أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد المجيد حمدان - يا حضرات المثقفين .......رفقا بالتاريخ الحزبي 1















المزيد.....


يا حضرات المثقفين .......رفقا بالتاريخ الحزبي 1


عبد المجيد حمدان

الحوار المتمدن-العدد: 4592 - 2014 / 10 / 3 - 02:45
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


على مدار سنوات ، انشغل مفكرون ، سياسيون ومثقفون ، في محاولات تفسير لظاهرتين اكتسحتا عالمنا العربي . تمثلت الأولى في وتيرة صعود عضوية وجماهيرية تنظيمات الإسلام السياسي . وتمثلت الثانية في حالة التمزق التي تطبق على خناق عدد من بلداننا العربية . في الأولى هناك ما يشبه الإجماع على أن السبب يعود لفشل النظم الجمهورية " العلمانية !" في المواجهة مع إسرائيل ، وتواصل نزف الجرح الفلسطيني ، ومع تحديات العصر من جهة ، وتصفية تركة الاستعمار من جهة ثانية . فيما تعزى الثانية لعودة تآمر الاستعمار وخططه لإعادة تطبيق سايكس – بيكو جديدة ، يتم فيها إعادة رسم الخريطة العربية ، بتفتيت دولها إلى دويلات صغيرة وضعيفة ، تسهل مهامه في السيطرة على ثرواتنا العربية ، والنفط في مقدمتها . وفي رأيي المتواضع أن كلا التفسيرين غير دقيق ، ويحملان قدرا من الإهانة للتاريخ ، بتجاوزهما حقائق موضوعية ، بسبب قراءة غير متأنية ، فغير دقيقة ، لتجربة نشوء وتراجع التيارات وتنظيماتها السياسية في عالمنا العربي . كيف ؟
لكي نعطي البحث حقه ، اسمحوا بتقسيمه إلى حلقتين . تخص الأولى مسألة التيارات بتنظيماتها السياسية ، وبضمنها تنظيمات الإسلام السياسي ، فيما تقف الثانية عند موضوعة الاستعمار ومؤامراته ، وحالة التمزق التي تتهدد ، وتعيشها بعض بلداننا العربية .
وعن الأول نقول التالي : جرت العادة أن يتم القفز على تاريخ التنظيمات السياسية ، بتنوعها ، عند البحث عن تفسير لتصاعد وتائر نمو عضوية وجماهيرية تنظيمات الإسلام السياسي . ورأينا كيف أن نتائج هذا القفز ، لا تتوقف عند حدود الإهانة المتعمدة للتجربة التاريخية للتنظيم السياسي الحزبي ، بل تتعداها إلى اعتماد تفسيرات خاطئة ، أو غير كافية . وفي ظني أن العودة لقراءة منهجية لهذا التاريخ كفيلة بأن تضعنا على بداية الطريق الصحيح .
مدخل :
فالحقيقة التاريخية البسيطة ، والتي وصلت أكثرنا عبر المناهج المدرسية ، تقول التالي : دخل العالم العربي القرن العشرين وهو يرسف في قيود ، حالت بينه وبين أي تنظيم لفعل سياسي . سواحل شبه جزيرة العرب ، بدءا من باب المندب ، ومرورا بمضيق هرمز ، وكامل ساحل الخليج ، حتى الأهواز وعبدان ، في عربستان – إيران حاليا – كانت تخضع للاستعمار البريطاني . باقي شبه الجزيرة ومعها الهلال الخصيب – الشام والعراق – كانت جزءا من الخلافة العثمانية . أما إفريقيا العربية فكانت مقسمة بين الاستعمارين ؛ البريطاني – مصر والسودان - ، والفرنسي – تونس ، الجزائر ، المغرب وموريتانيا ، والإيطالي – ليبيا والصومال المقسم بين الثلاثة ، والإسباني – أجزاء من المغرب والصحراء الغربية - . عنى ذلك أن العالم العربي ، بسبب وضعه هذا ، وعوامل أخرى ، كتفشي الجهل والفقر والمرض والأمية ، كان متخلفا كثيرا عن ركب العالم ، وتجاربه في العمل السياسي ، وتنظيماته الحزبية والنقابية ، وحتى جمعياته الخيرية ونواديه الأدبية والفنية .....الخ .
