أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - راندا شوقى الحمامصى - الأساس الروحانى لحقوق الإنسان-وجهة نظر بهائية1-3














المزيد.....

الأساس الروحانى لحقوق الإنسان-وجهة نظر بهائية1-3


راندا شوقى الحمامصى

الحوار المتمدن-العدد: 4560 - 2014 / 8 / 31 - 21:58
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


الخطاب الرئيسي الذي ألقاه الدكتور سهيل بشروئى في المؤتمر السنوي الحادى و العشرين لجمعية الدراسات البهائية في 15 نوفمبر 1997.

إن الإعتراف بحقوق الإنسان بموجب القانون الدولي هو أمر حديث نسبياً، ولكن الفلسفة التي يقوم عليها المفهوم قديمة. و ذلك في نصوص مثل قانون حمورابي البابلي، والأحكام القانونية للسنهدرين الإسرائيلية القديمة حيث يُحظر التعذيب ويُحد من إستخدام عقوبة الإعدام، والتشريع الإسلامي لحقوق المرأة، و ماجنا كارتا الإنجليزية، وإعلان إستقلال الولايات المتحدة، و فى القرن التاسع عشر كانت إتفاقيات حظر تجارة الرقيق، وبعد الحرب العالمية الثانية كان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (UDHR)، الشكل و الصيغة لنظام أخلاقي عالمي قد تم إبتداعه.
هناك تعريفات عديدة لمصطلح "حقوق الإنسان" تمت صياغتها. موريس كرانستون، على سبيل المثال، يصف حقوق الإنسان بأنها "إسم القرن العشرين لما كان معروفا تقليديا بالحقوق الطبيعية، أو في عبارة مبهجة أكثر، حقوق الإنسان". و بصورة أوسع، فحقوق الإنسان هي جسم مكون من سمات و إمتيازات - مثل حق الحياة والحرية والسعي لتحقيق السعادة – و التي هي مستحقة لكل إنسان بغض النظر عن جنسيته أو مكان إقامته. و لا تُمنح هذه الحقوق من قِبل الحكومات لمواطنيها، بل هي فطرية ملازمة للكرامة التي يتمتع بها جميع الأشخاص. وبشكل أكثر تحديداً، يمكن تصنيف حقوق الإنسان بأنها تقع في المجالات المدنية والسياسية والإجتماعية والإقتصادية والثقافية للحياة.
على الرغم من أن تعبير "حقوق الإنسان" بالذات لم يظهر في اللغة الإنجليزية حتى عام 1781م، السنة التي ظهر فيها الجزء الأول من عمل توماس باين Thomas Paine: "حقوق الإنسان" “The Rights of Man”، و المثل العليا التي ينطوي عليها كانت موضوع الكثير من النقاش في السنوات السابقة مباشرة لنشر هذا العمل. ومن المفيد أن نذكر هنا صياغة مسودة توماس جيفرسون الأصلية لإعلان الاستقلال الأمريكي: "نحن نحمل هذه الحقائق لتكون مقدسة و لا يمكن إنكارها، و هى أن كل الناس خلقوا متساوين و أحراراً، و عليه، فمن ذلك الخَلق على قدم المساواة فإنهم يستمدون حقوقاً فطرية و غير قابلة للتصرف و المصادرة ومنها الحفاظ على الحياة، والحرية، والسعي لتحقيق السعادة".
