أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - صبري المقدسي - البروتستنتية من الوجهة النظر الكاثوليكية















المزيد.....



البروتستنتية من الوجهة النظر الكاثوليكية


صبري المقدسي

الحوار المتمدن-العدد: 4500 - 2014 / 7 / 2 - 11:26
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    



البروتستنتية
من الوجهة النظر الكاثوليكية



تأليف
الدكتور: سيبريان بلاميريس
ترجمة: صبري المقدسي


2013
مؤسسة الحقيقة الكاثوليكية - منشورات الكرسي الرسولي






















مقدمة المُترجم
لم تشك الكنيسة الكاثوليكية أبداً، بأنها قد تُفهم خطأً من قبل العديد من الناس بالطريقة، التي تَعرض لهم الأسرار. ولم تؤمن الكنيسة أيضاً، بأن الممارسة الميكانيكية للطقوس، كافية للخلاص. إذ كانت الأسرار بالنسبة لجميع القديسين الكاثوليك، نقطة البداية للنمو في الإيمان، والحب ليسوع المسيح، ولكنها لم تكن كل شىء، بالنسبة لهم على الأطلاق.
وتنظر الكنيسة الكاثوليكية إلى الإيمان بكونهِ موحىً به إلهياً، من قبل المسيح للرسل، ومن خلالهم للكنيسة. ولذلك لم تُفكر الكنيسة يوماً بالعودة الى الوراء، أو بالعودة إلى الجذور، كما فعلت وتفعل، الحركات البروتستانتية، لأن الإيمان بحسب الكاثوليكية، يُعدّ كنزاً ثميناً لا ينضب، يحتوي على كل الكنوز الروحية الثمينة ولكل الأجيال. وتَرى الكنيسة كذلك، أن الموروث الألهي، الذي أعطي للرسل وخلفاءهم في القرون المسيحية الأولى (أيام الكنيسة الناشئة)، هو كنزٌ روحيٌ حاضرٌ للإكتشاف والتمتع به في كل وقت، ولكل جيل. فكُل جيل ينهل القليل من ذلك الكنز الأصيل والنقي.
فالسؤال الذي نضطر إلى طرحه، ما هي الرسالة الإلهية الأصيلة، التي أكتشفها البروتستانتيون، الذين يرون أنفسهم يُبَشرون بها، ويُدافعون عنها في العالم اليوم؟! إذ يجتمع أتباع البروتستانتية على اختلاف طوائفهم على فكرة "مارتن لوثر"، القائلة بأن خلاص الإنسان، لا يعتمد بأي شكل من الأشكال على استحقاقاتهِ، بل على النعمة التي يمنحها الله لمن يَشاء. فالبروتستانتية، تتَمَحْوَر إذن، في مُجملها على هذه الجزئية، إذ تُشدد على معارضة الكاثوليكية، ولا سيّما في تأكيدها على دور الإنسان المُهم في الخلاص. ولكن البروتستانتيون يَرون في هذا المفهوم الكاثوليكي، إنتقاصاً من قيمة ذبيحة المسيح، وإعلاءً من شأن حرية الإنسان الخاطئ.
وقد أثارت قضية الإصلاح في الكنيسة الكاثوليكية في عهد "مارتن لوثر"، جدلاً واسعاً في الكنيسة، التي إضطرت إلى إصدار قرار الحرم ضده وضد أتباعه. ويبرز هنا السؤال المنطقي، الذي لا بُد منه، وهو كيف يجب أن يكون الإصلاح؟ هل من داخل الكنيسة، كما قام به بعض الآباء والقديسون، منذ نشوء الكنيسة وإلى اليوم؟!، أم من الخارج، كما قام به المدعو "مارتن لوثر" وغيره من المُنشقين والمصلحين البروتستانتيين؟!.

















من هم البروتستانت؟
إنه من السهل جداً القول مَن هُمْ البروتستانتيون، مِن القَولْ ما هي البروتستانتية؟. وكانَ تَعبير"البروتستانتية"، قد طُبق تاريخياً على الأشخاص المُنتَمين لفرقة من مجموعة الفرق والحَركات الأوروبية الفكرية، التي إجتَمعت جَميعها، تحت راية واحدة على الأقل: إنهم كُلهم بَشروا أو على الأقل ظنُّوا انه من المُمكن، بل من اللائق لأتباع المسيح الحقيقين، تَرك إيمانهم التقليدي، وفك إرتباطهم مع البابوات في الكنيسة الكاثوليكية، ورفض الإعتراف بالبابوات، كخلفاء لكرسي القديس بطرس.
عانَتْ المسيحية في بداية نشوئها من إضطهاد الإمبراطورية الرومانية، لكنها غدت منذ القرن الرابع الميلادي، دين الإمبراطورية الرومانية الرسمي؛ وإكتسبت ثقافة يونانية ورومانية، أثرت تأثيراً عميقاً على بُنيتها ومؤسساتها وقوانينها. وظهرت في المسيحية كغيرها من الديانات الأخرى، عدة طوائف وكنائس. وتُصنّف طوائفها عامة إلى سِتة عائلات كبيرة: وقد تَزامنت الانشقاقات الأولى في القرن الرابع، حين إنفصلت الكنيسة المشرقية والكنيسة الأرثوذكسية القديمة. وتلاها الانشقاق الكبير بين الكاثوليكية في الغرب، والأرثوذكسية في الشرق سنة1054 ميلادية. ولكن بعد التوترات الفضيعة داخل الكنيسة الكاثوليكية في القرن الخامس عشر، حدث إنشقاق كبير آخر، عُرف بإسم الأنشقاق البروتستانتي أو (الأصلاح البروتستانتي).
إذ إحتجّ المدعو "مارتن لوثر" على صكوك الغفران، التي كانت تُعطى للمُتَبرعين لبناء كنيسة القديس بطرس في روما. وعندما رأى لوثر بأن تعاليمه لم تُقبل من الكنيسة الكاثوليكية، وبأنه حُرِّمَ نتيجة إصراره على مواقفه، لجأ إلى بعض الأمراء الألمان، الذين رأوا في العقيدة الجديدة، وسيلة ناجعة في الإنفصال عن روما، فشجّعوا على انتشارها وحموا "مارتن لوثر" من كل إضطهاد.
