا سفر الرؤيا، وهي محفوظة في بازل في سويسرا. وكانت إحدى المخطوطات التي استخدمها إرازمس في إعداد أول نسخة مطبوعة من العهد الجديد باليونانية، ويطلق مصطلح العائلة رقم (1) على مجموعة من هذه المخطوطات المكتوبة بحروف صغيرة، وهي المخطوطات :1،118،131،209،1582، وترجع جميعها إلى ما بين القرنين الثاني عشر والرابع عشر، وهي متشابهة جداً في نصوصها، وتختلف إلى حد ما عن نمط النص السائد في سائر المخطوطات المكتوبة بالخط الصغير بصفة عامة .

(ب‌) المخطوطة المرقومة برقم >2<: وهي من القرن الثاني عشر الميلادي وتضم كل الأناجيل وهي محفوظة في بازل في سويسرا، وقد استخدمها إرازمس أيضاً.


(ج) المخطوطة المرقومة برقم >13<: وترجع إلى القرن الثالث عشر وتضم كل الأناجيل، وهي محفوظة الآن في باريس. وعائلة هذه المخطوطة مكتوبة بالحروف الصغيرة، وشديدة التشابه، وتضم المخطوطات >828,826,788,543,346,124,69,13< وبضع مخطوطات أخرى، وتتميز هذه المجموعة بأن قصة المرأة التي أمسكت في زنا وردت بعد لوقا 21: 38، وليس بعد يو 7: 52. كما أن هناك علاقة وثيقة بين عائلة المخطوطة >13< وعائلة المخطوطة >I< .

(د) المخطوطة المرقومة برقم >33<: وتسمى ملكة المخطوطات المكتوبة بالخط الصغير، وذلك بسبب نصها الرائع، وترجع إلى القرن التاسع أو العاشر الميلادي وتضم العهد الجديد كله ما عدا سفر الرؤيا، وهي محفوظة في باريس .

(هـ) المخطوطة المرموقة برقم >81<: وهي واحدة من المخطوطات القليلة التي سجل عليها تاريخ تدوينها، وهو 1044م. وتضم سفر الأعمال في نص رائع. وهي محفوظة في لندن.

(و) المخطوطة المرقومة برقم >565<: وترجع إلى القرن التاسع أو العاشر الميلادي، وتشتمل على الأناجيل الأربعة، وهي محفوظة في لينينجراد، وهي مكتوبة بحروف ذهبية على رقوق أرجوانية، وتعد من أجمل مخطوطات العهد الجديد، ويختلف النص فيها بعض الشيء عن نص المخطوطات العادية المكتوبة بخط صغير، ولكنها تنتمي إلى عائلتي المخطوطات >1<، >13<.

(ز) المخطوطة المرقومة برقم >700<: وترجع إلى القرن الحادي عشر أو الثاني عشر الميلادي، وتختلف بعض الشيء عن النص الشائع في المخطوطات المكتوبة بالحروف الصغيرة، ولكنها تشبه المخطوطة >565< وعائلتي المخطوطتين >I<، >13<. وتشترك المخطوطة 700 مع المخطوطة 162 في تسجيل عبارة ليأت روحك القدوس علينا ويطهرنا محل عبارة ليأت ملكوتك (لو 11: 2).

(ح) المخطوطة رقم >1424<: ويرجع تاريخها إلى القرن التاسع أو العاشر، وتملكها كلية اللاهوات اللوثرية في ماي وود في ولاية إيلينوي الأمريكية، وهي تحتوي على العهد الجديد كله، كما تضم شرحاًلكل أسفار العهد الجديد ما عدا سفر الرؤيا. وتشكل هذه المخطوطة مع المخطوطات المرموز لها بحرف >M< وهي نحو خمس وعشرين مخطوطة، مجموعة أو عائلة من المخطوطات برقم >1424<.

(4) القراءات الكتابية ( Lectionaries ):
ومع أن مخطوطات القراءات الكتابية بدأت أصلاً في فترة الكتابة بالحروف الكبيرة المنفصلة، إلا أن معظم المخطوطات التي وصلتنا منها، مكتوبة بالحروف الصغيرة، ولم تتم سوى دراسات قليلة حول مخطوطات القراءات الكتابية، حتى قامت جامعة شيكاغو في السنوات الأخيرة بدراستها. ففي الأزمنة المبكرة جداً، تم تحديد بعض الفصول الكتابية لقراءتها في كل يوم من أيام السنة، وفي الخدمات الخاصة والمناسبات الخاصة . كما يوجد في عدة مخطوطات للعهد الجديد ـ داخل النص ذاته ـ إشارات إلى بداية بعض القراءات ونهايتها. ومع بداية القرن الرابع، أعدت مخطوطات خاصة كتب فيها العهد الجديد بترتيب خاص ليستخدم في القراءات اليومية، أو للقراءة في السبوت و الأحاد، بدءاً بعيد القيامة . ويعرف هذا النوع من كتب القراءات الكتابية اليومية باسم السنكسار( synaxarion ). وهناك نوع آخر فيه قراءات لمناسبات خاصة، ويعرف باسم مينولوجيون ( menologion ) أو القراءات الشهرية. وتشمل دروس القراءات الكتابية كل أسفار العهد الجديد ما عدا سفر الرؤيا. أما كتاب القراءات الكتابية الذي يضم دروساًمن الأناجيل فيعرف باسم إيفانجلستريون (Evangelistarion )أي الإنجيل. أما الكتاب الذي يضم دروساً من باقي أسفار العهد الجديد، فيعرف باسم أبوستوليكون ( Apostolicon ) أي الرسائل.
وعلاوة على تقديم النص بترتيب مختلف، فإن أولى كلمات درس الكتاب المقدس في كتب القراءات، كانت تعدَّل أحياناَ، لتجنب عدم الترابط أو لتوضيح المقصود (مثل تغيير كلمة هو بكلمة يسوع). كما أن بعض القراءات كثيراً ما تذكر مسبوقة بعبارة مثل : وقال الرب لتلاميذه، أو وفي ذلك الوقت أو وقال الرب لهم هذا المثل وغيرها.
وقد وصلتنا نحو ألف وثمانمائة مخطوطة للقراءات الكتابية، يتراوح حجمها بين قصاصات صغيرة إلى مخطوطات كاملة. ويضم نحو ثلثي هذه المخطوطات قراءات الأناجيل، ونحو الثلث قراءات من الرسائل. أما الكمية الضئيلة الباقية فتضم مزيجاً من النوعين.

