أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسام المنفي - الإضطهاد الديني . وإغتيال الكلمة















المزيد.....



الإضطهاد الديني . وإغتيال الكلمة


حسام المنفي

الحوار المتمدن-العدد: 4563 - 2014 / 9 / 3 - 21:26
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


عندما نقرأ في تاريخ الفكر الأنساني بغض النظر عن الزمان والمكان ، نكتشف أن ثمة صراع قائم بين "الكلمة أو الفكرة" من جهة وبين الأفكار والمعتقدات الدينية من جهة أخرى . فهذا الصراع يتراءى أمام أعيننا بصفة مستمرة بين الدين والعقل ، وبين الإيمان والشك ، وبين اللاهوت والعلم ، وبين الكاهن والمفكر . ولكن ثمة سؤال يتبادر إلى أذهاننا من حين لأخر بل يفرض نفسه علينا في أحيان كثيرة وهو "هل الصراع كامن في بنية العلاقة بين الدين والعلم أو بين الدين والعقل أم هذا الصراع مجرد صورة عرضية وأن الصراع الحقيقي هو صراع بين القديم والجديد بغض النظر عن من يمثل القديم ومن يدعوا إلى الجديد ؟
وفي الحقيقة ثمة رأيان يتقاسمان الأجابة عن هذا السؤال . الرأي الأول يفترض أصحابه أن "الصراع" قائم بالفعل في بنية العلاقة بين الدين والعلم وحجتهم"أن العلم يوضع في دائرة العقل ، لأن قواعده مبنية على المشاهدة والتجربة ، أما الدين فيوضع في دائرة القلب ، لأن قواعده مبنية على التسليم بما ورد في الكتب من غير فحص في أصولها . ومعنى ذلك أن لكل منهما دائرة يتحرك فيها فإن اجتمعا في حلبة واحدة أطاح أحدهما بالأخر " ويتخذ أخرون وجهة نظر مخالفة لوجهة نظر الفريق الأول وحجتهم "أن الخصومة في حقيقة الأمر ليست بين العقل والدين ، ولا بين دين ودين أخر ، ولكن هي أعم من ذلك وأيسر ، هي بين السكون والحركة ، هي بين الجمود والتطور ، أي الخصومة في الأساس بين القديم والجديد . ولو سلمنا بوجهة النظر هذه فلابد أن نطرح سؤالا أخر هو : أليس الصراع بطبيعة الحال سيزداد دراوة وقسوة لو أصبغ أحد الطرفين على نفسه صبغة دينية . أليست المعركة سيحمى وطيسها وتزداد عنفا وشراسة إن كان أحد طرفي النزاع يدعي دائما أنه يتكلم بإسم السماء ويدافع عن الله كما نرى في مجتمعاتنا اليوم ؟ .
وفي هذا البحث سنتعرض إلى بعض مظاهر العنف الديني وسنتعرف على بعض جوانب من سيرة مجموعة من الفلاسفة والمفكرين الذين دفعوا حياتهم وحريتهم ومستقبلهم وأوطانهم مقابل إيمانهم الشديد بمبادئهم وأفكارهم وفي هذه السلسلة سنبدأ من محنتي أنكساجوراس وسقراط مرورا بهيباتيا والحلاج وابن رشد في العصرالوسيط وأخيرا المفكر الإيطالي برونو في عصر النهضة الأوروبي . فمن هؤلاء من دفع حياته ثمنا رخيصا لما يؤمن به ومنهم من نفي وعذب واحرقت مؤلفاته جزاء له لأنه تجرأ وفكر وتشكك وتسائل . ولكن القاسم المشترك بين هؤلاء المفكرين الذين سنتناولهم بالحث هو " أنهم اضطهدوا وعذبوا وقتل منهم من قتل وأحرق منهم من أحرق وهو مازال حيا مثل -برونو- كل هذه الجرائم اقترفت في حقهم بإسم السماء وتحت زرائع دينية .