وإذا كان صحيحا أن مصر ، ولظروف خاصة ، شهدت خروجا محدودا على هذه القاعدة ، فالصحيح أيضا أن هذا الخروج لم يصل إلى الحد الذي يمكن القول معه أنه قربها من الركب العالمي . ولكن الصحيح أيضا أنه منحها ميزة دفعت المفكرين لإضفاء ما يحدث فيها على سائر العالم العربي ، رغم مجافاة واقعه – العالم العربي – لذلك . وحركة وعصر التنوير مثال شديد الوضوح والسطوع على ذلك .
أربع تيارات :
ومن البداية ، يتوجب التوضيح أننا ، ونحن نتحدث عن تاريخ تيارات فحركات وتنظيمات العمل السياسي في عالمنا العربي ، فإنما نعني به تاريخ هذه الحركات في مصر ، والسودان معها ، كونهما شكلتا مملكة واحدة ، ثم الهلال الخصيب – الشام والعراق - . إذ نحن نعرف ، وعن يقين ، أن الاستعمار ، إضافة لعوامل التخلف ، أعاقت باقي بلدان العالم العربي ، عن اللحاق بركب العمل السياسي ، وحتى فترة متأخرة . أما عن هذه التيارات فيمكن تصنيفها في أربع تيارات عريضة . 1 ) التيار القومي – بلاد الشام – وهو الأول في الظهور . 2 ) التيار الليبرالي – مصر – . 3 ) التيار الاشتراكي – الشيوعي 4 ) وأخيرا تيار الإسلام السياسي ، بدءا من جماعة الإخوان الوهابية ، مرورا بجماعة الإخوان المسلمين – مصر . والآن تعالوا نستطلع نشأة هذه التيارات واحدا فواحدا .
قرب النهاية :
على مقربة من نهاية الخلافة العثمانية ، نشأت حركة قومية تركية ، تحت مسمى جمعية تركيا الفتاة ، عملت على محاولة انتزاع دولتها من سرير الرجل المريض – التوصيف التي عرفت به الخلافة العثمانية آنذاك - . وبعد بضع سنوات نجحت في اعتلاء سدة الحكم ، وإدخال تعديلات على النظام ، ظنت أنها تكفل له شيئا من المعاصرة ، ومن ثم تنتزعه من سرير المرض ذاك ، مثل تقليص صلاحيات الخليفة ، وتحديث محدود للتعليم ، وإقرار دستور للبلاد .
حذت شخصيات شامية حذو هذه التجربة التركية الجديدة ، وأنشأت جمعية عربية على نفس الغرار ، وأسمتها جمعية العرب الفتاة . وانطلاقا من أن العرب يشكلون أهم مكونات الخلافة ، فقد اقتصر برنامج هذه الجمعية على طلب المساواة بين شعوب مكونات الخلافة ، وتطوير التعليم ، بإدخال تعليم اللغة العربية والتاريخ العربي إلى المناهج ، إضافة إلى مبادئ العلوم الطبيعية والرياضيات . لكن القيادة التركية الجديدة ، قمعت هذه الحركة ، وحركات مشابهة ، بمنتهى القسوة . وكان أن علق والي الشام ، جمال باشا ، الذي اشتهر باسم جمال السفاح ، زعماء الحركة على أعواد المشانق ، في بيروت ودمشق وحلب ، ومدن أخرى .
لكن الهزة التي أحدثتها هذه الحركات ، بدائية التنظيم والفكر ، لم تذهب سدى ، وكانت لها ارتدادات . فالخلافة كانت قد دخلت الحرب العالمية الأولى إلى جانب ألمانيا وحليفاتها . وكان شريف مكة ، الحسين بن علي ، قد راوده حلم عرش مملكة مكونة من الممتلكات العربية للخلافة العثمانية – الهلال الخصيب ، الحجاز ونجد - . وفي الوقت الذي كانت فيه بريطانيا – سيدة العالم آنذاك – تحيك فيه مع حليفتيها فرنسا وروسيا ، مؤامرة اقتسام أراضي الخلافة ، بما فيها تركيا ذاتها ، وفيما عرف بمؤامرة سايكس – بيكو ، كانت نفس بريطانيا تمد يدها للشريف حسين ، موهمة إياه بإمكانية تحقيق حلمه ، في حال مساعدته على تسريع إسقاط دولة الخلافة .
