أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - كلكامش نبيل - إعادة قراءة التاريخ - قراءة في كتاب -الفتوحات العربية في روايات المغلوبين- للكاتب حسام عيتاني















المزيد.....


إعادة قراءة التاريخ - قراءة في كتاب -الفتوحات العربية في روايات المغلوبين- للكاتب حسام عيتاني


كلكامش نبيل

الحوار المتمدن-العدد: 4567 - 2014 / 9 / 7 - 22:38
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


الكتاب مهم جدّا لأسباب كثيرة ليس أهمّها بالتأكيد ما تشهده منطقة الشرق الأوسط من أحداث وتنامي الحركات الراديكاليّة التي تريد إعادة غزو المنطقة والقضاء على ما تبقّى من تراثها الاصيل والإطاحة بفكرة الأوطان، فبالإضافة إلى ذلك يتناول الكتاب طرح مصادر لطالما تمّت محاصرتها من قبل الباحثين المحليّين وتكاد تكون غير معروفة نهائيّا لدى عامّة الشعب ممّن كونوا أفكارهم عن تلك الحقبة الزمنيّة التي أعادت تشكيل شكل الشرق والعالم من خلال كتب أحاديّة الطرح وتنظّر لوجهة نظر واحدة أضفي عليها طابع القداسة وأصبحت تابوها لا يمكن المساس به ومن المسلّمات لدى الغالبية العظمى من المسلمين. الكتاب ههنا يعيد قراءة تلك الحقبة من خلال ما كتبته الشعوب الأصيلة التي تعرّضت للغزو وهو يلتزم الحياد إلى درجة كبيرة وإن تغاضى عن مناقشة بعض المسائل بعمق بسبب واقع الحريّات في المنطقة ولأسباب سياسيّة في أحيان أخرى أو لأنّ بعض المسائل سيتطلّب طرحها الدخول في إشكالات كبيرة تقتضي دراستها تأليف كتب ضخمة ستبتعد كثيرا عن الموضوع الأصلي الذي يطرحه هذا الكتاب.

في الفصل الأوّل من الكتاب يوضّح الكاتب مسألة مهمّة تتعلّق بطبيعة الشعب الذي كوّن تلك الموجة من الغزوات، فعلى الرغم من وجود علاقات تجاريّة بين عرب الجزيرة والشام وبالرغم من وجود بعض الممالك العربيّة المسيحيّة على حدود إمبراطوريّتي فارس وبيزنطة، نجد أنّ الشعوب الأصيلة وكذلك الحكّام الفرس والبيزنطيّين لم يطلقوا على تلك الجيوش إسم العرب أو المسلمين، فقد أطلق عليهم مسيحيّو العراق وسوريّا إسم "طيايي" نسبة إلى قبيلة طي الكبيرة التي إنتشرت في منطقة شمّر شمال شرق الجزيرة العربية كانت على صلة مستمرّة بالآشوريين المقيمين هنالك والذين كانوا يسمّونهم بلغتهم "طيايا" وطيايو باللفظ السرياني. فيما كان الفرس يستعملون كلمة مشتقة من ذات اللفظ وهي كلمة "تازي" وقد وصل الإسم عبر فارس إلى الصين حيث دعتهم المخطوطات الصينيّة بإسم تا-شي وتا-زيغ في التيبت. أمّا البيزنطيّين فقد كانوا يطلقون عليهم تسمية السراسنة أو السراكينو والتي لا يعرف معناها على وجه الدقّة ومنهم من يعزوها إلى تحريف لكلمة شرقيين أو أن يكونوا من سيناء أو حتى جبال السراة أو ربّما السرّاقين، حيث إستمرّ إستعمال الإسم طويلا وخوطب إبن بطّوطة في القسطنطينيّة بوصفه من السراكينو. في حين اسماهم آخرون بإسم الهاجريّين نسبة إلى هاجر أو الإسماعيليّين وتثار في هذا الفصل موضوعات شائكة حول حقيقة صلة العرب بإسماعيل وإحتمال كون ذلك تأثيرا أحياه إتصالهم باليهود، بينما يرجّح البعض أنّ المسلمين قد حاولوا نسبة أنفسهم إلى سارة ومنه جاءت التسمية "السراسنة".