و في عام 1775م، العام قبل صدور إعلان الإستقلال الأمريكى، بدأ جوته Goethe العمل فى التراجيديا النثرية إيغمونت Egmont، و التى بدأت وسط الصراعات السياسية والدينية المضادة للاصلاح، وتصوّر فكرة الحرية السياسية القائمة على حرية التعبير والتسامح الديني في مجتمع يحترم القانون. و في عام 1787م، وهو العام الذى أكمل فيه نُسختها النهائية، حصلت مسرحية دوون كارلوس لشيللر على عرضها الأول في هامبورغ. مثل مسرحية جوته، فإن مسرحية شيلر بدأت فى وقت الهيمنة الأسبانية على هولندا، موفرة الأساس لمرافعة مشبوبة العاطفة للتسامح الديني والتفاهم المتبادل، و تُوّجت بصرخة بوزا العظيمة Posa’s Great Cry: "أعطونا حرية التفكير Give us Freedom of Thought". و في نفس العقد قام قوتهولد افرايم ليسنغ بكتابة ناثان الحكيم Nathan the Wise، و التى عرضت أولاً في برلين في عام 1783م، و بمناشدة مؤثرة لإحترام معتقدات الآخرين تجسدت في شخص الحكيم والمتسامح اليهودي ناثان، و بلغت أوجها في اكتشاف أن ريكا إبنته بالتبني و الشاب تمبلر الذى يحبها هما في الواقع أخ وأخت، أبناء الراحل أخ صلاح الدين الأيوبى Saladin وزوجته المسيحية. و تعكس الحكاية الرمزية للحلقات الثلاثة المتطابقة التي يجيب بها ناثان على سؤال صلاح الدين الأيوبى حول ما إذا كانت المسيحية والإسلام أو اليهودية هى دين حقيقي عكس وعياً معاصراً من الحاجة لإعتبار الأديان غير دين المرء الخاص به بأنها جديرة بالإحترام لأجل مصلحة حقوق الإنسان والتضامن مع زملائهم الآخرين من البشر.
ومع ذلك في جوته، شيلر، ولسينغ، نجد شهامة الروح، التي لا تكتفي فقط بالتسامح مع معتقدات الآخرين و منحها حرية التعبير، بل وتسعى لفهمها بشكل أعمق والإعتراف بقرابتها الى معتقد الفرد. و بعكسها لهذا الوعي المتقدم دوماً لوحدة الجنس البشرى، فمن المناسب فى النهاية أن قد أصبحت حقوق الإنسان في النصف الثاني من القرن العشرين قضية رئيسية في السياسة الدولية. فالأسئلة التي تطرحها حقوق الإنسان هي أسئلة سرمدية: ما معنى أن تكون إنسانا؟ ما هو الغرض من الحياة على هذه الأرض؟ وماذا يجب أن يكون موقفنا الفكري والعاطفي تجاه بعضنا البعض؟ هذه الأسئلة بالذات هي المحور الحقيقى للفكر والممارسة الدينية. و من هذا المنظور، يمكننا أن نستشف أن واحدةً من العيوب الرئيسية في نهجنا لحقوق الإنسان تتعلق بطريقة تقديمها باعتبارها قانوناً من القانون المدني والأخلاقي، وربما كإنتاج للحضارة الغربية، في حين أن حقوق الإنسان هي بالأساس تقنين للقوانين الروحية الرئيسية و التي هي في حد ذاتها المأثرة التراكمية للسنن الدينية في العالم.
لقد كان القرن العشرين هو عصر حقوق الإنسان، بمعنى أنها قد أُنتهكت مرارا وتكرارا على نطاق واسع و إعترفت بها باستمرار الإتفاقيات القانونية الدولية. وهكذا، على الرغم من الفظائع التي ارتكبت في عصرنا فإن النضال من أجل أخلاقيات عالمية وممارسة لحقوق الإنسان قد تقدم بالمعنى القانوني الرسمي، وكذلك في المجتمع العالمي الناشئ.
لقد وضع الأكاديميان ريتشارد كلود و بيرنز ويستون يده على الهوة بين المبادئ و الممارسات لحقوق الإنسان في عالم اليوم في عملهما حقوق الإنسان في المجتمع الدولي: "إن القول بأن هناك قبولاً واسع النطاق لمبدأ حقوق الإنسان على الأصعدة المحلية و الدولية لا يعني أن هناك إتفاق تام حول طبيعة هذه الحقوق أو نطاقها الحقيقى – أى بأن نقول، تعريفها. فبعض الأسئلة الأساسية لم تحصل على إجابات قاطعة بعد. و ما إذا كانت حقوق الإنسان ينظر إليها على أنها إلهية، أخلاقية، أو إستحقاقات قانونية، وما إذا كان التصديق عليها من قِبل مؤسسة، عُرفْ، نظرية العقد الاجتماعي، مبادئ عدالة التوزيع، أو كمتطلبات أساسية للسعادة، وما إذا كان لها أن تُفهم بأنها غير قابلة للنقض أو تُفهم بأنها قابلة للإلغاء جزئيا، سواء أن تكون واسعة أو محدودة من حيث العدد والمحتوى - هذه القضايا و المشابهة لها هي مسائل تدور المناقشة فيها ويرجح أن تظل كذلك طالما توجد مناهج متنافسة فى النظام العام والندرة بين الموارد". فالحاجة إلى إتباع نهجاً كلياً لحقوق الإنسان أُعترف به في البند 10 للمؤتمر العالمي للأمم المتحدة فى عام 1993 لحقوق الإنسان: "البند 10 من جدول الأعمال: النظر في العلاقة بين الديمقراطية، والتنمية، والتمتع العالمي بجميع حقوق الإنسان، مع وضع نصب الأعين العلاقة البينية و عدم تجزئة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية."
