أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - خالد صبيح - في فضائل الانتحار/ كلام في السياسة















المزيد.....

في فضائل الانتحار/ كلام في السياسة


خالد صبيح
الحوار المتمدن-العدد: 4506 - 2014 / 7 / 8 - 22:51
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


في سنواته الاخيرة أُصيب الكاتب السويدي المعروف (ولهلم موبيري) بحالة تسمى في علم النفس بـ (عسر الكتابة) وهي حالة نفسية تلم بالكتّاب نتيجة مايسمى بـ(قلق الاداء) او (فقدان الإلهام)، ولهذه الحالة صلة تبادلية بأمراض الكآبة التي تأتي عادة من ضغوط البيئة او من تغيرات هرمونية في دماغ الانسان.

كان (موبيري) قد كتب اخر اعماله الناجحة في عام1967، وبعدما اخفق في تحقيق النجاح عند محاولته كتابة تاريخ السويد من وجهة نظر فقراء المجتمع ومهمشيه، أقدم في عام 1973 على الانتحار بإغراق نفسه في بحيرة قرب بيته لأنه لم يعد يستطيع احتمال الحياة مع عجزه عن الكتابة الابداعية.

(لم أعد أحتمل أكثر)

هذا ماختم به رسالته القصيرة لزوجته قبيل انتحاره التي ابتدأها بالقول:

( الساعة الان السابعة وعشرون دقيقة، انا ذاهب للبحيرة لأبحث عن نومة أبدية، أعذريني، لم أعد أحتمل أكثر).

حالات الإنتحار شيء معروف بين المشاهير يسببها غالبا الاحساس بالفراغ والوحشة اللذان يولدان تلقائيا بعد حالات النشوة الفائقة التي تجلبها الشهرة والنجاح والاهتمام الاجتماعي الذي يحيط بالشخص، وعندما يتراجع الاهتمام وتضمحل الشهرة يستولي على المرء شعور من الاحباط واليأس يفضي بدوره الى الكآبة التي تدفع بعض الاحيان الى الإنتحار. بطبيعة الحال هناك استعدادات ذاتية فطرية لدى المنتحر تتفاعل مع العوامل الخارجية وتؤدي الى مآلات اليأس والإنتحار، بمعنى ان ما أشرت إليه من دوافع ومسببات للانتحار ليس حالة مطلقة قابلة للحدوث والتكرار في كل الظروف والأوقات.

كثيرون يعتبرون فكرة الانتحار جذابة وموقفا جريئا يعبر فيه المرء عن موقفه الرافض لشرور الدنيا، وأنها تجسيدٌ فائقٌ للحرية الفردية، لما تترجمه من قدرة على التحكم بالجسد، الملكية الشخصية الصرفة الوحيدة للانسان. وربما يعبر المنتحر بموقفه عن ادانة للحياة ولمن يبقى فيها محتملا جرعات القهر والاضطهاد واللاعدل التي تعبث بها. بينما على الجانب الاخر هناك من يؤاخذون المنتحر ويدينونه لانه ضَعف أمام صعوبات الحياة، التي هي صراع أبدي في نظرهم، وإنسحب منها وأثبت بإنتحاره فشله وعدم جدارته بها.

لا أريد ولا استطيع الخوض في مسالك فكرة الانتحار المتشعبة والشائكة، ففيها الكثير مما يمكن قوله، ولكني اعتقد أن موقف المنتحر فيه تناقض ظاهر، حيث يكمن فيه شيء من المعنين الشائعين عنه، فيه الجرأة والجبن، إن صحت التسمية، في آن واحد. فهو من ناحية ضعف أو جبن كما يروق للبعض توصيفه، وهو في ذات الوقت سلوك وموقف ينطوي على جراة وشجاعة، بمعنى أن المنتحر يكون جبانا حين يتخذ قراره بالانتحار، لما للانتحار من ميل سلبي وإنسحابي، لكنه يتحلى بالجراة والشجاعة عند تنفيذه لقراره.