ومن النقاط المهمّة في هذا الفصل مسالة عدم إدراك الشعوب التي تعرّضت للغزو – والتي كانت غارقة في إنقسامات كنسيّة عنيفة أضعفت كيان الدولة – لحقيقة الدوافع الدينيّة للموجة الجديدة، فيذكر المؤرخ سوزمن " نظرت البلاد التي شملها الغزو إلى الفاتحين العرب بصفتهم كارثة حلّت عليها، ولم تبد إهتماما بالتعرّف إلى معتقداتهم وأفكارهم، وأقل منها طرق معيشتهم، وبناهم الإجتماعية والسياسيّة والثقافيّة، إلاّ عندما إستقرّ العرب في العراق وإسبانيا وبلاد الشام." ويشير هذا إلى تأخّر فهم تلك الشعوب لدوافع تلك الحملات والتي نظروا إليها في البدء كغزوات بدويّة عابرة تعرّضت لها المنطقة طويلا عبر تاريخها، فنقرأ أيضا، " أضخم المواجهات، لم تكن كلّها لحساب الدولتين الكبيرتين بل كان قسما منها لا يقل عن إجتياح كبير، حملت العرب على شنّه موجة من الجفاف ضربت الجزيرة العربية التي قام سكّانها بالإندفاع صوب مناطق العراق الخصبة الواقعة تحت السيطرة الفارسية عام 536." ولهذا يعزو بعض المؤرّخين سبب الإتساع إلى عدم فهم الخطر فوريا بسبب الصورة النمطية السلبية، وعدم فهم المضمون الديني للحركة منذ البدء، بالإضافة إلى رغبة بعض الكنائس المناوئة للبيزنطيّين والفرس في التخلّص من هؤلاء الحكّام غير آبهين بطبيعة الحاكم الجديد.

لكنّ المدوّنات المحليّة من العراق ومصر وسوريا تؤكّد بأنّ السكّان المحليّين نظروا إلى الغزو على أنّه عقاب إلهي بسبب الإنقسامات الدينيّة والإبتعاد عن الدين القويم، وتؤكّد جهود جبلة بن الأيهم – ملك الغساسنة – والذي قاتل العرب مع البيزنطيّين على أنّ السكّان لم يكونوا مرحّبين بتلك الموجات، إلاّ أنّ بعض السكّان ساعدوا العرب وفقا لما يذكره الأسقف يوحنا من فنك John of Phenek– البلدة الواقعة على دجلة – عندما يصف الجيش الغازي بأنّه خليط ديني وعرقي وينظر لهم كعرق وليس دين وبأن صفوفهم قد ضمّت بعض المهرطقين وحتى نساطرة "منّا"، وربّما بعض المسلمين الجدد وغيرهم من الطامعين بالغنائم. كما يوضّح الكتاب هجرة بعض القبائل كقبيلة أياد المسيحيّة إلى عمق الأراضي البيزنطيّة رافضة الإسلام، في حين أن تغلب، الأكثر عددا، شاركت في الفتوحات، ويوضّح بأنّ تلك الهجرات – حتى بعض الزرادشتيّين هاجروا إلى الهند – قد خلقت مشاكل ديموغرافيّة في المناطق التي نزحوا إليها في الأناضول خصوصا.