إن المنهاج الكلى لرفاهية الإنسان - الذي تقره كل السنن الروحية - يؤثر على جميع جوانب الحياة: الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، و - فوق كل شيء- المسائل المتصلة بالضمير. و أن بيان الجامعة البهائية العالمية بعنوان "عدم تجزئة حقوق الإنسان" يتناول القضية الرئيسية على المحك هنا، وهي مسألة لا فكاك منها كجزء من المادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (حول الحرية الدينية): "إن الأكثر جوهرية فى حقوق الإنسان هو حق كل فرد فى التحرى عن الحقيقة لنفسه أو نفسها، والإستفادة من نتائج هذا الإستكشاف ... وطوال التاريخ البشري فإن القناعة بأن كل شخص ليس لديه الحق فقط ولكن عليه المسؤولية ’لمعرفة الله وعبادته‘، فأياً كان المصطلح الذى ربما قد وصفوا به هذه الحقيقة الأقصى، فقد طبعتها فى الأذهان الأديان الكبرى في العالم، و التى يمكن القول أنها القوة الأكثر أهمية في تهذيب الطبيعة البشرية". "فالقضية الرئيسية، مع ذلك، ليست قضية لاهوتية. فالسجل التاريخي هو ذا صلة هنا لأن التكوينات الدينية هى التى من خلالها أن الجزء الأكبر من الإنسانية حتى الآن يمارس بالأساس الحق في التحرى عن الحقيقة. ومع ذلك فالتملص من ذلك التحرى لا شك كان بسبب القيود الفكرية والاجتماعية من العصور السابقة، والحق الإنسانى في حد ذاته لا يمثل فرضية جديدة وغير مجرّبة، ولكنه قد زُرع في قوام ما نسميه الثقافة."
لأن حقوق الإنسان تجد مصدرها في السنن الدينية العظيمة، فإنه ليس من المستغرب أن كاتب المسودة الأصلية للإعلان العالمى لحقوق الإنسان (UDHR)، رينيه كاسين من فرنسا، يكشف في سيرته الذاتية أن كلمة "حقوق" التى إقترحها قد تتبّع أثر أصولها إلى الوصايا العشرة. فالوصايا، بطبيعة الحال، ليست مدنية وأخلاقية فقط ولكنها أيضا قوانين روحية.
فالمربون المُوحى إليهم و الذين ندين لهم بتراثنا الروحي أوجدوا سنناً هى التي قد أرشدت المجتمع البشري لآلاف السنين. و يسجل التاريخ بأنه من عصر إلى عصر قد تكلم المستنيرون وصبغوا الجنس البشري بوعي موسّع و نفخوا فيه معرفة إلهية أرفع. و كما قد لاحظنا، فإن خلف التنوع المذهل من السنن التي نمت فهناك يكمن أساسا مشتركا يتجلى في تعاليمهم الكونية و الأخروية واللاهوتية - تعاليم عن أصولنا، مصائرنا، وطبيعة الإلهى. و مرة أخرى يجب أن نؤكد على الوعى الحقيقى الذى منه تنبع حقوق الإنسان: فالأشكال كثيرة ولكن الجوهر واحد. وتتمحور هذه الوحدة الضمنية ببلاغة في النظم الأخلاقية لأديان مختلفة، كما في التعاليم التي تقول يجب أن نعامل الآخرين كما نرغب أنفسنا أن نُعامل، و المعروفة باسم "القاعدة الذهبية The Golden Rule" التى وُجدت في صيغ مختلفة، في ماهابهاراتا الهندوس، والتلمود اليهودي، و داديستانى دينيك الزرادشتى، و أدانا فارقا البوذى، و إنجيل القديس متى المسيحى، والحديث الشريف الإسلامي، و في الكلمات الفردوسية لحضرة بهاءالله:
"لا تفعل فى الآخرين ما لا ترغب فعله فى نفسك، و تمنى للآخرين أيضا ما ترغب فيه و ترِدْه لنفسك، فهذا كل الدهارما". - ماهابهاراتا (الهندوسية).