(ب)الترجمات القديمة:

لم تكن ترجمة الأعمال الأدبية من لغة إلى أخرى أمراً مألوفاً في الأزمنة القديمة. وفي الأحوال التي تم فيها ذلك، لم تكن الترجمة من الدقة بحيث يمكن تحديد كلمات النص الأصلي. والترجمة اليونانية للعهد القديم ـ والمعروفة بالسبعينية ـ هي في الحقيقة الترجمة الوحيدة التي يمكن الاعتماد عليها بصفة عامة.
وبانتشار رسالة الإيمان المسيحي، بدأ المرسلون في ترجمة الكتاب المقدس إلى لغة الشعوب التي يخدمون بينها، ولأن هذه الترجمات كانت ـ بعامة ـ ترجمات أمينة للغة الأصلية، فإنها تقدم لنا أدلة مؤيدة لصحة نصوص العهد الجديد.
ويجب مراعاة بعض الحذر عند استخدام أي ترجمة دليلاً على النص اليوناني الأصلي الذي ترجمت عنه، فإن امتلاك المترجم لناصية اللغة اليونانية واللغة التي يترجم إليها، له أثره في سلامة ترجمته. ولكن لابد من احتمال وجود بعض الأخطاء في الترجمة. كما ينبغي إدراك أن هناك خصائص لغوية لا نظير لها في اللغة الأخرى، فمثلاً ليس في اللاتينية أداة تعريف، ومن ثم فالكلمة في اللاتينية قد تكون منقولة عن كلمة يونانية معرفة أو نكرة. وعند الترجمة من لغة إلى أخرى، يعتمد المعنى إلى حد بعيد على ترتيب الكلمات، ومن ثم لا يمكن الاعتماد عليها في معرفة ما حدث من تغيير في ترتيب الكلمات الأصلية في اليونانية. علاوة على ذلك لم تصل إلينا المخطوطة الأصلية لأي ترجمة قديمة، ولابد لدارس النصوص أن يبني دراسته على نسخ قد تتضمن أخطاء النقل إلى جانب ما حدث من تغييرات في الترجمة في تاريخ لاحق، ومن ثم فلابد أن تخضع الترجمة ذاتها للنقد لتحقيق النص الأصلي للترجمة بقدر المستطاع، وذلك قبل استخدام هذه الترجمة في تحقيق النص الكتابي.
وليس للترجمة في حد ذاتها أهمية كبيرة في نقد النصوص، ولكن أهميتها تتوقف على ما تتيحه هذه الترجمة من معرفة النص اليوناني الذي نقلت عنه، ولو عرفنا تاريخ الترجمة بالتقريب، لأمكن الاستدلال على النص الذي كان مستخدماً في ذلك التاريخ في المنطقة الجغرافية التي تمت فيها الترجمة.
ونعرض فيما يلي لأهم الترجمات القديمة للعهد الجديد :

1 ـ الترجمات السريانية :رغم أن السريانية كانت لهجة من لهجات اللغة الآرامية التي كانت مستخدمة في فلسطين في أيام الرب يسوع على الأرض، فإن الترجمات السريانية ـ التي وصلتنا ـ مترجمة جميعها عن أصول يونانية، ومن ثم فهي أقل قيمة من المخطوطات اليونانية. وأهم الترجمات السريانية :
(أ) الدياطسرون ( Diatesseron ): رغم أنه ليس معروفاً تماماً إن هذا الكتاب قد كتب أصلاً باللغة السريانية أو باليونانية، إلا أنه يمكن اعتباره من النسخ السريانية، وذلك بسبب تأثيره الكبير على الكنيسة السريانية .
قام بكتابة الدياطسرون (ومعناه :من خلال الأربعة) في منتصف القرن الثاني الميلادي، رجل اسمه تاتيان ( Tatian ) كقصة واحدة متصلة تجمع بين مواد مأخوذة من الأناجيل الأربعة. وقد عثر في منطقة الشرق الأوسط في 1933م على قصاصة باللغة اليونانية من الدياطسرون يعتقد أنها ترجمت عن السريانية. والأرجح أن الدياطسرون قد ترجم إلى اللاتينية في حياة تاتيان. ولا توجد مخطوطة للدياطسرون بصورته الأصلية في السريانية، ولكن وصلنا جزء من شرح له في السريانية بقلم أفرايم السرياني (378م)، ويعتبر أهم مصادر معرفتنا بالدياطسرون. وقد احتفظت لنا ترجمة أرمينية بكل شرح أفرايم له. كما توجد جملة مخطوطات له في العربية وكذلك في الفارسية: وقد ترك الدياطسرون تأثيراًكبيراًفي الشرق وبخاصة في الكنائس السريانية والآرمينية والجورجيانية. كما يظهر تأثير الدياطسرون في التوفيقات بين الأناجيل الأربعة، التي كتبت بعد ذلك في لغات أخرى.
(ب)السريانية القديمة : وبالإضافة إلى الدياطسرون، تمت ترجمة بعض أجزاء من العهد الجديد أو تجميعها إلى السريانية في بداية القرن الثالث أو قبل ذلك. وقد وصلت إلينا هذه الترجمة المبكرة في مخطوطتين للأناجيل : إحداهما مخطوطة من القرن الخامس قام بنشرها "وليم كورتون" في 1858م وتعرف باسم مخطوطة "كورتون السريانية" ويرمز لها بالرمز "Syr c" . والثانية هي مخطوطة من القرن الرابع ـ كتبت فوق كتابة سابقة تم محوها ـ اكتشفت في دير سانت كاترين على جبل سيناء في 1892م وتعرف باسم مخطوطة "سيناء السريانية" ويرمز لها بالرمز "Syr s" . والاختلاف بين هاتين المخطوطتين يزيد عن مجرد اختلاف عادي بين أي مخطوطتين لنفس النص. ولعل مخطوطة سيناء السريانية أقدم تاريخاً، وما مخطوطة "كورتون السريانية" إلا تنقيح لاحق لها.
(ج) البشيطة أو البسيطة ( Peshita ) : في أواخر القرن الرابع تمت ترجمة جديدة للعهد الجديد إلى اللغة السريانية. ولم تشمل هذه الترجمة رسالة بطرس الرسول الثانية وكذلك رسالتي يوحنا الثانية الثالثة ورسالة يهوذا وسفر الرؤيا. ويرمز لهذه الترجمة بالرمز "Syr p" .وحيث أن الكنيسة السريانية بقسميها تقبل هذه الترجمة، فلابد أنها كانت مستخدمة قبل انقسام الكنيسة السريانية أي قبل 431م. وما زالت "الترجمة البشيطة" مستخدمة (وقد أضيفت إليها الأسفار التي تنقصها، نقلاًعن ترجمة "فيلو كسينيوس"). وتوجد منها أكثر من ثلاثمائة مخطوطة، يرجع بعضها إلى القرنين الخامس والسادس بعد الميلاد .
(د) ترجمة فيلوكسينوس: في 508 م قام شخص اسمه "بوليكاربوس" (Polycarp) بترجمة كاملة للعهد الجديد إلى اللغة السريانية ليقدمها إلى "فيلوكسينيوس" (Philoxenius) أسقف "مابوج" (Mabug) في سوريا. ويرمز لهذه الترجمة بالرمز "Syrph". ولعل الجزء الوحيد الذي وصلنا من هذه المخطوطة هو ترجمة رسائل بطرس الثانية ويوحنا الثانية والثالثة ويهوذا وسفر الرؤيا غير الموجودة في البشيطة).
(هـ) الترجمة الهركلية : لا نعلم بالضبط ما إذا كان توماس الهركلي ـ أسقف مابوج الذي خلف فيلو كسينيوس قد أعاد إصدار ترجمة فيلو كسينيوس في 616م مع إضافة بعض الملحوظات الهامشية نقلاً عن بعض المخطوطات اليونانية، أو أنه قام بتنقيح شامل لها مع إضافة بعض القراءات في هوامشها، اعتقد هو بأهميتها، لكنه لم يجد مبرراً لوضعها في المتن. ولو صح هذا الغرض لكان الأثر الوحيد الباقي من ترجمة فيلو كسينيوس هو المخطوطة المشار إليها آنفاً، ويرمز لها بالرمز >Syr h<. ولهذه القراءات الهامشية في الترجمة الهركلية أهمية خاصة في نقد النصوص وبخاصة في سفر أعمال الرسل .
(و) الترجمة الفلسطينية : يرجح أنه في القرن الخامس تمت ترجمة سريانية أخرى ليس لها ارتباط وثيق بالترجمات السريانية الأخرى، وتعرف باسم "الترجمة الفلسطينية" ويرمز لها بالرمز "Syr pal" . وتنفرد هذه الترجمة بأنها مدونة على صورة قراءات كتابية، وقد وصلت إلينا في ثلاث مخطوطات من القرنين الحادي عشر والثاني عشر، ولعلها ترجمت أصلاً عن كتاب قراءات كتابية باللغة اليونانية .


