أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - عزيز محمد - قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العراقي















المزيد.....



قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العراقي


عزيز محمد

الحوار المتمدن-العدد: 5538 - 2017 / 6 / 1 - 01:40
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العراقي
مسيرة ونضال

إهداء
إلى المناضل عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العراقي (1964-1993)، نقدم له هذا المؤلف الذي يعد استعادة لذكرياته وعرضاً لوجهات نظره في الأحداث التاريخية كهدية له بمناسبة بلوغه التسعين عاماً في تموز عام 2014، متمنين له العمر المديد والصحة الوافرة.
الدكتور سيف أرحيم القيسي
تموز عام 2014

مقدمة
إن فكرة مقابلة عزيز محمد وإجراء حوار معه هي فكرة أقرب إلى المغامرة والمجازفة بسبب رفضه المعروف وممانعته في إجراء مثل هذه المقابلات الصحفية. إن حجته في الرفض تعود إلى أنه لايعوّل كثيراً في العادة على دقة ما ينشره المحاورون. إنني أستطيع القول دون مغالاة بأن الساعات الأولى من مقابلة عزيز محمد قد بددت الكثير من الصورة المشوشة التي رسمت في ذهني والانطباعات الملتبسة عنه، والتي كانت مصدرها ما قرأته عنه في بعض مذكرات رفاقه، وما رواه لي أصدقاء عايشوه في مراحل مختلفة من مراحل حياته. ولم أتأكد من صدقية هذه القصص وقربها من الواقع ومن مصادر حيادية حتى لحظة لقائي به في منزله في أربيل.
أربيل 26/5/2012
وهذا يحكي باختصار عن طبيعة الشرخ الحاصل بين انطباعي الأول القديم وبين صورة الرجل البسيط المتواضع الذي قابلني في منزله بزيّه الكردي القومي، الذي كان يرتديه قبل ثلاثة أعوام في مهرجان المدى، حين أفصح عن نفسه وتاريخه بكل سلاسة دون أن يضطر إلى الإساءة للآخرين أو يبادلهم الاتهامات. وهذا ما أعجبني به. لقد تكونت لدي أروع الانطباعات في تلك الجلسة، والتي أرجو أن لا تدخل في سياق الثناء والمديح الذي يخشى منه عزيز محمد. ففي حديثه، لم يذكر بالسوء شخصاً أو حركة سياسية مهما كان موقفها منه. كما اعترف بكامل المسؤولية عن الأحداث التي جرت خلال فترة مسؤوليته لمنصبه الحزبي، سواء تلك التي جرت بعلمه أو من دون علمه. وأعطى العذر لجميع من ذكره بسوء في مذكرات مطبوعة أو في شهادات شفهية أوفي جلسات محدودة. وهذا ما بدد أول أكداس التشويش القديمة عن صورة عزيز محمد في ذاكرتي.
لقد قدم رفيقا درب عزيز محمد، عادل حبه وجاسم الحلوائي مشكورين مساهمة مهمة في مراجعة النص وتنقيحه. وقد حظيت هذه المقابلة برضا صاحب الشهادة عزيز محمد، وأتمنى أن تنال رضا الجمهور الواسع الذي ينتظر هذه المقابلة منذ الإعلان عنها قبل أكثر من ثلاثة شهور. ولا أحسب أن المقابلة ستشبع نهم وفضول المترقبين لها، ولكنها ستشكل حتماً مقدمة لفتح آفاق جديدة ومحفزاً قوياً لعزيز محمد بأن يخطو خطوة أكثر جدية باتجاه فتح كوامن ذاكرة أصبحت هي الآن ملكاً للتاريخ والأجيال، خاصة فيما يتعلق بتجاوز الإخفاقات والانتكاسات التي فتحت نهراً ثالثاً من الدماء بجوار نهرينا الخالدين، فيما لو سمح العمر وعوادي الدهر بذلك. ولنترك الآن المجال للأستاذ عزيز محمد ليقدم لنا إجابات على الأسئلة التي طرحناها عليه، وليتحدث لنا عن تلك الأيام والأحداث العاصفة.
الدكتور سيف أرحيم القيسي

الولادة والنشأة
في الماضي تفاوتت تقديرات أبي وأمي حول تاريخ ولادتي. ففي ذلك الوقت كانوا يحسبون العمر حسب بيادر ذلك العام، أو تبعاً لحدث وقع في تلك السنة ليدونوا بها تاريخ الولادة. وهو ما كان متعارفاً عليه في تلك المرحلة لانعدام ممارسة تدوين المواليد في القرى والأرياف. يشار في الوثائق الرسمية إلى أنني قد ولدت في 1/7/ 1924م، حيث عُدّ الأول من تموز يوماً لتاريخ ولادتي، شأني في ذلك شأن غالبية العراقيين وذلك لمجهولية تأريخ ميلادهم.
إنني أنحدر من عائلة فلاّحية معدمة، إذ كان الوالد محمد عبد الله يعمل فلاحاً بأجرة يومية في أحدى المناطق الكردية المحاذية لمدينة أربيل، والتي تعرف بقرية بيركوت.أما الوالدة سوسن محمود، فقد نزحت من مناطق "وان وباش قلعة"؛ أي أنها كانت من كوردستان الشمالية في تركيا. وقد وصلت إلى أطراف مدينة أربيل قاطعة مسافات شاسعة لوحدها في أواخر الحرب العالمية الأولى (1914-1918م)، وذلك بسبب ظروف خاصة بعائلة والدتي اضطرتها للنزوح . وفي قرية بيركوت اقترنت والدتي بأبي، وفي وقتها لم يكن لها أي قريب في الجانب العراقي. إن قرية بيركوت كانت قريبة من مدينة أربيل آنذاك، والتي أصبحت الآن جزءاً من المدينة، وهي نفسها مسقط رأسي. إنني لا أتذكر سنوات الطفولة التي عشتها في تلك القرية. لقد فرضت علينا ظروف معيشة الوالد الانتقال من قرية إلى أخرى بحثاً عن العمل. ولا يمكنني أن أنسى كيف كانوا يضعوني وأنا صغير في إحدى جهتي الخرج عند الانتقال.
وعلى الرغم من شظف العيش الذي واجهناه في تلك الأيام، إلاً أنه كانت لدى أمي رغبة كبيرة في التعلم، وأرسلتني بدورها إلى الدراسة مبكراً. ولربما يعود ذلك إلى أن أبيها كان (ملا)، فأحبت أن أكون معلماً. كنت صغيراً حينما أخذتني أمي إلى مدينة أربيل تاركة بيت أبي وإلى الأبد، حيث تزوج أبي من امرأة أخرى مما سبب لها صدمة أخرى في حياتها. فأصبحت أعيش مع أمي لوحدنا. وعلى الرغم أن أهل أبي وأهل زوجته الجديدة كانوا يكنون لها الاحترام كثيراً، إلاّ أن هذا لم يهدئ من روع أمي، ولم يقلل من أحمالها الثقيلة لكونها كانت وحيدة. ولقد لازمتني أنا أيضاً غربة أمي ووحدتها، وأثرت بيّ تلك الخلافات التي لا أرى ضرورة لذكرها هنا. وبالرغم من ذلك، فقد تعلقت بأمي كثيراً بالرغم من وجود أبي. فأنا إبن أمي قبل أن أكون إبن أبي.
وبعد ترك الوالدة بيت زوجها، بدأت تعمل في مدينة أربيل. وأنا كنت أتعلم القرآن في مسجد أبو بكر الصديق، ودرست الفقه لمدة قصيرة في قرى بيرزين وشاويس وبحركه، وكانت آخر مرحلة لدراستي الفقه في هذه القرية. وبسبب الظروف الصعبة التي مرت علينا بسبب شظف العيش، تركت دراسة الفقه عائداً إلى مدينة اربيل قبل أن أحرز الدرجة الدينية المطلوبة، حيث اقتصرت الدراسة على ثلاث أو أربع كتب فقط. وعندما عدنا إلى مدينة أربيل، رحت أبحث عن عمل. فقد كنت أذهب إلى مكان تجمع العمال، ولكن لصغر سني لم يأخذونني للعمل. وكان عمري آنذاك يناهز الرابعة عشر؛ أي في عام 1937-1938م.
وبالرغم من تلك الظروف التي مررت بها برفقة والدتي، فقد حث بعض المعارف الوالدة على إرسالي إلى المدرسة. وكانت الوالدة تعمل حينذاك في البيوت من أجل الحصول على لقمة العيش. وبواسطة هؤلاء المعارف تم تسجيلي في المدرسة. ولكوني سبق وأن تعلمت القراءة والكتابة كما أشرت آنفاً، ورددت عبارة "ضرب زيد عمراً" أمام إدارة المدرسة، فقد وضعوني في الصف الثالث الابتدائي مباشرة. وبعد إكمال الدراسة الابتدائية، بدأ يدور في ذهني فكرة الدراسة في ثانوية الصناعة أو في دار المعلمين الريفية. ولكنني لم أوفق في ذلك بسبب كبر سني. فقد كان عليَّ أن أصغِّر عمري عامين، ولم ألجأ إلى ذلك على الرغم من سهولة الأمر.
بعد التخرج من الدراسة الابتدائية، بقيت لفترة معينة دون عمل. وتمكنت من الحصول على وظيفة في دائرة التموين بمؤازرة بعض الأصدقاء، حيث بقيت أعمل في تلك الدائرة لمدة ثلاث سنوات.


بدايات الوعي السياسي
كانت أعوام 1940-1941 البدايات الأولى لنشاطي السياسي. وفي نفس تلك الفترة كانت هناك مجموعة من الشبيبة المتحمسة تشجعني وتدفعني للخوض في معترك الحياة السياسية، سيما وأن الكرد كانوا يعانون من ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية سيئة، والتي أدت إلى ردود فعل عند الشباب الكردي الذي بدأ يحاول الانتفاض على واقعه المرير. إن من بين من تأثرت بهم هو المعلم والأديب الصحفي عز الدين فيضي، فقد كان له دور مؤثر في أن ينقل لنا صورة عن الأدب والسياسة في وقت كانت الكتابات باللغة الكردية قليلة جداً في سنوات شبابنا.
في عام 1940، أخذونا نحن تلاميذ الصفوف (4-5-6) كجولة في سفرة مدرسية خارج مدينة أربيل. كان الوقت يومها ربيعاً، والعشب يصل إلى حد الساق. وكانت المناسبة عيد النوروز. وقام الأستاذ عز الدين فيضي بإلقاء كلمة قصيرة، حرضنا فيها وألهب حماسنا. وقتها شعرنا بأننا كبرنا أكثر. لقد غمر الأستاذ قلوبنا بحب الوطن والشعب. كان لذلك اليوم طعمه الخاص في حياتي، إذ أصبح بالنسبة لي الخطوة الأولى التي وضعتني تدريجياً على طريق النضال في مراحله المختلفة، والتي لكل منها ذوق وطعم خاص.
في بواكير الحياة السياسية، انتميت إلى صفوف جمعية (هيوا)، والتي تعني (الأمل)، وذلك في أيار 1941 وأصبحت عضواً فيها. وكانت لمراسيم نيل العضوية في (هيوا) طعم خاص في تاريخ حياتي، لكونها تثير في النفس الارتياح والاعتزاز. كنا وقتها جسورين متحديين على الرغم من أن عدد معارفنا آنذاك كان محدوداً. وفي هيوا بدأت بالتعرف على الأفكار التقدمية التي طرحها حزب (هيوا). ثم التحقت بصفوف حزب شورش (الثورة)، والتي بدأت تطرح المفاهيم الماركسية كرد فعل على تردي الأوضاع العامة في المنطقة ككل.
وفي ظروف الحرب العالمية الثانية، وتحديداً عندما شنت ألمانيا هجومها على الاتحاد السوفيتي في عام 1941 ، تغيير مجرى الحرب وطبيعتها، وأعطاها محتوى آخر لاسيما بعد معارك ستالينغراد والانتصارات الأخرى التي حققها السوفييت. فتغيرت الأجواء العامة في العراق، وهبّت نسائم الحرية والديمقراطية النسبية، بعد أن أصبح الاتحاد السوفيتي في جبهة الحلفاء التي تضم في صفوفها بريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفيتي، ومن ثم انضمام الولايات المتحدة الأمريكية إليها. هذه الأحداث ألهبت حماس المئات بل الآلاف من الشبيبة اليافعة، وانتشرت الأفكار الحرة تحت تأثير هذا الوضع العالمي الجديد. وفي السياق نفسه لم يقتصر نشاطي على الانتماء لجمعية (هيوا)، ففي عام 1942 أصبحت عضواً في جمعية الشعب التي كانت تصدر صحيفة لها باسم "بليسه"(الشرارة) وتعد نفسها صحيفة ماركسية.
بعد ذلك مررت بمرحلتين أخريتين، أولهما انعقاد المؤتمر الأول للحزب الشيوعي العراقي في أوائل 1945. عندها وصلت إلى المرحلة التي كان يجب أن أصلها بعد أقرار برنامج الحزب الشيوعي الذي أكد على حقوق الشعب العراقي بالحرية والإخاء والمساواة، والتي كانت الأحزاب الأخرى تفتقر لمثل تلك البرامج الذي تضمن حقوق الفئات الدنيا من المجتمع العراقي.


الانتماء إلى صفوف الحزب الشيوعي العراقي
في شتاء عام 1945 - 1946، انتميت إلى الحزب الشيوعي. وبعد وثبة كانون الثاني 1948، التي أحدثت نقلة نوعية في حياتي السياسية، بدأت أفكاري تتوضح أكثر بحكم عملي في الحزب الشيوعي العراقي، وهذا ما دفعني إلى احتراف العمل الحزبي في صفوف ذلك الحزب الذي يدافع عن حقوق العمال والفلاحين والطبقات الكادحة.
وبالرغم من انتمائي لصفوف الحزب الشيوعي، إلاّ أنني لم أكن أجيد غير اللغة الكردية. أما بالنسبة للغة العربية فقد تعلمتها عن طريق الدراسة في صفوف الحزب الشيوعي، حيث كان السجن "مدرستي الأولى في تعلمها"، وبذلك قضى الحزب الشيوعي على "أميتي". كما تعلمت لاحقاً قدراً من اللغة الروسية. وبعد انتمائي إلى الحزب الشيوعي العراقي، أصبحت مسؤولاً لفرع أربيل عوضاً عن مسؤولها السابق نافع يونس بعد أن أصبح مسؤولاً للألوية الشمالية، وانتقل بدوره إلى كركوك. وبدأت كسلفي من المسؤولين ببث مبادئ الحزب الشيوعي مستغلاً المناسبات الوطنية كعيد النوروز وغيرها من المناسبات حيث يجري تحشيد العمال واستقدام الفلاحين من القرى.
وبالرغم من مسؤوليتي في فرع الحزب الشيوعي العراقي في مدينة أربيل بعد انتمائي لصفوف الحزب الشيوعي العراقي، إلاّ أنه سرعان ما وجهت لي الدعوة من مركز الحزب في بغداد للحضور فوراً بسبب الانتكاسة التي تعرض لها الحزب الشيوعي العراقي بعد

اعتقال قادته (فهد- حازم- صارم)، وتولت اللجان الحزبية غير المفوضة من قبل مؤتمر حزبي مهمة إدارة شؤون الحزب. وكان هدف هذه اللجان تسيير دفة الحزب في تلك الظروف الحرجة. وبعد وفاة الكادر الشيوعي مجيد ملا خليفة، أحد الكوادر الحزبية في بغداد الذي كان يسكن في احد الدور الحزبية للتمويه عن أعين السلطات الأمنية، أصبح من الضروري مجيء عائلة للسكن في دار المطبعة. مما حدا بمالك سيف مسؤول اللجنة المركزية الأولى من السفر إلى كركوك ومن ثم الطلب مني كمسؤول اربيل أن أذهب مع والدتي إلى بغداد لهذا الغرض. فاصطحبت والدتي إلى بغداد وسكنا الدار الأولى الواقعة في محلة القاطرخانه - حجي فتحي قرب العبخانة، حيث توجد مطبعة الحزب الشيوعي في تلك الدار. وكانت الوالدة كثيراً ما تبكي وتندب حظنا على المصير المجهول الذي ينتظرنا.
وبالرغم من خوف الوالدة على مصيرنا المجهول، فقد كانت تستلم بدورها النشرات الحزبية وما يرد إلى المركز من رسائل كما أشارت إلى ذلك الكادر الشيوعي زكية الملا خليفة في أفادتها أمام التحقيقات الجنائية، حيث قالت:"كنت أطرق الباب وأسلم البيان إلى امرأة كردية لا أعرف اسمها، ولكني أستطيع تشخيصها وكان يحضر أبنها وأسمه (عبدالله)".
ولكن نشاطنا الحزبي لم يستمر طويلاً جراء الملاحقات الأمنية والانهيار المدوي لبعض قادة الحزب على أيدي رجال الأمن الذين راحوا يبحثون عن مكامن وخفايا تنظيمات الحزب الشيوعي، والتي تسببت بدورها في نكسة للحزب بعد اعتقال قادته الثلاث في عام 1947. وبعدها انتقلنا بمعية الوالدة إلى دار تقع في محلة الهيتاويين، وسكن معنا يهودا صديق وجاسم حمودي، الذي كان يقوم بالاتصال مع باقي أعضاء المنظمات الحزبية لكونه وجه غير معروف لدى السلطات الأمنية في بغداد. وفي هذا البيت تم اعتقالي شأني في ذلك شأن سائر الشيوعيين في أحد كمائن الأمن وذلك في 12/10/1948 مع أعضاء اللجنة المركزية الأولى جماعة مالك سيف-يهودا صديق، في أحد الدور الحزبية التي تقع في منطقة الهيتاويين ومع الوالدة التي قبض عليها، وصُودر مبلغ من المال من صندوق أمتعتها. لقد جمعت الوالدة هذا المبلغ من بيع بعض أمتعة البيت والمواشي التي كنا نملكها في القرية ومن ادخار راتبي عندما كنت مستخدماً.
ومن المناسب الإشارة إلى كيفية كبس الوكر الحزبي واعتقالي. فبعد إطلاق سراح عبدالوهاب عبد الرزاق، وهو أحد كوادر الحزب الشيوعي، تقرر إرساله إلى مدينة خانقين والذي قدم بدوره طلباً لمغادرة العراق إلى إيران من اجل العلاج. كنت اسكن في البيت الحزبي مع يهودا صديق، فطلب عبد الوهاب عبد الرزاق عقد لقاء مع يهودا صديق الذي لم يكن المسؤول في الحزب آنذاك، فقد تحولت المسؤولية إلى مالك سيف. وطلب يهودا مني أن التقي بعبد الوهاب في صيدلية حسين طه من أجل إيصاله إلى البيت الحزبي. فحاولت قدر استطاعتي أن أغير الطريق وأسير بطرق متعرجة عند اصطحابي عبد الوهاب إلى البيت. وبعد النقاش بيننا، غادر عبد الوهاب البيت لتداهمنا الشرطة بعد ذلك مباشرة. ويبدو أنه كان على صلة بالأمن.
ومهما يكن من أمر، فبعد اعتقالي أحلت إلى المجلس العرفي العسكري الأول الذي تشكل في 12/2/1949 من الرئيس عبد الله رفعت النعساني وعضوية الحاكمين خليل زكي مردان وعبدالكافي المتولي والمقدم محمد عبدالقادر والرئيس الأول أحمد داود، وفق المادة الأولى من ذيل قانون العقوبات البغدادي رقم (51) لسنة 1938، بعد ثبوت التهمة التي وجهها إلي المجلس العرفي العسكري الأول لكوني من منظمي الخلايا بعد اعترافات الشهود، ومن بينهم مالك سيف ويهودا صديق. وينطبق على هذه التهمة نص الفقرة (5/ب)بدلالة الفقرة الثانية م المادة الأولى من قانون العقوبات البغدادي رقم (51)لسنة 1938. وحُكم علي بالأشغال الشاقة لمدة خمسة عشر سنة، كما قررت المحكمة وضعي تحت مراقبة الشرطة لمدة خمس سنوات بعد انقضاء مدة السجن وفقاً للمادة (78) من قانون العقوبات البغدادي.
وهكذا بدأت صفحة جديدة من حياتي، ولكن هذه المرة في سجن نقرة السلمان الصحراوي بعد نقل غالبية السجناء الشيوعيين، والتي تصفهم الحكومة بالسجناء الخطرين، إلى هذا السجن الصحراوي ليكونوا بعيدين عن أي اتصال مع التنظيم في الخارج لتفادي تكرار ما حدث ليوسف سلمان يوسف (فهد) ورفاقه الذين أعادوا الصلة مع التنظيم في خارج السجن.
لقد كانت فترة السجن مرحلة مهمة من مراحل حياة الشيوعيين الذين قضوا سنوات شبابهم في السجون أو الملاحقة من قبل رجال الأمن بسبب افكارهم التي يحملونها. فبدأنا كشيوعيين في إعادة تنظيم أنفسنا في داخل السجن وفق النهج الذي سار عليه الشيوعيون من تكوين الخلايا الحزبية وحلقات الدرس وشرح مفاهيم الماركسية-اللينينية بشكل أوسع لوجود أغلب الكوادر المثقفة في السجن. كما جرى تقسيم العمل داخل السجن بين من أختص بإدارة الفرن أو بتنظيف القواويش ألخ. فكما ذكرت، كانت سنوات السجن فترة تعلم بشكل اوسع. وفيما يخص مطالعاتي، كما ذكرت ، فقد تعلمت العربية عن طريق القراءة في السجن. وقرأت كل ما كان يقع بين يدي، ولاسيما الروايات والقصص والمواضيع الأدبية الأخرى، فضلاً عن مجموعة من الكتب السياسية المتنوعة. ولكوني قد مارست السياسة باللغة العربية، لذلك لا تجدني ميالاً لقراءة الكتب السياسية باللغة الكردية،علماً أن أكثر هذه المؤلفات قد ترجمت إلى اللغة الكردية من لغات أخرى.

