أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بتول قاسم ناصر - ثورة الرابع عشر من تموز ، إرادة شعب وإنجاز بطل















المزيد.....

ثورة الرابع عشر من تموز ، إرادة شعب وإنجاز بطل


بتول قاسم ناصر

الحوار المتمدن-العدد: 4510 - 2014 / 7 / 12 - 08:00
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ثورة الرابع عشر من تموز
إرادة شعب وانجاز بطل ..
تسعى الدراسات التي تختص بفلسفة التاريخ الى البحث عن حقيقة التاريخ وتطوره والعلل الفاعلة بذلك ودور الفرد أو الشعوب في صناعة أحداثه وتوجيه حركته وتبين أن التاريخ له غايات يتجه إليها عبر أحداثه وصراعات أطرافه والدول التي تنشأ فيه . وتختلف فلسفات التاريخ في تحديد كل هذه المسائل ، فمنها ما يرجع حركته الى البطولة الفردية، والتفسير البطولي للتاريخ قديم منذ عرف التدوين في التاريخ في بلاد اليونان ومصر والصين وبلاد ما بين النهرين . وهو يذهب الى أن الأبطال والرجال العظماء والملوك هم الذين يصنعون التاريخ وهم الذين يوجهونه ، فهؤلاء أقدر من سائر البشر على صناعة أحداثه . ويعد هيرودوت الكاتب الإغريقي صاحب أقدم كتاب في التاريخ يمجد الأعمال البطولية التي قام بها اليونانيون . ولقد استمر هذا التفسير الى العصر الحديث ومن أشهر الذين تبنوا هذا الاتجاه توماس كارليل الذي يرى أن التاريخ هو تاريخ العظماء والمبدعين وفردريك نيتشه الذي تحدث عن السوبرمان الذي يتفوق على البشر والذي هو نتاج تطور تاريخهم في الإنجاب والتوالد . ومثل هذا الاتجاه في التفسير ذهب اليه الفكر الليبرالي الرأسمالي الذي حاول أن يؤسس له أساسا فلسفيا ظل مفتقرا اليه فقدم أحد منظريه ( فوكوياما ) مفهوم ( التيموس) أي الميول النفسية الطامحة الى تأكيد الذات وانتزاع اعتراف الآخرين بها ، وهذا الجانب (الرغبة الذاتية ) هو الذي يحرك النفس والتاريخ والمجتمع الى اختيار نظام سياسي واقتصادي معين هو الليبرالية الرأسمالية . ومن فلسفات التاريخ ما يرجع حركته الى الفكر الكلي الذي يوجهها كما لدى هيجل ، وهو يوجهها عن طريق أبطال التاريخ الذين يدركون حاجات المرحلة التاريخية التي يمرون بها ويحولون ما يجب أن يكون في أذهانهم الى ما هو كائن . هؤلاء يرتبطون بالفكر أو الروح الكلي وهم أقدر على التعبير عنه وتجسيده كما يذهب هيجل . ومع أن جميع الناس يساهمون من خلال إشباع حاجاتهم الشخصية البسيطة في تقدم الفكر الكلي المطلق نحو غاياته وتطوير حركة التاريخ إلا أن الأبطال أشخاص استثنائيون فهم أقرب الى المطلق وأقدر على تطويع التاريخ ليسير موازيا لغاياته الكلية . وهؤلاء على العكس من الذين يقهرونه لتحقيق رغبات أنانية وشخصية مريضة وقد عرف منهم التاريخ حديثا النازيين والفاشيين والامبرياليين وهم يمثلون كوابح لحركة الفكر الكلي . أما الصنف الأول فهم أدواته التي يختارها بدهاء ليأتي بها في مراحل مفصلية تنقل التاريخ نقلات نوعية تقربه من غاياته . وهؤلاء يعبر عنهم الفكر الإسلامي بأنهم خلفاء الله في الأرض الذين أخذ عهدهم