2ـ الترجمات اللاتينية :
(أ) الترجمة اللاتينية القديمة (إيطالا Itala ): رغم أن اللغة اليونانية كانت هي اللغة الشائعة في الحديث والكتابة في معظم أرجاء الإمبراطورية الرومانية إبان القرنين الأولين أو القرون الثلاثة الأولى من العصر المسيحي، إلا أنه سرعان ما ظهرت الحاجة إلى ترجمة لاتينية للكتاب المقدس. وفي نهاية القرن الثاني أصبحت الأناجيل ـ وربما العهد الجديد كله ـ متداولة باللغة اللاتينية في شمالي أفريقيا، وسرعان ما انتشرت هذه الترجمة في سائر أجزاء الإمبراطورية . وتختلف مخطوطات الترجمة اللاتينية القديمة ( التي يرمز لها بالرمز OL أو IT من Itala ) فيما بينهما اختلافاً كبيراً حتى ليبدو أن الترجمة اللاتينية لم تكن ترجمة واحدة بل ترجمات عديدة، مما يتفق مع قول أوغسطينوس من أنه في الأيام الأولى من العصر المسيحي، حاول كل من لديه مخطوطة يونانية، وعلى دراية باللغتين اليونانية واللاتينية، أن يترجم الأسفار المقدسة إلى اللاتينية. وما بهذه الترجمات من ألفاظ دارجة وتعبيرات بسيطة، يؤيد النظرية القائلة بأنها قد ظهرت أصلاً بين عامة الشعب. وليس بين المخطوطات الخمسين ـ أو نحو ذلك ـ المعروفة لهذه الترجمة، مخطوطة تحوي العهد الجديد كاملا، وإن كانت في مجموعها تحوي الجزء الأكبر منه. ويرجع تاريخ هذه المخطوطات إلى مابين القرن الرابع والقرن الثالث عشر، مما يدل على أن الترجمة اللاتينية القديمة " OL " ظلت مستخدمة زمناً طويلاً بعد أن حلت "الفولجاتا" محلها رسمياً.
(ب) ترجمة جيروم أو الفولجاتا : وبمرور الوقت اتضحت الاختلافات الكبيرة فيما بين الترجمات اللاتينية القديمة، وأصبحت غير مقبولة .وفي عام 382م، قام البابا "داماسوس"( Damasus ) بتكليف "جيروم" ـ أنبغ علماء الكتاب المقدس في عصره ـ بأن يعكف على تنقيح الترجمة اللاتينية لتكون مطابقة لليونانية. ومن خلال عامين استطاع جيروم أن ينتهي من مراجعة الأناجيل الأربعة معلناً أنه لم يغيَّر من الكلمات اللاتينية إلا ما شعر بلزوم تغييره. كما انتهى بعد ذلك من مراجعة بقية العهد الجديد، ولو أنها كانت مراجعة سريعة. ويشك البعض في قيام جيروم بمراجعة ما يزيد عن الأناجيل الأربعة .
والتنقيح الذي أجراه جيروم والمعروف باسم "الفولجاتا" أو الترجمة الدارجة ـ وقد أعيد تنقيحها عدة مرات على مدى القرون ـ هو أساس الترجمة الرسمية في الكنيسة الكاثوليكية الرومانية. وقد وصلنا نحو ثمانية آلاف مخطوطة من الفولجاتا اللاتينية، وهو ضعف عدد المخطوطات اليونانية، مما يرجح أن الفولجاتا كانت أكثر الكتب القديمة شيوعاً.