وستنطلق رحلتنا من "اليونان" وبحادثة اضطهاد وسجن ونفي الفيلسوف "أنكساجوراس" (500-428 ق . م ) في القرن الخامس قبل الميلاد ومن مدينة "أثينا" على وجه الخصوص حيث قام فيلسوفنا(1) بإنكار الطبيعة الإلهية للأجرام السماوية ، وذهب إلى القول بأن القمر والشمس ليسا إلهين كما كان يعتقد الأثينيون في ذلك الوقت ، وقد قال على الشمس إنها مجرد كتلة متوهجة من المعدن أكبر من بلوبونيز كلها (وهي شبه الجزيرة التي كان يقطنها الأسبرطيون) وقال على القمر . إنه مكون من تراب ، وليس له ضوء خاص به ، وإنما هو يعكس ضوء الشمس . وبالقمر وديان وتلال وربما يكون مسكونا . وقد أثار -أنكساجوراس- حفيظة كهنة المعابد الأثينية بأراءه وانتقاداته الاذعة التي طالت ذات الألهة وصفاتها وقدراتها وهي أقدس وأشرف ما لدى الأثينيين ، وبطبيعة الحال كان الكهنة يكسبون وينتفعون عن طريق تفسير أسرار السماوات وعجائبها كما يتربح وينتفع اليوم كهنة الأسلام الذين يطلقون على أنفسهم اعتسافا دعاة الى الله وما هم إلا دعاة الجهل والفتنة والكراهية. ومنذ هذه اللحظة قد شيع عن -أنكساجوراس- أنه كافر ، ملحد ، زنديق . يسخر من الألهة وينفي عجائب قدرتهم ويقدح في معتقدات الناس فما كان لهم إلا أن قدموه لمحكة اثينا التي حكمت عليه -بالإعدام- ثم خفف الحكم إلى -النفي-لأنه كان صديق شخصي للقائد -بركليز- في ذلك الوقت . يقول الدكتور مراد وهبة (2):ولم يطق ملاك الحقيقة المطلقة مثل هذا القول الذي قال به -أنكساجوراس- لإعتقاهم أن كل ما هو سماوي فهو إلهي ، وأن من يتناول مثل هذه الأمور بإسلوب علمي فهو مجرم في حق الدولة . واتهم بالإلحاد فاضطر إلى مغادرة أثينا حيث كان يقيم ويتفلسف .
وفي عام . 450ق م . قدم "بروتاجوراس" (3) إلى أثينا ونشر كتابا أسماه الحقيقة وردت فيه هذه الكلمات "لا أستطيع أن أعلم إن كان الألهة موجودين أم غير موجودين . فإن أمور كثيرة تحول بيني وبين هذا العلم أخصها غموض المسألة وقصر الحياة" فاتهم بالإلحاد ، وأحرقت كتبه ، وحكم عليه بالإعدام، ولكنه فر هاربا .
وفي عام (399 ق . م ) سيق "سقراط"(4) إلى محكمة أثينا ، وقد وجهة له المحكمة تهمة "الكفر والإلحاد وأنه أثم في عدم عبادته للألهة التي تعبدها الدولة ، وفي احلاله ألهة جديدة محل هؤلاء ، وهو فضلا عن ذلك أثم في إفساده الشباب بتعليمهم وفق مبادئه" ومن منطلق هذه التهمة حكمت المحكمة على "سقراط" بالإعدام ، وبالفعل قد نفذ الحكم بعد منطوقه في نفس العام رغم أنه دافع عن نفسه كثيرا محاولا أن يرد عن نفسه تلك التهم ولكن عبثا كانت محاولاته وبالفعل قد نفذ الحكم في نفس العام وقد تجرع السم وسط أصدقائه وتلامذته .
وفي أوائل القرن الخامس الميلادي كانت بالأسكندرية جامعة أنشأها البطالسة وكانت تدرس الفلسفة وكانت بالجامعة أستاذة تدعى -هيباتيا- (5) تقوم بتدريس فلسفة أرسطو وأفلاطون بجابب تدريسها للمنطق والرياضيات ، وكان أسقف الأسكندرية في ذلك الوقت رجل يدعى كريلس اشتهر بعدائه ونفوره الشديدين للعلماء والفلاسفة وخاصة الفلاسفة اليونان لأنهم كانوا من وجهة نظره كانوا وثنيين وكفار وملاحدة ، أو ربما خاف "كرليس" من تأثير الفلسفة والمنطق على عقول أتباعه ومن المعلوم أن الفلسفة تحض دائما على التسائل والشك والنقد وتجعل الفرد لا يتقبل المعتقدات "الدوجماطيقية" دون إخضاعها لمعايير العقل والمنطق وهذا سبب كافي جدا لتبرير قتل فيلسوفة وحكيمة نبيلة مثل "هيباتيا" ، و في سنة 415 ميلادية وفي أحد أيام الأحاد بعد خطبة نارية ألقاها كيرلس على جمع غفير من الناس في الكنيسة المرقسية..كان يحرض فيها على الفلاسفة ويصفهم بالكفار والمهرطقين..خرج الناس من الكنيسة يركضون ويهرولون نحو قاعة الدرس التي كانت هيباتيا تلقي فيها بعض محاضراتها في الفلسفة وعند خروجها من القاعة ، إذ بعشرات من الناس يتوافدون إليها ويحيطون بها كأنهم عثروا أخيرا على فريستهم التي طالما انتظروها ، ثم قاموا قاموا بتجريدها من ملابسها وجرها وسحلها في شوارع الأسكندرية ثم مزقوها أشلاء إلتهمتها الكلاب الجائعة...وهم يرددون ويهتفون بحناجرهم التي تشبه نعيب الغربان-بإسم الرب سنسحق الكافرين-بإسم الرب سنقتل المهرطقين أعداء الله والمسيح .