بأن يقيموا مبادئه وعدله وقيمه العليا ، أي أن يجلوا أخلاق الله وصفاته في الأرض وهؤلاء هم الأنبياء والشهداء والصالحون . فالفكر الإسلامي يلتقي مع الفكر الهيجلي بأن حركة التاريخ عبارة عن علاقة جدلية بين الكلي المطلق وبين الذين يستوعبونه ويحولونه أو يحولون صفاته وأخلاقه الى واقع تاريخي مع اختلاف في تقدير الكلي . وقد عبر الفكر الإسلامي بالإنسان الخليفة أو الإنسان الكامل وهو فكرة موجودة في الأديان الأخرى كما وجدت في الفلسفات والأفكار المختلفة التي مجدت البطل والإنسان المتفوق كما لدى كارليل ونيتشه . وباختلاف عن هذا الاتجاه البطولي الفردي في التفسير فإن من هذه الفلسفات ما يرجع هذه الحركة الى التناقضات الطبقية وصراع الطبقات الذي هو نتاج تطور قوى الإنتاج والعوامل الاقتصادية كما تذهب الفلسفة الماركسية . يعد ماركس التاريخ تاريخ صراع الطبقات الاجتماعية فلم يعد صحيحا القول إن ما يحرك التاريخ هو الفكر الكلي المجرد أو أعمال الملوك والأمراء أو الأفراد المتفوقون . فالتاريخ هو تاريخ التطور الاجتماعي وصعود طبقات دون أخرى ، وهذا ما خالف فيه هيجل الذي يرى أنه يتطور من خلال أبطال التاريخ الذين يستلهمون الفكر الكلي المطلق في أعمالهم الساعية الى التغيير. وقد وقف بعض المؤرخين موقفا موفقا بين تفسير ماركس والتفسير الفردي البطولي ومنهم جورج لوكاش الفيلسوف والمنظر السياسي و الاجتماعي الذي لم يكن ماركسيا تقليديا بل ماركسي مشاكس سبح ضد التيار ، فالشعب وطبقاته الاجتماعية يمتلك وعيا ثوريا حقيقيا لكنه بدرجات مختلفة ، وقد يكون وعيا بدائيا ولذا فإنه يحتاج الى توجيه وإرشاد من جانب (الطليعة) الثورية ويجب قيادته وإخضاعه للعمل الثوري . وهذه الطليعة لا يشترط أن تكون قوة طبقية كما تذهب الماركسية ، وتحرر هذه الطليعة إنما هو مسؤوليتها وحدها. فالفرد لا يذوب في الحركة التاريخية والذات الفردية قادرة على وعي الوضع التاريخي الموجودة فيه وتحديد كيفية التحرك وفقا للقراءة الخاصة لها . وقبل ان تكون هذه الذات ملحقة بالتاريخ وناتجة عنه تصبح داخله ، الماركسية لاحظت الضرورة وحدها ولوكاش لاحظ الحرية في إطار الضرورة وهذا هو الصحيح .. إن التحولات التاريخية إنما هي نتاج فعل مشترك للشعب ولأبطاله القادرين على انجازها واستيعاب ما تحتاج اليه .
إن ظاهرة البطولة مثيرة للجدل على مر العصور وقد اختلف المفكرون في تقديرها فذهبوا الى أن قيمتها وأهميتها تختلف باختلاف الأزمنة وباختلاف المراحل التاريخية التي تحتاج اليها . ففي المراحل التاريخية التي تنسد فيها السبل أمام الشعوب ويشتد اليأس وتفد قدرتها على إنقاذ نفسها مما هي فيه تصبح في حالة انتظار للبطل المنقذ والمخلص المنتظر وهذه حالة نفسية يمر بها الأفراد كما تمر بها الجماعات في غمرة يأسها من الواقع ، وهي الحال التي كان يمر بها العراق وهو واقع تحت الاستعمار، كما كانت تمر بها الدول الخاضعة له . فهؤلاء الأبطال هم القادرون على تحقيق هذه الانجازات المتفوقة والنتائج المذهلة ولديهم شجاعة مذهلة