وبدأت حركة لوثر في الحقيقة، كخطوة إصلاحية في الكنيسة الكاثوليكية في القرن السادس عشر، وكانت مُتأثرة بدعوات الإصلاح السابقة لها، ولكنها تحوّلت من ثَمَّة، من حركة إصلاحية داخل الكنيسة، إلى حركة عقائدية مُستقلة ومناهضة لها.
ففي عام 1510م، حج مارتن لوثر إلي روما ليَتبرَّك بالمقر الرسولي في روما، وليُمَنَّى نفسه برؤية القديسين والأماكن المقدسة. ولكن ما إن حَلَّ في روما حتى هالَه ما رأى من تفشِّي مظاهر الفساد والانحلال الخلقي في الطبقات العليا من الكنيسة بوجه أخص. ومن ثمَّ عاد إلي ألمانيا خائباً رجاؤه، ومستنكراً ما رأى، وأصبح منشغلاً بوضع خطة لإصلاح الكنيسة. وإضطر إلى نشر عقيدته المعروضة في 95 نقطة، والتي تنص على إصلاح الكنيسة من الخارج، ما دامت الكنيسة لم تستجب مِن داخلها للدعوات المُتكررة بإصلاح نفسها بِنَفسِها، فوجه الدعوة إلى حكام الولايات الألمانية من الأمراء، ليتزعموا هذه الحركة الإصلاحية؛ وقد رحبوا بها نظراً للمكاسب السياسية والمادية، التي تعود عليهم من ورائها.
وانتشرتْ البروتستانتية بهذا الشكل، في كل أنحاء ألمانيا، ونشأت كذلك في سكاندينافيا، كنائس وطنية ذات طابع بروتستانتي. وأما في انكلنرا، فقد نشأت الكنيسة الأنكليكانية عام 1534 بقرار من الملك "هنري الثامن"، وذلك بفصل السلطة الكنسيّة الإنكليزية عن سلطة روما. وقامت هذه الكنيسة بعد ذلك بتأليف قانون إيمان خاص بها يتألف من 39 نقطة، يميل إلى البروتستانتية أكثر منه إلى الكاثوليكية. ومع ذلك فقد إحتج الطهوريون على الاحتفاظ ببعض الأمور، كالطقوس وإحترام الصور والإيقونات والعبادات المريمية.
فالكنيسة الكاثوليكية إذن، شهدت إنشقاقاً كبيراً واحداً، في مدة عشرة قرون أولى من تاريخها، وذلك بين الكنيسة الكاثوليكية في الغرب، والكنيسة الأورثذكسية في الشرق. وتلا ذلك الإنشقاق الكبير الثاني، وهو ما سُمي بالإصلاح البروتستانتي، الذي قسّم أوروبا الى قسم كاثوليكيّ، وقسم بروتستانتيّ.
ولكن المسيحية شهدت أيضاً، ولادة إنشقاقات أشدّ خطورة، إذ إنفصلت جماعات كثيرة عن الشِركة مع الكنيسة الكاثوليكيّة، وإنحصرت تحت مسمىً واحد هو "البروتستانتية". ونتج عن ذلك، نشوء حركات مستقلة أخرى كثيرة. ولم يمر القرن السادس عشر، إلا وقد وقعت مناطق جغرافية شاسعة ومجتمعات كاثوليكية بأسرها، إضافة الى تَجمّعات كبيرة من أتباع الكنيسة الكاثوليكية في أوروبا الغربية، تحت إدارة كنسيّة جديدة، أبعدتهم عن الوحدة مع الكرسي الرسولي في روما؛ فإجتمعوا تحت راية واحدة، ومفهوم واحد، ألا وهو رفض الإعتراف بسلطة البابا المركزية، مع الإختلاف في طبيعة الحال فيما بينهم نتيجة لعوامل ثقافية، وجغرافية، وسياسية، ودينية.
ولعلّ أهم ما يُميّز العقيدة الروتستانتية، النظرة السلبية للطبيعة البشرية، ورفض أي دور للإنسان في الخلاص، وبالنتيجة رفض وساطة الكنيسة بأي شكل من الأشكال. مع العلم إنّ البروتستانتية تَستمد جميع الأحكام المُتعلقة بالعقائد والعبادات والشرائع من الكتاب المقدس وحده، ولا تقيم لغيره وزناً، إلا إذا كان تفسيراً معقولاً، لما ورد أصلاً في الكتاب المقدس.
ومن المُلفت للنظر إن البروتستانتية، شهدت نمواً وإزدهاراً لا مثيل له اليوم، إذ بدأت تتواجد الآن في معظم دول العالم. وتوصف، وبصورة واسعة جداً، إما في كونها مسيحية أوروبية خارجة عن الطاعة الكاثوليكية، أو هي عضو من أعضاء الطوائف والحركات، التي تعود بجذورها الى الحركة الإصلاحية في اوروبا الغربية.
ويجب التأكيد على أن مُعظم الذين تَنطبق عليهم هذه التوصيفات، لا يُحبذون تسمية "البروتستانتيين"، بل يفضّلون تسمية "الإنجيليّين"، أو "الكنائس الإنجيليّة"، لاعتمادهم أو لأعتمادها على الإنجيل خاصة، وعلى سائر أسفار الكتاب المقدس بوجه عام، بينما تُسمى الكنائس الأخرى، كالكاثوليكية والأرثوذكسية بالكنائس التقليدية، لإعتمادها على الكتاب المقدس، إضافة إلى التقاليد المُستمدة من المجامع، ومن آراء رؤساء الكنيسة.