يقول برتراند رسل (6) : كان "القديس كرليس" رجلا غيورا علة الدين غيرة فيها هوس التعصب ، فاستخدم منصبه ، منصب البطرق ، في إثارة المذابح ضد الجالية اليهودية في الأسكندرية ، وقد كانت جالية كبيرة جدا ، وأشهر ما يشتهر به هو محاكمته ومعاقبته ل"هيباتيا" غير ميتند إلى قانون ، وهي سيدة ممتازة انصرفت -في عهد سادة التعصب الديني- إلى فلسفة الأفلاطونية الجديدة ، واتجهت بمواهبها إلى الرياضة ، " فانتزعت من عربتها انتزاعا ، وعريت من ثيابها ، وجرت إلى الكنيسة ، وذبحت ذبحا وحشيا على يد "بطرس القارىء" وطائفة من المتهوسين الدينيين الغلاظ القلوب القساة بغير رحمة ، وكشط لحمها عن عظامها بمحار حاد الأطراف ، وقذف في النار بأعضاء جسدها وهي ترتعش بالحياة .
ولنترك إذن "هباتيا" بشاعريتها وسحرها وألامها ومحنتها . لننتقل إلى عصور الخلافة الإسلامية لنرى بعض مظاهر الإضطهاد الديني الذي كان يمارس ضد الفلاسفة والمفكرين العرب والمسلمين على أيدي الخلفاء الذين كانوا يتكلمون نيابة عن السماء ويصبغون جرائمهم بهالة من القداسة المزيفة حينما يلبسون جرائمهم رداءا دينيا لتجميل أفعالهم الخبيثة في أعين العامة من رعاياهم .
ففي عام -309- هجرية وفي بغداد أيام الخليفة "المقتدر" تم قتل "الحلاج"(7) الفيلسوف والمتصوف المعروف بعد أن اتهم من قبل الفقهاء والعامة بالكفر والزندقة وخروجه عن صحيح الدين . وربما كان السبب الرئيسي لقتله هو اعتناقه مبدأ "وحدة الوجود" وهذا المبدأ "الهندي" الأصل يفترض أن جميع الموجودات من إنسان وحيوان ونبات وشجر وطيور وجماد وحتى الله نفسه كل هذه الموجودات متحدة في كيان وجوهر واحد ، وأن الله ليس شخصا خارجا ولا منفصل عنا بل هو "أي الله" يكمن في داخلنا ويحل فينا ،(8) فوحدة الوجود الهندية تلغي تماما الثنائية بين المخلوق والخالق فكل المخلوقات في نظرها هي عين الخالق .(9) ويتجلى هذا المعنى في سفر اليوبانيشاد في أبيات رقيقة من الشعر . إن الإله براهما الذي يسكن قلب العالم يتحدث في همس قائلا :
إذا ظن القاتل أنه قاتل .
والمقتول أنه مقتول .
فليس يدريان ما خفي من أساليبي .
حيث أكون الصدر لمن يموت .
والسلاح لمن يقتل .
والجناح لمن يطير .
وحيث أكون لمن يشك في وجودي كل شيء حتى الشك نفسه .
وحيث أكون أنا الواحد وأنا الأشياء .(10)
ويتضح من هذه الأبيات الشعرية القليلة أن "البراهما" أي" الله" قد توحد مع جميع الموجودات ، فهو القاتل وهو المقتول وهو أداة القتل نفسها ، وهو الجناح لمن يطير ، وهو الشك نفسه لو أنك يوما تشككت في وجوده ، وهو الواحد والكثير الجمع والمفرد ، وهذا هو زبدة مذهب وحدة الوجود الهندية وكما قال الدكتور مصطفى محمود : إنه إله يشبه النور الأبيض ... واحد ... وبسيط ... ولكنه يحتوي داخله على ألوان الطيف السبع.