وللحقيقة فقد كان حلم الشريف حسين ، بتلك المملكة العربية الواسعة ، والتي ستمتلك من أسباب القوة الكثير ، في حال قيامها ، باعثا قويا للمشاعر ، فالفكر القومي فيما بعد . كان ذلك على الرغم من أن وعد بلفور بإنشاء وطن لليهود في فلسطين ، قد واكب ذلك الحلم . وأيضا رغم انصياع الشريف حسين وأبنائه ، للضغط البريطاني ، والموافقة على ذلك الوعد . وكما نعرف نكثت بريطانيا عهودها . طبقت سايكس - بيكو ، ثم طردته من الحجاز الذي ألحقته بسلطنة عبد العزيز آل سعود ، وعوضت اثنين من أبنائه بمملكتي العراق والأردن . كما نجحت في تنفيذ وعدها ، وعد بلفور .
وكان من نتيجة تطبيق مؤامرة سايكس - بيكو أن تعثر المشروع القومي العربي فكرا وممارسة . ولم يسترد بعض أنفاسه إلا في نهاية الثلاثينات وأوائل الأربعينات من القرن الماضي – أواخر عهد الانتداب على الهلال الخصيب - . إذ شهدت هذه الفترة نشوء الأحزاب القومية العابرة للقطر الواحد ، كحزب البعث ، والقومي السوري الاجتماعي ، وحركة القوميين العرب . ويلفت الانتباه أن عبور هذه الأحزاب إلى بعض الأقطار العربية – اليمن ، السودان ، الكويت ، تونس ، موريتانيا – جاء متأخرا وضعيفا ، وحيث لم تعبر إلى مصر مثلا .
توقيت مقارب :
وفي توقيت مقارب ، مطلع القرن العشرين ، نجحت المساعي البريطانية في تشكيل أول حلف سياسي ديني في المنطقة العربية . إذ جمعت بين عبد العزيز آل سعود ، الطامح لاستعادة إمارة أجداده في الدرعية ، وبين إخوان الحركة الوهابية ، الطامحين إلى بسط فكرهم على شبه جزيرة العرب . وتمثل سر هذا النجاح في اجتماع الطموحين ، مع سعي بريطانيا العظمى لتقليص الدولة العثمانية ، تمهيدا للقضاء عليها .
ولأن بريطانيا دفعت الأمير ، فالسلطان عبد العزيز ، لتوسيع إمارته بضم الإمارات الخاضعة للولاية العثمانية ، فقد تكفل الإخوان بتسويغ شرعية الضم ، عبر الإفتاء بتكفير الإمارة المستهدفة . وهكذا بدأ الأمير عبد العزيز بمهاجمة آل رشيد في حائل ، فالأحساء ، وصولا إلى الحجاز ذاتها .
في الحجاز كان الشريف حسين ، وقد أضنته المماطلة البريطانية في تنفيذ تعهداتها ، قد أعلن نفسه ملكا على الحجاز . وبسبب ذلك كانت الفتوى الإخوانية بتكفيره ، وتبرير الهجوم على مملكته ، وحيث لحقت بها منطقة عسير ، ولتعلن المملكة العربية السعودية ، والسلطان عبد العزيز ملكا . وكان أن انقلب الإخوان على الملك بسبب خطوته هذه ، فأنزل بهم ضربة ساحقة . وفي النتيجة استقر التحالف على اقتسام النفوذ . السلطة السياسية والمدنية لآل سعود ، والدينية لآل الشيخ محمد بن عبد الوهاب .