انشقاق راية الشغيلة عام 1953
بالرغم من سنوات الاعتقال في السجن، إلاّ أن صلة التنظيم الحزبي في داخل السجن مع الخارج أصبحت متيسرة بعض الشيء عبر عوائل السجناء التي كانت تنقل لنا أخبار الحزب وما يدور في داخله من أفكار و أراء، لاسيما بعد أن أصبح بهاء الدين نوري سكرتيراً للحزب الشيوعي. وطفت على السطح بعض الآراء التي نقلها لنا عدد غير قليل من السجناء بعد انتفاضة 1952. لقد طرحت قيادة بهاء الدين نوري فكرة إسقاط النظام وحق الكرد في الانفصال، وهو أمر لم يكن موجوداً في الميثاق الوطني للحزب عام 1945. وهذا ما دفعنا إلى إرسال رسالة إلى بهاء الدين نوري من داخل سجن بغداد المركزي موقعة بحرف (م) وهو الحرف الأول من اسمي الحزبي- مخلص. وتضمنت الرسالة على أن الحزب يميل إلى التياسر كثيراً. إن هذه الرسالة هي حق من حقوق العضو الحزبي في إبداء الملاحظة كما نص عليه النظام الداخلي. وكان رأينا هو الدعوة للنضال من أجل تطوير النظام الملكي إلى نظام ديمقراطي. ولكننا فوجئنا يعد إرسال الرسالة بقرار طردنا من صفوف الحزب، وحوربنا من خلال التشهير بنا على صفحات جريدة القاعدة بشكل غير منضبط وبأسلوب انتقائي. لقد كان هدفنا الحفاظ على وحدة الحزب، ولكن بهاء الدين نوري وباعترافه، لجأ إلى سكين البتر دون إعطاء أية فرصة للنقاش. وبعد قرار الطرد شكلنا تنظيماً بعد أن شعرنا بأننا مغبونين من قبل قيادة الحزب، وأصدرنا جريدة باسم "راية الشغيلة". وسميت المنظمة بهذا الاسم، أي المدافعين عن حقوق العمال والفلاحين. وقد اعتبرنا هذا التنظيم، الذي سُمي بالانشقاق، انتشالاً للحزب من قيادة منحرفة. لقد سببت هذه العملية تصدعاً في صفوف الحزب الشيوعي وتنظيماته. وقد أبدى الكثير من أعضاء الحزب الشيوعي تعاطفاً مع آراءنا، ولاسيما أعضاء تلك المنظمات الحزبية التي أعلنت بدورها انضمامها إلى تنظيم راية الشغيلة لكونه يمثل المسار الصحيح للحزب الشيوعي. واعتبرنا قيادة بهاء الدين نوري منحرفة عن التعاليم الشيوعية .
ومن الطبيعي في هذه الحالة أن يحتدم النقاش بين الكتلتين الشيوعيتين، ويتحول النقاش إلى سباب واتهامات، وان كانت كل كتلة تحمل على صفحات جريدتها أسم الحزب الشيوعي العراقي وتدعي أنها تمثل هذا الحزب. فقد نشرت القاعدة في عددها الأول من السنة الحادية عشرة والصادرة في أواخر شباط 1953 مقالاً تحت عنوان"حزبنا الشيوعي يطهر صفوفه من العناصر الانتهازية والمخربة". إن تلك السجالات أخذت بعداً أكبر، وكانت بداية لقرار طردنا من الحزب. وسرعان ما أطلق علينا صفة "راية البلاط"، لأننا طرحنا ضرورة إصلاح النظام الملكي لا إسقاطه في تلك الظروف الحرجة من تاريخ العراق بشكل عام والحزب الشيوعي العراقي على وجه الخصوص.
لقد كانت تنظيمات "راية الشغيلة" واسعة، لكونها ضمت في صفوفها الكوادر الحزبية المعروفة ومن بينها جمال الحيدري ونافع يونس وحمزة سلمان الجبوري. وكان أقوى فروع التنظيم هو فرع النجف والذي يديره حسين سلطان صبي ومعه حزام عيال وناظم محمد ومحمد صالح بحر العلوم، وفي الكوت حيث كان المعلم عبدالخالق ثروت يمثل جماعة راية الشغيلة ويعمل معه كل من محسن عليوي وسمان زاهي وكاظم بشير، وعبد الرزاق الصافي في بغداد. وكانت مطبعة راية الشغيلة في دار الكادر الشيوعي عواد رضا الصفار وشقيقته نرجس رضا الصفار في محلة الزوية في كرادة داخل. ثم انتقلت العائلة إلى دار أخرى في ساحة الحرية ومن ثم إلى دار في تل محمد في بغداد الجديدة.

بعد اعتقال بهاء الدين نوري في عام 1953، عقدت اللجنة المركزية بقيادة الرفيق كريم أحمد اجتماعاً في كانون الثاني عام 1954، وحضره الرفيق سلام عادل لأول مرة. وقد جرى في هذ الاجتماع الشروع بتعديل نهج الحزب السياسي والتنظيمي، فصدرت عن الاجتماع وثيقة تحت عنوان "جبهة الكفاح الوطني ضد الاستعمار والحرب"، جاء فيها":"لقد أدت الإيديولوجية الخاطئة القائلة بأن السياسة خاضعة للتنظيم إلى إلغاءالصراع المبدأي الداخلي، وإلى تحريف مبدأ القيادة الجماعية في التطبيق. فكان يجري قمع أي مظهر من مظاهرالصراع الفكري الداخلي بذريعة الخوف من أن يؤدي ذلك إلى الانشقاق ، مما أدى إلى انعدام النقد الذاتي. فانتشرت بسبب هذا الوضع البيروقراطي الليبرالية وعدم الشعور بالمسؤولية وفقدان الالتزامات الحزبية". ولا بد من الإشارة إلى أن هذا النقد للقيادة السابقة وأخطائها قد ولد ردود فعل ايجابية لدى قادة راية الشغيلة، لكونها قد سبق وأن أشارت الى الأخطاء التي ارتكبت بحقها من قبل قيادة بهاء الدين نوري. وقد أجهضت محاولة تعديل سياسة الحزب بعد هروب حميد عثمان من السجن وتولي قيادة الحزب.
لقد سار حميد عثمان بدوره على نفس نهج سلفه في القذف وتوجيه الاتهام لراية الشغيلة، بالرغم من تذبذبه الفكري ومن ثم انتقاله إلى صفوف الحزب الديمقراطي الكردستاني بعد ذلك. لقد التقيت به لاحقاً وقلت له اليوم أجدك هنا ... يوم غد اين ستكون؟.. فكان رده إن هذا هو حال الدنيا. ولكن ما أن تولى حسين احمد الرضي (سلام عادل) قيادة الحزب حتى شرع بحملة تثقيفية واسعة بين أعضاء الحزب من أجل تجاوز النهج المتياسر وإعادة الوحدة للحزب.

وهذا ما أدى إلى التخفيف في موجة الانتقادات المتبادلة، ومن ثم الاندماج في صفوف الحزب وتوحيده في عام 1956.
إن الشيء المثير هو إننا كنا نشارك في المؤتمرات والمهرجانات بوفدين، وفد يمثل راية الشغيلة ووفد يمثل جماعة القاعدة. ولكن بعد أن اتصل سلام عادل بقيادة "راية الشغيلة" ممثلة بجمال الحيدري، الذي سبق وإن هرب من السجن، أكد سلام عادل له على ضرورة وضع حد للاتجاه الانشقاقي. فتوقف السجال بين الطرفين وعادت اللحمة إلى صفوف الحزب الشيوعي العراقي. ومن المناسب الإشارة إلى أن خالد بكداش سكرتير الحزب الشيوعي السوري لعب دوراً في تقريب وجهات النظر وتوحيد الطرفين.

مجزرة سجن الكوت 1954
لقد تم نقلي إلى سجن بغداد المركزي، ومن ثم إلى سجن نقرة السلمان الصحراوي. وبعد مناشدات الأهالي بضرورة نقل أبنائهم إلى أماكن قريبة بسبب صعوبة الوصول إلى سجن نقرة السلمان، تم نقلي إلى سجن الكوت المركزي في عام 1953، في الوقت الذي تفجرت فيه المواجهات في حزيران 1953 بين السجناء الشيوعيين وإدارة السجن في سجن بغداد جراء رداءة الأحوال داخل السجن، مما أدى إلى سقوط عدد من الشهداء والجرحى. ولا يختلف الوضع في سجن الكوت كثيراً عن سجن بغداد؛ أي المعاملة السيئة التي عومل بها السجناء الشيوعيين رغم كونهم سجناء سياسيين. لقد قدمت مجموعة من السجناء عريضة إلى ادارة السجن تطالب بتحسين معاملتهم، وعلى إثرها وصلت محكمة خاصة جاءت من بغداد في 27 تموز 1953، وقامت بتوجيه التهمة للشيوعيين بقراءة الأناشيد الثورية الممنوعة بدلاً من الإستماع إلى شكواهم، وكنت من ضمنهم حيث تمت قراءة أسمي بأسم مسعود محمد في تلك الدعوة.
ولم تكتف إدارة السجن بتهديد السجناء فحسب، بل بدأت بقطع مياه الشرب والطعام والكهرباء في صيف تموز اللاهب. مما دفعنا الى حفر بئر للماء الذي عمل السجناء جميعاً على حفره. ولكن محاولاتنا للحصول على الماء الصالح للشرب باءت بالفشل بسبب ملوحة مياه البئر. وفي ظل تلك الظروف، حاولت إدارة السجن التخفيف من المواجهة معنا بسبب موجة الاستنكار التي عمت البلاد بعد أحداث سجن بغداد. ولكن السجناء أصروا على إضرابهم وعلى عدم التعاون مع إدارة السجن. ولكن إدارة السجن سرعان ما غيّرت موقفها. فعلى الرغم من مطالبة الشيوعيين بفك الحصار بعد الإعياء الشديد الذي أصاب الشيوعيين جراء قطع الطعام والماء والذي استمر حتى الثاني من ايلول 1953، قامت إدارة السجن بتفتيش السجن بحجة البحث عن الأسلحة. وبعد عملية التفتيش، طلبت ادارة السجن استدعاء عدد من الشيوعيين لنقلهم إلى سجن آخر، وكنت من ضمن تلك القائمة. ونتيجة لرفضنا ذلك القرار، بدأت قوات الشرطة بالهجوم على السجناء الشيوعيين وهم عزل من أية وسيلة للدفاع عن أنفسهم. ونتج عن ذلك مقتل عدد من الشيوعيين وإصابة العديد بجروح. ومن ثم تم نقلنا إلى سجن بعقوبة المركزي.



ثورة 14 تموز 1958
أحدثت ثورة 14 تموز نقلة نوعية بالنسبة للقوى الوطنية، ومن بينها الحزب الشيوعي العراقي الذي شهد بدوره مرحلة انتقال من الكبت السياسي إلى النشاط العلني في تلك المرحلة. وتبنى الحزب الشيوعي موقفاً مؤيداً للثورة وأصبح مدافعاً عن أهدافها وتوجهاتها.
لقد كنا نمضي فترة محكوميتنا في سجن بعقوبة عند قيام الثورة. ولم يكن لدينا علم بموعدها الحقيقي. وعرفت فيما بعد أن قادة الحزب في الخارج كانوا على علم بموعدها المحدد. وفي صبيحة 14 تموز 1958 وعند سماع صوت إطلاق النيران في محيط السجن، أغلق الحرس علينا الأبواب بعد أن كنّا متجمعين في قاعة السجن. وفي منتصف النهار وصلتنا أخبار الثورة وأخبار قادة الثورة وصور لقادة الثورة عبدالكريم قاسم وعبدالسلام عارف بواسطة حراس السجن، مما جعل مدير السجن يرضخ للأمر الواقع بعد تخوفه من حدوث اضطرابات داخل السجن. فطلب مدير السجن منا عدم خرق أنظمة السجن حتى استجلاء الموقف.
وكخطوة تعبر عن حسن النية من قبل قادة الثورة، تم إطلاق سراح جميع السجناء الشيوعيين الذي قبعوا في المعتقلات لسنوات عديدة بتهمة الشيوعية. وكنت من بين من أطلق سراحهم وذلك في آب 1958. وبدأت مرحلة جديدة من حياتي السياسية باعتباري أحد كوادر الحزب القدامى. وفي اجتماع موسع للجنة المركزية والكادر الحزبي المتقدم للحزب الشيوعي عقد في أيلول 1958، تم انتخاب اللجنة المركزية التي جرى توسيعها بإضافة العديد من الكوادر القيادية، ومعظمهم من الذين أطلقت الثورة سراحهم. فأصبحت عضواً في تلك اللجنة وعضواً في لجنة فرع كردستان. وفي عام 1960، أصبحت مسؤولاً لفرع كردستان للحزب الشيوعي العراقي، وكان الفرع يضم محافظات أربيل والسليمانية وكركوك. وعند الاستفسار عن أن مسؤوليتي لفرع كردستان نابع من انحداري القومي، عُد هذا الاستفسار بالأمر الغريب لكون الحزب الشيوعي العراقي حزباً أممياً يضم كل القوميات. لقد اصبحت مسؤولاً بحكم معرفتي بطبيعة تلك المنطقة وطباع سكانها.
وعند الحديث عن أهداف الحزب الشيوعي العراقي الذي آمنت به وعن ضرورة تطبيق الاشتراكية بعد التحولات الجديدة، فيجب الإشارة إلى أن التمسك بشعار الاشتراكية لا يعني تنفيذه في وقت محدد. لقد تعاملنا مع عبدالكريم قاسم باعتباره شخصية وطنية، ولم ندعو إلى بناء الاشتراكية كمهمة آنية. علماً إننا كنا القوة الرئيسية التي وفرت الدعم لعبد الكريم قاسم، فحتى في فترة افتراقنا معه بقينا نحن المدافعين عن الجمهورية.
بدأ الحزب الشيوعي العراقي في ظل نشوة نشاطه العلني في أقامة المهرجانات والفعاليات الحزبية في المدن العراقية تحت مسمى (مهرجان السلم)، وبتأييد من عبدالكريم قاسم. وأصبح الحزب القوة التي أستند عليها عبد الكريم قاسم بعد انفضاض القوميين عنه. لقد كانت الموصل من ضمن فعالياتهم لإقامة مهرجان أنصار السلام. فبدأ الشيوعيون يعدون العدة لإقامة ذلك الاحتفال دون الأخذ بنظر الاعتبار طابع مدينة الموصل الديني القومي المحافظ ومحدودية نفوذ الحزب في تلك المدينة. ولكن يبدو أنها كانت محاولة لإظهار مكامن قوة الحزب المؤيَد من قبل قاسم. ولا أرى بأنه كان من الضروري الإقدام على اقامة الاحتفال هناك، خصوصاً في ظل ما تشهده المنطقة من وضع متوتر والتي أدت فيما بعد


إلى انفجار الوضع. لقد ساهمت الحكومة في هذا التفجير من خلال فسح المجال لوصول المشاركين في الاحتفال وتوفير وسائل النقل وتوفير القطار لوصولهم، على الرغم من درايتها باحتمال تفجر الوضع في أية لحظة. وهو ما تحقق عند قيام عبد الوهاب الشواف بحركته الانقلابية في آذار 1959، حيث اتخذ من وجود الشيوعيين في الموصل ذريعة للقيام بانقلابه بحجة أن الشيوعيين يسيطرون على مفاصل الدولة، وبات من الضروري استخدام القوة للتخلص منهم. وحدث ما حدث بعد ذلك من إفراغ كل طرف جل غضبه على الطرف الأخر من خلال القتال والسحل، والتي أنتقدها الحزب بشدة فيما بعد لكونها منافية لمبادئه.
مظاهرات الأول من أيار عام 1959 والمطالبة بالمشاركة في الحكم
في الأول من أيار، نظم الحزب الشيوعي العراقي احتفالا جماهيرياً لم يشهد تاريخه مثل ذلك الحشد الجماهيري. وقُدر عدد المشاركين في المسيرة بالمليون. وكان ذلك تعبيراً عن كونه ممثل الطبقة الطبقة العاملة العراقية، وفي الوقت ذاته يعد استعراضاً مدنياً لقوة ذلك الحزب الذي مد أذرعه في جميع مفاصل التنظيمات المهنية. وقد جمعت المناسبة الطبقة العاملة والفلاحين . وكان على رأس المشاركين في الاحتفال قادة الحزب الشيوعي العراقي. ثم بدء المشاركون في المسيرة بترديد هتاف: "عاش زعيمي عبدالكريمي ......حزب

الشيوعي بالحكم مطلب عظيمي"، دون أن يكون قد المشاركين هناك برفع ذلك الشعار. ولكن في بغداد رفع هذا الشعار دون أن يكون مدروساً من قبل قيادة الحزب. علماً أن قيادة الحزب لم تمنع ترديد هذا الشعار الذي رُفع في بغداد، وبالرغم من وجود أغلب قادة الحزب في الاحتفال ووجود سلام عادل بالقرب من مكان التظاهر. أعد مسبقاً لهذا الهتاف. وقد نظمنا بدورنا في كركوك مظاهرة للحزب الشيوعي العراقي، و لم نرفع هذا الشعار ولم نطالب به.
إن مطالبة الشيوعيين الاشتراك في الحكم تعود لتنامي قوتهم على الساحة العراقية. فبعد انسحاب القوى القومية من الحكومة، وجد الحزب إن الوقت قد أضحى مناسباً للمطالبة بذلك. وأخذت صفحات جريدة "اتحاد الشعب" بدورها تناقش هذا المطلب الذي اعتبرته من بُنات أفكار الجماهير. كانت الغاية من مطالبتنا بالمشاركة في الحكم هي تطوير النظام، ومن ثم التمكن من تحقيق هدفنا الذي أعلناه وهو الاشتراكية. إن الخطوة التي اتخذها عبد الكريم قاسم بإستيزار نزيهة الدليمي لم يكن بالشيء الكثير بالنسبة للحزب، بالرغم من كونها أول امرأة تتبوأ منصباً وزارياً في الوطن العربي. ولكن ذلك لم يكن بمستوى طموح الحزب في إشغال منصب واحد لوزارة البلديات.