وبعض أقوال الحلاج نفسه تدل على اعتناقه هذا المذهب يقول "أنا الحق" ويقول في موضع أخر "ما في الجبة إلا الله" وهذا المذهب كثيرا من المتصوفة في جميع الأديان يؤمنون به ويعتنقونه . ولكن من وجهة نظر فقهاء بغداد في ذلك الوقت أن هذا الإعتقاد يقتدي القتل وحرمان شخص بريء من الإستمتاع بحياته لأنه خالف الأفكار والمعتقدات التي كانت سائدة في ذلك الوقت ، وفي عام -586- هجرية وفي ظل حكم "صلاح الدين" (11)قتل "السهروردي" أيضا في قلعة في مدينة "حلب" بعد أن ترك دون شراب و دون طعام لعدة أيام حيث وجهت له أيضا نفس التهمة "الكفر والزندقة" وهذه النعوت والأوصاف سينعت بها "كما هو الحال في مجتمعاتنا اليوم" كل من تسول له نفسه ويعتقد في لحظة أنه يستطيع أن يشذ عن القطيع ويتخذ له دربا مستقلا من دروب الفكر والإعتقاد.
وفي عام -488- ألف الإمام الغزالي كتاب "تهافت الفلاسفة" الذي كفر فيه الفلاسفة سواء فلاسفة اليونان القدامى وعلى رأسهم أرسطو وأفلاطون أو تلامذتهم من الفلاسفة العرب وعلى رأسهم "ابن سينا" وقد انتقد الغزالي الفلاسفة في " عشرين" مسألة انتهى إلى تكفيرهم في "ثلاثة" مسائل هم .(12)
(1) القول بقدم العالم "أي أزلية المادة" .
(2) القول بأن الله يعلم الكليات دون الجزئيات .
(3) القول بأن الثواب والعقاب في الأخرة يعد نفسيا روحيا وليس جسمانيا . وهو يقصد بذلك "ابن سينا" الذي قال إن النفس إما سعيدة وإما شقية وهذا هو المعاد .
يقول الإمام الغزالي عندما كان يعطي كلا من الفلاسفة العرب واليونان نصيبهم من التكفير والزندقة يقول : ثم رد أرسطو طاليس على أفلاطون وسقراط ومن كان قبلهم من الإلهيين ردا لم يقصر فيه حتى تبرأ من جميعهم إلا أنه استقى أيضا من رذائل كفرهم بقايا لم يوفق للنزوع منها .(13)
فوجب تكفيره وتكفير من متفلسفة الإسلاميين كأبن سينا والفارابي وأمثالهما .
انظر ماذا قال عن الفن أيضا : وليتجنب (المسلم) صناعة النقش والصياغة وتشييد البنيان بالجص وجميع ما تزخرف به الدنيا فكل ذلك كرهه ذو الدين . ويقول(14) : والصور التي تكون على باب الحمام أو داخل الحمام تجب إزالتها على كل من يدخله إن قدر فإن كان الموضع مرتفعا لا تصل إليه يده فلا يجوز له الدخول إلا لضرورة . فإن مشاهدة المنكر غير جائزة ، ويكفيه أن يشوه وجهها ويبطل به صورتها .
ومنذ هذه اللحظة قد تم إعلان موت "العقل العربي" في المشرق كما سيتم كتابة شهادة وفاة "العقل العربي أيضا" في المغرب العربي "الأندلس" على أثر إعلان الخليفة المنصور بتحريم الفلسفة وتجريم كل من يعمل بها أو حتى قرائتها ، وهذا ما سنفصله بعد قليل عندما نتكلم عن محنة فيلسوف قرطبة أبو الوليد ابن رشد .