بالتأكيد كان أمام الاديب السويدي الشهير، وأي منتحر آخر، سواء كان شخصية معروفة او غير ذلك، خيارات اخرى غير الانتحار، منها ان يكتفي بما توصل اليه من إنجاز ويقبل بما إنتهى اليه من إخفاق وذبول للموهبة وإنعدام القدرة على العطاء، ويعيش الحياة مستمدا طاقته على احتمالها من مجد غابر أو بغيره، أو أن يكابر ويعتبر نفسه مازال قادرا على الإبداع ويحاول أن يخدع الجمهور ونفسه بالإدعاء أو بالتشبث بأمجاد ماضيه وعندها يعّرض شخصه وتاريخه وانجازه الى الابتذال وفقدان القيمة والأهمية وربما السخرية. لكن (موبيري) لم يختر أي من ألخيارين الآخريَن لأنه ببساطة لم يكن (أحمر ألخدين!!).

لا أقول أن خيار الإنتحار هو أفضل الخيارات لكنه بالتأكيد اشجعها والوصول اليه يتطلب عمق وحساسية أخلاقية رفيعة.

إذا كان ماسبق يصدق على الافراد من البشر فماذا عن الكيانات الاجتماعية؟ حزب سياسي مثلا؟

هل يحق لحزب ما أن يبقى متشبثا بماض (مجيد) إضمحل ولم يبق له منه غير الذكرى؟ هل يجيز لنفسه الاكتفاء يالتغني بماضيه (الجميل) كمغنية هرمة سرق منها الزمن مجدها وجمالها؟

تناسل الاسئلة عادة رديئة، لأتوقف عن طرحها إذن.

أقول، رغم ما يحيط بالإنتحار من نظرة سلبية إلا أنه في مواقف وظروف كثيرة يكون خيارا مشرّفا، لاسيما في عالمي السياسة و الحرب، لهذا يمكن القول إن على أي حزب سياسي يجد نفسه في منعطف الموت والتلاشي ان يتحلى بالجرأة على إتخاذ الخطوة الشجاعة والحاسمة، مثلما يفعل من يحترم نفسه من البشر، بقبول فكرة (الانتحار المجازي) ويحل نفسه بنفسه، وبهكذا موقف سيبقي على تاريخه زاهيا غير ملوث، ويبقي إسمه في ذاكرتيّ التاريخ والناس مخضبا بأريج ماضيه البطولي الذي هو كل ماتبقى له من سيرته.

التاريخ عبء، وتاريخ اي حزب سياسي ذو ماض باهر هو عبء عليه، فان لم يستطع احتمال مايترتب عن اعباء هذا التاريخ فعليه، في أهون الشرور، ان يقوم بحفظه وصيانته من التلوث بادران البراغماتية والانتهازية والنفعية السياسية. اقول حين يعجز هذا الحزب، لاي سبب كان، عن الاستمرار في مابدأه أسلافه، ولا يستطيع مواصلة ذات الخط ولا تقديم نفس مستوى الانجاز فمن الأفضل له وللمجتمع وللتاريخ، وصونا لكرامة من بقي فيه، وحفظا لتاريخه ومكانته التاريخية، أن يُقدِم على حل نفسهّ.

وبظني ان هذا الخيار أفضل له بكثير من واقع انزوائه في هامش الحياة يتلقى الصدقات من أعوان مفترضين يضعونه لدوافع انتهازية نفعية في (متن) حياة سياسية موبوءة. أليس من الافضل لهذا الحزب العاجز أن يضع نقطة بارزة في نهاية سطور تاريخه، لحفظ ماء الوجه وصون الأمانة التاريخية، التي لم يعد قادرا على صونها، والحفاظ على ماتبقى له من سمعة محترمة بدل العبث بكيانه وتحويله الى صدى أجوف للاخرين في الحياة السياسية؟ اليس حل هذا الحزب لنفسه أكرم له من البقاء صدى باهت للاخرين ومهمشا كمومياء محنطة لاتسر رؤيتها نظر احد؟