وقوة خارقة ويستطيعون أن يختزلوا الزمان ويحققوا لأممهم ما لم تستطع أن تفعله في أمد طويل . وبالقدرة نفسها يستطيع البطل أن يشد الناس اليه ويجعلهم يؤمنون به وبأنه المدافع عنهم . والشعب العراقي كان في انتظار هذا البطل فقد سبقت ثورة الزعيم عبد الكريم قاسم ثورات جماهيرية وعسكرية للإطاحة بالحكم المرتبط بالاستعمار ولكنها قمعت بسبب قوة المستعمر وقسوته . كان الاستعمار يحكم الشعب بالقوة والقهر ويفرض إرادته عليه وكانت العامة والضعفاء يعانون في ظل دمار وخراب اقتصادي . ولم تكن ثورة تموز بعيدة عن الشعب صحيح أنها بقيادة طليعة ثورية لا تنتمي الى الطبقات المستضعفة والمسحوقة إلا انها متحررة من انتماءاتها الطبقية وهي تنحاز الى هذه الطبقات التي تعاني من الظلم . وتحرر هذه الطليعة إنما هو لانتمائها الفكري والأخلاقي الى هذه الطبقات والى الوطن المكبل مع أن المصالح الشخصية والطبقية لهذه الطليعة كانت تقتضي غير هذا الانحياز ، وهذا أحد الإشكالات النظرية التي وجهت الى الماركسية . لقد وقف مدونو التاريخ طويلا أمام ظاهرة انحياز بطل ثورة تموز الى الفقراء والمستضعفين وكأنهم غايته الكبرى . لقد تجاوز وعيه الطبقي إن كان صحيحا رأي من ينسبه الى البرجوازية الوطنية والتي تنعت بالمتذبذبة . كانت ثورة الرابع عشر من تموز ثورة شعب أنجزها فرد من معدن هذا الشعب وهو ثمرة صبره ومحاولاته الدائبة الساعية للحرية . وهكذا كان انطلاق طلائع الجيش العراقي بقيادة الزعيم بإسناد من الشعب والقوى الوطنية المؤتلفة في جبهة الاتحاد الوطني . لقد أنجزت هذه الانطلاقة تخطيطا وتنفيذا بوساطة القادة العراقيين وبمساندة شعبهم دون علم أي من الجهات الأجنبية مما فاجأ قوى الاستعمار وأذهلها ودفعها لتحريك جيوشها الى داخل المنطقة العربية. وكان تأييد وحماس الجماهير الشعبية لثورة 14 من تموز أبرز ظاهرة فرضت حقيقتها منذ الساعات الأولى للثورة مساندة بذلك القوة العسكرية المحدودة نسبيا وقليلة التجهيز بالعتاد والتسليح والتي نجحت في الإطاحة بالحكم الملكي . لقد انطلقت الجماهير في عموم أنحاء العراق وبصورة خاصة في العاصمة بغداد وكان التأييد العارم من جماهير الشعب وقطعات الجيش خلال الساعات الأولى للثورة العامل الرئيس في هذا النجاح فلقد انطلقت بمعية هتافات وإسناد أوسع الجماهير الشعبية مما أرعب الأعداء والطامعين الأجانب . وفضلا عن هذه الفعاليات الجماهيرية شاركت الجماهير في الكشف وإلقاء القبض على أعمدة النظام الملكي من السياسيين والعسكريين المعادين للثورة . ولربما كان أهم إسهاماتها شل حركة مسؤولي النظام البائد من العسكريين والمدنيين الذين كانوا يملكون القرار في مراكز القوة مما أدى الى عدم إراقة الدماء وكذلك عدم تجرؤ أطراف حلف بغداد والأردن في التدخل العسكري بهدف إسقاط الثورة . و كانت هذه الخيارات مطروحة على هذه الأطراف فعلا . ولهذا نجحت الثورة وتمكنت من السيطرة التامة على العراق في اليوم الأول لها . (ينظر: ثورة العراق المجيدة 14 تموز 1958 والرهان على العسكر ) .