الظاهرة البروتستانتية
تنبثق مُعظم الطوائف البروتستانتية من حركة الإصلاح الديني اللوثري، التي قامت في أوروبا في القرون الوسطى. إذ لا تزال بعض تلك الطوائف، وبخاصة في الدول المَدعوّة باللوثرية والأنكليكانية، تُحافظ على الكثير من العقائد الأساسية للكنيسة الكاثوليكية، ومنها الأسرار المقدسة، والإجتماع بشكلٍ متواصل حول سرّ الإوخارستيا، إضافة إلى إعترافها بالدرجات الأسقفية على الطريقة الكاثوليكية. ولا تختلف الكنائس البروتستانتية عن باقي الكنائس الرئيسة جوهرياً، سواء في الإيمان بإله واحد مُثلث الأقانيم، أو في الإيمان في عقيدة التجسّد والفداء والصلب والقيامة، وقيامة الأموات، والدينونة الأخيرة. ولكنها تختلف نتيجة لعوامل ثقافية وجغرافية وسياسية ودينية. وهناك أيضا الكنائس المؤقتة، التي نشأت في البيوت السكنية هنا وهناك، والتي تُشدّد في معظمها على الإنجيل والوعظ والترنيم الكنسي، ومن دون أن يكون لها طقوس معيّنة. وتتّسم إجتماعات البروتستانتيين بقراءة الكتاب المقدس وتفسيره، مع الإعتماد وبشكل أساسي على العظة، أمّا صلواتهم، فلا تتبع أي كتاب طقسيّ، بل تكون عفوية، وتَتَخذ في بعض الكنائس أشكالاً من النبوءة والتكلم بالألسن والإنخطاف الروحي. وأما فيما يخص الأسرار، فإنها تتفق معظمها بقبول المعمودية وعشاء الرب (الإوخارستيا)، مع اختلاف التفسيرات، التي تُعطيها كل كنيسة لهذه "العلامات." ولكن معظم تلك الكنائس، تتميّز بعدم إعترافها بالرئاسات الكنسية، ولا بالرسامات الكهنوتيّة، بل تؤكد على وجود كهنوت عام للشعب، وتفتخر بممارسات الصلوات الجماعية، والتراتيل الروحية، والوعظ والإرشاد الروحي، مع الكثير من الدورات الكتابية والخاصة، بتفسير الكتاب المقدس، التي تُساعد الحاضرين على النمو في الإيمان المسيحي.
ولقد أسهمت الكنائس البروتستانتية منذ نشأتها، في نشر الإنجيل في أوروبا وأمريكا، ومن ثم تطوّر عملها في شكل منظمات وإرساليات، ووضعت اللوائح والقوانين المُنظمة لها، وخصصت ميزانيات ضخمة لذلك. وانتقل عملها التبشيري البروتستانتي، إلى القارتين الأفريقية والآسيوية بعد ذلك، ولا سيّما في المناطق، التي كانت تستعمرها الدول الغربية ذات العقيدة البروتستانتية.
ولم تقف الكنيسة الكاثوليكية مَكتوفة الأيدي، تجاه النشاطات البروتستانتية التبشيرية، إذ نَسقت في الفترة نفسها، موجات تبشيريّة كاثوليكية، إنطلقت في أواخر القرن الخامس عشر، بدءاً من أسبانيا والبرتغال. وكان هذا النشاط مميّزاً في ذلك العصر، ولا سيّما بعد انشقاق الشرق، في القرن الحادي عشر، والذي نتج عنه أيضاً إنقسام مأساوي في الغرب. وبينما خسرت الكنيسة الكاثوليكية، شعوباً بكامِلها في الشرق وفي شمال أوروبا، ولكن العناية الإلهيّة، أخذت تفتح لها آفاقاً جديدة في الأمريكتين وأسيا وأفريقيا.
وتفتخر البروتستانتية بتأثيرها الكبير على المجالات الثقافية والروحية والإجتماعية في أوروبا وأمريكا، إضافة إلى إفتخارها بكونها، تسببت في صعود التيار الكنيسي الوطني في اوروبا الشمالية. إذ قبل قرنين من الزمان، إتخذت بعض الدول في أوروبا الشمالية طابعاً جديداً، وذلك بجعل الكنيسة اللوثرية، الديانة الرسمية للدولة، وإعطاء الكنيسة مزايا خاصة، ولا سيّما في التعليم والصحة والأمور الأخرى. مع العلم أنه لا يزال مفهوم الكنيسة الوطنية، يتواجد في عدد من الدول، مثل انكلترا والدول الإسكندنافية على وجه الخصوص، مع أن الليبرالية الجديدة وانتشار مفهوم "العصرانية"، أَثرَّ على هذه الظاهرة سلبياً؛ إذ بدأ دورها بالإنحصار تدريجياً، بسبب إتساع ظاهرة السعيّ نحو العَلمَنة في نسيج المجتمع الأوروبي. وفقدت الكنيسة بالتالي، مكانتها الخاصة في الكثير من تلك الدول. وعلى العكس مما كانت ترغبه، إذ سَعَت الدولة للهيّمنة على مؤسسات الكنيسة، في التعليم والصحة، مع أنها كانت، فيما سبق، كُلّها مؤسسات تُسيّطر عليها الكنيسة، وتُديرها على طريقتها الخاصة.
ومن الملاحظ إن الكثير من الكنائس البروتستانتية، حاولت مُجارات العَصرَنة والحداثة حتى في عباداتها وممارساتها الروحية، وتَخلّت بالتالي عن الكثير من المَزايا الروحية والشكلية، التي كانت تحتفظ بها قديماً؛ إذ شَرعَ الخُدام والوعاظ، بِالتَخلي حتى عن الزي الرسمي في العبادة والوعظ، إنسجاماً مع الإنفتاح والليبرالية في الحياة المدنية. وبالرغم من ذلك، تَشهد الحركات الإنجيلية اليوم، نهضة روحية عميقة، ولا سيّما بعد نقل خدماتها الروحية، عبر البرامج التلفازية، مما أثر تأثيراً كبيراً على الكثير من المؤمنين في الكنائس التقليدية، مما جعلهم يتركون كنائسهم، ويلتحقون بتلك الكنائس سريعة الإنتشار.

البروتستانتيون والوحدة
ليس هناك هيئة واحدة في العالم تُمثل البروتستانتية والبروتستانتيين، كما هي الحال مع الكاثوليكية والكاثوليك في العالم، حيث أن البابا هو رمز الوحدة مع الأساقفة والمطارنة، الذين يُمثلون لدى البابا جميع الكاثوليك في العالم. ولكن للأسف الشديد، لا يَفهم الكثير من الكاثوليك هذا الأمر المُهم، بل يجدون أنفسهم في بعض الأحيان مُندهشين من كثرة الحركات الإنجيلية المختلفة، والمذاهب والعقائد الكثيرة ضمن الحركة البروتستانتية. ولما كان هناك كنيسة كاثوليكية واحدة في العالم، ولكن من الطرف الآخر، هناك العديد من الكنائس البروتستانتية. ومُعظم البروتستانتيون اليوم، لا يُقدّرون هذا الأمر أيضاً، أي وجود مؤسسة كنسيّة واحدة فقط، تُشكل أكثر من نصف عدد المسيحيين البالغ عددهم 1 .1 مليار تابع. ولا يرى البروتستانتيون ذلك شيئاً إيجابياً، بل يعدّونه أمراً مؤذياً روحياً، بل في غاية السلبية. والغريب في الأمر أن ما يُثمّنه الكاثوليك، ويَجدونَهُ أمراً ثميناً بإمتياز، يَجِدهُ البروتستانتيون من الجانب الآخر، أمراً مفروضاً ومرفوضاً، ومن دون قيمة تُذكر.