أحداث كركوك ونقطة الافتراق مع عبد الكريم قاسم
لم تكد تنتهي أحداث الموصل حتى طفت على السطح أحداث كركوك والتي كانت بداية تحجيم نشاط الشيوعيين على جميع الأصعدة. بدأ الحزب الشيوعي يحشد جماهيره للاستعداد للاحتفالات بالذكرى الأولى لثورة 14 تموز 1958. وكان الحزب الشيوعي العراقي يتمتع بنفوذ قوي في كركوك، ولكن لم يقتصر النفوذ على الشيوعيين فقط. فقد تمتع الحزب الديمقراطي الكردستاني بمركز قوي وكان للقوميين التركمان وجود فعال في كركوك. ولا يمكن مقارنة مدينة كركوك بالموصل المعروفة بميولها الدينية والقومية. فكركوك تحتضن أتباع أديان وقوميات متعددة من العرب والكرد والتركمان. وعاش هذا الخليط غير المتجانس المشاحنات التي رافقت نشاط القوى الحزبية في تلك المنطقة، حيث سعى كل طرف إلى أن يبدو وكأنه يملك صنع القرار السياسي على ارض الواقع. فبدأ الانقسام يدب في ذلك الخليط، وهو ما لمسته عندما كنت في كركوك إبان الأحداث. وأجرينا اتصالات مع القوى الاخرى، وقدمنا مقترحاً لتوحيد المظاهرات والخروج بشعارات موحدة. ولكن تم رفض المقترح من جانب الكرد والتركمان. فخرجت مظاهرات في صبيحة 14 تموز عام 1959، وشاركت فيها القوى الثلاث؛ أي الحزب الشيوعي والحزب الديمقراطي الكردستاني والتركمان.
وعندما انطلقت مسيرتنا لم يخطر في بالنا أن يحصل ما حصل. وكان من المقرر أن تسير المظاهرة باتجاه ساحة الشركة. وشارك في المظاهرة الكثير من النساء والأطفال. وبينما كانت المسيرة تشق طريقها في شوارع المدينة، وتحديداً عند دار السينما في كركوك، سمعنا صوت إطلاق للنيران على المظاهرة. ولم يُعرف مصدر اطلاقها. كنت في العادة أحمل معي مسدسي الشخصي، ولكن من قبيل الصدفة لم يكن معي لكوننا لم نتوقع تفجر الوضع ولم نسع إليه. هذا بالرغم من معرفتنا بحساسية الوضع في كركوك، خصوصاً التوتر بين الكرد والتركمان ودور شركات النفط التي أخذت تلعب دوراً خطيراً بعد مطالبة الشيوعيين بضرورة تأميم الشركات النفطية. فعملت هذه الشركات جاهدة بدورها على تجنيد بعض الأشخاص لتفجير الوضع، لكي تصبح الطرف الوحيد المستفيد. وقد سادت حالة من الفوضى في صفوف المتظاهرين، ولم نتمكن من السيطرة على الموقف خاصة بعد الانفلات الذي حدث والهلع الذي طغى على جموع النساء والأطفال وهم في وسط المتظاهرين. وأدى كل ذلك إلى موجه هستيرية من العداء بين القوى المتناحرة وخصوصاً بين الكرد والتركمان، مما أدى إلى وقوع عدد من الضحايا وخاصة في صفوف التركمان. وألصقت بالحزب الشيوعي العراقي وبالحزب الديمقراطي الكردستاني تهمة التسبب في حوادث القتل، علماً أنه سقط عدد من الشيوعيين وضحايا أخرى، ومن بينهم رئيس البلدية وأخوه حسين البرزنجي وهما أبرياء.
لقد نفى الشيوعيين نفياً قاطعاً لأي ضلوع لهم في أحداث كركوك، وقدموا مذكرة إلى عبدالكريم قاسم بتاريخ 15 تموز 1959 مؤكدين على ضرورة عدم تكرار مثل هذه الأعمال الاجرامية. وقد أشاروا فيها إلى:" إننا نرجو من سيادتكم الوقوف بحزم ضد العناصر المتآمرة وإجراء تحقيق شامل للكشف عن كل الرؤوس، وإحالة المعتدين للقضاء لينالوا عقابهم العادل". ولكن بغض النظر عن حقيقة ما حدث وعن المذنب الحقيقي في هذه الأحداث، فقد أدت أحداث كركوك إلى انفراط عقد تأييد عبد الكريم للشيوعيين ونفض يده عنهم بعد خطابه الشهير في كنيسة مار يوسف، حيث ندد بالأحداث الدامية التي جرت في كركوك، وأشار بطرف خفي إلى مسؤولية الشيوعيين دون أن يسميهم بالاسم قائلاً:"لو لم اشجب هذه الأعمال في كلمتي في كنيسة مار يوسف فان كرامتنا كانت ستهدر في الخارج، وكانت ستثار ضجة حولنا على الصعيد الدولي".
ولم يكتف عبد الكريم قاسم بالتنديد، بل بدأ بموجة من الاعتقالات طالت الكثير من الشيوعيين، وحُكم على البعض منهم بالإعدام. وبقي هؤلاء في السجون حتى انقلاب الثامن من شباط 1963 حيث تم اعدامهم على يد قادة البعث. ويبدو أن قاسم وجد في أحداث كركوك الفرصة للتخلص من نفوذ الشيوعيين الذين هيمنوا على الشارع العراقي، على غرار تمكنه من إقصاء التيار القومي بعد أن أزاح عبدالسلام محمد عارف في تشرين الأول 1958، وتلاه إحباط مؤامرة رشيد عالي الكيلاني الذي ألتف حوله القوميون، وكانت نهايتهم مع مؤامرة الشواف في الموصل التي أدت إلى إقصاء القادة من ذوي الميول القومية. أما هذه المرة فالحملة موجهة ضد الشيوعيين بعد الأقاويل التي بدأت تتردد عن محاولة الشيوعيين الانقضاض على السلطة، وخصوصاً في الخامس من تموز 1959

الصراع داخل الحزب الشيوعي وكتلة الأربعة
دخل الحزب الشيوعي العراقي في نقاش حول ضرورة تسلم السلطة من قاسم بعد أن توفرت الوسائل اللازمة. فقد هيمن الشيوعيون على المنظمات الشعبية وتعاظم نفوذهم في

الجيش والشرطة. ومع تراجع العلاقة مع عبد الكريم قاسم، دار نقاش في المكتب السياسي واللجنة المركزية بين رأيين، الأول ويتبناه سلام عادل ويسانده جمال الحيدري، والذي يدعو إلى إزاحة قاسم لكونه يمثل الطبقة البرجوازية ولا يمكن الأمان منه في المستقبل. أما الرأي الآخر فيمثله عامر عبد الله وزكي خيري وبهاء الدين نوري ومحمد حسين ابو العيس، والذين عرفوا بكتلة الأربعة، التي انتقدت سلام عادل واتهمته بالتطرف في محاولة لعزله من سكرتارية الحزب الشيوعي العراقي. وفي الحقيقة كنت لا أتصور أن هناك من هو أجدر من سلام عادل لتولي منصب سكرتارية اللجنة المركزية. وبالمناسبة فإن هذا التوتر والتكتل داخل الحزب الشيوعي العراقي لم يكن بمعزل عن تناقضات الوضع الدولي والخلافات داخل الحركة الشيوعية والعمالية وبروز الموقف الصيني المتشدد.
لقد كانت مسألة التنظيم الحزبي الشيوعي في صفوف الجيش من ضمن القضايا المختلف عليها داخل اللجنة المركزية. فقد دعا المعارضون إلى حل التنظيمات في الجيش لكونها تثير مخاوف قاسم من الحزب الشيوعي العراقي. وكان سلام عادل مع الرأي بالإبقاء على التنظيمات العسكرية. وبعد الأخذ برأي أغلب أراء أعضاء اللجنة المركزية، جرى الاتفاق على إستشارة بعض الجهات الصديقة في الموضوع ، وكان رأيها ضد الحل. وبعد سفر سلام عادل وجمال الحيدري إلى موسكو ومن ثم عودتهما إلى بغداد، نوقشت قضية الكتلة من جديد لاسيما بعد احداث كركوك والموقف الذي اتخذه قاسم من الحزب الشيوعي، الذي غيّر ميزان القوى لصالح سلام عادل. فتم مناقشة الأمر من جديد في اجتماع اللجنة المركزية عام 1962، والذي تقرر فيه تنحية كل من عامر عبد الله وبهاء الدين نوري من مراكزهم الحزبية وتجميد عضويتهما في الحزب، وتجريد زكي خيري من منصبه في المكتب السياسي ونقله للعمل في منظمة الفرات الأوسط، إضافة إلى تنحية محمد حسين أبو العيس من اللجنة المركزية لكونه كان مؤيداً للكتلة. وجاء إقصاء تلك الكتلة بعد تغير قناعة الكثير من الرفاق لصالح رأي سلام عادل ووجهة نظره

ثورة ايلول 1961
بعد سياسة التقارب بين القوى السياسية العراقية التي شهدها العراق في ثورة 14 تموز 1958، والسعي لجذب القوى السياسية بمختلف اتجاهاتها وميولها إلى جانب الثورة، كانت من ضمن الأولويات معالجة القضية القومية الكردية. كان للكرد نصيب من سياسة الانفتاح بعد الثورة، فقد صدر قرار بالعفو عن الملا مصطفى البارزاني بعد الحكم عليه بالإعدام إثر انهيار حكومة مهاباد في كردستان إيران عام 1946، ولجوئه إلى الاتحاد السوفيتي. وبعد عودته حظي باستقبال وحفاوة من قبل الحكومة العراقية. وجرى تخصيص راتب شهري له وإسكانه في دار نوري السعيد. ومن ثم أُقر الدستور العراقي المؤقت بحقوق الشعب الكردي وجعله القومية الثانية في العراق بعد العرب.


إلاّ أن سياسة التقارب بين الجانبين الحكومي والحزب الديمقراطي الكردستاني لم تدم طويلاً بسبب مطالبة الكرد بالحكم الذاتي الذي لم يكن مطروحاً في ذلك الوقت على جدول أولويات الحكومة. وهذا ما دفع الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى إعلان ثورته في أيلول 1961 ضد الحكومة العراقية. نحن كحزب شيوعي لم نكن ميالين للمواجهات المسلحة، بل أن حتى بعض أقطاب الحزب الديمقراطي الكردستاني لم يؤيدوا بدورهم قرار المواجهة المسلحة. فناقشنا أنا وسلام عادل هذه القضية مع وفد يمثل الحزب الديمقراطي الكردستاني، وأبدا أعضاء الوفد رفضهم لقرار المواجهة. ولكن الرأي كان يعود بالدرجة الأساس للملا مصطفى البارزاني الذي اختار طريق الكفاح المسلح. وقمنا على إثر ذلك بإصدار بيان يحمل شعار"السلم في كردستان والديمقراطية للعراق". وبدأنا بتثقيف الجماهير بذلك الشعار من اجل نزع فتيل الحرب. ولكن ذلك لم يؤد إلى نتيجة تذكر جراء إصرار الطرفين على حمل السلاح.
ويتحمل عبدالكريم قاسم بدوره جزءاً من مسؤولية تفاقم الأزمة. فهو لم يحاول رأب الصدع بين الجانبين وإرسال التطمينات للكرد، بل راح يحشد الجيش في كردستان. وبهذا فرط عبد الكريم قاسم بالتحالف مع الأكراد. كان موقفنا في البداية التزام الصمت، لمعرفتنا أن الكثير من الاقطاعيين الكرد كانوا ينادون بالحرب ضد الحكومة، وهو موقف معروف مناهض للحكومة بعد إقرارها قانون الإصلاح الزراعي. فطرح سلام عادل الموقف الذي ينبغي على الحزب الشيوعي العراقي اتخاذه من تلك القضية على الوجه التالي:"إننا مع الشعب الكردي والبارزاني في مطالبتهم بحقوق الشعب الكردي، ومع الحكومة ضد الإقطاعيين". كنا نعتقد إن الثورة الكردية سوف لا تدوم طويلاً، ولكنها استمرت لسنوات وأدت الى إهدار خزينة الدولة. وتكبد الطرفان خسائر فادحة في الأرواح. لقد كان من الممكن حل القضية عبر الحوار. وفي ظل استمرار المواجهات المسلحة ، بدأنا كحزب نفكر بضرورة حل المسألة الكردية على أساس الحكم الذاتي في إطار الدولة العراقية. ولكن موقفنا تغير بعد ذلك في ظل الافتراق مع عبدالكريم قاسم، فأيدنا الثورة الكردية، وعملنا في صفوفها بعد انقلاب شباط عام 1963.


الموقف من سياسة عبد الكريم قاسم
لم يكن الإعداد لانقلاب الثامن من شباط بالحدث المفاجئ. فقد سبقت هذا الانقلاب محاولات مستمرة للقيام بانقلاب يطيح بحكومة عيد الكريم قاسم من قبل القوى القومية وبدعم من قبل الجمهورية العربية المتحدة. وبدأت هذه المحاولات بحركة عبدالسلام عارف مروراً بحركة الشواف، ومن ثم محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم في تشرين الأول عام 1959. وبدأت القوى القومية تخطط بنشاط للإجهاز عليه بعد أن تحقق لها نهاية شهر العسل بين قاسم والشيوعيين بعد خطاب عبد الكريم قاسم في كنيسة مار يوسف، والإجراءات التي اتخذها بحق جميع الضباط من ذوي الميول اليسارية، حيث تم إبعادهم عن مواقعهم أو إحالتهم على التقاعد.
إن هذا الخطاب يعد نقطة الافتراق بين عبد الكريم قاسم والشيوعيين. فقد بدأت الشكوك تراود ذهن عبد الكريم قاسم حول نوايا الحزب الشيوعي العراقي. وأخذ يتخبط في سياسته، فقام بإطلاق سراح القوميين المتآمرين من السجون، وقرّبهم إليه بالرغم من معرفته بنواياهم. وبهذا خسر عبد الكريم قاسم الأصدقاء ومن ضمنهم حزبنا، حيث أغلقت صحيفته وطورد أغلب كوادره واعتقل العديد منهم. ولكن بعد محاولة اغتياله، زرناه في المستشفى وأعلنا دعمنا له والدفاع عنه. ولكنه كما يبدو كان قد اتخذ قراراً قطعياً وهو أن لا عودة لتلك القوة التي كان يتمتع بها الشيوعيين. ومن ثم دخل عبد الكريم قاسم في صراع مع القوى الكردية في عام 1961، ووجّه الجيش إلى شمالي العراق للحرب ضد الكرد. وبذلك أصبحت الفرصة سانحة للانقضاض على نظام حكمه لوجود أكثر من جبهة ضده، وهي القوى القومية الكردية والمحيط العربي، لاسيما بعد مطالبته بضم الكويت، إضافة إلى ذلك القوة المحركة للانقلاب المتمثلة بشركات النفط بعد أن بادر عبد الكريم قاسم إلى إجراءات التأميم الجزئي لها، ومن ورائها الولايات المتحدة وبريطانيا وحلفائهما في المنطقة.
وبالرغم من محاولاتنا لرأب الصدع مع قاسم، إلاّ أنها لم تجد نفعاً بعد أن رفض منح الإجازة للحزب الشيوعي العراقي، في حين أنه منحها لداود الصائغ ليشكل حزب كارتوني يدور في فلكه، وغايته إضعاف الحزب لأنه على معرفة من الخلاف بيننا وبين الصائغ، علماً أنه على يقين بأن داود الصائغ ليس لديه قوى شعبية مؤيده لحزبه. وقد اخترقنا حزب داود الصائغ من خلال دخول العديد من كوادرنا في صفوف حزبه كي نتمكن من الاستفادة من موقعه وجريدته. فقد كانت كل المقالات المنشورة في جريدة داود الصائغ تكتب من قبلنا، ما عدا المقال الافتتاحي الذي كان يكتبه هو. لقد كانت غاية قاسم على ما يبدو هو تجريد الحزب من قيادته المعروفة.
إننا لا نتحدث عن وطنية عبد الكريم قاسم ولا عن نزاهته، ولكن عن الأخطاء في سياسته، علماً إننا لم نكن أبرياء من الأخطاء. فإننا لم نقرأ عبدالكريم قاسم كما يجب، ولم نشخصه جيداً كي نتعامل معه بشكل مناسب. ولربما كان قاسم بمواقفه تلك أراد أن يظهر للعالم أن العراق غير منحاز للاتحاد السوفيتي، وإنه ليس "كيرنيسكي" العراق، كما كانت تروج لذلك الصحف الغربية. إننا كحزب لنا أخطاءنا، وجميع الأحزاب والقوى الأخرى لها أخطاءها. ولهذا السبب تمكن الانقلابيين في 8 شباط عام 1963 من تحقيق هدفهم بعد أن كان الحزب الشيوعي العراقي يمثل حجر عثرة على طريقهم. وتحقق لهم ذلك بإزاحتنا بعد موقف قاسم السلبي تجاهنا كحزب جماهيري.
كانت فترة 14 تموز من أجمل الأيام التي عاشها حزبنا. ولكن بعد ذلك عشنا حياة الاختفاء والمطاردة، حتى اضطررنا إلى تسليم اثنين من كوادرنا المعروفة وهم مهدي حميد وحمزة سلمان الجبوري لعبد الكريم قاسم تجنباً للاصطدام به. علماً إن مهدي حميد كان من المساهمين في مقاومة حركة الشواف إلى أن تعرض هؤلاء الرفاق للتعذيب وتم تصفيتهم بعد انقلاب الثامن من شباط 1963.