هناك من يهون من شأن القائد البطل والمبادرة الثورية ويعلل ذلك بكراهة العنف الناتج عن الفعل الثوري والعسكري ولا يحبذ تحركات الجيوش بحجة أن التحول كان يمكن أن ينجز ديمقراطيا. وهذا غير صحيح لأن ما كان يوجد من مظاهر الديمقراطية في العهد الملكي إنما هي ديمقراطية مزيفة من صنع الاستعمار لذلك كان لابد من فعل ثوري عسكري لأنها الطريقة الوحيدة لإزالة تلك الأنظمة التي يتلفع بها الاستعمار . والحقيقة أن لكل زمان ومرحلة تاريخية طريقة في التعامل مع الأحداث ولكل زمان رجاله الذين هم أقدر على فهم طريقة التغيير . فتلك المرحلة كان الاستعمار يخيم فيها على الشعوب وكانت مرحلة تحول تاريخي ، مرحلة حركات التحرر الوطني من الاستعمار وقد اقترنت بأسماء قادة هذه الحركات الذين قادوا شعوبهم نحو النصر والتحرر . تلك المرحلة كانت تقتضي الثورات العسكرية لأن الاستعمار كان احتلالا عسكريا مباشرا فردة الفعل الثورية يجب أن تكون من نوع الفعل العدواني ولا يمكن أن يزاح الاستعمار إزاحة جذرية إلا بهذا الفعل الثوري العسكري ، وهذه الحقيقة أدركها الزعيم عبد الكريم قاسم ودفعته الى أن يبدل اختصاصه من معلم للغة الانجليزية الى ضابط في الجيش لأن تحرير بلاده من الاستعمار الغاشم والوقوف مع جماهير الشعب المتعبة هو الهاجس الذي كان يسكنه . إن طبيعة المرحلة تحدد طبيعة فعل القادة وخصائص معالجتهم للأمور . وهذه الطبيعة يدركها القادة الإستثنائيون الذين يمثلون استجابة لنداء التاريخ والضمير الحي البطل . إن ما يميز بطولة عبد الكريم قاسم عن القادة التاريخيين الذين أنجزوا مثله عملية تحرير شعوبهم أنه يتمتع بكاريزما وتأثير قوي على الشعب العراقي لم يتمتع بها غيره ، فبعض اؤلئك القادة تحولوا الى طغاة استبدوا بالحكم واستأثروا وقمعوا شعوبهم . ومع أن هناك من ينعت الزعيم بالطغيان والدكتاتورية فهذا ما لايمت الى شخصه بصلة . صحيح أن الحكومة الثورية كانت تتمتع بصلاحيات استثنائية بسبب الأوضاع الطارئة وحالة الضرورة وكان من المفترض أن تتغير وتنتفي هذه الصلاحيات بانتفاء دواعيها وتعود الدولة الى وضعها الدستوري . إلا أن مرحلة التحرر من الاستعمار والأوضاع والمشكلات الضخمة التي خلقها هو وأذنابه كانت تحتم قيام سلطة مركزية تركز الصلاحيات بيد الحكومة بسبب استمرار التهديد الاستعماري الخارجي والتهديد الداخلي من الذين ارتبطت مصالحهم به . وبعض الشعوب كانت تضطر الى التنازل عن حقها الدستوري وتقبل بحصر الصلاحيات بيد السلطة القائمة في سبيل انجاز مشروعها الوطني السياسي والاجتماعي والاقتصادي ، مع أن الشعب العراقي لم يجد نفسه مضطرا بل كان يجد نفسه ممثلا في هذا الحكم وفي شخص الحاكم . ولم يكن الزعيم يخشى النظام الديمقراطي الذي يعتمد على أصوات الناخبين بل كان يمكن أن يحرزها جميعا لصالحه لو أقيمت انتخابات ديمقراطية ، ولكن المصلحة وضرورة المرحلة كانت تتطلب هذا النوع من الحكم واستمرار حالة تركيز السلطات في قبضة الحكومة لأن المشكلات القائمة والتحديات الكبيرة مما يعجز النظام الديمقراطي - بتقاليده واجراءاته غير العاجلة وتشتت القرار في مؤسساته - عن حلها والوقوف بوجهها . كان هذا الوضع مؤقتا فهي حكومة مؤقتة ريثما تضع الدستور الدائم للبلاد الذي يلبي مطامح الشعب الى الديمقراطية وهذا ما أثبتته وثيقة نشرتها بعض الصحف تمثل آخر لقاء أجرته مع الزعيم صحيفة لوموند الفرنسية قبل بضعة أيام من استشهاده ونشرتها على الصفحة الأولى في ( 5 شباط ،1963) يتعهد علنا للشعب العراقي بأن يشهد عام 1963 ولادة الجمعية الوطنية العراقية وبأن يعهد الى لجنة من الخبراء في نهاية شهر شباط بوضع دستور دائم وقانون انتخابي جديد . فكيف يمكن وصفه بالدكتاتورية ، كيف يمكن أن يتصف بالدكتاتورية من جند نفسه لمقاومة الطغيان ؟ ، صحيح ان البطولة قد تمهد للطغيان وقد يؤسس عليها الطغيان الا لدى أبطال المثل العليا والزعيم واحد منهم .. الدكتاتور هو من يراعي مصالحه وأهواءه أكثر مما يراعي مصالح شعبه ، والدكتاتور هو من يقمع معارضيه ويطلب ولاء شعبه بالقوة وليس هذا فعل الزعيم فلقد أطلق الحريات العامة وأتاح مساحة واسعة ليتحرك فيها حتى أعداء الثورة . إن الذي ارتكب ذلك هم الذين اغتالوه ولم ننس ما كان يفعله النظام السابق من إجبار الناس على تقديم الولاء والطاعة وإدامة ذلك وسحق خصومه وملاحقة من يشتبه بهم بالسجن والتصفيات السياسية الشنيعة . لقد ضمن الزعيم ولاء الناس عبر محبتهم له وملك عليهم قلوبهم حتى جنوا بهواه ، ولقد احتاجت القوى الاستعمارية التي جاءت بحزب البعث وقادته ومنهم الطاغية صدام الى حجب ذكراه مدة طويلة عن ذاكرة الشعب لكي ينساه وغيبت قبره عنهم لكي لا يصبح مزارا يستلهمون منه الشجاعة والثورة على الطغيان والتسلط الأجنبي كلما عادا الى الظهور .. لم يتسلط عليه حقد كما لدى الطغاة فلم يسحق خصومه ولم يعمد الى إذلالهم وكان رحيما حتى بأعدائه ومن حاول قتله ، ولو كان فظا غليظا ومنتقما جبارا لما استطاع المتآمرون والقوى التي ورائهم تنفيذ مؤامراتهم . وكان تسامحه وتركهم يمارسون نشاطاتهم هو الذي مكنهم من الانقلاب الغاشم على الثورة . لقد أعد الزعيم نفسه وأتقن إعدادها لتمارس هذا الدور أو إذا شئنا قلنا أعده الدهاء التاريخي كما يعبر هيجل بحكمة ودقة ليمارس دوره العظيم ، أوأعده التدبير الإلهي لذلك كما يعبر المؤمنون . لقد أجاد إعداد نفسه وسياستها ولم يتبع هواه ولم يراع نفسه إلا في أمر واحد هو إنقاذ الناس والإحسان الى الفقراء والمستضعفين منهم والارتقاء بحالهم .. كان ثائرا زاهدا ، وتلك صفة قلما تكون إلا لدى الأنبياء والمقربين من الله . وكان شجاعا غلب الخوف الذي يعتري الأبطال الذين يفكرون بالإقدام على هذا الفعل الثوري الخطير ، وكان مقداما لم يراوده تردد من الإقدام على هذه التجربة مع أنها تحتمل الفشل ومع أن ضمانات النجاح قليلة في ظل نظام استعماري غاشم يرى العراق من حصته ، الا أن شجاعته واستصغاره لعدوه جعله لا يرى غير النجاح فقرر أن ينتزعه من كف الشيطان . إن البطولة تهون لديها الصعاب ولهذا استحق أن يكون في نظر شعبه ( البطل الأوحد ) . وهذه البطولة تصور لشعب أحاط به زعيمه ولبطل الشعبي ليس فردا إنما شعب في فرد ، شعب يجد نفسه قد اختزلت في فرد ، فالحكم ليس فرديا كما يصوره الأعداء . لم يبن اسطورة مزيفة حول نفسه كما فعل صدام وغيره من سراق الثورات ومفتعلي البطولات بل بناها له الشعب والشعوب لا تمنحها الا لقلة من الاستثنائيين المخلصين والعباقرة والمبدعين . لقد كان معجزة العراق ، ولهذا لم تفلح كل محاولات التشويه التي حاولت أن تؤثر على أثره في نفوس الناس .. مثل كل الفضائل فكان روحا مفعما بالمبادىء وقوة عارمة ضد قوى الشر .. إنه رجل المهمات الصعبة قضى على ما نسجته في سنين طويلة مظلمة أيدي الاستعمار وخونة الوطن فحفظت له الجماهير هذا الفعل وظل له حضوره في قلوب وعقول الناس يتخذونه قدوة لهم ومثلا أعلى في أية مواجهة مع قوى الظلام .. العراق هواه وولعه ، وكان الموت عنده سهلا على درب محبة العراق ، وعندما استعد للموت كان العراق والفقراء آخر كلماته .. وكان استشهاده وصية لمحبيه أن لايقصروا في البذل إذا نادى العراق ، تلك الشهادة أصبحت رمز الشهادات والبطولات وبقيت تلهم الأجيال على امتداد الوطن والتاريخ ، الشهادة التي هي وعد بالانتصار .






كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,565,350,621
- الحياة الخلوية : أي المركبات العضوية فيها أسبق في الوجود
- المرأة : سر ظهور الخلق
- الحزب الشيوعي والانتخابات
- دعوة متكررة الى مشروع ثقافي لإنقاذ العراق
- من ذكريات 8شباط الأسود - جارتنا أم عباس -
- تداخل الأجناس الأدبية في (المقاصة) / أبو هريرة وكوجكا - انمو ...
- مع الفلاسفة الإلهيين في استنباط القانون المطلق
- دفاع عن هيجل
- دور المرأة في تحقيق الوفاق والتلاحم الوطني
- الفلسفة التربوية وأهدافها ومناهجها - رأي في بعض ما يكتب فيها ...
- التشريعات الثقافية
- منظمات المجتمع المدني والسيادة الوطنية
- الفدرالية ومخاوف التقسيم ..
- نحو فهم صحيح للدين : اعرف الدين تعرف أهله ..
- الحوار المتمدن ..
- حول موقف الشيوعي من قضية الدين - الموقف الرائد
- الشيوعية والدين _ دعوة الى المراجعة النظرية _
- قانون الأحزاب ، ارتفاع بالولاء الوطني ..
- دعوات( نهاية المثقف) وحاجة المرحلة التاريخية
- في ذكرى الزعيم والثورة


المزيد.....




- نزيلة تخاطر بحياتها من أجل -سيلفي-.. وشركة رحلات بحرية تمنعه ...
- للمرة الأولى.. إثوبيا تفتتح قصر إمبراطوري -سري- منذ آلاف الس ...
- سوريا: قافلة تغادر مدينة رأس العين وعلى متنها جرحى ومقاتلين ...
- بقي من الزمن ساعات على "الكلام الآخر" لسعد الحريري ...
- لبنان: هل ارتفع سقف الاحتجاجات للمطالبة بتغيير جذري للنظام؟ ...
- بقي من الزمن ساعات على "الكلام الآخر" لسعد الحريري ...
- جائعون وينامون تحت الشجر.. قوات معارضة تغادر معسكرات التدريب ...
- تصعيد جديد عبر خط السيطرة بكشمير.. قتلى في قصف متبادل بين ال ...
- الفن بوابة البيت الأبيض.. نجوم في سباق الرئاسة
- -سئمت الخوف-.. متحجبات فرنسيات يتحدثن


المزيد.....

- ابراهيم فتحى – فى الإستراتيجية والتكتيك ، والموقف من الحركة ... / سعيد العليمى
- ابراهيم فتحى – فى الإستراتيجية والتكتيك ، والموقف من الحركة ... / سعيد العليمى
- معاهدة باريس / أفنان القاسم
- كانطية الجماهير / فتحي المسكيني
- مقتطفات من كتاب الثورات والنضال بوسائل اللاعنف / يقظان التقي
- يا أمريكا أريد أن أكون ملكًا للأردن وفلسطين! النص الكامل / أفنان القاسم
- ماينبغي تعلمه! / كورش مدرسي
- مصطفى الهود/ مشاء / مصطفى الهود
- قصة الصراع بين الحرية والاستبداد بجمهورية البندقية / المصطفى حميمو
- هل من حلول عملية لمحنة قوى التيار الديمقراطي في العراق؟ / كاظم حبيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بتول قاسم ناصر - ثورة الرابع عشر من تموز ، إرادة شعب وإنجاز بطل