"ما هو مكروه لك، لا تفعله لجارك: هذا هو كل التوراة، والباقي هو التفسير." - التلمود (اليهودية).
"تلك طبيعة حسنة فقط عندما سوف لا تفعل فى آخر أى شئ سئ بالنسبة لذات نفسه." داديستانى دينيك (الزرادشتية)
"ما دام للآخرين، هو ما لكل واحد لنفسه، والنفس عزيزة، إذن دع الذي يرغب فى مصلحته الخاصة لا يضر آخراً." أودانا فارقا - - (البوذية).
"فَكُلُّ مَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بِكُمُ افْعَلُوا هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا بِهِمْ، لأَنَّ هذَا هُوَ النَّامُوسُ وَالأَنْبِيَاءُ." – إنجيل متى (المسيحية).
"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". - حديث شريف (الإسلام).
"يَا ابْنَ الإِنْسَانِ لَوْ تَكُونُ نَاظِرَاً إِلَى الْفَضْلِ ضَعْ مَا يَنْفَعُكَ وَخُذْ مَا يِنْتَفِعُ بِهِ الْعِبَادُ وَإِنْ تَكُنْ نَاظِرَاً إِلَى الْعَدْلِ اخْتَرْ لِدُونِكَ مَا تَخْتَارُهُ لِنَفْسِكَ." - الكلمات الفردوسية (البهائية).
إضافة الى أنها تُبقى على إستدامة السلوك الأخلاقي، فإن جانباً محفزاً للسلام يمتد من خلال هذه السنن العظيمة بغض النظر عن مكان ووقت نشوئها. فالقاعدة الذهبية تعبّر أيضا عن جانب من جوانب الوحدة التي هي فضيلة رئيسية للدين - الفضيلة التى بسبب رؤيتنا المتصدعة للتاريخ قد فشلنا في إعلاء قيمتها. ففي رسالة عام 1985 إلى شعوب العالم، "السلام العالمي وعد حق" إستشهد بيت العدل الأعظم مقتبساً شرح حضرة بهاءالله فى أهمية الدين كأساس لحقوق الإنسان:
"فقد كتب بهاءالله عن الدّين كعامل اجتماعيّ فعّال قائلاً: "إِنَّه السّبب الأعظم لنَظْم العالم واطمئنان من في الإمكان". وأَشار إلى أُفول شمس الدّين أو فساده بقوله: "فلو احتجب سِراج الدّين لتطرَّق الهرج والمرج وامتنع نَيِّر العدل والإنصاف عن الإشراق وشمسُ الأمن والاطمئنان عن الإِنوار." والآثار البهائيّة تُقرِّر في تَعْدادها وحَصْرها للنتائج المُترتِّبة على مثل هذا الفساد بأنَّ "انحراف الطّبيعة الإنسانيّة، وانحطاط السّلوك الإنسانيّ، وفساد النُّظُم الإنسانيّة وانهيارها، تَظْهر كلّها في مثل هذه الظّروف على أبشع صورة وأكثرها مَدْعَاةً للاشمئزاز. ففي مثل هذه الأحوال ينحطّ الخُلُق الإنسانيّ، وتتزعزع الثّقة، ويتراخى الانتظام، ويَخْرَس الضّمير، ويغيب الخجل والحياء، وتندثر الحشمة والأدب. وتعوجّ مفاهيم الواجب والتّكاتف والوفاء والإخلاص وتَخْمُد تدريجيّاً مشاعر الأمل والرّجاء، والفرح والسّرور، والأمن والسّلام".