وقد إعترف البعض من البروتستانتيين المُتَفتحين والمُدافعين عن الوحدة في الستينيات من القرن الماضي في بعض الحقائق المُتَعلقة بِوَضعية الكنائس البروتستانتية. إذ صَرّحوا بجرأة وصِدق قائلين:"عَلينا أن لا ننكر الحقيقة في وجود بعض العقول المُتحجِرة، إضافة الى وجود الثراء الروحي الكبير بين البروتستانتيين. فمن الأمور التي لا يمكن إخفاءها، الإنقسام والتشرذم الموجود في البروتستانتية، الذي يُشكل عائقاً كبيراً سواء بين البروتستانتيين أنفسهم، أو مع المسيحيين في الكنائس الأخرى"(روبرت براون - الروح في البروتستانتية - ص 24 طبعة 1965 نيويورك).
ومن الملفت للنظر أن البروتستانتية، أصبحت في العصر الراهن، القلب النابض لمفهوم الوحدة الكنائسية؛ وهي تنظر الى شمولية الوحدة، ولكن من دون أن يكون هناك فصل بين الوحدة وجامعيتها، أي أن لا تتبع أي قانون سوى "الجامعية". ولكننا يجب أن لا نَخلط هنا بإستخدام البروتستانتية لمفهوم الكنيسة العالمية(الجامعية)، مع المفهوم الكاثوليكي، الذي يعني حرفياً، الوحدة تحت إدارة الكرسي الرسولي، وبأنَّ يكون للكرسي الرسولي، الأولية على الكراسي الأخرى. فمن الواضح جداً إن المفهوم الوحدويّ في البروتستنتية، هو أكثر سهولة وبساطة من المفهوم الكاثوليكي. إذ أن المفهوم البروتستانتي يشبه في الواقع فكرة "الكنيسة الفدرالية"؛ أي أن تكون كل كنيسة لها دورها الخاص والمستقل، مع وجود تنسيق وتنظيم بين الكنائس الأخرى في مسألة التبشير، إضافة الى الخدمات الروحية والممارسات العبادية المختلفة.
ولا يزال الكثير من البروتستانتيين والأورثوذكس يُعدون إعادة الإصطفاف مع الكرسي الرسولي في روما، مَصيدة من قبل الكرسي الرسولي، الذي لا يقبل غير الوحدة على أساس واحد، أي أن يكون للكنيسة أولوية الأسقف الأول، وأن لا يكون ذلك الأسقف مسؤولا على جزء من الكنيسة فحسب، بل على جميع الكنائس. مع العلم إن الكنيسة الكاثوليكية، ترى وجود هذه الصفات الكنسية، علامات لوحدة الكنيسة الأساسية مع المسيح.
فالبروتستانتيون، يَنسون أن النظرة الكاثوليكية للكنيسة، هي أنها "شعب الله الواحد". ومن ثمّ جميع المؤمنين المُتفرقين في أرجاء العالم هم في الشركة، مع الروح القدس، ومع بعضهم البعض. إذ نقرأ في الوثيقة الفاتيكانية، التي تُعد من أهم مقررات المجمع الفاتيكاني الثاني: "وبفعل هذا الشمول يحمل كل جزءٍ إلى الأجزاء الأخرى، وإلى الكنيسة جمعاء، مكاسب مَواهبه الخاصة، بحيث إن الكل، وكل جزءٍ منه، ينمو، بما يمدُه به الجميع، وبسعيهم المشترك المُتناسق، نحو الملء في الوحدة".
فالكنيسة إذن هي، شراكة في المسيح يسوع، من أوجه مُتعدّدة. والمشاركة التي تحققها بين الناس، تجعلها شبيهة بالمشاركة الإلهية بين الآب والابن والروح القدس في الثالوث. وهي، بفضل هذه الشراكة، أداة خلاص البشر أجمعين. إذ تحمل، في طياتها، سر تضحية الفادي، إذ تتغذى منه باستمرار. فيسوع المسيح، بِدمه الذي أُريقَ، "دخل القدس مرة واحدة، لا بدم التيوس والعجول، بل بدمه، فحصل على فداءٍ أبدي".
الإصلاح
وإعادة الإعتبار لأصالة الإنجيل
تُعد معرفة الفروقات بين وجهات النظر الكاثوليكية والبروتستانتية من الأمور الأساسية. وهناك مساعي جِديّة، وبوادر ممتازة، للبدء في فهم البروتستانتية، ولمعرفة المواقف التي تتخذها اليوم، وفي المستقبل. ولكي يكون لنا نحن الكاثوليك فكرة مُحدّدة، أو دراية كاملة عن ماهية البروتستانتية وأصلها، والأساس الذي يقوم عليه الفكر البروتستانتي. عَلينا أن ندرس الظاهرة البروتستانتية، بروح مسيحية مُتَفتِحة، بَعيداً عن التَعصب الأعمى، والذكريات المريرة، أثناء وبعد نشوئها، كحركة مُستقلة عن الكنيسة الكاثوليكية.
ومن المُلفت للنظر، إلى أن البروتستانتيين اليوم، يُمَجّدُون وجود هذا العدد الهائل بين الطوائف والحركات والكنائس المسيحية؛ ليس لأنهم يرفضون الوحدة الكنسية، بل لأن فكرتهم عن الوحدة، تختلف عن المفهوم الكاثوليكي. إذ أن البروتستانتيين، يَرون الوحدة في الأساس، أمراً داخلياً في القلب، وليست أمراً ظاهرياً وخارجياً فقط. ويَرون أيضا بأن الله يُريد الوحدة المسيحية غير الظاهرة، وهي أقوى بكثير من الوحدة، التي تُريدها الكنيسة الكاثوليكية، وتُخطط لها منذ زمن بعيد. وتقودُنا هذه الفكرة البروتستانتية لجوهر العقيدة البروتستانتية وماهيتها ومفاهيمها حول الكنيسة في المستقبل.