في أواخر القرن الثاني عشر الميلادي وتقريبا في عام 1196م قبل وفاة "ابن رشد" بعامين وفي أيام الخليفة "يعقوب المنصور بالله ابن الأمير يوسف ابن عبد المؤمن" خليفة المسلمين في ذلك الوقت وأمير دولة الموحدين في المغرب العربي "الأندلس" قد أصدر "منشور" تحريم الفلسفة والعمل بها ، بعد ما أفتوا له الفقهاء والمشايخ والقائمين على الدين في ذلك الوقت ، أن الفلسفة تخالف الشريعة الإسلامية وأن الفلاسفة يحيدون عن صحيح الدين ومنهج الإسلام القويم ، فأصدر المنصور منشور تحريم الفلسفة وإليك بعض فقرات منه (15) "قد كان في سالف الدهر قوم خاضوا في بحور الأوهام . وأقر لهم عوامهم بشفوف عليهم في الإفهام . حيث لا داعي يدعو إلى الحي القيوم . ولا حاكم يفصل بين المشكوك فيه والمعلوم . فخلدوا في العلم صفحا ما لها من خلاق . مسودة المعاني والأوراق . بعدها من الشريعة بعد المشرقين . وتباينها تباين الثقلين . يوهمون أن العقل ميزانها . والحق برهانها . ذلكم بأن الله خلقهم للنار . وبعمل أهل النار يعملون ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم . ألا ساء ما يزرون . ونشأ منهم في هذه السمحة البيضاء شياطين إنس يخادعون الله والذين أمنوا وما يخادعون إلا أنفسهم وما يشعرون . يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون" هذه الفقرة جزء من "المنشور" الذي أصدره خليفة المسلمين "المنصور" في "الأندلس" في أواخر القرن الثاني عشر الميلادي ، وكان الهدف من هذا المنشور القضاء على الفلسفة في الأندلس كما كانت نهاية الفلسفة في بغداد والمشرق العربي على يد الإمام الغزالي عندما ألف كتابه "تهافت الفلاسفة" الذي كفر فيه فلاسفة اليونان وتلامذتهم من الفلاسفة العرب وعلى رأسهم الفرابي وابن سينا . ومنذ هذه اللحظة التي تم فيها تكفير ونفي ابن رشد واحراق كتبه . تعيش الأمة العربية دون عقل تقريبا ومن ثم انهارت "الحضارة" تحت حطام الجهل والوهم والخرافة وتصبح أطلالا بعد أن كانت صرحا شامخا يناطح السحاب في علوه وكبرياءه .
انظر ماذا قال بعض دعاة الجهل والظلام في فيلسوف قرطبة ابن رشد بعد ما تم نفيه.
الأن قد أيقن ابن رشد .... أن تواليفه توالف
يا ظالما نفسه تأمل .... هل تجد اليوم من توالف
وقال أحدهم .
نفذ القضاء بأخذ كل مموه .... متفلسف في دينه متزندق
بالمنطق اشتغلوا فقيل حقيقة .... إن البلاء موكل بالمطق (16)
وبما أن "الأفكار" ليست لها وطن ولا عقيدة ولا ملة ولا عنوان . أي أن المنتجات الفكرية والثقافية ليست ملكا لإحد وليس حكرا على أحد فهي ملك للإنسانية جمعاء . ففي حين أصدر الخليفة المنصور في قرطبة منشور تحريم الفلسفة والعمل بها وحتى قرائتها واصدر قراره بنفي "ابن رشد" إلى مدينة "اليسانة" (بلدة قريبة من قرطبة) بتهمة الكفر والزندقة واحراق بعض كتبه في المنطق والفلسفة في ساحات قرطبة ، كانت في ذلك الوقت بلدان مثل فرنسا والمانيا وغيرهما من البلدان الأوروبيا تستعد لإستقبال أفكار هذا الفيلسوف العقلاني المستنير التي أنارت أفكاره سماء الفكر المسيحي منذ بداية القرن الثالث عشر وحتى عصر النهضة الأوروبي وظهور المذاهب الفلسفية الحديثة على يد ديكارت وبيكون وغيرهما .(17) ولم يأتي عام 1230م إلا كانت كتب ابن رشد قد ترجمت من العربية إلى العبرانية ثم بعد ذلك إلى اللاتينية وذلك بفضل تلامذة ابن رشد اليهود . فإن أوروبا في العصر الوسيط لم تتعرف على فلسفة "أرسطو" كاملة إلا بفضل كتب ابن رشد التي كانت تحتوي على شرح مفصل لمذهب أستاذه "أرسطو" بجانب أرائه وأفكاره الخاصة ، فمن المعروف أن الفكر المسيحي في القرن الثالث عشر الميلادي قد اصطبغ بصبغة "أرسطية" خالصة عندما مزجا ( ألبرت الكبير والقديس توماس الأكويني) فلسفة "أرسطو" باللاهوت المسيحي ، وهذا الفضل يرجع إلى المعلم والشارح الكبير "ابن رشد".(18)
ولكن ما الذي حصدناه من احراق الكتب واضطهاد المفكرين والفلاسفة إلا :الجهل ، والتخلف ، وتزيل قطار الحضارة الإنسانية المعاصرة . ما الذي جنيناه من تحريم حرية الفكر ، واحلال العقائد الدوجماطيقية مكان الشك والنقد إلا : التعصب ، والتطرف ، وعدم قبول الأخر المختلف . ما الذي عاد علينا نحن العرب من اغتيال عقولنا عمدا إلا : التخلف في العلوم ، والسياسة ، والإقتصاد ، والإنحطاط في الفنون والثقافة وفي الأخلاق أيضا . ألسنا مذنبون أيضا في حق هذا المفكر الكبير عندما أهملنا أفكاره وفلسفته واتجهنا نحو المذاهب والأفكار الظلامية المتخلفة التي تنشر الجهل والخرافة وتنثر بذور التكفير والإقصاء والعنصرية في عقولنا وضمائرنا . يقول الدكتور عاطف العراقي (19) "لقد ظلم ابن رشد في حياته . وبعد مماته . اتجه العرب نحو فكر اناس قاموا بتوزيع شهادات التكفير ، من أمثال الغزالي وابن تيمية وأنصار البتروفكر ، في الوقت الذي قامت فيه أوروبا بلإستفادة من كل ما كتب ابن رشد . أليس هذا من مصائب الزمان وسخرية القدر . يحارب العرب مفكرهم العربي الذي كان قاضيا للقضاه ومؤلفا في الطب والفلسفة وغيرها من الغلوم ، يهمل العرب دروس مفكر شامخ لم ينقطع عن القراءة والتأليف إلا ليلة وفاة أبيه وليلة زواجه .