انقلاب الثامن من شباط 1963 واستعدادات الحزب الشيوعي
لم يكن انقلاب الثامن من شباط عام 1963 بالحدث المفاجىء كما أشرت، بل كان يمثل سلسلة من محاولات انقلابية دبرتها القوى المناوئة لحكم قاسم متمثلة، بشكل خاص، بحزب البعث العربي الاشتراكي والقوى القومية الأخرى التي وجدت في حكمه انحرافاً عن أهداف الثورة !!. وأدارت هذه القوى وجهها نحو القوى الخارجية وتلقت الدعم منها كما مر ذكره آنفاً.
كان الحزب الشيوعي العراقي على علم بالمحاولات الانقلابية، وكان يعلن عنها. ولكن أذان عبدالكريم قاسم لم تصغ للحزب بالرغم من معرفته بحقيقة ما يجري. كان للحزب الشيوعي العراقي خطة طوارئ، وهي خطة موجودة في مقر قيادة الحزب في بغداد ومحصورة بجهات معينة اعتقاداً منها أن أية محاولة للانقلاب ستكون في بغداد. وكنا نفكر بأننا سنكون مهيئين للتصدي لأية محاولة انقلابية. أما عبد الكريم قاسم فكان يتصور أن هدفنا من فضح تلك المحاولات الانقلابية هو من اجل دوافع سياسية. إنه كعسكري كان يعتقد أن القوة تكمن بالجيش دون الحاجة إلى القوى الأخرى.
في صبيحة إنقلاب الثامن من شباط 1963 كنت في كركوك. ولما سمعنا خبر الانقلاب، قمنا بتنظيم عدد من المظاهرات ضد الانقلاب. ووجهنا نداءاً إلى الضباط الشيوعيين من أجل التوجه صوب المقرات العسكرية للمقاومة ومنع سيطرة الانقلابيين على الوضع. ولكن الضباط مُنعوا من الدخول إلى معسكراتهم بعد سيطرة الضباط الموالين للانقلاب على الوضع. ويضاف إلى ذلك أن منطقة كركوك لم تكن منطقة متعاطفة بشكل كبير مع الشيوعيين بعد أحداث تموز 1959. وبالرغم من ذلك نظمنا جيوب للمقاومة، وشرعنا ببناء الربايا، واستمرت مقاومتنا لثمان أيام. وبعد انتهاء المقاومة في بغداد والمدن العراقية الأخرى، وجدنا أنه من الضروري الانسحاب بعد أن حُسم الموقف لصالحهم. وبعد ذلك توجهنا الى منطقة كردستان، واستقبلنا مصطفى البارزاني بالرغم من موقفه المؤيد لانقلاب شباط. فقد وفر البارزاني لنا بيتاً حزبياً، وقال :" ليس لدي ثقة بهؤلاء، وموقفنا موقف ودي مؤقت تجاههم".
وبالرغم من وصول الشيوعيين إلى المناطق الكردية، إلاّ أنهم تعرضوا إلى مضايقات من قبل أعضاء المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني. إلاّ أن مصطفى البارزاني أستقبلهم وآمّنهم على حياتهم ووفر لهم العيش الكريم، وسمح لهم بالنشاط السياسي. واعتبر البعثيون، حلفاء الكرد بعد انقلاب الثامن من شباط 1963، بأن موقف البارزاني يعد عملاً عدوانياً، وهو من جملة التهم التي وجهت إليه فيما بعد زاعمين بأنه آوى أعداء النظام.
وبدأنا بتسليح قواتنا من الأنصار. إلاّ أن البارزاني رفض تزويدنا بالأسلحة. ولكن بعد إعلان قادة البعث حربهم على كردستان، أصبحنا جزءاً من البيشمركة الكردية وتوحدت قواتنا تجاه الانقلاب، علماً إننا كنا نتخذ قراراتنا على إنفراد وكانت مراكز تدريباتنا مستقلة، وفي الوقت ذاته كنّا نختار الجبهات لقتال القوات الحكومية.
عمّت بعد الانقلاب موجة رهيبة من الإعدامات والقتل بحق الشيوعيين والديمقراطيين. ولم يكن أمام الشيوعيين من خيار، فأما الموت أو الاعتراف. وقد استخدمت أبشع أساليب التعذيب في محاولة الانتقام منهم أو محاولة معرفة المزيد عن تنظيمات الحزب الشيوعي. فقد تعرض الكادر القيادي حسن عوينة إلى تعذيب مميت، وطُلب منه الاعتراف لينجو من الموت، فرد عليهم...مارسوا ما تبقى لديكم من التعذيب فلم يبق بيني وبين الموت سوى لحظات. بعد انقلاب الثامن من شباط 1963، أخذنا نقارن بين ممارسات النظام الملكي والنظام الجمهوري، ولاسيما بعد انقلاب شباط 1963. ووجدنا أن هناك فرق كبير بين النظام الملكي والجمهوري. فعلى سبيل المثال، لم يتعرض فهد بعد اعتقاله للإهانة والضرب، ولم يجر تعذيب غضبان السعد المعتقل بتهمة الشيوعية وهو ضابط عسكري. فقد كان عريف المعتقل ينادي السعد بكلمة "سيدي". إن هذه القيم لم تعد موجودة بعد انقلاب البعث على وجه الخصوص.
لقد كانت مساًلة انهيار الوضع التنظيمي للحزب الشغل الشاغل لكوادرنا من أجل إعادة صلة منظمات الحزب بعضها ببعض، بالرغم من قسوة البعث ضد الشيوعيين. فتمكنا من طبع عددين من جريدة طريق الشعب في تموز من عام 1963، وطبع منشورات في كردستان العراق للتعبير عن بقاء تنظيمنا رغم موجة العنف التي مورست ضد الحزب. إن ما فسح المجال للحزب فيما بعد هو إعلان قادة البعث الحرب على كردستان العراق، مما عزز موقفنا بعد اقتصار نشاطنا في السابق على إعادة ترتيب فصائلنا. فتوحد نشاطنا العسكري مع الحركة القومية الكردية.
لقد تحالفنا ونسقنا العمل مع الحزب الديقراطي الكردستاني. ولم يحدث ذلك للمرة الأولى، فعلى سبيل المثال وبعد تشكيل جبهة الاتحاد الوطني في عام 1957، كنا الحزب الوحيد الذي شكل همزة الوصل بين جبهة الاتحاد الوطني وبين الحركة القومية الكردية. أقصد في ذلك مع الحزب الديمقراطي الكوردستاني الذي كان يمثل آنذاك مجموعات وفئات كردية كثيرة. في حين أن أحزاب وجهات عراقية أخرى في جبهة الاتحاد الوطني لم تكن مستعدة للعمل معه أو حتى الاعتراف به. ومن جهة أخرى، فقد كان لنا تأثير سياسي ومعنوي كبير من خلال تنظيماتنا في كردستان وعن طريق علاقتنا مع التنظيمات الكردستانية. هناك فرق كبير بين أن يكون لك (شيء) في منطقة ما لأجل ان تعبد الطريق من أجل مد جسور التعاون مع هذه الجهة أو تلك وبين أن لا يكون لك شيئاً.
انقلاب عبد السلام عارف والموقف من الاتحاد الاشتراكي
في الحقيقة إن الوضع الذي ساد بعد انقلاب الثامن من شباط 1963 لم يستمر طويلاً. وهذا يعود إلى انقسام قادة الانقلاب أنفسهم؛ أي بين البعثيين والعسكريين. ثم أعقبه الانقسام في صفوف حزب البعث نفسه بين الجناح المدني والجناح العسكري، إضافة الى تأزم الوضع العام الذي تميز بمواقف متشددة إزاء الأحزاب الأخرى وعلى رأسهم الحزب الشيوعي والحرب التي شنها الانقلابيين ضد الكرد، ناهيك عن توتر العلاقات مع الجمهورية العربية المتحدة التي دعمت الانقلابيين في البداية. عندها وجد عبدالسلام عارف أحد أقطاب انقلاب الثامن من شباط 1963 بأن الفرصة أصبحت مواتية له للانقضاض على السلطة في ظل تصارع الانقلابيين، ووجد أن الوقت المناسب لذلك في 18 تشرين الثاني 1963. وبهذا بدأت مرحلة جديدة ولكنها أقل وطأة من سابقاتها بالنسبة لنا.
إن الانقلاب في حقيقته وباعتقانا ما هو إلاّ استبدال عسكر بعسكر. وهو جزء من الصراع على السلطة ضمن المؤسسة العسكرية التي أقحمت نفسها في الصراع السياسي. ولكنه في اعتقادنا كان أهون الشرين بسبب حجم المجازر التي ارتكبها البعثيون بحقنا. وأتذكر أنه بعد الانقلاب بفترة ليست بالقصيرة، كتبتُ رسالة إلى مركز الحزب في الخارج لكي استطلع الموقف إزاء الانقلاب. وكان الرد هو أن نخفف من أساليب العمل، حيث كنا نمارس الكفاح المسلح في المناطق الكردية. ومن جانب آخر كان علينا أن لا نزكي هذا النظام في محاولته النأي بنفسه عن جرائم البعثيين، وبدأ بفضح النظام السابق. ولكن في الحقيقة التي لا يمكن نكرانها إنها كانت فترة تنفيس بالنسبة للقوى السياسية، وعلى الخصوص بالنسبة للشيوعيين. وبدأ النشاط يدب في صفوف المنظمات الحزبية وعاد الارتباط بين الشيوعيين ومنظماتهم بشكل واسع، وهو لم ينقطع حتى في ظل اشتداد آوار الهجمة على تنظيمات الحزب. فقد بقيت صلة الوصل بعد ذلك بين باقر إبراهيم في الجنوب وبين عمر علي الشيخ في المناطق الكردية. إن أحد الأهداف التي دفعت النظام إلى غض النظر عن نشاط الشيوعيين هومحاولة التمايز عن النظام السابق بهذا القدر أو ذاك، علماً أن عبد السلام عارف كان شريكاً في انقلاب 8 شباط ومن المؤيدين لإبادة الشيوعيين.
وهناك نقطة في غاية الأهمية وهي أن عارف بدأ بمغازلة الاتحاد السوفييتي من أجل الحصول على الدعم العسكري والفني، وهو لا يمكن أن يحدث في ظل موجة الاعتقالات والإعدامات بحق الشيوعيين الذي ثاروا بدورهم ضدالبعث. فبادر النظام، إضافة إلى إطلاق سراح بعض الشيوعيين من السجون والمعتقلات، وإلى حل الحرس القومي ونشر وثائق تدين جرائمه، وتم اعتقال بعض القائمين عليه آنذاك، لا حباً بالشيوعيين بل الخوف من أن يتصدى الحرس القومي لحكم عارف.
إن سياسة التقارب بين عارف والاتحاد السوفييتي تتوجت بعدد من الإصلاحات الداخلية تحت واجهة التوجه نحو "الاشتراكية". وأعلن عن قيام "الاتحاد الاشتراكي" في محاولة للتشبه بالإجراءات التي اتخذها جمال عبدالناصر في مصر. لقد أحدث إعلان الاتحاد الاشتراكي بدوره ضباباً فكرياً حوله في داخل الحزب بين معارض ومؤيد للقرارات "الاشتراكية". وتتوجت تلك النقاشات داخل الحزب الشيوعي بإعلان وثيقة فكرية سياسية سميت بخط آب 1964 بعد اجتماع للجنة المركزية، والتي أيدت الاتحاد الاشتراكي.


عزيز محمد سكرتيراً للحزب الشيوعي العراقي 1964
مرّ الحزب الشيوعي العراقي في ظروف عصيبة منذ إعدام قادته بعد انقلاب الثامن من شباط 1963. فبالإضافة إلى التصفيات الجسدية الواسعة التي طالت قيدة الحزب وكوادره وأعضائه ومؤيديه، بقي البعض رهن الاعتقال. والتجأ آخرون إلى المناطق الكردية، وشرع القسم الآخر بإدارة نشاط الحزب من الخارج لاسيما في براغ وموسكو بعيداً عن ضربات الأمن. وكانت هناك قنوات للاتصال مع الداخل، حيث كانت صحيفة الحزب"طريق الشعب"السرية تصل إلى أيدي القراء بين آونة وأخرى حسب الظروف التي كان يمر بها الحزب والتي يمكن تسميتها بين المد والجزر.
لقد قام عدد من بقي حياً من أعضاء المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي بتوجيه نشاط الحزب، وخصوصاً من قبل عبد السلام الناصري. وأصبح من الضروري التوجه لعقد اجتماع للجنة المركزية لحسم موضوع سكرتارية الحزب، التي بقيت شاغرة بعد إعدام سكرتير الحزب حسين احمد الرضي (سلام عادل). فبدأ من تبقى على قيد الحياة من أعضاء اللجنة المركزية والمكتب السياسي للتحضير لاجتماع يعقد في الخارج لترميم قيادة الحزب، وبما في ذلك انتخاب سكرتيراً للحزب الشيوعي العراقي. فبدأ بطرح العديد من الأسماء ليكون السكرتير. وكان من بينهم زكي خيري وعبدالسلام الناصري وغيرهم وأنا. كنت في الحقيقة ضد ترشيح نفسي، حيث كنت على اعتقاد بأنني غير مؤهل لقيادة حزب كالحزب الشيوعي العراقي. فلم أكن امتلك من الثقافة الماركسية مما يؤهلني لتولي هذا المنصب، رغم ما ذكرته في السابق من أن الحزب الشيوعي العراقي هو من قضى على أميتي التي كنت أعاني منها. وفي إثناء التصويت على اختيار السكرتير، فإنني لم أصوت لنفسي لأنني كنت اعتبر نفسي غير مؤهل لذلك حسبما ذكرت. ولكن التصويت جرى لصالحي لأتبوأ منصب سكرتير الحزب. ويمكن أن نسمي هذا الاختيار بالتوافقي.


اجتماع نيسان 1965 وشعار العمل الحاسم
بالرغم من كل الصعوبات والمعوقات، بدأ الحزب يعمل بوتيرة أسرع لإعادة تنظيمات الحزب من جانب، ومن جانب آخر بدأ الحزب بإعادة النظر في تقييمه لحكم عارف. فقرر الحزب في نيسان 1965 التخلي عن خط آب 1964 على اعتباره خطاً مهادناً لعبد السلام عارف الذي لم يتقدم نظام حكمه بخطوة واحدة إلى الإمام لإصلاح ما دمره انقلاب 8 شباط. واتفقت أراء الجميع على تبني نهج العمل الحاسم للقيام بحركة انقلاب على حكم عارف. وبقي هذا الخيار قيد المناقشة حول آليات القيام بالعمل الحاسم، سواء عن طريق الجيش وهو مغلق للقوى المؤيدة حول عارف أو عن طريق الجماهير التي خسرت الكثير من أبنائها بعد الثامن من شباط 1963. فبدأ الحزب بحملة تثقيفية حول هذا النهج. لقد استندت خطتنا على العمل من أجل إعادة صلة الوصل بالتنظيمات الشيوعية في الجيش لكي يكون الاعتماد بالدرجة الاساس على صغار الضباط والجنود. وتعود هذه القناعة إلى أن أي عمل حاسم لا يمكن أن يكتب له النجاح دون تدخل الجيش لحسم الأمر. فهذا ما حدث في العراق خلال مراحل ليست بالبعيدة، ومنها حركة 1936و1941 وصولاً إلى 14 تموز 1958، والانقلاب الذي قاده العسكر في الثامن من شباط 1963، بالرغم مما كان يتمتع به الشيوعيون من جماهيرية واسعة مؤيدة لنظام قاسم، وهو ما جرى التعبير عنه فعلاً في مقاومة الشيوعيين للانقلاب في مناطق العراق المختلفة، وخصوصاً في بغداد حيث تركزت المقاومة في منطقة باب الشيخ - حي الاكراد وغيرها من المناطق. لقد توصلنا إلى قناعة بأن العمل الحاسم ممكن في أروقة الجيش.
شملت الحملات التثقيفية تنظيمات الحزب الشيوعي العراقي بالدرجة الأساس لخلق قاعدة يمكن أن تفي بالغرض من أجل القيام بانقلاب بعد حالة اليأس التي أصابت الجماهير إثر انقلاب 8 شباط عام 1963. هذا اليأس الناتج من عدم قدرة الشيوعيين، وهم في أوج قوتهم الجماهيرية لاسيما بعد 14 تموز 1958، على استلام السلطة وخاصة بعد تراجع قاسم عن تحالفه غير المعلن مع الشيوعيين. لقد أدخلت هذه القضية في حينها الحزب وقيادته قي دوامة من النقاش التي أدت فيما بعد إلى خسارة الحزب للكثير من المؤيدين له بعد انحسار المد الشيوعي. لقد اعتبرنا أن هذه الخطوة التثقيفية يمكن أن تشكل أرضية صلبة يمكن من خلالها الحصول على دعم الجماهير لأية محاولة يقوم بها الشيوعيون في المستقبل.


انشقاق عزيز الحاج 1967
لقد تعرض الحزب الشيوعي العراقي إلى هزات عنيفة تمثلت بالانشقاق تارة، أو الملاحقات التي تعرضت لها تنظيماته وإعدام قادته تارة أخرى. وهذا ما ترك آثاراً لا تمحى على الحزب. ورغم ذلك، لم يتوقف نشاط الحزب. ففي كل حادث تعرض لها الحزب، تمكن الشيوعيون العراقيون من إعادة اللحمة إلى التنظيمات، وإعادة ترتيب اوراقهم من جديد للنهوض بواقعهم الذي عانوه عبر مراحل تاريخهم الطويلة التي قضوها في ظل ظروف العمل السري والاعتقالات في سجون الانظمة الملكية والجمهورية.
ولكن انشقاق 1967 لم يكن بالانشقاق العادي الذي يمكن غض الطرف عنه، لكونه جاء هذه المرة على يد مسؤول تنظيمات بغداد للحزب الشيوعي العراقي وأحد قادته المعروفين وهو عزيز الحاج، الذي بدا على ما يبدو أكثر طموحاً من كل قادة الحزب. فهو، بحسب وصف الكثيرين من معاصريه، كان يعتقد أنه الأكفأ في قيادة الحزب، واعتبر أن محاولته الانشقاقية في 17 ايلول 1967 ما هي إلاّ حركة تصحيحية لإنقاذ الحزب من قيادته اليمينية التي لا تؤمن بالعمل الثوري.
لقد كنت على مقربة من عزيز الحاج، لا لكوننا عضوين في حزب واحد، بل لأننا قضينا فترة عقد من الزمن في السجن. وكنا نقبع في أحيان كثيرة في زنزانة واحدة. إن عزيز الحاج برأيي لم يكن هو الداعي الرئيسي لهذا الانشقاق، فهو كان عضواً في المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي. لقد كانت هناك عناصر في منظمة بغداد التي كان يقودها الحاج قد دفعته إلى ذلك الانشقاق. ولربما كان عزيز الحاج غير راض من الأوضاع التي يمر بها الحزب بالارتباط مع الدعوة للعمل الحاسم. في هذه الظروف الصعبة التي واجهت الحزب، أنشق الحاج ومجموعة من تنظيمات بغداد، ومن بينهم أحمد محمود الحلاق وكاظم الصفار وعبدالحميد الصافي ومتي هندو وغيرهم. وكانت من جملة التداعيات الأخرى التي رافقت الانشقاق هي دعوة جماعة الحاج لقضية أخرى؛ أي الكفاح المسلح في الأهوار. وشارك في العمل المسلح المناضل خالد أحمد زكي. وهناك أمر من الضروري الإشارة إليه وهو إنه لا يمكن لأحد أن يشك بنزاهة هؤلاء ونضالهم حتى وإن اختلفوا معنا. لقد توجهوا إلى الأهوار وهم لا يعرفون دروب المنطقة، في الوقت الذي تعتمد فيه حركة الأنصار على جغرافية المنطقة والمواضع الطبيعية والتكتيك الملائم في المواجهة مع السلطة بقواتها العسكرية المتكاملة. وهكذا تم تطويقهم من قبل القوات الحكومية، ومنهم من استشهد ومنهم من اعتقل. إن الرغبة في الثورة المسلحة تحتاج إلى نضوج ظروفها.
أما الأمر الثاني الذي يجب ذكره هو أن الكفاح المسلح بحاجة إلى مستلزمات تكتيكية ونقاط اتصال بين مواقع المسلحين وبين المركز من أجل مواصلة الاتصالات ومواصلة تدفق المؤن والأسلحة، وهو عامل لم يكن متوفراً في مناطق الأهوار. ويمكن تشبيه محاولة عزيز الحاج في الأهوار بمحاولات جيفارا الذي فشل في تحقيق النصر الذي حققه في مراحل نضاله الأولى في كوبا. لقد تصور الحاج أنه مازال يتمتع بحيوية عقد الأربعينيات وبثوريته التي لمستها عن قرب لكوننا كنا في قفص واحد. فقد كان لا يخشى الموت بدفاعه عن المبادئ التي آمن بها. ولكنه اصطدم بجدار الوضع العام في المنطقة، إضافة الى موقف أهالي المنطقة الذين لم يكن لهم صلة وصل مع تنظيمات الحاج.