ويؤمن البروتستانتيون بأن لهم رسالة روحية، لا يُقدّرون فيها الأمور المادية والعالم المادي على الإطلاق؛ ويَدّعون بأنهم يُشدّدون على روح الرسالة المسيحية البعيدة عن الماديات والأمور الدنيوية، بعكس الكنيسة الكاثوليكية التي (بحسب مفهومهم)، فَقَدَت التركيز على الأمور الروحية لحساب الأمور الدنيوية والمادية، وبالتالي أبعدتها عن الله وعن روح المسيحية الحقيقية. ولذلك يُعلن البروتستانتيون عن مجموعة من المبادىء والمواقف التاريخية حول الأنجيل؛ يؤكدون من خلالها على أصالة ونقاء الأنجيل، الذي أوحي من قبل المسيح لتلاميذه، الذين إختبروه في حياتهم اليومية مع المسيحيين الأوائل، كما هو جليّ في كتاب "أعمال الرسل".
فالطريقة السليمة للعبادة الحقيقية والإيمان المسيحي الأصيل، في روحه وجوهره، يُعد سلوكاً روحياً داخلياً يَهتم في الغالب بالقلب، وبتغييره من الداخل. وقد بدأت المسيحية بالبساطة والحماس الروحي في القرون الأولى، ولكن رسالتها "بحسب رأيهم" إختَفت بمرور الزمن، وأخَذَت مَحلها أنظمة وقوانين وممارسات صَنَعها الإنسان بنفسهِ، وطَغتْ بالتالي على الروح الإنجيلية الأصيلة.
ففي الحقيقة، شهدت المسيحية في القرون الثلاثة أو الأربعة الأولى، وجود البشارة الصادقة والبسيطة والمفهومة من قبل الجميع، والتي أدت الى إنجازات روحية وإدارية عظيمة. ولعل القانون الكنسي "قانون نيقية- 325 م"، هو الخلاصة البسيطة والسهلة للأيمان المسيحي، بل من أعظم الإنجازات الكنسيّة الجامعة. فما لا وجود له في الكتاب المقدس وقانون الإيمان الكنسي، لا يمكن القبول به، ولا يُمكن فرضه على المؤمنين "بحسب رأي البروتستانتيين".
وتنظر الكنائس البروتستانتية أيضاً، بأن الأنجيل "البشرى السارة"، قد بّشّرَ به المسيحيون الأولون، بِصدق وإخلاص. وتبع ذلك فترات قضاها المسيحيون الأولون في إختيار وتنظيم للنصوص المقدسة وتجميعها في ما سُمي بالعهد الجديد. وقد عَمِلَت الكنيسة الكاثوليكية على تَثبيت قانونية الكتاب المقدس في القرن الخامس الميلادي؛ وعَدّته على الدوام غذاءَها وقوّتها، لكونه يحتوي على الحقيقة الموحاة من الله، والمُدوّنة بإلهام مِن الروح القدس. فالكنيسة الكاثوليكية تُحيط الكتاب المقدس بالاحترام والإجلال. ولا تنظر إليه، بالمُنَزل والجامد بالأحرف الخرساء، بل كتاباً موحىً به من الله. لأن الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد: "قد أوحي به من الله، وهو مُفيد للتعليم وللتقويم وللتهذيب بالبر" 2 تيموثاوس 3/ 16. وعلى هذا الأساس، ترى المسيحية نفسها ديانة الكلمة المُتجسّد(يسوع المسيح)، الذي تدور حوله الكتب المقدسة جميعها، من سفر التكوين في التوراة، الى سفر الرؤيا اليوحناوي.
وكان المسيحيون الأوائل، يستخدمون النصوص المكتوبة من قبل بعض الرسل والمُفكرين المسيحيين في طقوسهم الكنسيّة، منذ القرن الميلادي الأول، ويعدّونها نصوصاً مُقدسة. وقد عَمِلت الكنيسة على تثبيت قانونية الكتاب المقدس في القرن الخامس الميلادي، وفي زمن البابا (إينسنت الأول)، واختارت بالاجماع 27 نصاً من هذه النصوص، وجمعتها في ما سُمي بالعهد الجديد. ويتكون العهد الجديد من (الأناجيل الأربعة ـ متى ومرقس ولوقا ويوحنا، وسفر أعمال الرسل، ومن الرسائل الرسولية المُرسلة الى الكنائس 21 رسالة، مع سفر الرؤيا ليوحنا الانجيلي). وتمّ ذلك من خلال مجامع عديدة مثل(مجمع روما سنة 382) ومجمع (هيبو سنة 393) ومجمع (كارثيج سنة 397 و 419). وأعطت تلك المجامع الشرعية لتثبيت قانونية الكُتب المُقدَسة، وأصبحت الحافز القويّ لظهور الترجمة الأولى للكتاب المقدس من قبل المطران (ايرونيموس جيروم)، وتحت إدارة البابا داماسيوس سنة 382 ميلادية الى اللغة اللآتينية، والمعروفة بترجمة (الفولغاتا Vulgate).
ولقد أعطى آباء الكنيسة وعلماء الكتاب المقدس (الكاثوليك والبروتستانت)، تواريخ تقديرية عن كتابة الأناجيل. مع العلم أن الكنيسة رَفَضَت بِجدية وإخلاص في إبعاد الكتب التي لم تَتَطابق مع إيمانها القويم، والتي سَمَّتها بالكُتب المنحولة Gospels Apocrypha. وشَهدت الكنيسة بعد ذلك أيضاً، ما أقلق وَحدَتَها وَوجودها ونموها الروحي، بسبب الهرطقات والنوايا الإنشقاقية لدى البعض، مما إضطرها الى تنظيم مَجامع خاصة لمناقشتها، وَوَضع الحد لتجاوزاتها ضد الإيمان والعقيدة.