في الفصل الثاني "عملاقان بأقدام فخاريّة" يتناول الكاتب أوضاع فارس وبيزنطة وأسباب ضعفهما والتي ساعدت ذلك التقدّم، فقد كان البلاط الفارسي يعجّ بالصراعات الداخليّة وكذلك حال الإمبراطوريّة البيزنطيّة بالإضافة إلى هلاك عدد كبير من السكّان في مرض غريب يصفه بروكوبيوس – ربّما مبالغة منه بسبب عدد الضحايا الكبير – بأنّه "كاد يمحو العرق البشري" ويعتقد بأنّ هذا المرض هو الطاعون والذي أصاب عدد من قادة العرب في الشام ايضا. وفيما يخص مصر يذكر الكاتب السبب الذي قد يكون دفع بعض الأقباط لمساعدة العرب وهو الصراع بين الكنيسة المحليّة وكنيسة بيزنطة التي تتبنّى مقررات المجمع الخلقدوني، ويذكر إضطهاد ديوقليتيان للأقباط والذي جعل الكنيسة تبدأ بسببه "تقويم الشهداء" الخاص بها، كما لا يغفل عن ذكر سبب آخر مهم هو مركزيّة الحكم التي إنتهجها البيزنطيّون في مصر والتي جرّدت الشعب من سلاحه خوفا من الثورات وبالتالي منعت التحرّك الشعبي للدفاع عن نفسه وبالتالي كانت القرارات تحتاج إلى روتين طويل معرقل لكي تدافع المنطقة ذاتيا عن نفسها، ويذكر أمر مماثل في خطأ الفرس في القضاء على مملكة الحيرة والتي كانت ستكون سدّا منيعا أمام تلك الغزوات لو أنّها لم تكن قد انهيت. ومن الأمور الأخرى التي يوضّحها هذا الفصل مسألة كون إرتباط الحكم بالدين الذي تبنّاه الإسلام سمة تطبع ذلك العصر وكذلك بالنسبة للجزية فقد كان البيزنطيين يفرضون ضرائب إضافيّة على اليهود فيما يفرض الفرس ضرائب إضافية على النساطرة، وهذا إن دلّ على شيء فهو يؤكّد أنّ الأديان وليدة العصر والبيئة التي وجدت فيها.

في الفصل الثالث "سيوف من شهب" يصوّر لنا الكاتب المناخ الفكري السائد في تلك الحقبة، والمليء بالمشاعر الدينيّة وسيطرة النبوءات والخرافات عليه، فقد نظرت معظم تلك الشعوب إلى الغزوات على أنّها عقاب إلهي بسبب كثرة الخطايا والإنحراف عن الإيمان المسيحي القويم، فنقرأ عن تنبّأ يونان صاحب دير برطورا في سنجار بسقوط فارس وظهور العرب وبأنّ الدير سيخرّب، بالإضافة إلى إهتزاز الصلبان في بيزنطة وظهور سيوف من شهب في السماء وغيرها. كما حاولت العديد من الكنائس تفسير الخطر على أنّه عقاب للمهرطقين وسادت إتّهامات متبادلة بين المنقسمين وفسّر العديد ذلك الغزو على أنّه الوحش الرابع المذكور في سفر دانيال، كما ذكر كهنة فارس امورا مشابهة في الكتب المقدّسة وكان الجميع ينتظرون زوال تلك الحقبة سريعا. فيما حاول البعض تفسير ما حصل وفقا لنظريّة المؤامرة كما هو حال المؤرّخ سيبيوس الأرمني الذي عاش في القرن السابع والذي يتكلّم عن رجل من العرب أعاد صلتهم بإسماعيل بإيحاء يهودي لإستعادة الأرض الموعودة، ويتكلّم عن يهود هربوا من الرها إلى الجزيرة ويتّهمهم بذلك. ويوضّح الفصل من جديد ووفق روايات كثيرة عدم ترحيب السكّان الأصليّين بالغزاة الجدد وفق ما نقرأه في خطبة بطريرك القدس صفرونيوس إلى مجمّع ديني بروما والذي وصفهم بأنّهم مخلوقات شريرة (العام 633 ميلاديّة) فيما يوضّح ديونوسيوس التلمحري – الرقّة حاليا في سوريا – عدم معرفة الشعوب المحليّة بالعرب إذ يكتب "كان هؤلاء أكره الناس وأقلّهم إحتراما بين شعوب الأرض، هذا إذا عرفوا أصلا." وجدير بالذكر بأنّ كل هذه المصادر لم تشير إليهم بالإسم وإنّما إستعلموا الأسماء المذكورة آنفا، ولم يكونوا في الغالب مدركين بعد لوجود جانب أيديولوجي دافع لتلك الغزوات، خصوصا وأنّ بني سليم وبني هلال خلال غزواتهم لصعيد مصر – لم يحتاجوا إلى تبرير أيديولوجي.