المواجهة بين التنظيمين الشيوعيين
في ظل الوضع الجديد الذي تزامن مع انشقاق عزيز الحاج، تحول الحزب الشيوعي العراقي هذه المرة إلى كتلتين؛ الأولى هي جماعة اللجنة المركزية وسكرتيرها عزيز محمد وجماعة القيادة المركزية وسكرتيرها عزيز الحاج. ومهما يكن من أمر، فقد بدأت الكتلتان المتصارعتان الجديدتان تسلكان نهجاً خاصاً بهما. فجماعة اللجنة المركزية كانت تتبنى مواقف وأفكار الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي في تعليماتها وقراراتها، وتسترشد بالنظرية الماركسية-اللينينية. وفي حين شرع عزيز الحاج بدوره بتبني نهج الحزب الشيوعي الصيني الذي روج له ماوتسي تونغ آنذاك، والذي يقف بالضد من نهج الاتحاد السوفييتي.
شرع المنشقون بتوجيه النقد لنا من منطلق يساري واتهامنا باليمينية. وقد كان عزيز الحاج ينتقل هو الآخر إلى مواقف أشد يمينية في يعض الأحيان. إن موقفنا الذي كان ينعت باليمينية قد يعود إلى الظروف التي مر بها الحزب في تلك الفترة. وكمثال على ذلك هو الموقف من مظاهرات الأول من أيار 1959 والتي عرفت بالمليونية، والتي استعرض فيها الحزب قوته. فلم يحسب الحزب آنذاك لردود الفعل عند الطرف الآخر. هذه الردود التي تتوجت بتراجع عبد الكريم قاسم عن نهجه السابق والافتراق مع الشيوعيين، وتعاظم الريبة والشك لدى قاسم تجاه الشيوعيين خشية إقدامهم على استلام السلطة.
هذا الأمر يدفعنا إلى التدقيق في جملة من حساباتنا، وإلى القيام بدراسة مستفيضة للواقع السياسي العام لا أن نندفع بثورية دون أن نحسب الحساب للنتائج. فقد نخسر، بل وخسرنا الكثير من خيرة كوادرنا المجربة ولاسيما بعد الثامن من شباط 1963. هذه الخسارة دفعتنا ان نحسب كل خطوة ألف مرة.
وإضافة إلى التراشق في البيانات بين الجانبين بين اليميني واليساري، فأن الموقف بدأ يتصاعد عندما بدأ عزيز الحاج باعتقال عدد من أعضاء اللجنة المركزية ومنهم زكي خيري وبهاء الدين نوري. ولم يكتف الحاج بذلك بل بدأ بمحاولات السطو على مالية الحزب وعلى سيارة تابعة للحزب بحجة أنه الجناح الذي يمثل الحزب الشيوعي العراقي، وهو سلوك خاطئ .
ومن جانب آخر،فإن العديد من التنظيمات الحزبية انشقت بدورها على نفسها بين مؤيد للجنة المركزية وأخر مؤيد لعزيز الحاج. وهذا يعود بالدرجة الأساس إلى المزاج "الثوري" الذي ساد في البلاد، ومن ضمنه الحزب الشيوعي العراقي، الذي لم يكن بمعزل عن الأحداث العربية والعالمية لاسيما بعد حرب الخامس من حزيران عام 1967 ودور الأنظمة العربية المتخاذلة تجاهالعدوان الإسرائيلي. وهو ما صعد من المزاج الثوري لدى الوطنيين، وهذا ما استغله الحاج لصالحه وصعّد المواجهة مع الحكومة ومع تنظيماتنا التي بدأ النظر الى نشاطنا على انه نشاط يميني، وهم لا يدركون الإمكانيات الضئيلة التي يمتلكها الحزب الشيوعي العراقي في ظل الضربات المتلاحقة التي أصابته.
وهناك أمر لابد من ذكره وهو أن جماعة الحاج بدأت بالسطو على الدوائر الحكومية من اجل الحصول على الدعم المادي. وهو أمر لم نألفه في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي. كنا نقف ضد الأنظمة المستبدة ولكننا لا نقوم بالسطو على الثروات والممتلكات العامة.

عزيز الحاج واتصاله بالبارزاني
بدأ عزيز الحاج الاتصال بالملا مصطفى البارزاني محاولاً فتح جبهة جديدة في المناطق الكردية التي نملك فيها العديد من القواعد الأنصارية. وجرى هذا الاتصال عن طريق حبيب محمد كريم عضو المكتب السياسي في الحزب الديمقراطي الكردستاني(البارتي)، وهو ابن خالة عزيز الحاج. وكان من ضمن مطالبهم الحصول على الأسلحة. ولكن قوبل طلبه بالرفض من قبل البارزاني لكونه على قناعة بأننا من نمثل الحزب الشيوعي العراقي. وطرح البارزاني بدوره الوساطة لإعادة الوحدة إلى صفوف الحزب الشيوعي العراقي، وقد أبدينا عدم ممانعتنا من ذلك. ولكن لم يحدث أي تقدم في المبادرة، ربما لرفض الحاج ولم يكرر الاتصال بالبارزاني ثانية.
هناك حقيقة معروفة وهي أننا بعد انقلاب الثامن من شباط 1963، سرعان ما انسحبنا نحو المناطق الكردية لمميزاتها الإيجابية لنا بحكم موقعها الجغرافي، إضافة إلى العلاقات المشتركة مع البارتي. وعلى الرغم من أن النظام انتهج سياسة التقرب من الحركة القومية الكردية، ولكن كانت غايته التوصل على ما يبدو إلى هدنة مؤقتة استعداداً لحرب شاملة ضدها فيما بعد. وهذا ما افرزته تطورات الأحداث. لقد تم الاتفاق بين نظام البعث والبارتي على إشراك وزراء من الكرد في حكومة الانقلاب. واتسم موقف البارزاني بالريبة والشك تجاه الانقلابيين. ومن المناسب الإشارة إلى أن موقف عبدالرحمن عارف الذي خلف عبد السلام عارف كان أقل حدة مع الجميع، فقد انتهج سياسة التقرب من غالبية القوى ومن بينها الحركة الكردية. إن تنظيماتنا في المنطقة الكردية كانت اكثر تأثيراً لكوننا خضنا سوية مع البارتي الكفاح المسلح ضد الأنظمة الدكتاتورية. وهذا ما أرسى علاقات إستراتيجية بين الطرفين لا يمكن للحاج زحزحتها. بالرغم من كل ما قيل بأن للبارزاني ضلع في انشقاق الحاج، ولكن هذا الرأي ليس له نصيب من الصحة.

الحوار الشيوعي- البعثي وانقلاب 17 تموز 1968
أصبحت الانقلابات على ما يبدو صفة ملازمة للأنظمة العسكرية. إنها ظاهرة تعكس الطموح إلى السلطة، والسعي لإقصاء القوى السياسية. وقد تمسكت بهذا النهج وبشكل رئيسي التيارات القومية التي خاضت رحى المواجهة فيما بينها. وكانت كل كتلة تحاول استقطاب القوى التي تعتقد أنها تمكنها من الوصول إلى الإذاعة من اجل إذاعة ما أسموه بـ"البيان الأول". فأصبح العراقيون يترقبون بين آونة وأخرى حدوث تغيير في الولاءات السياسية أو العسكرية، ولكنه يدور في محور واحد؛ أي في إطار المؤسسة العسكرية.
من جانب أخر، فبعد إقصاء جناح البعث وكان من بينهم أحمد حسن البكر، بدأ البعث يجمع حوله القوى القومية والبعثية بالدرجة الأساس لإقصاء عبد الرحمن عارف المعروف بسياسته المرنة تجاه الخصوم. وبعد حين، انتشر خبر القيام بمحاولة للانقلاب ضد عبد الرحمن عارف في 17 تموز عام 1968 من قبل إبراهيم عبد الرحمن الداود وعبد الرزاق النايف الذي حلفا لعارف بأغلظ الأيمان بالوفاء له، ولكن يبدو إن الوعد بالوفاء لم يكن إلا محاولة لتمهيد الطريق للانقلاب بالتحالف مع البكر وحزب البعث.
لم يكن الشيوعيون ببعيدين عن محاولات البكر والبعث للقيام بانقلابهم. فقد أرسل البكر إلينا رسالة شفهية عن طريق عزت مصطفى وعبر مكرم الطالباني القيادي في الحزب الشيوعي العراقي، لكونه الشخصية الشيوعية العلنية المعروفة وكان مدير عام مصلحة انحصار التبغ، وطُلب منه أن ينقل لنا رغبة البعث في التعاون مع الحزب الشيوعي. وقال البكر نحن جاهزون لاستلام السلطة، ونود أن تكونوا معنا مستنكراً سياسة الماضي. ووعد البكر بأنهم سيفتحون آفاقاً جديدة للتعاون بين الجانبين. هذا هو جوهر الفكرة التي عبر عنها البكر. ولكن السبب الحقيقي وراء هذه الدعوة هو أنهم كانوا يريدون استمالة الشيوعيين كي لا يفسد الحزب الشيوعي العراقي على حزب البعث أمر عودتهم إلى السلطة ومقاومة البعث كما حدث في انقلاب الثامن من شباط عام 1963. وكان ردنا هو كيف نكون معكم ودمائنا لم تجف بعد. واكتفينا بالسكوت وعدم الرد.
وجرى اتصال ثان، وتكرر الطلب نفسه. وكان ردنا بأن امضوا في انقلابكم ونحن سنكون على الحياد. وبالفعل أقدموا على انقلابهم في السابع عشر من تموز 1968. وقد زار مكرم الطالباني البكر وقدم التهنئة بنجاح حركتهم، وقال له البكر كم تمنيت أن يكون البعثي علي يميني والشيوعي على يساري. وأصدرنا بياناً في التاسع والعشرين من تموز 1968، أشرنا فيه إلى ظروف الانقلاب وحذرنا القادة الجدد من مغبة الاستمرار على النهج السابق، وطالبنا بضرورة إشاعة الديمقراطية واعترضنا على إمساك العسكر بزمام القيادة كما في السابق.
وبالرغم من موقفنا المتردد والحذر، إلاّ أنهم طلبوا منا المساهمة في التشكيلة الوزارية الجديدة والبدء بالحوار. فكان ردنا كيف نحاوركم وهناك الآلاف من رفاقنا وراء أسوار السجون. وعلى إثر ذلك استجابوا لرغباتنا بغلق سجن نقرة السلمان وإطلاق سراح مجموعة من الشيوعيين من السجون. وكانوا يسلكون نفس النهج بالتقرب مع القوى الأخرى لأن أرجلهم لم "تلتصق" بعد بالأرض، فالعراقيون كانوا على معرفة بنهجهم وبسياستهم السابقة.

الحزب الشيوعي العراقي واستلام السلطة
أشرنا آنفاً إلى النقاش الذي دار في الحزب حول استلام السلطة. وكان النقاش حول هذه المسألة يدور في الحزب الشيوعي العراقي منذ عام 1959 بعد سياسة التراجع التي انتهجها عبد الكريم قاسم إزاء الشيوعيين. وقاد ذلك الرأي سلام عادل وجمال الحيدري، فيما عارضه الكثير من أعضاء المكتب السياسي واللجنة المركزية، إضافة إلى إيحاءات من موسكو بأن حكم قاسم حكم وطني يجب مؤازرته. واحتدم هذا النقاش داخل الحزب الشيوعي العراقي، وأدى فيما بعد إلى وصول البعث في الثامن من شباط 1963. وخسر الحزب الشيوعي العراقي الفرصة التي كانت متاحة له.
ومن ثم دخل الحزب الشيوعي العراقي في مرحلة إعلان "الاتحاد الاشتراكي"وفي دوامة الموقف من حكم عارف عندما طرح الحزب خط آب 1964. وتخلي الحزب الشيوعي عن ذلك الخط بعدئذ واختار نهج العمل الحاسم. وبدأ الحزب بحملة تثقيفية كما ذكرنا. ولكننا اصطدمنا بعقبة كبيرة وهي من الذي سيقود التغيير والقيام بالانقلاب. ورأينا أن التغيير محصور في المؤسسة العسكرية. وكنا نتهيأ لذلك ولكن بعد حسابات الإمكانيات المتوفرة، وجدنا أنها غير كافية. فالذين استلموا السلطة في 17 تموز عام 1968 اعتمدوا على قواهم في القصر الجمهوري، و منهم الداود والنايف وسعدون غيدان الذين سيطروا على القصر الجمهوري دون مقاومة من أنصار عارف. ولم نكن نملك هذه الإمكانيات، فقد خرجنا من انتكاسة تلو الانتكاسة. وتمكن البعثيون من خلال استمالة هؤلاء من استلام السلطة. وسرعان ما نفض البعثيون أيديهم عن جناح الداود-النايف لأنهم كانوا على شكوك من ولائهما. ومن جانب آخر، وهو الذي لا يمكن تجاهله، هو تأثير انشقاق الحاج على قدرات الحزب. فقد أدى الانشقاق إلى تشرذم تنظيمات وضعف قوة الحزب الشيوعي العراقي. كما أدى الانشقاق إلى مساجلات بين الجانبين، وأخذت صحف الطرفين تتبادل التهم والشتائم مما أضعف من قوة الحزب الشيوعي العراقي مقابل توحد القوى القومية في تلك المرحلة.




انهيار قيادة عزيز الحاج
في 22 شباط 1969 كنت في منطقة الكرادة – بغداد في منزل مهدي عبد الكريم عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي. وطرق سمعنا نبأ اعتقال عزيز الحاج، وكان أمراً متوقعاً في ظل التحولات الجديدة التي رافقت وصول البعث، ومن خلال النهج الذي سلكه عزيز الحاج برفع شعار إسقاط السلطة. وهو أمر لا يمكن السكوت عليه من قبل البعثيين الذين يحاولون تثبيت أقدامهم بشتى الطرق، بالترهيب تارة وبالترغيب تارة أخرى. فقد سلك البعثيون طريقاً يمكّنهم من إسكات صوت المعارضة لهم من خلال نشر شبكات التجسس والاتهام بالتجسس للكثير من الوزراء والضباط السابقين والمعروفين ومن بينهم عبد الرحمن البزاز وفؤاد الركابي. لقدحاول البعثيون بهذه "الفبركة" إسكات صوت المعارضة.
ولكن مسألة عزيز الحاج تختلف عن ذلك، فهو رفع شعار إسقاط السلطة. ولكنهم البعثيون أرادوا إنهاء الموضوع بكل الطرق لكونها بدأت تشكل وبالاً عليهم في ظل نهجهم الجديد القائم على مغازلة القوى الحزبية والسياسية المعارضة.
في الحقيقة بعد اعتقال الحاج، كانت لنا مناشدات من خلال قنوات اتصالاتنا مع البعث بضرورة الحفاظ على حياة عزيز الحاج، وإن اختلفنا معه في الرأي أو النهج. فهو مناضل شيوعي معروف. ولكن يبدو أن الحاج قدم لهم أكثر مما يتوجب، فخرج على شاشة التلفاز وبدأ يخطأ تجربته السابقة ووصف نفسه كالثور الذي يصطدم بكتله كونكريتية. وتحول عزيز الحاج فيما بعد إلى كاتب في صحف البعث، واستُخدِم للتشهير بالحزب الشيوعي العراقي، ومن ثم عُيّن كممثل للعراق في منظمة اليونسيف كثمن لولائه للبعث من جهة، ولإبعاده عن الداخل بعد التقارب بيننا وبين البعث من جهة أخرى.
بالرغم من كل ذلك وبعد التباعد بيننا وبينه ولمسافات بعيدة، ولكنه وبعد مدة من الزمن ابتعد عن البعث وبدأ يخطأ نهجه السابق وهجومه غير المبرر تجاهنا كحزب شيوعي العراقي. إنني قبل مدة ومن باب واجب الرفقه الطويلة، اتصلت به في فرنسا للاطمئنان على صحته. واعتقد أنه من الضروري إسدال الستار على أحداث الماضي والبحث عن الجديد.


الحزب الشيوعي العراقي وبيان 11 آذار 1970
شغلت القضية الكردية في العراق بال جميع الأنظمة على اختلاف مشاربها. هذه القضية التي تتوجت بثورة أيلول 1961، والتي مثلت استنزافاً لمالية الدولة،إضافة إلى الضحايا في الأرواح بين الجانبين الحكومي والكردي وتكاليف مرابطة ثلث قوات الجيش في المناطق الكردية دون أن يكون هناك نصر لجانب معين، ودون أن يكون الحوار هدف حقيقي عند كلا الطرفين. فقد استأثر كل طرف بأحقية هدفه. لقد حاول الجانب الحكومي فرض سلطته على العراق بأكمله، في حين وجد بين الكرد ممن كانوا يأملون بحكم ذاتي دون أن تكون هناك سيطرة مباشرة من الحكومة عليهم.
حاول البعثيون بدورهم السير على طريق الحوار مع القوى المختلفة بمن فيهم الكرد، لأن البعثيون، كما ذكرت، لم يثبتوا بعد أقدامهم على الأرض، وكانوا بحاجة إلى كسب الوقت. كان التعامل مع الكرد في غاية الدقة والضرورة بالنسبة للبعث بسبب مجموعة من المعطيات، من بينها أن الكرد في حوزتهم أسلحة قد تكون موازية لما تملكه القوات الحكومية باستثناء الطيران. ويضاف إلى ذلك أخذ العديد من الدول الأجنبية التدخل في الملف الكردي، ومن بينهم الإيرانيين والأمريكان اللذين كانا يساندان الكرد من اجل إملاء رغباتهم على الحكومة العراقية ومن اجل الضغط عليها كي تقدم العديد من التنازلات سواء في إطار صفقات سياسية أوتجارية عبر الورقة الكردية. ولم يكن هدف هذه القوى في تحريك الملف الكردي هو إظهار الود والمحبة للكرد، بقدر ما هو فرض مخططاتهم. وحاول حزب البعث في البداية شق صفوف الحركة الكردية، وذلك عن طريق استمالة الجناح المنشق عن البارتي والمتمثل بجناح إبراهيم احمد- جلال الطالباني. ولكن بعد عجزهم عن تحقيق هدفهم، توجهوا نحو البارزاني لأنهم أدركوا بأنه يمثل الحركة الكردية المسلحة. لذا سرعان ما أداروا ظهرهم لإبراهيم أحمد- جلال الطالباني. وبعد وساطات سوفييتية بين الجانبين الحكومي والكردي، تم التوقيع على اتفاقية الحادي عشر من آذار 1970 على أساس الحكم الذاتي. وهو في الحقيقة كان شعارنا المركزي لحل القضية الكردية. وبعد توقيع الاتفاق، صافح عزيز شريف عامر عبد الله وعدد من أعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، وقال لهما : "أهنئكم على نجاح تحقيق هدفكم في حل القضية الكردية"، وذلك في بيت عامر عبد الله.
، وقال لهما أهنئكم على نجاح تحقيق هدفكم في حل القضية الكردية.
ولابد من الإشارة إلى أن القيادة الكردية بدورها كانت تستشيرنا في أثناء سير عملية المفاوضات. في البداية كانت القيادة الكردية تسألنا حول كيفية التفاوض مع قتلة سلام عادل. ولكن بعد تقديم التنازلات لهم رحبوا بالاتفاق، بالرغم من أن البارزاني كانت لديه خشية من نوايا البعثيين. فهو طيلة فترة الحوار وحتى بعد توقيع الاتفاق، لم يقم بزيارة بغداد نهائياً، لورود معلومات متتالية عن محاولات لاغتياله من قبل النظام.
ولكن سياسة البعث لم تختلف عن السابق في إدارة الظهر للشيوعيين بعد التقارب مع الكرد. وهذا ما حدث. ففي احتفالات 21 آذار 1970 بمناسبة أعياد نوروز، وعندما خرجت مسيرات تضم القوى المختلفة، ومن بينها الحزب الشيوعي العراقي، بدأ أنصار حزب البعث بالهجوم على حشدنا في شارع الرشيد. وهو أمر لم يكن من الممكن تبريره من قبلهم، وعدّوا ذلك محض تصرف شخصي من قبل المتظاهرين البعثيين.
ويجب الإشارة إلى حقيقة هي أننا لم يكن لدينا دور مباشر في التوصل إلى الاتفاق. فقد كان البعث يرفض أية وساطة مباشرة من قبلنا. وكنا نتابع سير المفاوضات عن قرب وعن طريق مكرم الطالباني، ونبدي ملاحظاتنا للقيادة الكردية، وكثيراً ما كانوا يستجيبون لمشورتنا التي تصب في مصلحتهم.