تحريف الإنجيل في القرون الوسطى
لقد تأسست البروتستانتية على أساس أن الأمور الكنسيّة والروحيّة في المسيحية، لم تَعد تستمرُ كما كانت عليها الحال في القرون الأربعة أو الخمسة الأولى. وتَقتصر النظرة البروتستانتية التاريخية على أن المفاهيم الكنسية إنقلبت رأساً على عقب. فالرسالة الروحية والإلهيّـة التي غيّرت وجه العالم، تَغيَّرت هي نفسها الى مُجرّد قوانين وتشريعات من صِنع البشر. ولذلك بَرَزَت محاولات جادة هنا وهناك، لإنقاذ الأرث الإلهي الأصلي.
وقد حاول عدد من الغيورين البروتستانتين على الدين والإيمان، ولمدة قرنين من الزمان، ومنهم الأنكليزي (جان وينكليف 1324 – 1384 )، والتشيكي (جان هوس 1369 – 1415 )، اللذان إدعيا أن الكنيسة خرجت عن مبادئ الدين، وأن البعض من القساوسة والمطارنة، قد إنحرفوا عن واجبهم الحقيقي، بسبب إهتمامهم بمصالحهم الشخصية، واستغلالهم المادي للناس البسطاء. لذا أصبح من الضروري "بحسب هؤلاء"، القيام بإصلاح الكنيسة، وذلك لإنقاذ جوهرة الأيمان الصافية، التي غَطي جَماله الخَلاّب وعَظمَته بالتفاهات والتشريعات الزمنية والدنيوية.
"ولم يكن المصلحون الأوائل في الحقيقة يرغبون بالإنفصال عن الكنيسة الكاثوليكية، ولكنهم، وَجَدوا أنفسهم مُرغَمين للقيام بذلك، لأن البابا الجالس على كرسي القديس بطرس، والسلطة الكنسية معه، لم يكن مُمكناً لهم القبول بطروحات المُصلحين الجُدد" مارتن لوثر وأتباعه"، ولا القبول بِنَظرتهم الشخصية للكتاب المقدس، وبخاصة في وضع مصلحة الكتاب المقدس، فوق مصلحة الكنيسة"(ماكفي براون ص 25 ) .
وقد إتبع المصلحون البروتستانتيون، خُطى المسيحيون الأوائل، وحاولوا الإقتداء بهم وتقليدهم، ولا سيّما في مفهوم "بساطة إنجيل التوبة" للغفران الألهي، الذي نقتنيه من خلال التضحية، التي قدمها المسيح من أجلنا. وكانوا يجتمعون معاً، كما أوصى العهد الجديد؛ وذلك لترنيم المزامير والتراتيل الروحية، والإحتفال بوليمة العشاء الرباني الأخير، كما أمرَ الرب "إفعلوا هذا لذكري".
وإعتبر البروتستانتيون تَمسك الكنيسة الكاثوليكية بالتعاليم والممارسات الطقسية، التي هي من صنع الإنسان، إبتعاداً عن الإيمان القويم؛ وبأنها ليست الطريقة الصحيحة لإقتناء الخلاص في المسيح يسوع. ولكن البروتستانتيين يَرون مع ذلك، بأن الكاثوليك يُعدّون مسيحيون ما داموا مُعَمَّدين بصورة صحيحة، ومُثبَتين في الإيمان، ويحضرون القداس الألهي، ويعترفون بإنتظام، ويَحصلون على الدفنة المسيحية الصحيحة. فهم إذن مُخلّصون، بالرغم من أن معظم الممارسات الطقسيّة الكاثوليكية في نظر البروتستانتيين هي أنظمة ميكانيكية، لا يُمكن للمسيح، أن يكون حاضراً فيها، ولا لمحبته الصادقة، أن يكون لها وجود في قلوب الممارسين الكاثوليك. ولكن الحقيقة (بحسب الكاثوليك)، إن الكتاب المقدس ليس موضوعاً يُعطينا براهين على عقيدة، أو شروحاً للإيمان (وإن كان يحوي هذا وذاك طبعاً)، ولكنه أولاً يُصدِّق ويختم ما يختبره الإنسان في لقائه مع الله، وبهذا تكون قراءته مُعيناً له لتجديد حياتهِ، ولإرجاعه ثانية إلى خِلْقَته الأصلية.
لكن الكنيسة الكاثوليكية، لم تُفكر يوماً بالعودة الى الوراء، أو بالعودة إلى الجذور، كما فعلت وتَفعل، الحَركات البروتستانتية، لأن الكاثوليكية تنظر إلى الإيمان بكونهِ موحىً به إلهياً من قبل المسيح للرسل، ومن خلالهم للكنيسة. فهو إذن، أي الإيمان، كنزٌ ثمينٌ لا ينضب، يحتوي على كل الكنوز الروحية الثمينة ولكل الأجيال. ولذلك، لا ترى الكنيسة، وجود إنقسام بين النقاء، الذي تُمثله الكنيسة الناشئة في القرون الأولى، وبين فساد الكنيسة في القرون الوسطى. بل تَرى، أن الموروث الألهي، الذي أعطى الرسل وخلفاءهم في القرون المسيحية الأولى، هو كنز روحيّ حاضر للأكتشاف والتمتع به في كل وقت ولكل الأجيال. فكل جيل ينهل القليل من ذلك الكنز الأصيل والنقي. إذ أن من يرث عقاراً شاسعاً في سبيل المثال؛ ويتضمن العقار، كل أنواع البنايات والعمارات، بحيث يصعب تقدير قيمتها في ومضة عين، بل يحتاج الى وقت كاف لكي يعرف تقدير أسعارها وقيمتها الثمينة مُجتَمعة، ناهيك عن قيمة كل جزء منها على حِدى. وقد تَجلب الأرض للوارث ثماراً كثيرة. وهكذا بالنسبة الى الوحي الأصيل في الكاثوليكية. فالوحي هو تلك الأرض الخِصبَة، التي نَمت فيها النباتات والأشجار والشجيرات مع الوقت. والبذور كانت هناك منذ البدء، ولكنها إحتاجت الى الوقت الكافي، لكي تَنمو وتَكبر، كما في نظام الأسرار في الكنيسة.
ففي الحقيقة إن الكنيسة لم تشك أبداً بأنها قد تُفهم خطأً من قبل العديد من الناس بالطريقة التي تُعرض لهم الأسرار؛ ولم تؤمن أيضاً، بأن الممارسة الميكانيكية للطقوس، كافية للخلاص. إذ كانت الأسرار بالنسبة لجميع القديسين الكاثوليك، نقطة البداية للنمو في الإيمان، والحب ليسوع المسيح، ولكنها لم تكن كل شىء بالنسبة لهم على الأطلاق.