على مدى العقود القليلة الماضية فإن معرفتنا بأديان العالم، بثرائها وتنوعها، قد نمت بشكل كبير. وقد لعب فرع المعرفة في الدين المقارن دوراً خاصا في زيادة الفهم والتعاطف مع تقاليد دينية مختلفة. و أن حقل الدين المقارن فى صراع الآن مع مسألة كيفية إستيعاب الممارسات الروحية المتباينة تماما داخل نفس الإطار العام للفهم. في الواقع، بناءاً على هذا المسعى فقد تكون الجدوى (قابلية الحياة و النمو) لأخلاقيات عالمية وممارسة حقوق الإنسان. و يجب علينا أن نفهم كيف أن الأديان تتفق فى الأساسيات الروحانية بحيث يمكن أن هذا الوعي يخدم كأساس لقانون ذى سند ديني لحقوق الإنسان. و في هذا الإستخدام، فإن "دينياً" لا تعني أي دين معين، وإنما هى توليفة من أساسيات تشترك فيها الأديان كقواسم مشتركة، مثل ما هو الحال فى القاعدة الذهبية. ويلفريد كانتويل سميث، أحد علماء الدين المقارن، يقول أننا بحاجة إلى النظر في التقاليد الروحية في العالم بطريقة جديدة. و يقترح أنه "لم يعد من الممكن فهم كل دين كنظام ثابت". و علاوة على ذلك، يلاحظ سميث أن التاريخ المتشابك للأديان، وكذلك تقارب و إلتقاء الإنسانية الحديثة في مجتمع واحد، يجعل من المرغوب فيه أن نتحدث عن تاريخ واحد للدين و الذى يوجد فيه فروعاً متعددة.
و عالِم آخر، جون هيك، أمّنَ على أن جميع الأديان في العالم تشكل طرقاً مختلفة لخبرة، و تصور، واستجابة لنفس الحقيقة النهائية: "نفس الحقيقة الإلهية النهائية هذه التى تُلمَح من وجهات نظر مختلفة، و يُعرب عنها من داخل تشكيلة غنية من ثقافاتنا البشرية. وعلينا أن نأمل بأن ما كان واضحاً جداً للعديد من العرفانيين من تقاليد مختلفة سوف يتزايد قبوله من قِبل المؤمنين العاديين، وفي نهاية المطاف من قِبل قادتنا الدينيين المهنيين و العقائديين الرسميين".
إن النظم الدينية في العالم، تتطور كما قد حدث في أوقات مختلفة وتحت ظروف متنوعة، تجسد ترانيماً عديدة ومتنوعة لإحساس الإنسانية الفطرى لمن هو المتعال. إلا أنها تشترك في الكثير، بما في ذلك التواصل التاريخي الذي أُنتجت فيه الترانيم المختلفة. وقد تم الكثير من العمل لجمع الفكر الدينى المتنوع معاً بما في ذلك الشروع في الحوارات الدينية، وبناء نماذج من التسامح، و فلاحة التسامح الديني، واعتماد أخلاقيات مشتركة لحقوق الإنسان. و هانس كونغ، بشكل مقتضب ولكن مع بلاغة غير قابلة للطعن، إلتقط أهمية التفاهم المشترك بين الأديان بهذه الصيغة: "لا يمكن أن يكون هناك سلام بين الأمم بدون سلام بين الأديان."
إن نهج العقيدة البهائية بشأن مسألة وحدة الأخلاقيات و الرؤية قد إنطوت في مفهوم تتابع الظهور التصاعدى التدريجى للأديان. فالأساس لإقامة السلام الدينى وتعزيز حقوق الإنسان هو قبول الوحدة الجوهرية لمؤسسي جميع الأديان. فكل واحد منهم هو وريث و مصدق على من سبقه و مبشر لمن يأتى من بعده. و من خلال هؤلاء الرسل، والذين ظهروا في فترات تاريخية مختلفة وفي مناطق مختلفة على الأرض، فإن الخالق الواحد الحق قد بلّغَ مشيئته و غايته للبشرية، ومنح على التوالي المزيد من فيض الحقيقة الدينية وتكفل بفهم أكمل على الدوام عن الإلهى. ولكن في جذورها و عميق جوهرها فإن الرسالات التى بلغوها هكذا هي واحدة. إنه فقط من خلال إنشاء نظام عالمي لحقوق الإنسان، يتجسد فيه فهم الحقيقة الكامنة و وحدة جميع الأديان، يمكننا أن نأمل في اقامة سلام حقيقي ودائم.