في الفصل الرابع "وداعا سوريّا" يوضّح الكاتب وجود أزمة مالية في بيزنطة وإرهاقها بسبب حروبها مع فارس، بالإضافة إلى التعالي البيزنطي على السكّان المحليّين أحيانا، وعدم صرفهم مرتّباتهم ومعاملة بعض الجنود لهم بإحتقار، فقد كانت نظرتهم عنهم كالتالي، " متقلّبون وعقولهم غير ثابته وأحكامهم لا تقوم على أساس صحيح من التعقل." وتذكر بعض المدوّنات المحليّة عن جرائم حدثت ابان تلك الحروب فنقرأعن قتل 4000 قروي فقير من المسيحيين واليهود والسامريين وتدمير قرية داثن برمّتها، قرب غزة 634 ميلادية وعن شراء سكّان قيصريّة العزّل سلامتهم بمئتي الف قطعة من الذهب وعن نهب مدينة فوندى وهجرات واسعة نحو الأناضول وآسيا الصغرى، بالإضافة إلى قصّة بناء كنيسة الثالوث المقدس – بيت جبرين – على مكان أعدم فيه العرب جنود بيزنطيّين أسرى إشترى السكّان جثثهم مقابل 3000 قطعة ذهبية. ويذكر الكاتب أنّ وداع البيزنطيّين لسوريا كان مؤلما وبأنّهم ظلّوا يذكرونها على الدوام وعند زيارة الأراضي المقدّسة ليودّعوها قائلين "سوزة سورة".

في الفصل الخامس "الشيطان يستعبد مصر" نعود لنقرأ عن أوضاع مصر والإضطهاد الذي جعل تكلّم عنه المؤرّخ ميخائيل السرياني إذ يقول، " سلّم المصريّون الإسكندرية ومسرين إلى الطائيين بعدما ضاقوا ذرعا من إضطهاد الخلقدونيين لهم." وإن رفض بعض الأقباط أن يكون للكنيسة دور في ذلك. وأيّا كان السبب الذي دفع بعض السكّان المحليّين لتسليم مدنهم فإنّ يوحنا بن نيقوس يتكلّم في مدوّناته عن مجازر مروّعة في الفيّوم وبابليون وناكيوس. يناقش الكتاب أيضا سبب سقوط مصر ويعزوه لسقوط سوريا وإنقطاع الإمداد بين بيزنطة وولايتها الأغنى – مصر – كما يذكر خيبة امل السكّان المحليّين في التخلّص من الضرائب القاسية التي كانت تفرض عليهم، إذ أصبح الحكّام الجدد يرهقونهم بالضرائب وتذكر بعض المدوّنات أنّ بعض المصريّين إضطروا لبيع أولادهم من أجل دفع الضرائب بالإضافة إلى إعتبار العرب السكّان المحليّين كخزينة يستنزفونها عند الحاجة فنقرأ عن طلب الوالي عبد العزيز من الأنبا يوحنّا دفع خراج مقداره مئة ألف دينار، كما يتكلّمون عن قسوة بعض الولاة كالأصبغ بن عبد العزيز والذي يذكرون بأنّه كان يتمّ قتل الناس أمامه حتّى على المائدة.