3ـ الترجمات القبطية : في العصور الأولى للمسيحية، تطورت الأبجدية المصرية القديمة باستخدام الحروف اليونانية مع بعض الحروف التي أخذت عن الكتابة الديموطيقية القديمة، التي اشتقت هي والهيراطيقية من الكتابة الهيروغليفية الأقدم عهداً. وانتشرت ست لهجات فيما بين دلتا النيل حتى جنوبي البلاد . وأهم هذه اللهجات بالنسبة لدراسة العهد الجديد هي :
(أ)الصعيدية : بدأت ترجمة أجزاء من العهد الجديد إلى اللهجة الصعيدية ـ التي كانت مستخدمة في منطقة طيبة وما وراءها ـ في أوائل القرن الثالث، ولم يمض قرن من الزمان حتى كان كل العهد الجديد قد ترجم إلى اللهجة الصعيدية. والمخطوطات التي وصلتنا ـ والتي ترجع إلى القرن الرابع والقرن السادس ـ تحتفظ لنا بالعهد الجديد كله تقريباً مترجماً إلى هذه اللهجة .
(ب)البحيرية : وكانت هذه هي اللهجة المستخدمة في الإسكندرية ومصر السفلى. ويبدو أن العهد الجديد قد ترجم إلى البحيرية في زمن متأخر عن زمن ترجمته إلى الصعيدية، ولعل هذا كان يرجع إلى أنه في الإسكندرية ـ العاصمة الثقافية ـ لم يشعروا بالحاجة إلى ترجمته إلا في زمن لاحق . وقد وصلنا ما يزيد عن مائة مخطوطة للعهد الجديد باللهجة البحيرية، ولكن أقدمها يعود تاريخ كتابتها إلى القرن الثاني عشر، مما دعا بعض العلماء إلى افتراض تاريخ متأخر جداًللترجمة الأصلية إلى اللهجة البحيرية، ولكن ظهور مخطوطة إنجيل يوحنا المكتوبة على ورق البردي باللهجة البحيرية ـ والتي ترجع إلى القرن الرابع والموجودة في مجموعة مكتبة بودمر ـ يدل على أن الترجمة إلى اللهجة البحيرية تعود أصلاً إلى القرن الرابع أو إلى ما قبله.
(ج) لهجات مصر الوسطى : وما بين المنطقتين السابقتين (الصعيدية والبحيرية)، قد ترجمت ـ ولابد ـ أجزاء من العهد الجديد إلى لهجات أخرى من لهجات اللغة القبطية، فقد وصلتنا مخطوطات لإنجيل يوحنا باللهجة الفيومية واللهجات الاخميمية. كما توجد مخطوطات بالاخميمية تحتوي على أجزاء من الأناجيل والرسائل الجامعة ترجع إلى القرن الرابع أو القرن الخامس .


4ـ الترجمة القوطية : ترجم العهد الجديد إلى اللغة القوطية في منتصف القرن الرابع الميلادي بواسطة "أولفيلاس" (Ulfilas ) الذي ينسب إليه "متزجر" (Metzger ) وآخرون فضل تطويع اللغة القوطية لتصبح لغة كتابة أيضاً. وقد وصلتنا هذه الترجمة في نحو ست مخطوطات ترجع إلى القرنين الخامس والسادس، وجميعها على هيئة قصاصات. وما زالت هناك مخطوطة في مكتبة جامعة أوبسالا في السويد، وتسمى بالمخطوطة الفضية لأنها مكتوبة بحبر فضي على رقوق جلدية أرجوانية، وتضم أجزاء من الأناجيل. أما بقية المخطوطات القوطية فمكتوبة على ورق أعيد استخدامها بعد محو الكتابة القديمة من عليها.
5 ـ الترجمة الأرمينية : ترجم العهد الجديد من اليونانية إلى اللغة الأرمينية مباشرة في النصف الأول من القرن الخامس بواسطة القديس "مصروب" (Mesrop ) الذي ابتكر الأبجدية الأرمينية أيضاً بمساعدة القديس "اسحق" (Sahake ). وهناك تقليد آخر يقول إن الذي قام بالترجمة هو القديس اسحق عن السريانية. وتم تنقيح هذه الترجمة فيما بعد لتصبح في القرن الثامن هي الترجمة السائدة، ولتصبح أساس الكتاب المقدس في اللغة الأرمينية، الذي ما زال مستخدماً حتى الآن. ولا تعتبر هذه الترجمة الأرمينية جميلة ودقيقة فحسب، بل يوجد أيضاً من مخطوطاتها أكثر من 1500 مخطوطة وهو ما يزيد عن مخطوطات أي ترجمة أخرى للعهد الجديد. ويرجع معظم هذه المخطوطات إلى القرن التاسع وما بعده، وهي تمثل الصورة المنقحة للترجمة الأصلية.


6 ـ الترجمة الجورجانية : ( Georgian ): دخلت المسيحية في القرن الرابع إلى جورجيا الواقعة بين البحر السود وبحر قزوين . أما أصل هذه الترجمة الجورجانية فليس مؤكداً. ولكن البعض ينسبونها إلى القديس "مصروب" الذي ارتبط اسمه بالترجمة الأرمينية. كما أنها ترجع إلى القرن الرابع أو أوائل القرن الخامس. ومن الواضح أنها ترجمت عن الأرمينية أو على الأقل تأثرت بها إلى حد بعيد. وقد تم آخر تنقيح لها في نحو القرن الحادي عشر، وهذا التنقيح هو أساس الترجمة الجورجانية التي ما زالت مستخدمة حتى الآن . وتوجد منها مخطوطات كثيرة، ولكن ثلاث مخطوطات منها ـ ترجع إلى القرنين التاسع والعاشر ـ تحتفظ بالكثير من عناصر الترجمة الجورجانية القديمة .
7ـ الترجمة الإثيوبية : هناك نحو مائة مخطوطة معروفة للترجمة الإثيوبية، لكن ليس فيها ما يرجع إلى ما قبل القرن الثالث عشر، مما يزيد من مشاكل تحديد أصل الترجمة الإثيوبية، مع وجود رأيين متطرفين، يرجع بها أحدهما إلى القرن الثاني، والآخر إلى القرن الرابع عشر، إلا أن الأرجح أنها ترجع إلى القرن السادس تقريباً، ويحتمل أنها ترجع إلى ما قبل ذلك. وقد ترجمت عن السريانية أو لعلها ترجمت عن اليونانية مباشرة.
8 ـ الترجمة السلافية: يرجع الفضل في ترجمة العهد الجديد إلى اللغة السلافية إلى القديس كيرلس وأخيه ميثوديوس، ويبدو أنهما قد ابتكرا صورتي الأبجدية السلافية "الكيرلسية" و"الجلاجوليتية". وقد ترجم هذان الخوان ـ اللذان كرزا للسلافيين ـ العهد الجديد إلى اللغة السلافية في النصف الثاني من القرن التاسع، ولعلها كانت أصلاً على شكل قراءات كتابية، وهي الصورة الموجودة في معظم المخطوطات السلافية الموجودة بين أيدينا.