ما يعنينا في هذا التقسيم أن الإخوان الوهابيين ، وبعد تمرس في التنظيم والحرب ، وبعد حيازتهم نصف الحكم – التفرد في الشأن الديني – الاجتماعي – ملكوا نفوذا وسلطات غير محدودين . سلطات مكنتهم من لعب دور الحاضنة للتيارات الناشئة ، وليس في الوطن العربي وحده . فإضافة إلى الحرمين ، أمسكوا برقبة الإفتاء فيما يتعلق بسائر شؤون الدين والدنيا . ولأنهم بدأوا بالتكفير ، تكفير استخدام التليفون ، التلغراف ، السيارة ، التدخين ....الخ فقد فرضوا ، وبالقوة الغاشمة ، وبآلاف الضحايا ، فكرهم ، ومنهج تفكيرهم ، على سائر أجزاء المملكة ، ليمدوه فيما بعد بعيدا خارج حدودها .
وبعد تدفق الثروة البترولية ، حازوا على مصادر تمويل هائلة ، مكنتهم من مد وتعزيز نفوذهم إلى مواقع تجمعات المسلمين أينما تواجدوا . وتمويلهم للكتاب الديني ، جعله يحتل الجزء الأكبر من المكتبة العربية . طباعة أنيقة ، ورق مصقول ، وثمن رمزي وضعه خارج أية منافسة . ولم يكن مفاجئا التركيز على الإنتاج الفكري لعصور الظلام الإسلامية ، والتي تمتد لثمانية قرون سابقة على الفكر الوهابي البدوي . هكذا خلت المكتبة الإسلامية ، رغم هيمنتها المطلقة على سوق الفكر العربي ، من أي كتاب يعود لعصر سيادة تيار العقل وحقبة التنوير ، عصر النهضة الإسلامية ، بمفكريها العظام ، والذين اقتصر ذكرهم على مماحكة الغرب ، وسبق الحضارة الإسلامية ، لنظيرتها الغربية . ومن الكتاب إلى الجمعيات والمساجد ، في مشارق الأرض ومغاربها ، فالجامعات والفضائيات وسائر وسائل الإعلام المقروءة والمرئية والمسموعة ، ومئات آلاف الدعاة والوعاظ ، في عالمنا العربي .
وفي أواخر عشرينيات القرن الماضي بدأت تنظيمات الإسلام السياسي الحديث في الظهور . الإخوان المسلمون 1928 في البداية ، ثم حزب التحرير ،أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينات ، فتفرعاتهما المختلفة فيما بعد .
لقد غدا القفز عن حقائق العصر التي استندت لها تيارات الإسلام السياسي ، منهجا ثابتا لمعالجات ما آلت إليه أوضاع عالمنا العربي ، وفي المقدمة منها هذا الصعود المتواتر للفكر الإسلامي الظلامي . دائما يتم تجاهل حقائق من مثل أن تنظيم الإخوان المسلمين نشأ وتلقى دعما غير محدود ، من الحاضنة السعودية للإخوان الوهابيين . ومثلا لم تستوقف الباحثين حقيقة أن المرشد حسن البنا سعى إلى اللقاء بالملك عبد العزيز وإعلانه خليفة للمسلمين . ومثله ذلك العون غير المحدود في الكتاب والسيطرة على الجمعيات والمساجد فالنقابات .....الخ الخ .
وعلى ذكر الكتاب لم يلفت انتباه الباحثين ، ورغم استناد الكتاب الإسلامي لتراث قرون الظلام ، وإعادة إحيائه ، وتثبيت فكر النقل ، مع الاستبعاد الكامل لتراث فكر العقل ، أن هذا الكتاب لم يواجه ، ولا على أي صعيد ، بفكر تحليلي أو نقدي ، من التيارات المعارضة ، القومية والشيوعية والليبرالية ، الأمر الذي أضفى عليه مصداقية إضافية ، ووضعه ، في نظر القارئ ، في مصاف الحقائق الثابتة ، غير القابلة للنقض ، كما هو الحال مع أي فكر آخر مناهض .