في الفصل السادس "إيران، عصر الغصن الحديد" نقرأ أيضا عن نبوءات في الكتب الدينيّة الزرادشتيّة تتنبّأ بأن الإمبراطوريّة ستسقط ولكنّها ستعود فيما بعد، إذ نقرأ في البهمن يشت " تندفع أعداد لا تحصى من صنوف الشياطين ذوي الشعر الأشعث، من عرق الغضب، إلى بلاد إيران من جهة الشرق." وهي إشارة إلى الترك الذين كانوا يرومون غزو إيران من الشرق، لكنّ الغزاة جاءوا من الغرب هذه المرّة. وفي هذا الفصل المهم يمكن ملاحظة بعض النقاط المهمّة والتي تثير العديد من الاسئلة، منها ما يذكره ميخائيل السرياني عن قتل العرب لرهبان من ديري البيض وقيدار لإتّهام العرب لهم بأنّهم جواسيس للفرس، ويذكر أيضا ما يثير مسألة كون أهل الحيرة كانوا يتكلّمون العربيّة فعلا أم أنّ الآرامية كانت لغة كل الممالك المسيحيّة "العربيّة" فنقرأ، " بأنّ لفرس أرسلوا رجلا من مسيحيّي الحيرة يتقن لغة الطائيّين لإستطلاع حال العرب في معسكرهم." ونقرأ بأنّه توقّع هزيمة الفرس ووصف العرب كالآتي، " رأيت ناسا حفاة عراة وجهلة لكنّهم شجعان جدا." وفي هذا الفصل موضوع في غاية الأهميّة يتعلّق بوصول التراث الميثولوجي الفارسي عبر نضر بن الحارث إلى الجزيرة العربيّة وقتل النبي العربي لنضير بعد اسره في معركة بدر.

في الفصل السابع "إلى الصين ومنها" يتناول الكاتب المصادر الصينيّة وتدوينها لتلك الحقبة، وإن بدت غريبة للغاية لأنّ جلّ الأسماء مختلف في لفظه وكذلك بعض الأحداث، ويتكلّم الفصل عن جهود آخر ملوك الساسانيّين في إسترداد الحكم وحروبه مع العرب في طخارستان، بالإضافة إلى تواصل الصينيين مع الطائيين – خصوصا وأنّهم كانوا يتمتّعون بعلاقات قوية مع فارس في الحقبة السابقة للغزوات – ونقرأ في هذا الفصل عن الأساليب التي أتّبعت لأسلمة أهل بخارى والذين كانوا يرتدّون دائما بعد أن يتركهم العرب، فلجأوا في النهاية إلى تقاسم مساكنهم وإسكان العرب معهم ليضطرّوا للبقاء على الإسلام، هذا بالإضافة إلى حديث شيّق عن آخر ملكات بخارى والتي كانت تتجنّب الغزوات بدفع الجزية بين الفينة والأخرى.

في الفصل الثامن "هل الفتوحات مؤامرة يهوديّة؟" نقرأ عن تفسيرات غريبة للشعوب القديمة تماثل تماما نظرية المؤامرة التي تسيطر على عقليّة العديد من الشعوب، فنقرأ عن إتهامات العديد من البيزنطيّين والمؤرّخين الارمن لليهود بعداءهم للمسيحيّة وبأنّهم وراء تلك الغزوات، بدءا من يهود الرها الذين أطلعوا العرب على صلتهم بإسماعيل، وإنتهاءا بمساعدتهم للعرب في العديد من المناطق خصوصا في إسبانيا وقرطاجة والعراق، ويعتقد بأنّهم كانوا ينوون إعادة بناء الهيكل ولكنّ بناء الخليفة عمر لمسجد على الجبل قضى على أحلامهم وأدركوا أنّ العرب ليسوا المخلّص المنتظر. ويثير الكاتب مسألة في غاية الأهميّة ألا وهي أنّ إسم الفاروق الذي أطلق على الخليفة عمر هو في الأصل بوروقو – بوروق = المخلص بالآرامية – ويروي الطبري أنّ أول من اسماه بهذا هو رجل من يهود دمشق، ولكنّ العرب مالت لإعتماد تفسير لغوي آخر وتمّ إخفاء هذه المعلومة التي تذكرها العديد من المصادر التأريخية العربيّة. ويذكر الكاتب عن إعتماد البيزنطيين التنصير الإجباري لعدد من اليهود وأن يكون ذلك سببا في فرح اليهود بقدوم العرب، بالإضافة إلى وقوف هؤلاء خلف تحريض العرب على إزالة الصلبان وإضطهاد المسيحيين في العصر الأموي واعدين الخليفة بأنّه سيحكم أربعين عاما إذا قام بذلك. يذكر بأنّ النساطرة كانوا المتّهم الثاني في نظر البعض في إثارة تلك الموجة الغازية وفق منظور البيزنطيين ولكنّ الإتهام لليهود كان الأعلى شأنا.