فالتحدي الماثل أمامنا هو تعزيز الظروف التي فيها كل أديان العالم يمكن حقا أن تعمل معاً في وئام أكبر، و إنسجام مع مبدأ "وحدة فى تنوع وتنوع فى وحدة." ووفقا لهذا المبدأ فقط يمكن لنظام مشترك من الحقوق والقيم أن يتطور. كما تنبأ به إنجيل القديس لوقا المسيحى: "وَيَأْتُونَ مِنَ الْمَشَارِقِ وَمِنَ الْمَغَارِبِ وَمِنَ الشِّمَالِ وَالْجَنُوبِ، وَيَتَّكِئُونَ فِي مَلَكُوتِ اللهِ."
أدرك الملهمون و المفكرون المثقفون من قرون بأن الإنسانية تتمتع بتراث روحى مشترك و الذى يمكن أن يخدم كأداة للوحدة العالمية والتعاون وحقوق الإنسان. فما هو مطلوب هو منهاج عولمى نحو الأديان، يحدد القواسم المشتركة ويرسم الأرض المشتركة. إن مثل هذا التقنين للحقائق المشتركة بين جميع الأديان يشكل قانوناً عالمياً للأخلاقيات يدمج مُجسداً كل ما هو أفضل في رحلة البشرية الروحانية. في النهاية، إن ما تم بحثه هو رؤية موحَّدة ومتكاملة للعالم والتاريخ البشري. وحدة بهذا المعنى ليست فقط سياسية وإجتماعية، أو إقتصادية، بل هي وحدة ضمير ووجدان عميقة الجذور و الأفق والمعتقد. "من قلم د. سهيل بديع بشروئى –ترجمة حامد المعلم "





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,559,333,655
- احتجاب سراج الدين وانحراف الطبيعة الإنسانية!
- تقسيم العالم بواسطة الدين كيف تم ولماذا؟3-3
- تقسيم العالم بواسطة الدين كيف تم ولماذا؟ 2-3
- تقسيم العالم بواسطة الدين كيف تم ولماذا؟1-3
- السّلامُ العَالميُّ وَعْدٌ حَقٌّ 5-5
- السّلامُ العَالميُّ وَعْدٌ حَقٌّ 4-5
- الأساس الروحانى لحقوق الإنسان - وجهة نظر بهائية
- السّلامُ العَالميُّ وَعْدٌ حَقٌّ 3-5
- السّلام العالميّ وَعْدٌ حَقٌّ 2-5
- السّلام العالميّ وَعْدٌ حَقٌّ 1-5
- خاتم النّبيّين
- نهجا الحياة
- رسالة مفتوحة من البهائيين بمصر إلى كلّ المصريّين
- صعود السيد المسيح
- التقاليد خلاف الحقيقة
- حقيقة مسألة التّناسخ التي يعتقدها بعض الملل
- في بادرة غير مسبوقة-رجل دين بارز في ايران يدعو إلى التعايش ا ...
- طلوع الشمس من مغربها
- البداء في الأديان عبر العصور والأزمان
- المرأة والرجل جناحي الحياة


المزيد.....




- المنح التعليمية بالحضارة الإسلامية.. موسيقي يرعى العلماء ومس ...
- أيتام تنظيم الدولة الإسلامية يواجهون مصيرا مجهولا
- منظمة التعاون الإسلامي تُدين اقتحام المسجد الأقصى المبارك
- -قناصة في الكنائس وأنفاق-... بماذا فوجئت القوات التركية عند ...
- مسيحيون يتظاهرون احتجاجا على غلق كنائس بالجزائر
- عضو مجلس الإفتاء بدبي: الثراء الفقهي المنقول منهل لا ينضب لك ...
- مفتي الأردن: علماء الشريعة الإسلامية وضعوا علوماً وقواعد مست ...
- رحلة لاستكشاف عالم سري أسفل كاتدرائية شهيرة
- كيف يعود أطفال تنظيم الدولة الإسلامية إلى بلدانهم؟
- 611 مستوطنا يتزعمهم وزير إسرائيلي يقتحمون المسجد الأقصى


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - راندا شوقى الحمامصى - الأساس الروحانى لحقوق الإنسان-وجهة نظر بهائية1-3