فما هي إذن الرسالة الإلهية الأصيلة، التي أكتشفها البروتستانتيون، ويرون أنفسهم يُبَشرون بها، ويُدافعون عنها في العالم اليوم؟! إذ يجتمع أتباع البروتستانتية على اختلاف طوائفهم على فكرة "مارتن لوثر"، القائلة بأن خلاص الإنسان، لا يعتمد بأي شكل من الأشكال على استحقاقاته، بل على النعمة التي يمنحها الله، ولكل من يَشاء. إذ يتَمَحْوَر اللاهوت البروتستانتي حول هذه الجزئية. ويُشدد البروتستانتيون على معارضة الكاثوليكية، التي تُشدد بدورها على دور الإنسان في الخلاص. ولكنهم يرون في هذا المفهوم الكاثوليكي، إنتقاصاً من قيمة ذبيحة المسيح، وإعلاءًا لشأن حرية الإنسان الخاطئ.
وبالرغم هذا الإختلاف، علينا أن نقرّ بحقيقة وجود سِمات من الرسالة الأصيلة بين الحركات البروتستانتية الواسعة جداً في إختلافاتها وتعدداتها، إذ يرفض البروتستانتيون كل ما هو غير وارد في الكتاب المقدس، مُعتَبرين الكتاب، المَرجع الوحيد للإيمان، ومن دون الرجوع لأي سلطة تعليمية على الأطلاق. فمن هذا المفهوم يحق إذن، أن يفسِّر كل مؤمن، كلمة الله، بحسب رؤيته الشخصية. ولهذا يشجب المُصلِحون البروتستانتيون، التقليد المقدّس، وكل عقيدة لا يجدون لها دليل واضح في الكتاب المقدس. وأدّى هذا الأسلوب بالتالي، إلى سهولة ظهور تفاسير مُتعدّدة ومختلفة للنص المقدس؛ وقد ذهب بعضهم بعيداً عن العقيدة القويمة. وسهل الإنشقاق والتشرذم، الذي لا يخدم الكنيسة، ولا الوحدة المنشودة في جسد المسيح السري.
ولكن الكتاب المقدس بحسب النظرة الكاثوليكية هو حقيقة موحاة من الله من خلال الروح القدس. ولقد ألهم الله كُتاب الكتب المقدسة البشريين؛ وعمِل هو نفسه فيهم وبهم، لكي يُدوّنوا الكُتب، كمؤلفين حقيقيين. ومع ذلك فليس الإيمان المسيحي،"دين الكتاب"، بل دين الكلمة الحيّ والمُتجسّد. ولكي لا يبقى الكتاب المقدس حرفاً ميتاً، كان لابد للمسيح، كلمة الله الحي الأزلية، من أن يفتح، بالروح القدس أذهاننا على فهم الكُتب. ولكي يستخلص المرء نية الكُتّاب الإلهيين، لا بد له من النظر إلى أحوال عَصرهم، وإلى ثقافتهم، وإلى "الأساليب الأدبية" المُتَبعة آنذاك. وقد أشار المجمع الفاتيكاني الثاني، إلى التَنبّه الشَّديد لمضمون الكتاب كُله ووحدتهِ. لأنه مهما إختلفت الأسفار، التي يتألف منها الكتاب، فهو واحد بسبب وحدة قصد الله، الذي يكون المسيح يسوع مركزه، وقلبه المفتوح منذ فصحهِ. وتحمل الكنيسة في تقليدها مجموعة كلمة الله الحيّة، ولكن الروح القدس، هو الذي يُعطي التفسير الروحي الوحيد للكتاب المقدس.


الروحاني
مقابل الحركي والميكانيكي
تُروّج الحركات البروتستانتية في العالم للديانة "الروحية الأصيلة". وتتّسم إجتماعاتها الروحية بالقراءآت من الكتاب المقدس وتفسيره؛ وبالتركيز بشكل أساسي على الوعظ والصلاة، التي لا تتبع أي كتاب طقسيّ، بل تكون عادة عفوية، وتَتَخذ في بعض الكنائس، أشكالاً من الإنخطاف الروحي، ووضع الأيادي والتكلم بالألسن.
ويُعد هذا شيئا مُحيّراً بالنسبة إلى الكاثوليك نوعاً ما، الذين يَظنون بدورهم بأنهم في الحقيقة يُروّجون للديانة الروحية الأصيلة. ولعلّ من الأمور الكثيرة الأخرى، التي يَتعجّب منها الكاثوليك في البروتستانتية، فقدان الكنائس والمعابد البروتستانتية من الرموز المسيحية، كالصور والصلبان والتماثيل والإيقونات. إذ تبدو كنائسهم عارية تماماً من أي رمز يَدل على كونِها بيوت للصلاة المسيحية، عدا البعض منها، والتي تُعد مواقع تاريخية ورثها البروتستانتيون من القرون الوسطى. ويبدو هذا الأمر بالنسبة إلى الكاثوليك سلبيّ جداً، في حين، وعلى العكس من ذلك تماماً بالنسبة إلى البروتستانتيين، إذ يَعدّونه شيئاً إيجابياً بإمتياز. فالرسالة التي يُريد البروتستانتيون إعطاءها للكاثوليك، عدم التركيز على الأمور الخارجية الجذابة كالبنايات الجميلة والصور والتماثيل، بل بالأحرى على ما يحدث في القلوب من تَغيير داخلي. لأنَّ الكنوز الفنية والصور والإيقونات، لا تُساعد المؤمنين في التركيز على حضور الله، بل تُبعدهم عن الله، وتُشغلهم في أمور أخرى بعيدة عنه، وعن الروحانيات. لأن الله، فوق كل شىء، هو روحٌ وحَق.