في الفصل التاسع "بعد السيف..الكتاب" يناقش الكتاب توقّف الغزوات وبدء تفاعل العرب مع الشعوب الأصليّة وظهور نقاشات بينهم وتفنيد بعضهم لمعتقدات الآخر، وكيف إنتقلت كتّابات مؤرّخي المشرق إلى الغرب لتكوّن الصورة عن هذا الكيان الجديد، ويعتبر موضوع بدعة محطّمي الايقونات الذي اثير في عهد الإمبراطور ليو الثالث من أبرز ما ورد في هذا الفصل، وإتّهام البعض للإمبراطور بأنّه تاثّر بالعرب وما قام به يزيد بن عبد الملك من تدمير للايقونات، وكيف أنّ البعض حاول تفسير إنتشار تلك البدعة وفقا للمناطق التي تنتشر فيها على اساس عرقي إذا تمركز أنصارها في الأقاليم الشرقية، فيما حاربها سكان الأقاليم الغربية الاقرب لليونان، ولكنّ وقف ليو الثالث للتقدّم العربي وفشل حصاري القسطنطينيّة وإنتهاء بدعة محطّمي الأيقونات أعادت الهدوء للإمبراطوريّة البيزنطيّة من جديد. ويذكر الكاتب في هذا الفصل عن نقاشات مهمّة دارت بين المسلمين والمسيحيّين في هذه الحقبة منها رسالة حبيب أبي رائطة التكريتي وهو يرد على شخص دعاه لإعتناق الإسلام.

في الفصل العاشر "علاقات المغلوبين" يذكر الكاتب التغيّرات الإجتماعيّة التي طالت المنطقة عقب تلك الغزوات، وعدم إدراك الشعوب الأصلية بأنّ النية هي الإستيطان، فيذكر عن إستيطان بدو عرب حول أصفهان وتغلغلهم في المدينة تدريجيّا وممارستهم للرعي والزراعة، كما يذكر عن إضطهاد الزرادشتيين الذي بلغ أشدّه على يد الفرس الذين إعتنقوا الإسلام، ويناقش مسألة ظهور الفوارق بين من اسلموا من الموالي وعدم حصولهم على المساواة بالإضافة إلى النفس القومي لدى الحاكم والمحكوم، ممّا أدّى إلى ظهور الحركة الشعوبية في فارس والأندلس ايضا، وعن مخاوف من ضياع الهوية الوطنية وشيوع اللغة العربيّة، ونجد هذا واضحا في كتابات من فارس والعراق وسوريا ومصر وإسبانيا، ونلاحظ تبلور ذلك النفس إلى ثورات كالثورة البابيّة أو القرامطة والتي دعمها الكثير من غير المؤمنين بها وكذلك فرح العديد من الشعوب الأصلية بالثورة العبّاسية للخلاص من الأمويّين والإحباط الذي أصاب الموالي بعد مقتل أبي مسلم الخراساني والذي أكّد لهم أنّ العرب لن يعاملوهم على قدم المساواة كما أحبط أقباط مصر عندما لاحظوا أنّ الإجحاف الأموي أستبدل بآخر عبّاسي أدّى إلى قيام ثورات البشمور، كما قامت حركة "شهداء الأندلس" في إسبانيا، ويبدو أنّ الأمر كان مجرّد محاولات نخبة للحفاظ على هويّتها لم تلقى أحيانا حتّى دعم الشعب نفسه والذي غلّب مصالحه الإقتصادية والسياسيّة على هويّته الوطنيّة.
ينقاش هذا الفصل أيضا اسباب تغيير الشعوب الأصلية لدينها، والتي تترواح بين التخلّص من التميّيز والجزية والضرائب المرهقة وحتّى الحصول على مكاسب سياسيّة، فنقرأ عن مازونايي بأنّ مسيحيي عُمان أسلموا طمعا في الحفاظ على ثرواتهم، بينما لم يرد اساقفة بيت قطرايي "قطر" على دعوات البطاركة في الحفاظ على دينهم. بينما إضطر العديد من الزرادشتيّين للهجرة إلى الهند حفاظا على ديانتهم ولا يزال هؤلاء موجودين في الهند اليوم ويعرفون بأقليّة البرسيس. ويذكر الفصل عن عمر بن عبد العزيز – الذي يشتهر بالعدل – وعن رغبته - وفقا لإعتقاده بأنّه يفعل خيرا – في التضييق على المسيحيين من أجل أن يضطرّوا لإعلان إسلامهم، فقد أمر بمنع ضرب النواقيس ومنع قبول شهادتهم في المحاكم وأغراهم بالإعفاء من الجزية في حال إسلامهم. الفصل في غاية الأهميّة فيما يخص فهم العلاقة بين الحاكم والمحكوم في تلك الدولة التي بدأت تتراخى بعد أن تضاءل إعتمادها على السلب والأنفال كمصدر للدخل، وإضطرارها للتعامل مع خليط كبير من الشعوب والعقائد، وإبتكار تلك الشعوب لوسائل عديدة من أجل الحفاظ على هويّتها الوطنيّة وإختلاف تلك الطرق في إسبانيا – التي إمتلكت ظهرا قويا في أوروبا يدعمها – وبين تلك الطرق في فارس والتي فقدت كل شيء واضحت وحيدة ممّا إضطرهم للتمرّد من الداخل.