أعرف ان الامر صعب على من اعنيهم، لاسيما المحنطين منهم، لكن المثل يقول وجع ساعة ولا كل ساعة. لذا سيحتمل المتشبثون باوهام التاريخ العريق ألم فراقهم لمحبوبهم وسيعتادون، مع الأيام، واقع أنهم ماعادوا يجدون بين ايديهم مايتوهمون قدسيته ويقدسونه ويحاربون الدنيا، بشراسة ضفدعة، دفاعا عن وهمهم الساذج، مجرّمين كل من يقول لهم أن هيكلهم المقدس قد أفل نجمه وصار أمر مواراته تراب التاريخ أمرا نافعا له ولهم. فقد شاخ كما شاخوا هم وهنَّ. وحين يدرك هؤلاء ان للواقع أحكامه القاسية، سوف يتركون عنادهم، ويقتنعون، في لحظة مليئة بالعواطف الجياشة، أن القاعدة الرخوة التي تسند أوهامهم وتقدم لهم توازنا نفسيا زائفا ماعادت بقادرة على البقاء زمنا أطول لتمدهم بالوهم. وسيدركون أن تفرقهم في أصقاع الدنيا أمرا صحيا لهم ولكيانهم المحبوب بدلا من تكلسهم، يعانون صرعات التثاؤب الضجرة، داخل ما يسمونه تنظيما حزبيا يدور في دائرة بيروقراطية شكلية فارغة مشحونة اجواؤها بالعطالة والخواء.

سوف يبكي لبعض الوقت أكثر الواهمين وهما، إثر إسدال الستار على أقدم مسرحية جميلة عاشها تاريخ العراق المعاصر، ثم يرضخون لمنطق الحياة ويدفنون (ميتهم) ويعودون صامتين حزانى ليمارسوا عادتهم القديمة الاثيرة في ملء الفراغ بالفراغ.







رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- حرب التقسيم
- ألأمهات مستودع الحكمة
- تكفيريو اليسار
- بوابات الماضي
- هوى التقسيم
- بارزان 1984
- البعث (العديوي)
- من يقرر صواب المواقف؟
- لمحة قصيرة عن تشكل رابطة الانصار الشيوعيين العراقيين
- للعراق رب يحميه
- ألإخوان يفترسون
- طقوس عاشوراء
- ماذا لو...
- لماذا يعترفون؟!!
- بورترية: علي العسكري.
- معادلة النزاهة والسلطة
- سروال المغاوجة ومحنة دكتور فارس
- أصوليتان تتصارعان ضحيتهما التاريخ
- حماية الديمقراطية في بلدان الربيع العربي
- مغالطة


المزيد.....




- إعصار لان يضرب اليابان.. شاهد الدمار
- أمير الكويت: الأزمة الخليجية قد تتفاقم والتاريخ لن يغفر انهي ...
- أمير الكويت محذرا من انهيار مجلس التعاون الخليجي: الأجيال لن ...
- الرموز التعبيرية بآيفون إكس تضع آبل أمام القضاء
- أحمد قذاف الدم: القذافي كان ينام في فندق 1000 نجمة!
- حاكم دبي يرصد مليون دولار لأفضل مبرمج عربي
- فرنسا تبحث مبيعات طائرات رافال جديدة مع مصر
- مسلمو كيبيك ينتقدون قانون حظر تغطية الوجه في الإقليم
- رسمة ترامب تباع في مزاد ب 16 ألف دولار
- مجموعات حقوقية :يجب الإفراج عن إبراهيم متولي فورًا والتوقف ع ...


المزيد.....

- قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العر ... / عزيز محمد
- رؤية الحزب لمشروع التغيير .. نحو دولة مدنية ديمقراطية اتحادي ... / الحزب الشيوعي العراقي
- نقاش مفتوح حول اللبرالية واللبرالية الجديدة وواقع العراق؟ ال ... / كاظم حبيب
- مبادرة «التغيير نحو الإصلاح الشامل» في العراق / اللجنة التحضيرية للمبادرة
- القبائل العربية وتطور العراق / عصمت موجد الشعلان
- تحليل الواقع السياسي والإجتماعي والثقافي في العراق ضمن إطار ... / كامل كاظم العضاض
- الأزمة العراقية الراهنة: الطائفية، الأقاليم، الدولة / عبد الحسين شعبان
- من تاريخ الكفاح المسلح لانصار الحزب الشيوعي العراقي (١ ... / فيصل الفوادي
- عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي - الجزء الاول / عزيز سباهي
- الأمن والدين ونوع الجنس في محافظة نينوى، العراق / ئالا علي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - خالد صبيح - في فضائل الانتحار/ كلام في السياسة