(9) ترجمات أخرى : ترجم العهد الجديد إلى اللغة العربية في بضع ترجمات بعد القرن السابع الميلادي وانتشار اللغة العربية في بلاد الشرق الوسط، وكانت إحدى هذه الترجمات بأسلوب النثر المسجوع، وتمت هذه الترجمات نقلاًعن ترجمات في لغات أخرى وليس عن الأصل اليوناني. كما توجد بضع مخطوطات من ترجمة إلى اللغة الفارسية ترجع إلى القرن الرابع عشر وما بعده. وقد ظهرت منذ القرن الثامن ترجمة باللغة الفرنكية ( Frankish ) وهي اللغة التي كانت منتشرة في غربي ووسط أوروبا . وهناك مخطوطة لجزء من إنجيل متى باللغتين الفرنكية واللاتينية. كما توجد قصاصات باللغة السوجدانية ـ وهي لغة التجارة في جنوبي وسط أسيا ـ ترجع إلى القرن العاشر الميلادي. كما يوجد جزء من مخطوطة لبعض القراءات الكتابية ترجع بها إلى القرن العاشر بلغة نوبية ـ وهي اللغة التي كان يتحدث بها أهل المنطقة الواقعة بين مصر وإثيوبيا. كما توجد تسع مخطوطات باللغة الأنجلوسكسونية ترجع إلى ما بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر .
ورغم أن بعض ترجمات العهد الجديد كانت موضع دراسة جادة بذل فيها جهد يستحق التقدير، إلا أن هناك الكثير الذي يجب القيام به فيما يختص بهذه الترجمات المختلفة ليصبح لها إسهامها الواضح في دراسة نصوص العهد الجديد.


(ج) اقتباسات الآباء : بالإضافة إلى المخطوطات اليونانية للعهد الجديد وغيرها من الترجمات القديمة إلى اللغات الأخرى، فإن اقتباسات آباء الكنيسة الأولين من الكتاب المقدس، تمثل مصدراً هاماً من مصادر معرفة نصوص العهد الجديد، وقد دونت معظم أعمال أولئك الآباء باليونانية أو باللاتينية، والقليل منها بالسريانية وبعض اللغات الأخرى. وهذه الاقتباسات من الوفرة بحيث يمكن ـ في الحقيقة ـ إعادة تجميع نصوص العهد الجديد منها وحدها .
وكما هو الحال في الترجمات، هناك حدود لاستخدام كتابات الآباء كمصدر يساعدنا على تحقيق نصوص العهد الجديد، فأصول هذه الكتابات لم تصل إلينا، ولذلك كان لزاماً على من يقوم بدراسة هذه الكتابات أن يفحص نصوصها فحصاً نقدياً ليحقق ـ بقدر الإمكان ـ كلماتها الأصلية، وبخاصة ما فيها من اقتباسات من العهد الجديد. حيث أن هذه الاقتباسات من العهد الجديد ـ التي تضمنها كتابات الآباء ـ هي بذاتها الأجزاء التي قد يغيرها الكاتب عمداً، متى كان النص المقتبس ـ مثلاًـ لا يتفق مع النص المألوف للكاتب. وحتى إذا أمكن تحقيق الصورة الأصلية للاقتباس في كتابات الآباء، فقد يكون الكاتب قد أعطى المعنى العام للفقرة بدلاً من نقلها حرفياً،أو إذا كان الكاتب (أو من يملي عليه) يكتب الاقتباس من الذاكرة وليس نقلاً عن مخطوطة للعهد الجديد، وبذلك تصبح قيمة هذه الفقرة محدودة فيما يختص بنقد النصوص. ففي القرن الرابع مثلاً، بنى كيرلس الأورشليمي تعليماً خاصاً بالعشاء الرباني على ما يقول هو إنه نقل لعبارات الرسول بولس، مع أن اقتباساته لم تكن مأخوذة عما جاء عن العشاء الرباني في 1كو 11: 23 ـ 25 ولا في أي جزء مقابل لها في الأناجيل، بل بالحري دمج عدداً من الفقرات المختلفة نقلاً عن الذاكرة كما هو واضح في أقواله. والأرجح أن الاقتباسات الطويلة كانت تنقل مباشرة عن مخطوطة أكثر مما في حالة الاقتباسات القصيرة.

وكما في الترجمات، فإن لاقتباسات الآباء أهميتها لِما تقدمة لنا من المعلومات عن نصوص العهد الجديد، ويمكن عن طريقها تحديد صورة النص الذي استخدمه كل واحد منهم، ولابد أنه كان النص الشائع في المنطقة التي كان يقيم فيها وفي العصر الذي عاش فيه، وبعبارة أخرى : إن اقتباسات الكاتب تشكل مخطوطة لجزء من العهد الجديد الذي كان مستخدماً في تلك المنطقة وفي ذلك العصر. كما أن الكتَّاب القدامى كانوا يشيرون - أحياناً- إلى القراءات المختلفة التي كانوا يعلمون بوجودها في مخطوطات العهد الجديد، وقد يدلون بآرائهم في هذه القراءات. وإليك قائمة بأسماء قليلة من أشهر آباء الكنيسة:

v إيريناوس (حوالي 140 ـ 210) أسقف ليون.
v ترتليانوس (حوالي 150 ـ 240) من قرطاجنة ويعد من أغزر الآباء اللاتينين إنتاجاً.
v أوريجانوس (حوالي 185 ـ 254) من الإسكندرية ثم عاش في قيصرية، وهو صاحب مؤلفات تفسيرية هامة وغيرها من الكتب.
v يوسابيوس البامفيلي أسقف قيصرية (حوالي 313 ـ 340) مؤلف تاريخ الكنيسة وغيره من الكتب.
v أثناسيوس الرسولي أسقف الإسكندرية (من 328 ـ 373) ومؤلف كتب للدفاع عن العقيدة المسيحية وتفنيداً لآراء الأريوسيين وهو بطل مجمع نيقية المسكوني.
v غريغوريوس النزنيزي من كبادوكية (حوالي 330 ـ 389)، وله 45 عظة مكتوبة مع أعمال أخرى.
v غريغوريوس أسقف نصيص في كبادوكية (المتوفي في 394) صاحب مؤلفات تفسيرية وعقائدية وتنسكية.
v أمبروزيوس أسقف ميلان (374 ـ 397) كتب تفسيراًلإنجيل لوقا، وله مؤلفات أخرى.
v يوحنا فم الذهب (حوالي 344 ـ 407) بطريرك القسطنطينية ـ ومن أشهر الوعاظ (ومن هنا جاء اسمه "فم الذهب") وكتاباته الباقية أكثر مما لأي كاتب آخر من الآباء .
v جيروم أو إيرونيموس (حوالي 331 ـ 420) وهو الذي قام بترجمة الكتاب المقدس إلى اللاتينية، الترجمة المعروفة باسم "الفولجاتا"، كما كتب الكثير من التفاسير باللاتينية.
v أوغسطينوس (354 ـ 430) أسقف هبو في شمالي أفريقيا، وصاحب مؤلفات فلسفية وعقائدية وتفسيرية عديدة.
v كيرلس أسقف الإسكندرية (412 ـ 444) صاحب كتب دفاعية وتفسيرية كثيرة.
ورغم الأهمية الكبيرة لاقتباسات الآباء في تحقيق نصوص العهد الجديد، فما زال هناك الكثير مما يجب عمله سواء في تحقيق هذه الكتابات أو تحليل اقتباساتهم من العهد الجديد.

ثانياً:الاختلافات :

(أ‌) قبل اختراع الطباعة:

(1)ظهور اختلافات في النصوص: عندما كتبت أسفار العهد الجديد كانت أصلاً عملاً خاصاً أكثر منه عملاً أدبياً بالمعنى المفهوم، وكان هذا صحيحاً بالنسبة لمعظم رسائل العهد الجديد ـ بخاصة ـ فقد كانت رسائل موجهة لأفراد وجماعات، بل إن الأناجيل نفسها قد كتبت لهدف يختلف عن هدف أي عمل أدبي عادي. ولهذا فعند نسخ أي سفر من أسفار العهد الجديد ـ في تلك الفترة المبكرة ـ كان ينسخ للاستعمال الشخصي بواسطة كاتب غير متخصص، وعلاوة على ذلك، فإنه لما كان فحوى السفر أو الرسالة هو أهم شيء، لم يكن الناسخ يحس ـ بالضرورة ـ أنه ملزم بنقل النص بنفس ترتيب الكلمات أو التفاصيل التي لا تؤثر في المعنى. أما في حالة الأسفار التاريخية، فكان النسَّاخ ـ على ما يبدو ـ يشعرون أحياناً بحرية إضافة بعض التفصيلات الصغيرة للتوضيح. وفضلاً عن ذلك، لم تكن للديانة المسيحية ـ في الفترة المبكرة للعهد الجديد ـ لدى السلطات السياسية مكانة تشجع على القيام بمقارنة واسعة لمخطوطات العهد الجديد في ذلك العصر، كما أنه من العسير تحاشي الاختلافات والأخطاء حتى مع افتراض أفضل النوايا في الدقة عند الناسخ، ومن ثم تجمعت كل هذه العوامل فنتج عنها وجود بعض الاختلافات بين المخطوطات في الفترة الأولى بعد أن تمت كتابة كل أسفار العهد الجديد. واستمرت هذه الفترة إلى أن حصلت المسيحية على اعتراف السلطات بها رسمياً في أوائل القرن الرابع، وإن يكن معظم هذه الاختلافات ـ التي لها أهميتها في تحقيق النصوص ـ قد ظهرت في النصف الأول من تلك الفترة .
وفي نفس الوقت يجب عدم المغالاة في أهمية هذه الاختلافات، فمما لا شك فيه أن أسفار العهد الجديد ـ حاليا بدأ تداولها ـ أصبحت تعتبر أعمالاً أدبية، وأصبح لزاماً على ناسخيها أن يحرصوا أشد الحرص في نقلها لسببين، هما : الحفاظ تماماً على نفس كلمات النص المقدس، علاوة على الالتزام العام عند نسخ أي عمل أدبي .
وقد أدت الاختلافات التي حدثت بين المخطوطات ـ نتيجة لتكرار النسخ ـ إلى ظهور "عائلات" أو "مجموعات" من المخطوطات أو ما يعرف باسم "النصوص المحلية". وقد حمل المسيحيون نسخ العهد الجديد بخصائصها واختلافاتها إلى مختلف البلاد والمناطق. ومع تكرار نسخ كل مخطوطة، كانت النسخ الجديدة تشتمل على مجموعة الاختلافات في المخطوطة المنقول عنها، أي المخطوطة الأم، كما كانت تختلف بدرجة أكبر عن النسخ المنقولة عن مخطوطات أخرى في الأماكن المختلفة. وعلى هذا فإن الخصائص المشتركة بين مجموعة من المخطوطات تدل على مصدرها المشترك، كما تميزها عن المجموعات الأخرى. وفي بعض الأحيان، يمكن أن تنسب مجموعة من المخطوطات إلى منطقة معينة وزمن معين من خلال ما فيها من اختلافات مميزة لكتابات أحد آباء الكنيسة أو تلك الموجودة في إحدى الترجمات في زمن محدد ومكان معين .
وعندما حصلت المسيحية على الاعتراف الرسمي بها في عهد الإمبراطور قسطنطين، لم تعد هناك حاجة لإخفاء مخطوطات العهد الجديد، بل سرعان ما أصدر الإمبراطور نفسه أمراً بعمل نسخ من الكتاب المقدس لكنائس القسطنطينية. والواضح أنه لم يمض وقت طويل حتى عملت مقارنة بين المخطوطات، واكتشفت الاختلافات التي بينها، وبخاصة المخطوطات الموجودة في البلاد المختلفة. وفي غضون القرون الثلاثة التالية، حدث تقارب بين المخطوطات، سواء كان ذلك عن قصد وبطريقة رسمية، أو عن غير قصد وبطريقة غير رسمية، وازدادت المخطوطات المستنسخة خلال هذه الفترة تطابقاً لتكون على صورة واحدة. وقد أصبح ميسوراً الحفاظ على هذه الصورة لأن عملية نسخ المخطوطات أصبح يقوم بها ـ في الغالب ـ نسَّاخ متخصصون ومدربون .
بالإضافة إلى ذلك كان هناك نوع من التنقيح مما نتج عنه ـ إلى حد ما ـ توافق بين العبارات ووصف الأحداث المتناظرة في الأناجيل، وكذلك تصويب الأخطاء النحوية، فأصبح النص سلساً تسهل قراءته.
إن أكثر من تسعين في المائة من مخطوطات العهد الجديد الموجودة بين أيدينا الآن، ترجع إلى هذه الفترة أو بعدها، وعليه فإن نسبة مئوية صغيرة من المخطوطات هي التي احتفظت بصورة للنص ترجع إلى ما قبل النص الموحَّد. ومع أن نسخ المخطوطات باليد يعني أنه لا يمكن أن توجد فعلياً مخطوطتان متطابقتان تماماً، إلا أن كل المخطوطات تقريباًـ بداية من القرن الثامن فصاعداًـ تمثل الصورة الموحَّدة. وقد استمرت هذه الصورة للنص إلى أن أحدث اختراع الطباعة ثورة في عالم الكتب.