في الفصل الأخير "أعادها الله إلى ديار الإسلام" يناقش الكاتب مسألة بدا تراخي الدولة الإسلاميّة وضعفها، وتعامل العرب مع ذلك وبدأ تفهّم أوروبا للكيان الجديد والدين الناشيء، كما يغرق الفصل في مناقشة دور المستشرقين المهم في الحفاظ على مخطوطات نادرة والحفاظ على التراث الشرقي والعربي من الضياع و دراسة دوافعهم للقيام بذلك، موضّحا إتّهامات "إدوراد سعيد" للمستشرقين بأنّهم خدم الإستعمار وهو يدين ذلك التعميم الذي يغفل عن أهميّة دورهم في تحليل التاريخ العربي وعرضه للنقد العلمي العقلاني، ويعتبر أنّ هذه النظرة التاطيريّة المشكّكة بدوافع كل المستشرقين لدى غالبية الكتّاب العرب نابعة عن عقل طفولي يرفض إعادة التفكير في الرواية الرسميّة التي يعرفها ودفاعه المستميت عنها. الكاتب ههنا لا ينكر وجود بعض سوء الفهم للمستشرقين أو إرتباط البعض بأجندات كولونياليّة، لكنّه يشير إلى الخطأ الكبير في إغفال دور مدرسة إستشراق كبير كالمدرسة الألمانية التي تتّسم بالعقلانية وبعدها عن المشروعات الإستعمارية المباشرة، ويعتبر "سعيد" غير ملمّا بشكل كبير بشؤون الشرق وآدابه وحضارته التي يدافع عنها، وإعتماده على بعض المستشرقين الاقل دراية من أولئك الذين يرفض الإعتماد عليهم لأسباب تتعلّق بالصراع العربي الإسرائيلي.