وهكذا ومنذ هذه اللحظة ونحن غارقين حتى أذنينا في مستنقع الوهم والجهل والخرافة يقول الدكتور زكي نجيب محمود (20) : فلننظر -إذن- إلى أوساط الناس من حولنا ، فماذا نرى ؟ نراهم على عداوة حادة مع العقل ، وبالتالي فهم على عداوة لكل ما يترتب على العقل من علوم ، ومن منهجية النظر ، ودقة التخطيط والتدبير ، فإذا اننطلقت الصواريخ تغزو الفضاء ويرود أصحابها أرض القمر ، تمنوا من عماق قلوبهم أن تجيء الأنباء بفشل التجربة ، وإذا سمعوا عن قلوب وغير قلوب ، تأخذ من أدمي لتزرع في أدمي أخر ، أحزنهم أن يتحقق النجاح وأفرحهم أن تخفق التجربة ، ويستطرد قائلا في موضع أخر فيقول : إن أغلب الناس حولنا هم أقرب إلى الظن بأن الحقيقة ينطق بها البلهاء قبل أن ينطق بها العلماء . ولن نستطيع النهوض مرة أخرى إلا إذا تم احياء الأفكار العقلانية المستنيرة المتمثلة في ابن رشد وأمثاله من المفكرين والفلاسفة الذين يقدمون المعارف التي تستمد من العقل والتجربة على كل مصادر المعارف الأخرى ، حنى لو كانت هذه المعارف مستمدة من الكتب المقدسة نفسها فليس هذا مبرر لوضعها فوق المعارف المستقاه من العقل وكما يقولون : فلا سلطان على العقل إلا العقل نفسه .
وأخيرا سنقف وقفة تأمل وتدبر حول حادثة اضطهاد وسجن وقتل "برونو" المفكر الإيطالي الذي عارض وناهض الكنيسة ورجال الدين المسيحي وجهر برأيه بكل ما أوتي من شجاعة وبسالة واقدام ، ولم تنقص شجاعته قط ولم يتراجع ولم يساوره الخوف وأقدم على الموت بقلب راض مطمأن . هكذا كان "برونو" الشجاع . واليك قصته .