الليبرالية والشيوعية :
وبالنظر إلى تيارات االفكر السياسي الأخرى ، نرى أن التيارين ، الليبرالي والشيوعي – الاشتراكي وصلا بلادنا العربية ، قادمين من أوروبا ، في ذات الفترة تقريبا . وفيما ظهرت التنظيمات الليبرالية في مصر ، أوائل العشرينات ، فإنها قصرت عن لعب دور التنظيم الأم ، لتلك التي نشأت في الهلال الخصيب لاحقا ، ثم في تونس فيما بعد . ويمكن القول أن لا رابط جمع بين هذه التنظيمات ، غير الرابط الفكري ، القائم على التطلع للحاق بالنهضة الأوربية . وإضافة لافتقادها الرابط التنظيمي ، شكل السلوك والقمع والنهب الاستعماري لأوطانها ، أكثر العوامل فعالية في مواجهة توطين أفكارها ، فضعف جماهيريتها ، وفشلها في النهاية .
ورغم أن التنظيمات الشيوعية نشأت بفعل ألق ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى ، ورغم انتشارها ، في أوقات لاحقة ، في غالبية البلدان العربية ، إلا أن عقبات كأداء اعترضت طريق تطورها ونموها . فمعظم البلدان العربية كانت بلا طبقات عاملة ، لأن الصناعة لم تكن قد وصلتها بعد . ولأن الماركسية نظرية علمية ، فإن ضعف التعليم ، ومحدودية حجم الفئة المتعلمة ، كما محدودية معارفها ، ضرب طوقا من الحصار حولها . وإذا ما أخذنا في الاعتبار حالة العداء الشديد ، وسياسات القمع التي انتهجتها النظم الحاكمة تجاه التنظيمات الشيوعية ، وذلك الهجوم الكاسح ، والمتعدد الأوجه على النظرية ، ومن سائر أجنحة التيارات الأخرى ، إضافة إلى مؤسسات النظم الحاكمة ، هذا الهجوم الذي لم يطل فكر تيارات الإسلام السياسي على سبيل المثال ، أمكننا أن نفهم سر انحصارها فيما يوصف بالنخب المثقفة .
على كل حال ، فشلت قيادات الأحزاب الشيوعية ، بسبب طبيعة نشأتها ، وبنيتها التعليمية والفكرية ، فيما عرف بتوطين الماركسية في بلداننا العربية ، تماما كما فشلت التيارات القومية والليبرالية ، في جعل أفكارها ثقافة جماهيرية عامة . وبدون إطالة ، وإثر الزلزال الذي أطاح بالاتحاد السوفييتي ، المهد الذي استقى الشيوعيون فكرهم منه ، وإثر تفكك المنظومة الاشتراكية ، وحركة التحرر الوطني ، خلت الساحة العربية ، وبصورة شبة تامة ، من الفكر القومي ، والشيوعي - الاشتراكي ، والليبرالي ، ليمرح فكر تيارات الإسلامي فيها وحده ، وبدون مناهض أو منازع . ولأن التيارات الثلاثة ، القومية والليبرالية والشيوعية – الاشتراكية ، كانت قد أحجمت عن نقد وتفكيك هذا الفكر الديني ، بدا للجمهور الذي دُفع به إلى الفراغ ، وكأن مقولات الفكر الديني حقائق ثابتة ، لا تنثني أمام عاديات الزمان ، كما حدث لغيرها .
خاتمة :
اعتاد المفكرون والمحللون على عزو تراجع جماهيرية النظم القومية ، وتنظيمات التيارات القومية واللبرالية والشيوعية ، وصعود جماهيرية تنظيمات الإسلام السياسي ، إلى فشل النظم القومية - مصر ، سوريا ، العراق ، ليبيا ، تونس والجزائر بالأساس - بفترات حكمها التي قاربت عقودا ثلاثة ، في مواجهة إسرائيل وتحرير فلسطين من جهة ، كما فشلها في تصفية التركة الاستعمارية ، وتحقيق نهضة اقتصادية اجتماعية لشعوبها من جهة أخرى . ورغم أن هذه الفرضية تحمل بعض الصحة ، إلا أنها تتجاهل حقيقة صارخة في وضوحها وسطوعها من جهة أخرى . حقيقة أن تيارات الإسلام السياسي لم تلوث أيديها في مواجهة إسرائيل والاستعمار ، ولم تتقدم بأي برنامج اجتماعي اقتصادي للنهوض بمجتمعاتها ، يمكن للجماهير محاسبتها عليه .