محاولة انقلاب عبد الغني الراوي
من المعلوم إن عبد الغني الراوي معروف بكونه أحد أقطاب المجموعة العسكرية القومية، والمعروف بتوجهاته المعادية للحزب الشيوعي العراقي. فعندما بدأ انقلاب شباط عام 1963، كان عبد الغني الروي محال على التقاعد. ولكن ما أن سمع بالانقلاب حتى ارتدى زيّه العسكري وتوجه إلى معسكر الحبانية لقيادة اللواء الزاحف إلى بغداد لإسقاط قاسم. ويؤكد الراوي في حديث له مع الصحفي غسان شربل في جريدة الحياة أنه كان الرجل الذي أمر بتنفيذ حكم الإعدام بحق عبد الكريم قاسم وطه الشيخ أحمد وفاضل المهداوي، بعدما رفض عبد السلام عارف السماح لعبد الكريم قاسم بالمغادرة إلى المنفى. ولقد أفرط الراوي في القسوة تجاه الشيوعيين. فكما يشير عبد الغني الراوي في مذكراته، أنه قد كُلف في تموز 1963 بإعدام 30 عسكرياً شيوعياً، فاعترض على العدد معتبراً أنه شديد التواضع!!!.
ولكن يبدو أن المثل السائد والمعروف إن الثورة تأكل أبنائها ينطبق على هؤلاء الانقلابيين. فقد شرع الانقلابيون يأكلون بعضهم بعض جراء التكتلات والتناقضات فيما بينهم. لقد كان عبد الغني الراوي يشغل منصب نائب رئيس الجمهورية قبل 17 تموز. ولكن بعد تنازل عبد الرحمن عارف عن الحكم، اعتقد الراوي أنه ستكون له الحظوة كما في السابق. وبعد عدة محاولات لاعتقاله، هرب إلى إيران حيث استخدمه الشاه هذه المرة كورقة ضغط على حزب البعث بعد أن خسرت ورقة الكرد. وفي مقابل ذلك، توجه البعث لجمع المعارضين الإيرانيين لحكم الشاه إلى جانبه، ومن بينهم رئيس الساواك السابق تيمور بختيار كرد فعل على خطوة الشاه. وشرع كل طرف يعد العدة لقلب نظام حكم الآخر.

وهكذا شرع عبد الغني الراوي بالاتصال بمجموعة من الضباط المناوئين للبعث ومع القيادة الكردية المتمثلة بالبارزاني الذي رفض التعاون معهم. ومن خلال اتصالاته، التقط السوفييت محاولة الراوي لاقتحام القصر الجمهوري، وقاموا بدورهم بإطلاعنا على تلك المحاولة. وقمنا بتسليم تفاصيل خطة الانقلابيين للبعث بواسطة مكرم الطالباني الذي سلمها للبكر شخصياً، وهذا ما أثار غبطته.
يبدو أن السوفييت استهدفوا من تسريبهم إلينا تفاصيل محاولة الانقلاب إلى ترطيب الأجواء بيننا وبين البعثيين، وأن نبدي حسن نيتنا تجاههم. وفي الوقت ذاته لم يتصل بنا الراوي لا من قريب ولا من بعيد. ولو طرح الراوي علينا الفكرة لرفضناها لمعرفتنا بميوله العدائية تجاهنا.

لقاء مع البكر - صدام قبل المؤتمر الثاني للحزب الشيوعي
ذكرت أن لقاءاتنا كانت مستمرة مع نظام البعث وذلك عن طريق مكرم الطالباني وعن طريق عامر عبد الله. لكن مكرم الطالباني كان أكثر اتصالاً بالبعث بحكم وجوده في منصبه، وسهولة الاتصال به على الرغم من سهولة حركتنا كشيوعيين على الساحة. وكنا كطرفين نتواصل عبر مكرم، ونعبر عن آرائنا كطرفين يمهدان للتحالف الذي بدأوا يسعون إليه.
لم تكن لي اتصالات مباشرة مع البكر، ولا مع أي من مسؤولي في البعث إلاّ قبيل انعقاد المؤتمر الثاني للحزب الشيوعي في آب 1970. لقد انصب النقاش آنذاك على ضرورة التحالف بين الجانبين، وأراد البعثيون معرفة رأي الحزب. فقد اتصل بنا الوسيط الذي أراد ترتيب اللقاء، وأعطى ضمانة في الحفاظ على سلامتي، وسأل هل أمانع من وجود صدام حسين مع البكر في الاجتماع، أم يقتصر الاجتماع علينا فقط؟. فقلت له أنه من حق البكر أن يختار من يرافقه. وأبديت عدم ممانعتي لذلك الأمر. في ذلك الوقت كانت غالبية قيادة الحزب الشيوعي العراقي في منطقة كردستان للتحضير للمؤتمر الثاني.
جرى اللقاء في أحد البيوت القريبة من القصر الجمهوري. وكان البكر برفقة صدام حسين. وأبدى البكر الترحيب بنا ومن ثم تحدث عن الرغبة بالتحالف بيننا. فأبديت له استغرابي حيث يجري اعتقال مجموعة من الشيوعيين في كل يوم، ويجري اغتيال قيادي في الحزب الشيوعي بصورة غريبة. فتدخل صدام في هذه اللحظة وقال إن الجماعة الأخوان يقصد(الشيوعيين) صوروا العراق للعالم وكأنه معتقل.
فتدخلت لأبدي برأيي، فقلت له سأعطيك أسماء اثنين من كوادر الحزب الشيوعي العراقي اعتقلوا قبل مدة ولا نعرف مصيرهم. فسأل صدام من؟. قلت له كاظم الجاسم وعزيز حميد. وقام صدام أثناء ذلك بالاتصال بشخصدعاه أبو حرب ( المقصود ناظم كزار)، وسأله عن مصير الرفيقين. وبعد برهة من السكوت، قال صدام أعطنا أسماء غيرهم. فاستنتجت بأنه قد تم تصفيتهما. واختُتِم اللقاء الذي أستمر لأكثر من ساعتين. وعرفت من خلال مداخلات صدام حسين أنه الشخص الثاني بعد البكر. وبعد ذلك نقلت ما دار في الاجتماع إلى المؤتمر الثاني، و كان رأي الجميع هو ضرورة الانتظار وعدم التسرع بأي تحالف في غير صالحنا.


التقارب السوفيتي - العراقي ومفاوضات النفظ
كان حزب البعث يبحث عن التقارب مع الاتحاد السوفييتي لأسباب قد تكون موضوعية، فالغرب بسياسته الداعمة لإسرائيل لاسيما بعد حرب الخامس من حزيران 1967، قد احدث ردود فعل سلبية حادة في الشارع العربي، وأثار السخط ضد الدول الغربية لمساندتها إسرائيل. إن القضية الفلسطينية كانت من ضمن الأولويات التي رفع رايتها نظام البعث في العراق. وعلى الرغم من إن البعث بتجربته السابقة التي لا يمكن نسيانها في تحالفه مع الغرب في انقلاب شباط عام 1963، وأنهم جاؤا بقطار أمريكي حسبما نُسب إلى أحد قادته علي صالح السعدي، ولكنه كان من الصعب أقامة أية تحالفات مع الغرب في الفترة المذكورة.
فبدأ البعث يدغدغ مشاعر السوفييت من خلال التلويح بالاشتراكية والتقارب مع المنظومة الاشتراكية ووأد سياسة الماضي، ولاسيما في العلاقة مع القوى الوطنية ومن بينها الحزب الشيوعي العراقي. فأصبح الطريق ممهداً لمثل ذلك التقارب. ولكن هل كان هدف البعث من التقارب مع السوفييت هو من أجل استدراج الغرب لإقامة علاقات بين الجانبين، أم أن مصلحة البعث كانت تقتضي التقارب مع الاتحاد السوفييتي لكونه أحد القطبين الرئيسيين في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية؟. وعلى أي حال ثمّنا ذلك التقارب بين العراق والاتحاد السوفييتي، واعتبرناه في بيان لنا بأنه خطوة في الاتجاه الصحيح، وهو ما كنا نطمح إليه. فالسوفييت معروفون بمواقفهم الايجابية تجاه قضايانا الوطنية والقومية، وعلى رأسها الموقف الداعم للقضية الفلسطينية وتحديهم للدول الغربية أثناء العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956.
وهناك عامل آخر أدى إلى هذا التحالف هو أن نظام البعث من جانبه بدأ بالبحث عن حليف قوي يمكن أن يسانده من اجل البدء بمفاوضات النفط وتأميمه. فتأميم النفط أصبح من ضمن أولويات النظام والتي أعلن عنها عند وصوله إلى السلطة. إن النفط في الحقيقة أصبح مثل البندقية التي بيد من يطلق النار. ولكنه في نفس الوقت أصبح وبالاً على العراقيين وعلى الشعب الكردي بالدرجة الأساس. فبسبب النفط بدأت الدول الغربية تتدخل بقوة وبدعم الحركة القومية الكردية وتزويدها بالسلاح والمال من اجل الضغط على الحكومة لتقديم تنازلات للدول الغربية، بمايحقق لهم أهدافهم، ثم التخلي عن دعمهم للكرد فيما بعد.
بعد الإعلان عن تأميم النفط، وقفنا إلى جانب قرار الحكومة، وان اختلفنا معها في أمور كثيرة أخرى. لأننا كنا على اعتقاد بأن هذا القرار يصب في مصلحة الشعب العراقي ككل، بالرغم من استخدام البعث لعوائد النفط فيما بعد كوسيلة لزيادة رصيده الشعبي أو زيادة الماكنة العسكرية والأمنية ليوجهها فيما بعد ضد خصومه، بمن فيه الكرد الكرد في حرب غير عادلة لم يحصد الجانبان منها إلا الخسارة البشرية والمادية.

مساهمة الحزب الشيوعي في الوزارة
في ظل سياسة التقارب بين الطرفين الشيوعي- البعثي، طرحت عدة مبادرات من أجل التحالف. ولكنها كانت تصطدم بالكثير من المعوقات. ويأتي في مقدمتها التوجس من نية البعث ومصداقيته إزاء التحالف مع الحزب الشيوعي العراقي. فالبعث في كل حوار خاضه مع الأطراف الأخرى، سرعان ما يدير ظهره للطرف الآخر مما يجعل صعوبة في التعامل معه. وقد بدأ ذلك يطفو على السطح بعد توقيع بيان 11 آذار، حيث بدأت الخلافات بين الجانبين الكردي والحكومي شاخصة للعيان.
وفي نهاية عام 1971، طرح حزب البعث من جانبه مسودة ميثاق العمل الوطني. ولكننا أبدينا اعتراضنا على الكثير من فقرات مسودة الميثاق، حيث أكدت المسودةعلى دور حزب البعث في قيادة الدولة. وبهذا فان مساعي التقارب لم تجد نفعاً.
فارتأينا أن نراقب خطوات البعث ومدى الجدية في دعواته. فبعد توقيع بيان آذار مع القيادة الكردية كما ذكرت، تم توقيع ميثاق تعاون مع الاتحاد السوفيتي بعد فترة قصيرة من تأميم النفط العراقي. وحاول البعث بمختلف الطرق أن نشارك في الوزارة. ولكننا رفضنا المبدأ، لأن الاشتراك في الوزارة لا يعني لنا شيئاً قياساً بما هو أهم منه، وهو التحالف المتكافئ الذي يضمن لنا استقلالنا السياسي والفكري. وفي محاولة منهم على هذا الطريق تم

استيزار عزيز شريف لوزارة العدل. وهو ما رفضناه في ظل إجراءات إعدام متواصلة ضد خصوم البعث بذريعة التجسس، والتي راح ضحيتها العديد من الوطنيين المعروفين بنزاهتهم السياسية والفكرية. وطلبنا من عزيز شريف رفض الاستيزار، ولكنه لم يستمع لنصيحتنا. فأصدرنا بياناً للنأي بالنفس عن قبول عزيز شريف بالاستيزار وبأنه لا يمثل الحزب الشيوعي العراقي وإنه مستقل، بالرغم من أن عزيز شريف كان عضواً في الحزب الشيوعي العراقي.
ولكن على ضوء التطورات والخطوات اللاحقة التي اتخذها، أصبحت خطوة التقارب أقرب من خلال إدراك البعث لثقلنا السياسي. فطلب البعث منا اختيار شخصين من حزبنا ليكونا ممثلين في الحكومة. وعلى ما يبدو أنهم استعاروا التجربة السورية عندما تم إشراك الحزب الشيوعي السوري في الوزارة. واقترح البعث أن يكون أحد الوزراء وزير دولة، والثاني لوزارة أخرى. وافقنا على المقترح، فوقع الاختيار في المكتب السياسي واللجنة المركزية على كل من عامر عبد الله ومكرم الطالباني لكونهما شخصيتان معروفتان من الجميع، ومن البعث بدرجة أساسية. فهما قد شاركا في التفاوض مع البعث خلال تلك الفترة. وكان مكرم موظف حكومي، وتمتع وعامر عبد الله بمؤهلات عديدة ليقع عليهما الاختيار. تم الاختيار دون علمهما في البداية، ثم قمت بإعلامهما بأن الاختيار قد وقع عليهم بإجماع آراء قيادة الحزب. وتم استيزارهما في نيسان 1972، مكرم لوزارة الري وعامر عبدالله وزيراً للدولة.

دور السوفييت في التقارب الشيوعي - البعثي
حاول الكثير من الكتاب والمعلقين أن يشير إلى تأثير السوفييت وإملاء رغباتهم علينا. وهو أمر يمكن دحضه في مواقف كثيرة. كنا نقرأ رأي السوفييت ونحلل مواقفهم بقدر ما يتعلق الأمر بسياستنا، ولكننا لم نكن نستلم إيعاز منهم في تقرير سياستنا. وأود أن أؤكد على أننا لم نتأثر بتلك الإيحاءات، لكوننا نحن من يحدد الموقف في ظل الوضع العام الذي يعيشه حزبنا لا السوفييت. نعم كنا نسترشد بنظرياتهم وطروحاتهم لأنهم أصحاب تجربة طويلة. علماً بأنهم كانوا يؤكدون دوماً على ضرورة التقارب بما يخدم حزبنا. ولا أنكر دور مصالحهم المتبادلة مع الحكم في العراق والتي لها كان لها تأثير في إيجاد تفاهم مع النظام.
في حقيقة الأمر إن السوفييت بذلوا جهداً في حل الكثير من الملفات العالقة في العراق، ومن بينها ملف القضية الكردية. فقد كان يفغيني بريماكوف مبعوث اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي يتابع تطور المفاوضات بين الحكومة والكرد، وكان يناقش سير المفاوضات مع مكرم الطالباني، وتمكنا من إيجاد صيغة تحاوريه بين الجانبين. أضف إلى ذلك إن السوفييت عملوا على مؤازرة العراق داخلياً، لاسيما أثناء مفاوضات النفط مع الشركات الاحتكارية التي عملت من جانبها على تخفيض أسعار النفط تارة، والتهديد تارة أخرى. فكان للسوفييت دور مؤازر للعراق إضافة إلى دفاعهم عن العراق خارجياً.

الجبهة الوطنية والقومية التقدمية
بعد مفاوضات مضنية طويلة، أصبح من الضروري وضع اللمسات الأخيرة على ميثاق الجبهة، لاسيما وإن العلاقة مع القيادة الكردية أصبحت في وضع لا يحسد عليه من التباعد والتوتر. وتوصلنا إلى الصيغة النهائية للجبهة، واتفقنا على ذكر الدور القيادي لحزب البعث للدولة، بعد أن كانوا يؤكدون على ضرورة القبول بصيغة "قيادة حزب البعث للجبهة".
وكان من جملة ما ركزنا عليه أثناء المفاوضات هو ضرورة أن لا يكون التحالف مقتصراً علينا نحن الشيوعيين والبعثيين، بل يجب دخول البارتي إلى الجبهة، لأن ذلك سيعزز من مكانة الجبهة ويحد من استئثار البعث بالجبهة، وهو يقوي من مركزنا كما يقوي من مركز البارتي أيضاً. كنا نعتبر الحركة الكردية الدعامة الرئيسية لقوتنا لدواعي المشتركات العديدة التي تجمعنا. إلاّ أن توتر العلاقات بين البعث والبارتي حال دون تحقيق ذلك. وقمنا بالتوقيع على ميثاق الجبهة، بالرغم من استلامنا للعديد من الرسائل من القيادة الكردية بعدم التوقيع على ميثاق الجبهة مع البعث. ولكننا رأينا أن هذا الأمر هو قرار يخص الحزب الشيوعي تماماً، كما كان التوقيع على اتفاق آذار شأن يخص الكرد أنفسهم، دون ان يصر البارتي على إشراكنا في الحوار بشكل رسمي آنذاك.
لقد أشارأحد قياديي الحزب الديمقراطي الكردستاني في بداية تقاربهم مع البعث وهو يخاطب قادته: "نحن امتداد لكم في الشمال، وانتم امتداد لنا في الجنوب". ولقد أثرت هذا الموضوع في وقتها مع الأخوة في حزب البارتي، وقلت لهم... ونحن أين موقعنا كحزب!!، علماً إن لنا تفاهمات ومشتركات وتحالفات معكم.
إن احد أسباب التقارب بين الحزب الشيوعي العراقي وبين البعث يعود إلى أننا بقينا لوحدنا بعد الاتفاق في آذار بين الحكومة والبارتي. وهذا ما أضعف موقفنا، ولهذا ترددنا في البداية في التحالف مع البعث. لقد طالبنا البارتي الدخول في الجبهة حتى اللحظات الأخيرة من التوقيع على ميثاقها. وقلنا لهم يمكنكم أن تطرحوا وجهات نظركم عبر الجبهة. ولكنهم رفضوا الفكرة وأصروا على الانتظار لحين تنفيذ بيان 11 آذار. وطلبوا منا أن لانخطوا أية خطوة باتجاه التوقيع على ميثاق الجبهة. وكان رأينا أن هذا الأمر لا يصب في مصلحتنا كحزب.
أن سبب إصرارنا على دخول البارتي للجبهة هو من اجل تحصينها ضد سياسة الارتداد البعثي المفاجئ. فالبعث أصر على عقد الجبهة بأي ثمن من أجل تحصين جبهته الداخلية بعد انفراط تحالفهم مع الكرد. ونحن دخلناها بخليط من عين الشك وعين اليقين وحسن النية.
وانتقل الأمر بعد التفاهم مع البعث إلى التفاهم داخل الحزب الشيوعي العراقي، وضرورة قبول المكتب السياسي و اللجنة المركزية على الدخول في الجبهة. وعندما بدأ التصويت بصدد ذلك، كانت اللجنة المركزية منقسمة على نفسها حول عقد التحالف بين رأي مؤيد وآخر معارض عندما عرضت قضية الانضمام إلى الجبهة مع البعث. و اعترض الكثيرون على الفكرة من حيث المبدأ، وطالبوا بترك مثل هذا النقاش. وعندما طالبت بالتصويت على الموضوع، صوّت إلى جانب المقترح سبعة من أعضاء اللجنة المركزية وعارضه ثمانية. وعندما رفض المقترح، خاطبتُ أعضاء اللجنة المركزية وقلت لهم أن الانضمام إلى الجبهة أصبح ضرورة ملحة لحزبنا، وبمثابة إظهار حسن نيتنا اتجاه البعث بكوننا نؤيد سياستهم التقدمية. ولا يجب أن يبقى ذلك في السر حيث لا تجني قواعدنا من ذلك أية نتائج مثمرة. وعندما كررنا التصويت، انتقل صوت أحمد باني خيلاني من صفوف المعارضة إلى صف الموافقة على انعقاد الجبهة. وبالرغم من ذلك حدثت بلبلة داخل اجتماع اللجنة المركزية، وعلى رأسهم بهاء الدين نوري الذي اعتبر أن الدخول في الجبهة هو بمثابة انتحار للحزب الشيوعي العراقي.