لقد كان الفيلسوف اليوناني "أرسطو" يعتقد قبل ثلاثة وعشرون قرنا ونصف القرن ، أن الأرض ثابتة وأن الشمس والقمر والكواكب والنجوم تتحرك في أفلاك دائرية حول الأرض . وأن الحركة الدائرية هي الكمال الأقصى ،(21) وقد طور "بطليموس" هذه الفكرة في القرن الثاني بعد الميلاد لتصبح نموذجا كاملا . وكانت "الكنيسة" في العصر الوسيط تعتبر هذا النسق الكوني حقيقة مطلقة تتفق مع ما جاء في الكتاب المقدس . فكانت توقع أشد العقوبات على كل من تسول له نفسه ويأتي بنظرية جديدة تناقد أو تختلف مع نظرية أرسطو وبطليموس ، فكان العقاب يتراوح بين حرق الكتب أو السجن أو النفي أو حتى الموت وهذا ما حصل بالفعل مع "برونو" الذي احرق حيا لأنه أمن بنظرية "كوبرنيكوس" التي كانت تتعارض مع النظرية القديمة . وكوبرنيكوس (1473-1543) هذا كان من علماء الفلك في عصر النهضة وكان ينكر نظرية أرسطو في مركزية الأرض ، بل ذهب عكس ما ذهب إليه أرسطو وقال بأن الشمس هي مركز الكون وأن الأرض وجميع كواكب المجموعة الشمسية تدور حولها . ثم جاء بعده جيوردانو برونو(1584-1600) الذي أمن بالنسق الكوبرنيقي وكان يهاجم النسق الأرسطي وينتقد البابا والكنيسة ورجال الدين في العلن لأنهم كانوا يحجروا على حرية التفكير والإعتقاد وكان يقول "ليس للهيئة الإجتماعية أن تعاقب بالسيف أولئك الذين ينشقون عن عقائدها الشائعة" . وفي عام (1592) تم تقديمه إلى محكمة التفتيش ولم تكن التهمة التي وجهت إليه هي فقط انكار النسق الأرسسطي للكون وإيمانه بمركزية الشمس ولكن كان ثمة تهم أخرى نسبت إليه ، منها التهكم على تجسد المسيح وعلى القربان المقدس . فأصدر البابا أمره بأن يطلب منه إنكار القضايا للعقائد المقرره ، دون القضايا المتعلقة بمذهب كوبرنيكوس ، ولكن برونو رفض الطلب ، وقال إنه لم يخالف الإيمان وإن رجال الديوان يؤولون أقواله فحكم عليه بالموت وبتسليمه إلى السلطة المدنية ، فتم اعدامه "حرقا" وفي يوم (17 فبراير 1600) وكان إلى النفس الأخير رابط الجأش ، شجاع ، مصرا على عناده ، ويقول الأستاذ سلامة موسى "ولكن الدراما لم تتم فصولا . فإن برونو تقدم إلى الناس سنة 1600 وقلبه معمورا بإيمانه بنفسه وبالحقيقة ، لا تدمع له عين ولا ترتجف له يد . وبعد 300سنة من احراقه كان البابا يبكي لأن أهل روما قد أقاموا تمثالا لبرونو في المكان الذي احرق فيه ... وهكذا يكتب الإنتصار للحرية على الإستعباد .
ولكن لابد هنا من وقفة لنتأمل ليس فقط موقف برونو الشجاع الذي أثر أن يدافع عن مبادئه وأفكاره حتى لو كانت حياته هي ثمن موقفه وعناده . ولكن الفكرة التي تستحق التأمل أكثر من ذلك هي "ما الذي تغير في أوروبا في الأربعة قرون الماضية منذ حرق برونو عام 1600 إلى يومنا هذا ؟ ونحن جميعا نرى حرية الفكر والإعتقاد التي تتمتع بهما أوروبا اليوم ، ونرى أيضا علماء ومفكرون مثل "ريتشارد دواكنز" و "ستفين هوكنج" وهم يتكلمون في قضايا تمس مبدأ وجود الله نفسه . فاستيفن هوكنج يرى أن ليس ضروريا افتراض وجود روح عليا ، سامية منفصلة عن المادة خالقة ومدبرة للكون ، وموقف دواكنز معروف للجميع بإلحاده الصريح ونقده بصفة مستمرة للأديان ومع ذلك لم يمسهما أحد بسوء ولم تتعدى عليهم أي سلطة مهما بلغت من نفوذها وقوتها سواء بالقول أو بالفعل . إذن فما الذي تغير خلال الأربع قرون الماضية ، من حرق برونو حيا إلى جهر دوكنيز وهوكنج بالإلحاد علنا . في ظني أهم ما ساعد أوروبا في أن تصل لذروة الحرية الفكرية والعقائدية . هي غرس قيم مثل : العلمانية ، والليبرالية ، والديموقراطية ، والمواطنة ، وحقوق الإنسان ، وقيم التنوير ، والتسامح وحرية الإعتقاد والتعبير عن ما أعتقده وأراه صوابا حتى لو كنت مختلفا مع أغلبية المجتمع فهذا حقي . بالإضافة طبعا إلى البعد الإقتصادي والثورات العلمية والإقتصادية التي شهدتها أوروبا خلال الأربع قرون الماضية .
هكذا تبدو الصورة ، قاتمة ، حزينة ، عندما يتمكن رعاة وكهنة الأديان من القبض على زمام الأمور . فهم لا يتورعون أبدا في اقصاء وتهميش كل من يخالفهم في الرأي أو يعترض على سياستهم بل يصل الأمر لدرجة قتل مخالفيهم والتنكيل بهم ولذلك فحن ندعو إلى العلمانية أي فصل الدين عن جميع مجالات الحياة في السياسة والإقتصاد وفي العلوم حتة نستطيع أن ننهض بأمتنا لعلنا نستطيع ذات يوم اللحاق بقطار الحضارة الإنسانية المعاصرة .