(2) أنماط من الاختلافات : كان الناسخون سبباً في وقوع أنواع من الاختلافات في مخطوطات العهد الجديد يمكن تصنيفها كالآتي :
(1) اختلافات عفوية : (أو عن غير عمد) أو أقل تكراراً، وتشمل هذه الاختلافات العفوية أخطاء النظر والسمع والذاكرة والكتابة والاجتهاد.

أما أخطاء النظر فتشمل الالتباس بين الحروف المتشابهة وبخاصة في الكتابة بالحروف الكبيرة المنفصلة، أو الخلط بين أحد الاختصارات وكلمة معينة قريبة الشبه به، وقد تنتقل عين الناسخ من كلمة إلى الكلمة نفسها ولكن في موضع لاحق فيسقط بذلك الكلمات المتوسطة بينهما. وقد يقرأ الكلمة الواحدة أو العبارة الواحدة مرتين، أو قد يخلط بين كلمتين متقاربتين في الحروف .
وقد تنشأ أخطاء السمع عندما تكتب جماعة من النسَّاخ المخطوطات عن طريق الإملاء، وبخاصة لتشابه بعض الحروف في نطقها، كما قد يخطئ الناسخ في هجاء بعض الكلمات .
أما أخطاء الذاكرة فقد ينتج عنها تغيير موضع الكلمة في الجملة، أو استبدال كلمة بما يرادفها، أو أن تدخل كلمة أو عبارة عفواً نقلاً عن فترة مماثلة تحويها الذاكرة.

أما أخطاء الكتابة فقد تشمل إضافة أو حذف حرف أو عدة حروف أو حذف علامات الاختصار، او تكرار كلمة أو عبارة أو حرف.

أما أخطاء الاجتهاد ـ بالإضافة إلى الأخطاء السابقة ـ فقد تدفع الناسخ إلى تسجيل ملحوظة هامشية باعتبارها جزءاً من النص نفسه، ويجد البعض في هذا تفسيراً لما ورد في إنجيل يوحنا (5: 3و4) عن تحريك الماء، حيث يغلب أنها كانت عبارة هامشية أدخلها الناسخ في النص.
(3) اختلافات مقصودة : وقعت هذه الاختلافات المقصودة نتيجة لمحاولة النسَّاخ تصويب ما حسبوه خطأ، أو لزيادة إيضاح النص أو لتدعيم رأي لاهوتي. ولكن ـ في الحقيقة ـ لا نملك دليلاً قاطعاً هناك أن كاتباً ما قد تعمد إضعاف أو زعزعة عقيدة لاهوتية أو إدخال فكر هرطوقي.

ولعل أبرز تغيير مقصود هو محاولة التوفيق بين الروايات المتناظرة في الأناجيل. وهناك مثالان لذلك: فالصورة المختصرة للصلاة الربانية في إنجيل لوقا (11: 2ـ4) قد أطالها بعض النسَّاخ في بعض المخطوطات لتتفق مع الصورة المطولة للصلاة الربانية في إنجيل متى (6: 9ـ13). كما حدث نفس الشيء في حديث يسوع مع الرجل الغني في إنجيل متى ( 19: 16و17) فقد أطالها بعض النسَّاخ لتتفق مع ما يناظرها في إنجيل لوقا و مرقس .
وفي قصة الابن الضال في إنجيل لوقا (15: 11 ـ 32) نجد أنه رجع إلى نفسه وقرر أن يقول لأبيه: " ... اجعلني كأحد أجراك "(لو 15: 19) فأضاف بعض النسَّاخ هذه العبارة إلى حديث الابن لأبيه في العدد الحادي والعشرين .
وقد حدثت أحياناً بعض الإضافات لتدعيم فكر لاهوتي، كما حدث في إضافة عبارة "واللذين يشهدون في السماء هم ثلاثة"(1يو5: 7) حيث أن هذه العبارة"الأشهر" لا توجد في أي مخطوطة يونانية ترجع إلى ما قبل القرن الخامس عشر، و يذهب البعض أن العبارة جاءت أصلاً في تعليق هامشي في مخطوطة لاتينية، وليس كإضافة مقصودة إلى نص الكتاب المقدس ، ثم أدخلها أحد النسَّاخ في صلب النص .بينما يذهب البعض أن العبارة أصيلة و قد وردت في الفولجاتا و هي من أقدم المخطوطات،كما وردت في بعض المخطوطات اليونانية قبل القرن الخامس عشر،و لكن في عدد هينٍ منها مقارنة بالمخطوطات اليونانية الخالية منها،و على أي حال فقد كتبت عشرات البحوث في هذه النقطة،تتجاوز أوراقها المئات!.و لسنا بسبيل عرضها الآن.