ختاما الكتاب خطوة مهمّة في إعادة قراءة هذه الحقبة الزمنيّة التي يكتنفها الكثير من الغموض فيما يخص حقيقة ما حدث وأسبابه ودوافعه ويهدف إلى كسر الجمود عن العقليّة العربيّة لتعيد بلورة صورتها عن ذاتها بأن تعيد قراءة تاريخها بموضوعيّة وعقلانيّة بعيدا عن المشاعر القوميّة. الكاتب لا يتبنّى وجهة نظر معيّنة كما هو واضح ولكنّه يريد طرح وجهة نظر أخرى أصرّ الباحثون العرب على تجاهلها ألا وهي وجهة نظر الشعوب التي تعرّضت للغزو ومشاعرها حيال ما حدث. الكاتب يفنّد بعض القصص ويقر بأنّ بعضها مبالغ فيه ويوضّح أمورا شائكة تحتاج إلى كتب كثيرة جديدة لدراستها، ويلمّح إلى بعض القضايا بشكل هامشي بسبب الأوضاع السياسيّة التي تجعل مناقشتها بعمق إشكالا كبيرا في الوقت الحالي. الكتاب مهم جدّا ويطرح مصادر عديدة لم تترجم إلى العربيّة وآمل أن يكون باكورة أعمال أخرى تكشف النقاب عمّا حدث وصولا إلى بلورة صورة واضحة عن حقيقة ما حصل أبان تلك الحروب.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,158,263,399
- إكتشاف أنفاق سريّة تحت الأرض تعود لعقيدة نهرينيّة قديمة تحت ...
- علماء يستعدّون لحل لغز الحمض النووي السومري - موضوع مترجم
- ملحمة وطن – قراءة في رواية -الحريّة أو الموت- للكاتب نيكوس ك ...
- أحيانا - قصيدة
- الإنسانيّة هي كل ما نحتاج إليه
- أن تناقش حقّ الحياة والحريّة في القرن الحادي والعشرين
- كان هنالك شرق - قصيدة
- مجتمع المظاهر وسقوط المثاليّة - قراءة في مسرحيّة الزوج المثا ...
- إغفر يا قلب لهم - قصيدة
- جنازة السلام - قصّة قصيرة
- سِفر الأحزان - قصيدة
- النقاشات البيزنطيّة تعود بحلّة إسلاميّة
- عندما أضعنا البوصلة - قصيدة
- ثورات منسيّة – قراءة في رواية -البشموري- للكاتبة المصرية سلو ...
- بناء وطن للجميع - قراءة في كتاب العقد الإجتماعي للفيلسوف جان ...
- قوس قزح
- إنه العراق يا قوم – لا تحرقوه لأجل الآخرين
- مستقبل الوطن رهن ورقة إنتخاب – لننقذ العراق
- لمحات إنسانيّة – قراءة في المجموعة القصصيّة -في خضمّ المصائب ...
- ما بين سراب الماضي الجميل ودخّان فوضى الحاضر – قراءة في رواي ...


المزيد.....




- جولة في أحد سباقات الهجن في دبي.. تقاليد لا تنسى وجوائز مالي ...
- صورة للمياردير بيل غيتس بطابور مطعم تشغل نشطاء.. ومغردون بين ...
- طوكيو تتحقق من عمل فني عمره أكثر من 10 أعوام قد يكون لبانكسي ...
- أزمة -السترات الصفراء-.. هل أصبح الإعلام كبش فداء؟
- أنقرة: 53 ألف سوري حصلوا على الجنسية التركية ويحق لهم التصوي ...
- يوم الغطس في أردن روسيا
- مقتل 21 على الأقل في انفجار خط أنابيب بوسط المكسيك
- غراهام: علاقات أمريكا والسعودية لن تتقدم لحين التعامل مع بن ...
- صلاح وأبو تريكة.. مجاملات وانتقادات ونصائح على الهواء
- كندا تدعو مجددا للإفراج عن مدون سعودي وتعتبر قضيته -أولوية- ...


المزيد.....

- العقل الفلسفي بين التكوين والبنية / زهير الخويلدي
- اساطير التوراه واسطورة الاناجيل / هشام حتاته
- اللسانيات التوليدية من النموذج ما قبل المعيار إلى البرنامج ا ... / مصطفى غلفان
- التدخلات الأجنبية في اليمن القديم / هيثم ناجي
- كلمات في الدين والدولة / بير رستم
- خطاب السيرة الشعبية: صراع الأجناس والمناهج / محمد حسن عبد الحافظ
- النحو الحق - النحو على قواعد جديدة / محمد علي رستناوي
- القرامطة والعدالة الاجتماعية / ياسر جاسم قاسم
- مفهوم الهوية وتطورها في الحضارات القديمة / بوناب كمال
- الـــعـــرب عرض تاريخي موجز / بيرنارد لويس كليفيند ترجمة وديـع عـبد البـاقي زيـني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - كلكامش نبيل - إعادة قراءة التاريخ - قراءة في كتاب -الفتوحات العربية في روايات المغلوبين- للكاتب حسام عيتاني