========================================
(1)كتاب "ملاك الخقيقة المطلقة" د. مراد وهبة ص225
(2)المصدر السابق ص226
(3)نفس المصدر .
(4)محاورة "فيدون" لأفلاطون .
(5)كتاب "حرية الفكر" لسلامة موسى ص52 .
(6)كتاب "تاريخ الفلسفة الغربية" لبرتراند رسل ص101 .
(7) كتاب "حرية الفكر" لسلامة موسى ص98 و ص99 وص100 وص101 .
(8) كتاب "قصة الحضارة" لول ديورانت . المجلد الثالث . ترجمة د. زكي نجيب محمود .ص33 وفيها شرح لأسطورة الخلق كما ورد في أحد أسفار "اليوبانيشاد" وص34 وص 35 .
(9)كتاب "الفكر الشرقي القديم" لجون كولر . مراجعة د. إمام عبد الفتاح . من ص43 إلى 66 .
(10) كتاب "رحلتي من الشك إلى الإيمان" للدكتور مصطفى محمود ص20 والمصدرين السابقين فيهما نصوص كثيرة مشابها .
(11) كتاب "حرية الفكر" لسلامة موسى ص112 .
(12) كتاب "الفلسفة العربية والطريق إلى المستقبل" د. عاطف عراقي ص365 وص366 وص367 وص368 وص390 .
(13)كتاب "حرية الفكر" لسلامة موسى ص94 وص95 .
(14) المصدر السابق .
(15)كتاب "ابن رشد وفلسته" لفرح أنطون . تقديم د. مراد وهبة ص47 وص48 .
(16) المصدر السابق ص49 وص50 .
(17) نفس المصدر من ص101 إلى ص118 .
(18) كتاب "أثر ابن رشد في فلسفة العصور الوسطى" د. زينب محمود الخضيري . وهذا المجلد يتعدى ال400 صفحة جميعها دراسة نقدية لتتبع أثر فلسفة ابن رشد في الفكر المسيحي خلال العصور الوسطى .
(19) كتاب "الفيلسوف ابن رشد ومستقبل الثقافة العربية" د. عاطف العراقي ص486 .
(20) كتاب "نافذة على فلسفة العصر" د. زكي نجيب محمود ص139 وص140 وص 141
(21)كتاب "تاريخ موجز للزمان" لستيفن هوكنج ص15 وص16 .
(22)كتاب "تاريخ الفلسفة الحديثة" د. يوسف كرم ص34 .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,569,839,788
- انتكاسة عقل
- جيوردانو برونو . والمحرقة
- محنة -ابن رشد-
- قتل الحلاج . وتحريم الفلسفة
- هيباتيا . شهيدة التعصب الديني
- مبحث في الجانب الأبستمولوجي -نظرية المعرفة- في الفلسفة الحدي ...
- سقراط . الرجل الذي جرؤ على السؤال
- أنكساجوراس . والحجر الأسود
- العلم والدين بين الفكر القديم والفكر الحديث
- نظرية المعرفة من منظور فلسفة ابن سينا
- الغزالي واهدار قيمة العقل
- العقل في فلسفة ابن رشد


المزيد.....




- كيف يصلي المسلمون في بلاد تغيب فيها الشمس لأشهر طويلة؟
- رأي.. سناء أبوشقرا يكتب عن كسر الطائفية في وعي اللبنانيين: ع ...
- الأرشمندريت ميلاتيوس بصل: التهجير المسيحي في فلسطين قمعي وال ...
- سناء أبوشقرا يكتب عن كسر الطائفية في وعي اللبنانيين: عودة وط ...
- كتاب جديد يكشف الإدارة -الكارثية- لأموال الفاتيكان
- لبنان: رؤساء الكنائس يؤكدون أن الإصلاحات خطوة مهمة ولكنها تت ...
- رسالة من الإعلامي المصري باسم يوسف إلى اللبنانيين: مهمتكم صع ...
- بومبيو: المغرب يعد شريكا ثابتا ومشيعا للأمن على المستوى الإق ...
- الولايات المتحدة والمغرب يؤكدان على -الخطر الذي تمثله إيران- ...
- بعد ردود فعل غاضبة.. بلدية تركية تزيل ملصقات -معادية لليهود ...


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسام المنفي - الإضطهاد الديني . وإغتيال الكلمة