العمليات الحكومية في شمالي العراق
بعد التوقيع على بيان 11 آذار 1970، دخلت العلاقات بين البعث والبارتي في طريق مسدود، بسبب إصرار كل طرف على إملاء رغباته على الآخر دون أن تكون هناك نية حقيقية بين الطرفين للمضي في تحقيق ما توصلوا إليه. ومما عمق ذلك المحاولات المستمرة من قبل البعث لاغتيال الملا مصطفى البارزاني ومحاولات اغتيال قيادات كردية واستمالة أبناء البارزاني لضمهم في الحكومة. كل ذلك أضحى من معوقات التفاهم بين الطرفين.
من جانب أخر بدأت الحكومة بعد الفورة في أسعار النفط وتوفر الإمكانيات الاقتصادية الهائلة للعراق بهدر العوائد النفطية لصالح بناء المنظومة العسكرية والأمنية. وبدأت القيادة الكردية من جانبها في البحث عن وسائل الاتصال بالخارج للحصول على الدعم العسكري، مما وفر الفرصة للإيرانيين والامريكان للتدخل في الملف الكردي من أجل الضغط على الحكومة. فأصبحت المواجهات بين الحكومة والحركة القومية الكردية قائمة لا محال.
وفي ظل تأزم الوضع والحالة العامة، تم قتل أحد عشر طالباً من الشيوعيين العائدين من الدراسة الحزبية من موسكو من قبل عيسى سوار رغم موافقة البارتي على السماح بدخولهم، ولكننا فوجئنا بقتلهم. واقترن ذلك بمضايقات على مقرات الحزب الشيوعي العراقي وعلى الشيوعيين في كردستان. فبدأوا بعمليات إطلاق النار على المقرات واغتيالات في صفوف الشيوعيين غايتها إخلاء مقرات الشيوعيين بذريعة كوننا أصبحنا في تحالف مع خصمهم؛ أي الحكومة. وعبّرنا في البداية عن استنكارنا لهذه الحوادث، وأجرينا اتصالات مع القيادات الكردية. وطالبنا البارزاني بوقف المضايقات التي تعرضت لها مقراتنا. فكان رده هو ماذا نفعل لكم ....إن ذلك أشبه باحتجاجات الصين ضد الوجود الأمريكي.!!.وتعاظمت تلك الأزمة بيننا وبين البارتي، والتي رافقتها عمليات عسكرية حكومية على مناطق كردستان بعد اقرار الحكومة قانون الحكم الذاتي في 11 آذار 1974. وقد اعتبرت القيادة الكردية ذلك بأن القانون قد سُنّ من جانب واحد دون أن يكون للبارتي أي رأي فيه. كما اعترض البارتي اعترض على تشريع القانون لكونه يكرس سيطرة الحكومة ويطبق سياسة التعريب في المناطق الكردية، وهو ما أثار حفيظة الحركة الكردية.
بعد اندلاع المواجهات العسكرية، أصبح موقفنا في غاية الصعوبة، بين مؤيد للعمليات العسكرية وبين معارض لها. وبالرغم من وساطة أجريناها مع القيادة الكردية، ولكنها لم تفت من عضدهم. وأصبح الوضع في غاية الحرج بعد الشحن الخارجي لتصعيد لهيب الحرب. وبموجب اتفاقنا الجبهوي مع البعث، أيدنا الحرب الحكومية على القيادة الكردية، والسبب في ذلك هو حجم التدخل الأجنبي الذي يسعى إلى استغلال ملف الحركة الكردية. لقد حمل الشيوعيون السلاح مع القوات الحكومية، ولكن ليست بالصورة التي تم نقلها. فقد كانت إمكانياتنا في التسليح محدودة، وكان موقف البعث من جانب آخر يلح على ضرورة وقوفنا معهم بموجب التحالف بيننا.
ومع استمرار العمليات العسكرية، أصبح واضحاً بأنه ليس هناك من رابح في تلك المواجهات. مما اضطر نظام البعث إلى القبول بوساطة الجزائر، وعُقدت اتفاقية الجزائر في عام 1975. وبموجب هذه الاتفاقية، تنازل العراق عن حقوقه الإقليمية في شط العرب مقابل توقف الشاه عن دعم الحركة الكردية. وهو ما تحقق، إذ سرعان ما انهارت الحركة الكردية بصورة مفاجأة دون إبلاغ للقيادة الكردية من جانب إيران، التي اعتبرت ذلك شأن داخلي بالنسبة لإيران. وبهذا خسر العراقيون التفاهم الداخلي، وخسر الكرد الحرب، وخسرت العراق مناطق نفوذه في شط العرب.

تجميد منظمات الحزب الشيوعي العراقي
بعد اتفاقية الجزائر، تمكنت الحكومة من إنهاء الحركة الكردية المسلحة التي أثقلت كاهلها. وأصبح الطريق ممهداً للبعث لبسط نفوذه على الأرض بعد خلو الساحة من أية معارضة جدية. فانسحب الكرد من أراضيهم باتجاه الأراضي الإيرانية، وتمكن الجيش العراقي من الدخول إلى المناطق الكردية.
وبهذا لم يعد هناك أية قوة فعالة للمعارضة باستثنائنا نحن الحليف الجبهوي. فشرعوا أولاً بسحب الأسلحة من المقاتلين الشيوعيين الذي قاتلوا مع القوات الحكومية في مناطق كردستان بحجه انتهاء العمليات العسكرية. لقد كنا نتوقع سياسة الارتداد البعثي بين آونة وأخرى لاسيما بعد انتهاء الحركة الكردية المسلحة. فعملنا على إخفاء بعض الأسلحة لاستخدامها في أوقات لاحقة في حالة اضطرارنا لحملها.
إن من مظاهر الارتداد البعثي هو مطالبة البعث بضرورة دمج المنظمات والنقابات الشيوعية في منظمات ونقابات حزب البعث. وبعد مناقشات داخل الحزب الشيوعي العراقي، رأينا من المصلحة أن نجمد منظماتنا الجماهيرية وأن ندخل بقوة في صفوف المنظمات الحكومية على أساس التحالف القائم بيننا. في الحقيقة كان الهدف من التجميد هو من أجل الحفاظ على الكوادر الحزبية بدلاً من المجابهة مع البعث.
ولكن بدا أن البعث كان مصراً على إنهاء التحالف مع الشيوعيين، وهذا يعود إلى الحشد الجماهيري والقوة التي كانت تتمتع بها تنظيمات الشيوعيين وكوادرهم وصحافتهم، حيث وصلت مبيعات جريدة "طريق الشعب"أضعاف مبيعات جريدتهم "الثورة". وهو ما أثار سخط البعث، حيث بدأوا يوجهون النقد لحزبنا وبأننا نعارض نهجهم ونعمل على تعطيل عجلة التقدم الاقتصادي من خلال انتقادنا لسياستهم العامة في صحافتنا.
وفي ظل سياسة التراجع، بدأ حزب البعث من جانبه العمل على "تبعيث" المجتمع العراقي. وهو ما أثار حفيظتنا. فالتقيت بصدام حسين وشرحت له تدهور العلاقات بين الجانبين، وأشار إلى أن الشيوعيين يريدون من الجبهة أن لا تكون وسيلة للتحالف، وإنما وسيلة للوصول إلى السلطة. وسألته كيف؟. فبدأ يثير قضايا لا أساس لها من الصحة. وعندما أوضحت له أن العراق ما زال بدون تشريع للحياة الديمقراطية وبدون سن دستور دائم وغيرها. فأبدى صدام امتعاضه من ذلك وتحدث عن سياستهم في المرحلة الراهنة، والتي تحتاج إلى المزيد من التقدم. كان يتكلم وكأنه الشخص الأول في الحكومة. فخلال نقاشي معه ردد بعض الكلمات المثيرة وأشار:"أنا أملك صلاحيات رئيس الجمهورية، ورئيس الجمهورية لا يملك صلاحياتي". عندها أيقنا إن التحالف قد وصل إلى طريق مسدود بين الجانبين.

إعدام العسكريين الشيوعيين ونهاية الجبهة
إن سياسة التراجع التي انتهجها حزب البعث أكدت أن هذا الحزب كان يرمي من الجبهة أن تكون واجهة لنظامه، وأن يؤيد الشيوعيون جميع قراراتهم ولا يعارضونه. وفي اجتماع مشترك للجبهة وبحضور صدام حسين، أبديت امتعاضي من ذلك الأمر وقلت له "إن النقاش داخل الجبهة يجب أن يعتمد مبدأ الإجماع لا مبدأ التفرد. وقلت له نحن لا نستطيع أن نكون واجهة "زينة" لنظامكم".
لقد كانت قرارات الجبهة عندما تصدر غير موقعة من قبل حزبنا، بل من وكالة الأنباء العراقية، ولذلك كنا بمنأى عن أي قرار لا يتفق مع سياستنا. وعندما جرت أحداث "خان النص" في عام 1977، سرعان ما غير البعث نهجه تجاهنا وبدأ يستنجد بنا كحزب حليف!!، لا حزب يعمل البعث من أجل تقليصه وتحجيمه.
في ظل هذا التراجع، عقدت اللجنة المركزية اجتماعاً لها في آذار عام 1978، وأصدرت تقريراً طالبت فيه وبإصرار من البعث بضرورة وقف حملات الاعتقالات والشروع بإرساء دعائم النظام الديمقراطي، بما في ذلك المطالبة بإنهاء فترة الانتقال وإجراء انتخابات لجمعية تأسيسية تضع دستوراً دائماً للبلاد. لقد وجه التقرير الصادر عن الاجتماع في الحقيقة نقداً لاذعاً في غاية القسوة إلى البعث. وهو ما تبين من خلال الرد علينا في صحيفة الراصد التي بدأت تتهجم على حزبنا. وطالبنا البعث بضرورة التراجع عن تقرير اجتماع آذار 1978 والتخلي عن أفكاره. وهو ما عارضناه بشده.
لقد أراد حزب البعث أن ينهي التحالف بأي طريقة، كما بدا لنا، إرضاءاً للسعودية ومحاولة للتقرب من الولايات المتحدة والغرب. فأختلق له مسالة إقامة الشيوعيين تنظيمات لهم داخل القوات المسلحة. وقام صدام حسين بإعدام 31 من العسكريين والمدنيين الشيوعيين بحجة أنهم يقومون بالإعداد لمحاولة انقلابية. إننا لو رجعنا إلى المراتب العسكرية لهؤلاء الشهداء لوجدنا بينهم الجندي المكلف أو الرياضي في فريق الشرطة الذي تبرع بخمسين فلساً للحزب دون أن يكون هناك أي تنظيم لنا داخل الجيش. وهي حقيقة لا أريد أن أجافي بها الواقع. فلم يكن لدينا أي تنظيم داخل القوات المسلحة، وهم يعرفون ذلك. والغريب أنهم قاموا بتسيير توابيت الشهداء من أمام مبنى مقر الحزب الشيوعي العراقي كدليل على التحدي والاستهانة.
لم يكن لدينا أية وسيلة سوى توجيه المناشدات بضرورة وقف التدهور مع البعث. وكانت هناك مناشدات من دول صديقة وأحزاب شيوعية والتي عدها حزب البعث تدخلاً في الشأن الداخلي العراقي، وعجل بالإعدامات.
وبالرغم من محاولتنا لعقد اجتماع للجبهة ومناقشة موضوع موجة الإعدامات، ولكنهم رفضوا ذلك. حاول عامر عبد الله الاتصال بالبكر لثنيهم عن قرارات الإعدامات، ولكن البكر لم يكن يملك أي قرار بوقف الإعدامات، بل ولم يبصم بتوقيعه على تنفيذ الأحكام بعد أن حُجّم دوره بسيطرة صدام على مقاليد الحكم.
إن خطيئتنا الكبرى ليس في تنازلنا للبعث والقبول بدعواته، ولكن كنا متحالفين مع حزب يتنكر للديمقراطية وذي نزعة فاشية كامنة اشتدت بفعل عوامل مختلفة، وخاصة في ظل عوائد النفط المالية الضخمة، ليتحول البعث إلى حزب فاشي. فكان كل هم هذا الحزب الحفاظ على السلطة باية وسيلة وطريقة. وكان قادته يؤكدون في لقاءاتهم على ضرورة تطوير الجبهة بيننا لفظياً. وكانت لدينا أوهام بخصوص تطوير الجبهة، وفي نفس الوقت كنا في شك من سياستهم. لقد عبرت صحيفة الراصد الحكومية بصراحة عن نواياهم ونهجهم المعادي لنا.

إسقاط الدكتاتورية
كانت هناك محاولات لإعادة الجبهة الوطنية إلى حيز الوجود من جديد. وكانت صلة الوصل هذه المرة مكرم الطالباني. وحمل مكرم لنا رسائل عديدة من البعث توضح وجهة نظرهم. كنت في وقتها خارج العراق في زيارة لليونان بمناسبة انعقاد مؤتمر الحزب الشيوعي اليوناني. ووصلني إيعاز من قيادة الحزب بضرورة عدم العودة للعراق لكون الطريق أصبح مسدوداً بين الطرفين.
وكان يدير الحزب في بغداد كل من وباقر إبراهيم وعبد الرزاق الصافي وجاسم الحلوائي وعائدة ياسين ومكرم الطالباني. وكان هدفنا هو الإبقاء على الجبهة وإصدار صحيفتنا طريق الشعب بالقدر الممكن من اجل الحفاظ على الكوادر الحزبية خوفاً من الاعتقالات التي بدأت تطالهم في ضوء نهج الحزب وسياسة التراجع المنظم ومغادرة أكثر كوادره إلى الخارج. وقدم كل من مكرم الطالباني وعامر عبد الله استقالتيهما للبكر دون أن يكون هناك أية تلميحات من البعث حول العودة إلى الجبهة.
إن من أهم المخاوف التي أثارت البعثيين هو الانقلاب الذي قام به حزب الشعب الديمقراطي الأفغاني في افغانستان والدعم الذي قدمه الاتحاد السوفييتي لهذا الانقلاب. فقد انتاب البعث الخوف من تكرار الموقف في العراق، إضافة إلى اندلاع الثورة الشعبية في إيران في عام 1979، والتي كنا من المؤيدين لها، مما عجّل في نهاية التحالف بين الطرفين.
وبعد اجتماع الكوادر الحزبية في الخارج لتدارس مستجدات الوضع في العراق، عُقد اجتماع في تموز 1979 في مدينة براغ. وتبنى الاجتماع شعار "إسقاط الدكتاتورية"، لاسيما بعد وصول صدام حسين الى السلطة بتنازل البكر له عن الحكم.

الحرب العراقية - الإيرانية
إننا لم نرتكب أية خطيئة في الموقف تجاه الحرب العراقية - الإيرانية. لقد سعت بعض الأوساط ، ولا أرى من الضروري ذكرها، إلى تشويه حقيقة موقفنا وتصويره بعكس واقعه. نحن ضد الاعتداء على بلدنا، بصرف النظر عن من يحكم. إن رفاقنا كانوا يرفعون شعار"إنهاء الحرب بإسقاط النظام". وفي اجتماعاتنا وقفنا ضد الحرب وقلنا نحن ضد النظام قبل الحرب، وسوف نكون ضده أثناء الحرب ونقف ضده بعد الحرب.
إننا لم نراهن على استمرار الحرب واستمرار نزيف دماء الشعب العراقي بأمل إضعاف النظام. كنا لا نريد أن تتعمق أزمة المجتمع وأن يزداد عدد العوائل العراقية التي فقدت اثنين أو أربعة من أفرادها نتيجة الحرب. فنحن ضد هذه الحرب بشكل مبدأي.
قال أحد الرفاق إن لينين كان يشير بأن السلم الحقيقي هو بالضرورة تغيير النظام. قلت له أنا لست مع ذلك الرأي. وفي أحد الأيام قال هذا الرفيق أنه مادام هذا النظام موجود فليس لدينا وطن. وقلت لم نكن "حاديين" للجيش الايراني (الحادي الذي يقود البعير)، ولم نكن أدلاء له. ولن نكن.
عندما كانت قواتنا من الأنصار متمركزة في (نوكان)، اقتربت القوات الايرانية من ربايانا، مما دعانا إلى هجر مواضعنا إلى (بشتاشان). ولكنني أتذكر دائماً عندما أنه عندما تتعرض قواتنا إلى العدوان، فكنا نحارب النظام حتى بالكلام. ولكن موقفنا كان ضد احتلال أية بقعة من بقاع العراق. أتذكر في المؤتمر الرابع، قال الرفيق زكي خيري أنه يجب أن نكون مع الجيش العراقي ضد إيران. قلت له كيف يكون ذلك. وعاتبته على موقفه هذا. وقال هكذا يجب أن يكون. قلت له إننا لسنا في زمن ثورة أكتوبر حتى نتمكن من إيصال صوتنا إلى الجندي المعادي أو الجهة المعادية. إن المدافع والطائرات هي التي تتكلم الآن. فكيف ستكون لنا لغة مشتركة مع الجيش العراقي.

نشاط الحزب ضد النظام أثناء الحرب
وجدت هناك في داخل الجبهة الوطنية والقومية التقدمية (جوقد) أطراف تطالب بإنهاء الحرب عبر إسقاط النظام. قلنا نحن لا نؤمن بإطالة أمد الحرب من اجل تحقيق هذه الرغبة. وبالرغم من ذلك فأننا لم نجمد نشاطاتنا ضد النظام أثناء الحرب. ولم أكن أتصور أن ذلك الموقف كان مطروحاً على جدول البحث. لأن الطرف الحكومي هو الذي كان يشن الحرب ضدنا. إذ كانت القوات الحكومية تهاجم مواقعنا بالرغم من أن مواقعنا كانت بعيدة عن القوات الحكومية وعن جبهات القتال كي نتفادى الاصطدام بها إلاّ في حالة الهجوم علينا.
أتذكر أن الموقف كان مشابهاً لموقف البارزاني أثناء الحرب العربية- الاسرائيلية. لقد سمعت من البارزاني شخصياً بأنه قد طُلب منه أن يوجه ضربات للجيش العراقي لكي يعرقل تقدمه إلى جبهات القتال مع إسرائيل. وكان موقف البارزاني الرفض لمثل هكذا طلب. وهكذا كان موقفنا كذلك الرفض.
والشيء الذي يجب ذكره إن قواتنا التي كانت منتشرة في مناطق كردستان، لم تكن بالقوات المؤثرة بشكل كبير بحيث يمكنها أن تشارك في حرب بين القوتين المتحاربتين العراق وإيران.