أكثر من ذلك لعبت تيارات الإسلام السياسي أدوارا هامة في إيصال الحالة العربية إلى ما وصلت إليه . فباستثناء كتيبة المتطوعين في حرب فلسطين ، اختارت الأحزاب الإسلامية التحالف مع النظم المتحالفة مع الاستعمار ، والمواجهة مع النظم القومية ، لاعبة بذلك دورا لا يمكن إغفاله في تثبيت نكبة فلسطين ، وفي تثبيت النفوذ الاستعماري في المنطقة . فالإخوان الوهابيون ، في تقاسمهم للسلطة مع الأسرة الملكية السعودية ، باركوا التحالف السعودي الأمريكي . وتجلت هذه المباركة في عدم رفع ولو إشارة اعتراض واحدة ، ضد القواعد الأمريكية المنتشرة على الأرض السعودية خاصة ، والخليجية عامة . ورغم أن السعودية ، الدولة الأكثر ثراء ، والأوسع نفوذا ، والأكبر مساحة ، أقرب لإسرائيل من العراق والجزائر – يفصلها خليج العقبة 40 كيلو مترا - ، إلا أنها ظلت خارج أية مواجهة تستهدف تحرير فلسطين . ولم يدر في خلد أحد يوما اعتبارها من دول الطوق ، أو من دول المواجهة . وعلى العكس شكل عداؤها لعبد الناصر ، ولحركة التحرر العربي ، أحد أهم عوامل نكبة العام 67 . ولا يغيب عن بال أي باحث مناصبة الإخوان المسلمين ، الوليد البكر للإخوان الوهابيين ، مصر عبد الناصر ، وجزائر بومدين العداء ، وتحالفهم مع النظم التي سلمت فلسطين للعصابات الصهيونية ، وثبتت الوجود الأمريكي في المنطقة .
وإذا كان صحيحا أن حناجر الإخوان بُحَّتْ من رفع الشعارات المنادية بتحرير فلسطين ، فهل يعقل أن لا يرى المفكرون والمحللون ، ذلك الفعل على الأرض – التحالف مع النظم الرجعية – الذي ثبت احتلال إسرائيل لفلسطين ؟! وهل يمكن لما تفعله حماس الآن طمس هذه الحقائق الساطعة كشمس الظهيرة في يوم من أيام شهر تموز وآب ؟
إذن نعود لنقول : لأن التنظيمات ، الحزبية والنقابية وغيرها ، تنشأ بالأساس لاستقطاب الجماهير وتعبئتها ، تمهيدا لوصولها للسلطة ، ولأن فئات واسعة من الجماهير تنحو نحو التعبئة والتنظيم ، فإن خلو الساحة تقريبا ، ومن بداية التسعينات ، من تنظيمات التيارات الليبرالية ، الشيوعية – الاشتراكية والقومية ، أفسح المجال واسعا أمام تنظيمات الإسلام السياسي ، فكان هذا الجهد المحموم في التعبئة والتنظيم ، وهذا الانعطاف الجماهيري الجارف تجاهها . والأمر ببساطة أن فراغا حدث ، فحدثت تعبئة إسلامية لهذا الفراغ . ساعد عليه ذلك الإرث الهائل ، والممتد لعشرة قرون مضت ، سانده ودعمه نظام تعليمي قائم على تغييب العقل تغييبا تاما .
لقد قلت وأعيد القول ، أن الإسلام السياسي يخوض معركته الأخيرة . ومهما بدا من تحقيقه لانتصارات هنا أو هناك ، فإن نهايته الحتمية باتت قريبة . المعركة الجارية ، مهما أضفيت عليها من صفات ، معركة الماضي مع الحاضر والمستقبل . ولأنها لا تخص المنطقة وحدها ، ولأن الحاضر والمستقبل ملك البشرية كلها ، فلا يمكن للقوى التي تحاول جر شعوبها إلى غياهب الماضي إلا أن تخسر ، ولقوى الحاضر والمستقبل إلا أن تنتصر .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,468,434,862
- بوكو حرام في نيجيريا ....داروين حرام في فلسطين
- في الذكرى ال 66 للنكبة ....ولكن آفة شعبنا قياداته
- انحدار التعليم إلى أين ؟ وإلى متى ؟ .....التلقين وطريق الخرو ...