و الحق،برغم وجود الاختلافات بين آلاف المخطوطات، إلا أنها اختلافات ليست ذات بال إذا قيست بضخامة ما تحويه المخطوطة من كلمات، فقد كان النسَّاخ يراعون نقل هذه النصوص بعناية فائقة حتى ولو بدا لهم النص عسير الفهم أو غامض المعنى..ربما خوفاً من شيوع النصوص المقدسة،و ربما لإيمانهم بأنه حديث الله الذي يتناولوه بكل التوقير و التقديس و الاحتراس.


ثالثاً:الخلاصة:
إذا نظرنا لنص العهد الجديد نظرتنا لأي مخطوط آخر قديم يُراد تحقيقه،و بدون تعصبٍ له أو تعصبٍ عليه،نستطيع أن نقول:
لم يتأثر العلم بكتاب من الكتب قدر تأثيره بالكتاب المقدس بعامة، والعهد الجديد بصفة خاصة ،وليس ذلك فحسب، بل إن التاريخ لم يحتفظ لنا بقدر من المخطوطات القديمة لأي كتاب قدر ما احتفظ به من المخطوطات اليونانية للعهد الجديد. فمؤلفات بعض الأقدمين (على سبيل المثال: حوليات تاسيتوس) لم تصلنا منه سوى مخطوطة واحدة، كما لم يصلنا من بعض المؤلفات القديمة سوى بضع مخطوطات أو أكثر قليلاً، كما أن هناك مخطوطات لبعض المؤلفين مثل يوربيدس (Euripides) وشيشرون قد يصل عددها إلى مئات قليلة، أما العهد الجديد فهناك ما يقرب من 3000 مخطوطة باللغة اليونانية، بعضها قصاصات تضم بضع آيات، والبعض الغالب مخطوطات تضم العهد الجديد بأكمله، بالإضافة إلى ما يقرب 2.000 مخطوطة يونانية مرتبة حسب القراءات الكنسية اليومية، إلى جانب نحو 8.000 مخطوطة باللغة اللاتينية، وما يزيد عن 2.000 مخطوطة من الترجمات القديمة في لغات عديدة غير ما يكتشف بين وقت وآخر.
ومن ناحية أخرى، نجد أن سلامة نصوص مخطوطات العهد الجديد، تفوق سلامة أي كتاب قديم آخر. ويرجع تاريخ أقدم مخطوطة معروفة من أعمال بعض المؤلفين القدامى إلى نحو ألف عام أو أكثر بعد موت الكاتب، وليس من النادر أن يكون الفرق الزمني بضع مئات من السنين أو على الأقل ثلاثمائة عام كما في حالة فرجيل (Virgil) . ولكن على النقيض من ذلك، نجد أن اثنين من أهم المخطوطات التي وصلت إلينا للعهد الجديد ترجع إلى أقل من ثلاثمائة عام من عصر الرسل.
بل إن جزءاً كبيراً من العهد الجديد باقٍ في مخطوطات بردية ترجع كتابتها إلى مائة أو مائتي عام بعد حياة كاتبيها من الرسل. ولما كان علماء الكلاسيكيات يفترضون الثقة - عموماً- في الكتابات الدنيوية حتى لو كان الفاصل الزمني بين وقت كتابتها أصلاً و بين وقت تدوين المخطوطة كبيراً، ولو لم يوجد منها سوى العدد القليل من المخطوطات، فواضح أنه بإمكاننا أن نقول بدرجة كبيرة من الثقة"العلمية": أن نص العهد الجديد الذي بين أيدينا هو ما دوّنه كاتبوه بدرجة عالية من الدقة.
...................
أعتمدنا في أكثر هذه الدراسة على
دائرة المعارف الكتابية - الموسوعه العربية العالمية
The Encyclopedia of New Testament Textual Criticism
Bruce metzeger the text of the new testament 2 and 4 edition
قراءات متفرقات في نقد نصوص العهد الجديد





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,518,541,838
- إرحلْ!
- ثورة البعير
- المنهزم
- نزاهة النقد الديني و توزيع الصفعات بالتساوي!
- الذبيح:إسحاق أم إسماعيل؟!
- الخِراف
- أنا الشرقي
- فطرة الذئاب
- هيَ و الصاعق
- صاحب الكَرْم
- عاشَ حماراً و مضى حمارا(2)
- عاشَ حماراً و مضى حمارا(1)
- نضال و وحدة و فناء الأضداد(2)
- نضال و وحدة و فناء الأضداد(1)
- فناء الضدين أم تحول الضدين!
- إلى مستحيلة الدمع(2)
- رد الصفعة
- ظهر التمساح
- عهر الشرق و عهر الغرب
- إلى مستحيلة الدمع


المزيد.....




- الإيغور: فيديو يثبت استخدام تقنية التعرف على الوجه في المساج ...
- الإخوان المسلمون.. لا يتذكرون شيئا ولا يتعلمون شيئا (1)
- السفير السعودي بالكويت: قادرون على حماية أراضينا والدفاع عن ...
- أمين عام رابطة العالم الإسلامي: الإسلام السياسي يمثل تهديدا ...
- جامعة القرآن الكريم بالسودان تُكرِّم عضوًا بـ”الشئون الإسلام ...
-  وزير الشئون الإسلامية السعودي: الرئيس السيسي “مجاهدا” حافظ ...
- بالصور... ابنة قاديروف تفتتح متجرا للأزياء الإسلامية في موسك ...
- حركة مجتمع السلم الإخوانية بالجزائر: الانتخابات الرئاسية ممر ...
- مناقشة أولى رسائل الدكتوراه في مجال العلوم الإسلامية بروسيا ...
- مصر... المؤبد لـ11 متهما من -الإخوان- والسجن 15 عاما لـ106 ف ...


المزيد.....

- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - شوكت جميل - مخطوطات العهد الجديد_دراسة نقدية_