أحداث بشت آشان عام 1983
أنا اعتقد أن أحداث بشت آشان لم تكن قَدَراً لا مرد له كي يستشهد هذا العدد الكبير من الشهداء. فما حصل هو أمر مفتعل. أنا لم أكن مع الأسف الشديد موجوداً في كردستان في تلك الفترة. كنت وقتها في الشام، فقال أحدهم لو كنت موجوداً لما حدثت تلك الأحداث المأساوية. ولكني لا أريد أن أتعكز على ذلك الرأي، ومن الممكن أن يكون هذا الرأي صحيحاً.
إنني اعتقد بأنه كان من الممكن تجنب أحداث بشت آشان. ولكن ينبغي القول أن الخطيئة الكبرى تقع على عاتق الاتحاد الوطني الكردستاني. فقد جرت ملاحقة رفاقنا حتى بعد تركهم بشت آشان في أوضاع مناخية قاسية وتراكم الثلوج وفي مناطق صعبة التنقل. وكان على رأس مجموعتنا كريم احمد الداود وعمر علي الشيخ. كان علينا أن نتجاوز المواجهة بهذه الطريقة أو تلك. ولكنني أكرر إن الخطيئة تقع على عاتق الاتحاد الوطني الكردستاني.
إن السبب المباشر لأحداث بشتاشان هو أن الاتحاد الوطني الكردستاني رفض تحالفنا مع الحزب الديمقراطي الكردستاني (البارتي) ودخولنا معه في الجبهة التي عرفت بـ(جود)، بالرغم من أن البارتي لم يكن في حالة قتال مع الاتحاد الوطني الكردستاني. لقد فسر الاتحاد الوطني من جانبه مشاركتنا في جود بأننا منحازين للبارتي الذي يعدونه عدواً لهم.
لقد رفض الاتحاد الوطني من جهته دخول البارتي لـ(جوقد)، مما اضطرنا إلى إقامة تحالف ثنائي ( جود)، هذا التحالف الذي يشابه برنامجه لما تضمنه برنامج (جوقد). إن علاقاتنا الطيبة مع كل الأطراف السياسية ليس بحجم ما كنا نملكه من قوة بشرية وعسكرية. إن قوتنا تتمثل في تصوراتنا السياسية ومواقفنا علاقاتنا المتوازنة مع كل الأطراف السياسية الأخرى.
ولكننا نختلف مع مواقف الاتحاد الوطني الكردستاني تجاه البارتي. فعندما عقدنا (جوقد) في الشام، تمنينا أن يكون البارتي موجوداً ضمن الجبهة. إلاّ أن الاتحاد الوطني الكردستاني كان يعارض وجود البارتي. ولكننا سجلنا موقفنا.
إننا لم نتجه لتشكيل (جود) من أجل المناكفة من الآخرين، بل من منطلق الحاجة إلى تعبئة صفوف المعارضة ضد الديكتاتورية. كنا نعتقد إن البارتي لازال قوة وطنية وزخم للحركة الوطنية ضد النظام الاستبدادي في العراق. فكيف نشطب هذه القوة بقرار من طرف واحد. لم أكن في كردستان عندما وقعنا على جبهة (جود). ولكنني أيدت عقد (جود) لأننا بعلاقاتنا مع البارتي لم نتعارض مع أهداف (جوقد). إن خلافنا مع الاتحاد يرجع إلى تحالفنا مع البارتي، الأمر الذي رفضه الاتحاد الوطني الكردستاني. إنهم لو اطلعوا على برنامج (جود)، لما قاموا بمعاداتنا. يمكن أن يعاتبونا لو كان الأمر يتعارض مع بنود التحالف مع جوقد.
أتذكر عندما كنا في (نوكان)، أصدرنا أحد البيانات مع البارتي وعبرنا من خلاله عن الفكرة القائلة أنه ما أن ينضم البارتي لـ(جوقد)، فسوف لا تكون حاجة لـوجود (جود). وهذا دليل على تشابه بنود الجبهتين. ولكن خلافهم مع البارتي إنعكس سلباً على علاقاتنا مع الاتحاد الوطني الكردستاني.

في سوريا التقيت بمام جلال الطالباني بعد أحداث بشت آشان، رغم ما سببته تلك الأحداث من جروح غائرة وصدمة كبيرة علينا. مام جلال كان متألماً من ذلك التحالف الذي عقد مع البارتي. قلت له :" يجب أن تأمن لعلاقتك معنا، دون أن تصادر رأينا. فعلاقاتنا يجب أن تكون هكذا. وقلت له لا تصادر رأيي، فعندما تصادره فإنني لا أستطيع أن أقدم لك شيئاً. وقلت له كذلك يجب أن يكون موقفك تجاهنا هكذا".
وفي أحد اجتماعاتنا، وجّه مام جلال رسالة لنا قال فيها:" يجب أن يكون تحالفكم بعلم الاتحاد الوطني الكردستاني". ونحن لم نرد عليهم، لكونهم أرادوا أن يكونوا أوصياء على نشاطاتنا وعلاقاتنا.

المؤتمر الرابع و"تكريد" الحزب الشيوعي!!!
بعد خروجنا من العراق وانهيار الجبهة الوطنية والقومية التقدمية،أصبح من الضروري عقد مؤتمر للحزب. واتفقنا على تقليص عدد أعضاء اللجنة المركزية إلى(15)عضواً. وكان في الحقيقة هذا الرأي جماعي. وإلى جانب ذلك اتخذ قرار بتطعيم اللجنة المركزية بعناصر جديدة، وأن تكون هذه العناصر بمثابة قيادة الظل ويبلغ عددهم (10) أعضاء. وجرى تكليفي باختيار "العشرة".أنا بدوري وضعت قائمة تضمنت أسماء عدد من الرفاق لتقديمها إلى اجتماع اللجنة المركزية قبل تقليصها. وطلبت من المجتمعين أن نضعهم في تركيبة قيادة الظل. لقد طلبوا مني أن اختارهم أنا لوحدي، ولكني عرضت الأمر عليهم للإطلاع على هذا الاختيار.
في ذلك الوقت كنا نريد أن تكون الهيئة القيادية سرية. وجرى في تلك الفترة همس هو أن محاولة التقليص هذه تهدف إلى " تكريد الحزب". علماً إن الحزب الأممي لا ينظر عند اختيار أعضاء القيادة تبعاً لديانة الرفيق أوقوميته. إننا لم نفكر بهذا الموضوع مطلقاُ.
إن المآسي التي شهدها العراق لاسيما بعد انقلاب 8 من شباط 1963 توضح أن الاستبداد استهدف العناصر العربية لكونها كانت تعمل في المناطق التي يسيطر عليها حكم المركز. فلم يجر خلال الانقلاب استهداف الكرد بالدرجة الأولى بقدر ما استهداف الرفاق العرب، حيث لم يكن الرفاق الكرد في متناول ذلك البطش، بل بعيداً عنه. فلم يجر استهداف الرفاق الكرد في القيادة الحزبية سوى جمال الحيدري ونافع يونس بسبب وجودهم في بغداد. أنا كنت في كركوك، وسرعان ما انتقلت إلى جبال كردستان، وطالبت كل القياديين بالانسحاب نحو المنطقة الكردية من أجل تقليل الخسائر. وهذا ما حدث بالفعل حيث تمكن الكثير من الرفاق الكرد والعرب الانسحاب وعدم الوقوع في قبضة الأمن.
ولكن الرفاق الذين تعرضوا للإبادة هم من العنصر العربي بشكل رئيسي بسبب من الوشاية التي جاءت من عناصر كانت محسوبة على الشيوعيين. ولكن ذلك لم يطال كل المنطقة الكردية بسبب خصوصيتها السياسية والجغرافية.
وبالرغم من الاختلال الذي حصل في تركيبة القيادة لغير صالح العنصر العربي ، إلاّ إننا لم نكن نفكر بهذا الموضوع. لقد كان على اللجنة المركزية الموافقة على عضوية الرفاق العشرة الذين تم ترشيحهم لقيادة الظل في ظروف العمل السري. وتم اختيارهم على الأسس التالية:
1-العمر الحزبي 2-القومية لكي يعاد التوازن القومي في الحزب
3-مستواهم العمري 4-مستواهم الثقافي
وهكذا تم اختيار عشرة رفاق، وانتخب بعضهم لاحقاً أعضاءاً في المكتب السياسي واللجنة المركزية، ومن بينهم حسان عاكف ولبيد عباوي وغيرهم.
وعلى ضوء ذلك، أنا أخذت برأي قيادة الحزب حول كيفية التعامل مع "قيادة الظل". فقد أشار أحد الرفاق إلى أن تبقى أسماء هؤلاء الرفاق سرية وغير معروفة، فالدين ينص على أن " الحاجة والاضطرار يحلل الحرام". بالطبع كان يجب أن تتم الموافقة على تقديم هؤلاء الرفاق بموافقة اللجنة المركزية. بعد موافقة اللجنة المركزية على الأسماء، تخلصت من حمل ثقيل كان قد وقع على عاتقي. ولكنني لم أتخل عن هذا الحمل الثقيل. لقد كان بعض القياديين يعتقد بضرورة أن يتحلى الرفاق الجدد بهذه المواصفات. وأنا كنت قد عملت هذا الجرد واخترت الذين يتحلون بالمواصفات المذكورة أعلاه.

إقصاء الجيل القديم!!!
إن ما جرى، لم تكن تصفية كما يحلو للبعض تسميته. لقد قال أحدهم إنك قمت مثلاً بطرد بهاء الدين نوري من الحزب. أنني لا أتذكر طوال حياتي إنني قمت بمحاسبة رفيق من أجل طرده من الحزب. لقد قال بعضهم عني هذه الكلمات. إنني أربأ بنفسي عن ذلك، لأنني أدرك ماذا يعني طرد إنسان من حزبه، وهو الذي قضى طيلة حياته في النشاط من أجل حزبه.
أنا لم أكن مع الاستثناءات في بقاء أو طرد أي عضو حزبي. لقد كانت الهيئة القيادية تضم (31)عضواً. وطرحنا على المؤتمر أن يتم اختيار نصف هذا العدد. ولم نقوم بتسمية أي واحد من أعضاء اللجنة المركزية. كنا نحتاج إلى (15)عضواً للهيئة القيادية الجديدة. وهذا ما اتفقنا عليه في اجتماع اللجنة المركزية قبيل المؤتمر. ولهذا طرحنا(31) اسماً على المؤتمر لكي يختار (15)عضواً. وكان الهدف هو ضمان العمل السري. أنا تألمت لعدم اختيار زكي خيري وعامر عبد الله. فأنا معجب بهما، ولكنهما لم يحصلا على الأصوات التي تؤهلهما للفوز بعضوية الهيئة القيادية. كان عدد الحضور في المؤتمر حوالي (117) مندوباً، وعقد المؤتمر تحت ظل خيمة في جبال كردستان.
صوت مندوبو المؤتمر البالغ عددهم 117 مندوباً على المرشحين البالغ عددهم 31، وحصل 13 منهم على العدد المطلوب وهو الأكثرية المطلقة في القيادة الجديدة، وهو أقل من العدد اللازم البالغ (15) عضواً. ووافق المؤتمر على زحف ثلاثة مرشحين آخرين من الذين نالوا الأصوات القريبة من الفوز، ليصبح العدد(16)عضواً، إلى جانب العشرة الآخرين. ومن المفارقات أن الفقيد مهدي عبد الكريم وافق على زحف اثنين دون الثالث، ولم يكن يعرف بأن الثالث هو بالذات!. وكان من المقرر عدم إعلان النتائج في المؤتمر لمراعاة السرية.
اختار مندوبوا المؤتمر البالغ عددهم 117 مندوباً 13 عضواً في القيادة الجديدة، وهو عدد أقل مما اقترحنا وهو (15)عضواً. فاخترنا بعد ذلك ثلاثة آخرين من الذين نالوا الأصوات القريبة من الفوز، ووافق مهدي عبد الكريم على اثنين دون الثالث، ليصبح العدد (16) عضواً إلى جانب العشرة الآخرين.
في الحقيقة إننا لم نقص أحداً. وأقولها كشهادة للتأريخ بأنه لم يحدث أي شيء من هذا القبيل. إنني لست أمام محاكمة لكي اخفي هذه الحقيقة. فأنا أورد الحقيقة. لقد قلت في المؤتمر إننا فشلنا في شطب نصفنا. وقلت أنا اترك المهمة لكم رغم ثقلها. عليكم أن تقرروا أنتم، فعددنا31 رفيقاً، ولدينا قرار بتقليص أنفسنا. ولكن اكرر نصفنا لم يستطيع شطب نصفه الثاني، وهكذا اختار المؤتمر، كما ذكرت، 13 رفيقاً من مجموع31 .
قصتي مع عامر- ماجد- زكي
عند تقليص عدد أعضاء اللجنة المركزية، لم يكن عامر عبد الله مثلاً موضع ترحيب المؤتمرين. ولكن لم نكن نطالب بإقصائه. قال لي عامر عبد الله بعد المؤتمر لماذا لم تعلنوا أسماء الفائزين وغير الفائزين. وقلت له رفيق عامر هذا يتعارض مع السرية التي يجب أن نعتمدها في نشاطنا كحزب سري. والشيء الآخر هو إننا لو أعلنا أسماء غير الفائزين، فإننا سنضع موانع أمام محاولة الاستفادة منهم من قبل اللجنة المركزية الجديدة. نحن نريد أن نحتفظ بالكفاءات. قلت له يا رفيق عامر...أنت عامر عبد الله... سواء كنت عضواً في اللجنة المركزية أو في المكتب السياسي أو حتى كعضو اعتيادي. ففي الحقيقة أنت عامر عبد الله بكل طاقاتك وكفاءاتك التي يمكن أن توجه لصالح الحزب. لم يقتنع هو بكلامي الذي كنت أريد أن أوضح له بأنه أكبر من أن يكون عضواً في اللجنة المركزية. قلت له مثلاً جراح على نطاق العراق، ولسبب ما لم يتم اختياره عضواً في نقابة الأطباء. فهذا لا ينفي أن يكون جراحاً على نطاق القطر. قلت له أنت هكذا، فقال لي عامر عبد الله... دعني امتص كلمتك واستوعبها. وقلت له إن ذلك "الجرّاح" ليس في المكتب السياسي واللجنة المركزية. أنت كاتب وسياسي ويمكن أن تقدم خدمات للحزب. إنني بالرغم من مآخذي على عامر عبد الله أحياناً ، ولكنني لا أتجاهل كفاءته.
وهناك مثال آخر عن تخوف بعض أعضاء الجيل القديم من عدم انتخابهم في المؤتمر الرابع، وهو ماجد عبد الرضا. فقبل انعقاد المؤتمر سمع ماجد بعض الملاحظات حول احتمال عدم إعادة اختياره عضواً في اللجنة المركزية. فقال لي:"رفيق أريد أن أسالك حول هذا الموضوع". فقد أثيرت حول ماجد بعض المآخذ، ومنها الإذعان لمطالب البعث". قلت له يا رفيق صحيح إن الحزب مختلف معك ببعض المسائل. ولكني بكل إخلاص أريدك أن تبقى في الحزب. إن أحد المآخذ على ماجد هي أنه في الأيام الأخيرة من الجبهة تعرض للاعتقال. وقد أخبرت السلطات الأمنية ماجد عبد الرضا عند اعتقاله بأن ليس لديها مانع من إطلاق سراحه شرط أن يكتب مقالاً في الجريدة باسمه، ويحمل المقال تاريخ وجوده في التوقيف. وكانت تستهدف من ذلك الطعن بمصداقية حملة الحزب العالمية من أجل المطالبة بإطلاق سراحه. وقد طُلب من ماجد تأجيل النشر لحين إيقاف الحملة، ولكن ماجد نشر المقال. واعترف ماجد بخطأه عند محاسبته في اللجنة المركزية. وللأسف لم يحصل ماجد على الأصوات التي تؤهله لنيل عضوية اللجنة المركزية للحزب في المؤتمر.
وكان من ضمن الذين كانت لهم خشية من عدم اختياره هو باقر إبراهيم. وقلت له إن هذا غير مطروح ولا أعرف سبب تلك المخاوف، ورفض ترشيح نفسه في انتخاب اللجنة المركزية.
أما زكي خيري، فكنت أنظر إليه كأخ كبير. فهو مثقف بارع وشديد الاعتداد بنفسه. أحيانا كنت لا أتفق مع بعض الآراء التي يطرحها. ولكنني كنت أتمنى أن يبقى في قيادة الحزب لكفاءته ومقدرته وكصوت معارض في القيادة، بالرغم من أن البعض كان يعارض وجود أصوات معارضة لسياسة الحزب. لقد كان هدفي أن لا نوصلهم إلى نقطة الافتراق.
توجد حقيقة مهمة يجب الإشارة إليها، وهي أنه لم يكن لدينا أية نيّة في إبعاد عامر وزكي وبعض أعضاء القيادة السابقة. ولكن هو ذا الوعي الانتخابي وضعف الاختيار الذين أديا إلى عدم تمكن بعض الرفاق من الحصول على الأصوات الضرورية لكي يصبحوا أعضاء في اللجنة المركزية والمكتب السياسي. وهذا الأمر يقع على اختيار المؤتمرين وليس على عاتق سكرتير الحزب.

إننا لم نقف بالضد من أي شيوعي. فمثلاً كان حسين سلطان صبي أحد اصدقائي المقربين. وكان من المؤيدين والناشطين الحقيقيين في تنظيم راية الشغيلة في عام 1953 في مدينة النجف آنذاك. وهي أقوى تنظيمات راية الشغيلة. وإثناء خروجي من العراق بعد انقلاب 8 شباط، كان هو في براغ كعضو في الهيئة القيادية للحزب. وكان يمزح مع رفاقه، فالمعروف عنه بأنه كثير الكتابة والإطلاع. فعند السؤال منه عن ماذا يكتب، فكان جوابه لهم أكتب بحثاً!!. ولكن البعض وللأسف يعتبر تغيير موقعه الحزبي انتقاصاً من مكانته. وهذا الأمر يتعارض مع تقاليد الحزب كون الشيوعي لا فرق لديه في أن يعمل داخل القيادة أو خارجها أيضاً. إن تغيير الموقع الحزبي هو الذي دفع البعض إلى الرجوع إلى البلاد في ظل حكم صدام حسين في أواخر الثمانينيات.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,560,720,860
- قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العر ...


المزيد.....




- كيف نقرأ ملصق المعلومات الغذائية قبل شراء المنتجات؟
- اكتشاف وسيلة ضد النوبات القلبية القاتلة
- رئيس المفوضية الأوروبية وبوريس جونسون يعلنان عن التوصل لاتفا ...
- آخر مستجدات التدخل العسكري التركي في شمال سوريا في يومه التا ...
- وزير الخارجية الفرنسي في بغداد لبحث مصير المقاتلين الأجانب ...
- هل تنجح التحركات الدولية في -إخضاع- تركيا لوقف توغلها في سور ...
- سقوط شبكة من 38 دولة منها السعودية والإمارات لاستغلال الأطفا ...
- رئيس المفوضية الأوروبية وبوريس جونسون يعلنان عن التوصل لاتفا ...
- آخر مستجدات التدخل العسكري التركي في شمال سوريا في يومه التا ...
- مقال في نيويورك تايمز: العقوبات الأميركية والأوروبية ضد تركي ...


المزيد.....

- شؤون كردية بعيون عراقية / محمد يعقوب الهنداوي
- ممنوعون من التطور أم عاجزون؟ / محمد يعقوب الهنداوي
- 14 تموز والتشكيلة الاجتماعية العراقية / لطفي حاتم
- المعوقات الاقتصادية لبناء الدولة المدنية الديمقراطية / بسمة كاظم
- الدين، الدولة المدنية، والديمقراطية / ثامر الصفار
- قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العر ... / عزيز محمد
- رؤية الحزب لمشروع التغيير .. نحو دولة مدنية ديمقراطية اتحادي ... / الحزب الشيوعي العراقي
- نقاش مفتوح حول اللبرالية واللبرالية الجديدة وواقع العراق؟ ال ... / كاظم حبيب
- مبادرة «التغيير نحو الإصلاح الشامل» في العراق / اللجنة التحضيرية للمبادرة
- القبائل العربية وتطور العراق / عصمت موجد الشعلان


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - عزيز محمد - قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العراقي