- تلك نظم ولى زمانها
- تقاطعات بين الديان 2 صفات الآلهة
- تقاطعات بين الأديان 1 عبد المطلب ( جد الرسول ) هل كان نبيا
- حوار أملاه الحاضر 19 عدالة الإسلام 3 فلسطين اللبن والعسل
- حوار أملاه الحاضر 18 عدالة الإسلام 2 العبودية
- حوار أملاه الحاضر 17 العدالة في الإسلام 1 الغنائم
- من فتنة عثمان إلى فتنة مرسي
- حوار أملاه الحاضر 16 خروج مؤقت آخر عن المسار
- عبد المجيد حمدان- كاتب وباحث واحد قادة اليسار الفلسطيني- في ...
- وبات لزاما عليتا التصرف كدولة
- حوار أملاه الحاضر 15 الشريعة وتطبيق الحدود 5 خروج مؤقت عن ال ...
- حوار أملاه الحاضر 14 الشريعة وتطبيق الحدود ...حد الجنايات 4 ...
- حوار أملاه الحاضر 13 الشريعة وتطبيق الحدود ...حد الجنايات 3 ...
- حوار أملاه الحاضر 12 الشريعة وتطبيق الحدود ....الجنايات 2 حد ...
- قراءة في ثورة الشباب المصري 18 الإخوان ودولة الخلافة
- حوار أملاه الحاضر 11 الشريعة وتطبيق الحدود حد الجنايات 1
- حوار أملاه الحاضر 10 الشريعة وتطبيق الحدود ملك اليمين والمجت ...


المزيد.....




- ناقلة النفط الإيرانية تبحر بعد رفض جبل طارق طلب واشنطن بشأن ...
- الجيش اليمني: مقتل قائد لواء من الحوثيين بغارة جوية شرق صعدة ...
- مرصد بحري: الناقلة الإيرانية -غريس 1- تغادر جبل طارق
- بعد إعلان ترشيحه للمجلس السيادي السوداني.. طه عثمان ينسحب
- الأردن.. من هو -ملك الدرفت-؟
- ترامب: مايك بنس سيخوض معي انتخابات 2020
- قوات النظام السوري تقتحم خان شيخون
- What the Pros Are Not Saying About What Is Median in Math an ...
- المرصد: قوات النظام تدخل مدينة خان شيخون في شمال غرب سوريا و ...
- ترامب يقول إن إيران "تود إجراء محادثات" بشأن ناقلة ...


المزيد.....

- التربية والمجتمع / إميل دوركهايم - ترجمة علي أسعد وطفة
- اللاشعور بحث في خفايا النفس الإنسانية / جان كلود فيلو - ترجمة علي أسعد وطفة
- رأسمالية المدرسة في عالم متغير :الوظيفة الاستلابية للعنف الر ... / علي أسعد وطفة
- الجمود والتجديد في العقلية العربية : مكاشفات نقدية / د. علي أسعد وطفة
- علم الاجتماع المدرسي : بنيوية الظاهرة الاجتماعية ووظيفتها ال ... / علي أسعد وطفة
- فلسفة الحب والجنس / بيير بورني - ترجمة علي أسعد وطفة
- من صدمة المستقبل إلى الموجة الثالثة : التربية في المجتمع ما ... / علي أسعد وطفة
- : محددات السلوك النيابي الانتخابي ودينامياته في دولة الكويت ... / علي أسعد وطفة
- التعصب ماهية وانتشارا في الوطن العربي / علي أسعد وطفة وعبد الرحمن الأحمد
- نقد الاقتصاد السياسي، الطبعة السادسة / محمد عادل زكى


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد المجيد حمدان - يا حضرات المثقفين .......رفقا بالتاريخ الحزبي 1