ويَقودُنا هذا التَصرف نفسه إلى إنحدار الفعاليات الجسدية الخارجية، مثل الركوع وإستخدام البخور، وحتى وضع البدلات الخاصة أثناء العبادة والخدمات الروحية، التي إختفت تدريجياً في المعابد البروتستانتية. ولهذا لا نستغرب من رؤية معظم المعابد المَبنيّة من قبلهم في المملكة المتحدة، منذ الإصلاح وإلى اليوم، مُجرّد بنايات عادية جداً. وقد حضرت أنا نفسي المراسيم الخاصة بالدفنة والجنازة في معبد للمعمدانيين في "بلفاست"، وغَمرَتني الدهشة من رؤية صحن الكنيسة وأروقتها، التي كانت عارية تماماً من أي رمز يَدل من قريب أو من بعيد للمسيحية؛ وبَدَت لي وكأنها قاعة للإحتفالات. ويَستخدم بعض البروتستانتيون مصطلح"المعبد"، وهو بِحد ذاتهِ مُصطلح مُتميّز جداً، لأن البروتستانتيين يَجدون صعوبة في تسمية "الكنيسة"، للبنايات التي يَستخدمونها للصلاة والعبادة. فالمصطلح "الكنيسة" في نظرهم يُساهم في إزدياد سوء الفهم. ولذلك تَجدهم يُصرّون على أن الكنيسة ليست بنايات، بل مجموعة من المؤمنين. لأنّ المؤمنين، يستطيعون اللقاء في أي مكان، سواء في الكوخ أو الحقل أو على ساحل البحر. ولذلك فهم ليسوا بحاجة إلى بنايات جميلة ومُزخّرفة. ويستخدم المؤمنون في مقاطعة "ويلز" في بريطانيا أسلوب المعبد أو الكنيسة، وهذا يعتمد فيما لو كنتم تحضرون العبادة مع غير المُثَبَتين في كنيسة "ويلز". ويُستَخدم المصطلح، غير المُثَبَتين عادة، للذين يوصفون بأنهم لم يُثبَتوا بالميرون المقدس بعد المعمودية. إذ أن الكنيسة في مقاطعة "ويلز" هي الكنيسة المُرادفة للكنيسة الإنكليكانية في انكلترا، ولكنها إنشقت عن الكنيسة الإنكليكانية سنة 1920 م. ويعود إنتشارها الواسع إلى وضعيتها الإستقلالية، التي جعلتها تنطلق بحرية أكثر في القرن الماضي، بالرغم من وضعيتها الشاذة نوعا ما.
العبادات الداخلية والخارجية
إن الفرق بين الكاثوليكية والبروتستانتية في خصوص العبادة، هو فرق جوهري. إذ يؤكد الكاثوليك بأننا نحتاج الى النوعين من العبادات معاً أي العبادة الداخلية والخارجية. ويَدّعي الكاثوليكي بإستحالة المجيء إلى المسيح بفعل إتجاهٍ حَركي خارجي دون التَلذُّذ الحَقيقي بِشَخصهِ. لأن العبادة الداخلية تكون حقاً في القلب، وتُعبَّر ليس فقط من خلال المشاعر، كالأمل والخوف والفرح؛ ولكن من خلال بوادر صحيحة من خلال الجسد والنفس، وهما شىء واحد. وأما البروتستانتيون، فإنهم يُفَضلون العبادة الداخلية القلبية، ومن دون أي إشارات أو حَرَكات؛ ويَعتقدون بإستحالة العبادة على الحالتين، وكأن العبادة الداخلية هي المطلوبة والضرورية فقط. في حين أن الكاثوليك يَجدون العبادة على الحالتين، أي العبادة القلبية، والعبادة الخارجية، كحالة تكاملية لا بد منها. ويبدو أن الأمر يتعلق لدى البروتستانتيين بطريقة مجيء المسيح، وتغييره لطريقة اليهود في العبادة والصلاة؛ إذ كثيراً ما تَهجَم الرب يسوع العبادات الخارجية لليهود. ولكن الواقع الكتابي يُثبِت بأن التعاليم التي بَشرَ بها المسيح، لم يقصد من خلالها العبادة المُرافقة للعبادة القلبية للمؤمنين، بقدر ما كان يَقصد بها التهجّم على العبادة الخارجية المظهرية لبعض القادة من الفريسيين، الذين لم يَهتموا أبداً بالعبادات القلبية الباطنية المطلوبة. وتؤكد الممارسات الطقسيّة لليهود في عهد المسيح على خوائها الروحي، إضافة إلى خلوها من الرحمة. ويثبت الكتاب المقدس على أن المسيح قد جاء، لكي يُصححها، أو يُعيدها إلى أصالتها ونقاءها الأصيل. ويَتبيّن ذلك من خلال حَياة المسيح، ورِسالتِه، التي أَكدَ فيها مراراً وتكراراً بأنه الله؛ وقد جاء طالباً قلوباً تائبةً مُحِبَة، وليس فقط عبادات حَركية وطقسية فارغة. ويَنطلق هذا المفهوم البروتستانتي من نظرة يسوع في مقطع من "إنجيل متى"، حيث يَهزأ المسيح من الفريسيين الذين يعتمدون على التعاويذ (مت 23 : 5)، أو من إستخدام الوضوء قبل الصلوات الطقسيّة (مت 3: 7). ولكننا نجد المفهوم نفسه في رسالة "الأنبياء" في العهد القديم، الذين يؤكدون بوضوح شديد، على أن الله لا يريد المذابح والذبائح، بل بالأحرى الصَبر ونَقاء القلوب والإصلاح الأخلاقي (اشعيا 1 :11). ولكن مع ذلك يَصرُّ البروتستانتيون على إن المسيح جاء، لكي يُبَشر بالعبادة الداخلية في القلوب، ولكي يُلغي الطقوس والعبادات الخارجية. وما يُقدمه البروتستانتيون كتفسير للمسيحية، وكدليل على نظرتهم الخاصة للرسالة الباطنية في المسيحية، هو أن المسيحية تُختصر بوَصيّتين عَظيمتين وهما: "أن تُحب الله من كل القلب والنفس والعقل، وأن تُحب قريبك مثل نفسك". ويَعتقد البروتستانتيون أيضاً بأن مفهوم الأسرار وممارساتها المُتعددة، سواء في الكاثوليكية أو في المذاهب التقليدية الأخرى، وكأنها تمثل إنتصاراً لليهودية بطقوسها وممارساتها في داخل جسد المسيحية. ولذلك يَنظر البروتستانتيون الى الكاثوليكية، ومعها التيارات التقليدية الأخرى، بأنها تَطرّفَت وتَجاوَزت حتى اليهودية في تَطرفِها وممارساتها الطقسيّة داخل المسيحية نفسها. وهذا ما جعل البروتستانتيون، يتعثرون من الممارسات الطقسيّة، خوفاً من التشبّه بالممارسات الطقسية اليهودية.
مع أن الكاثوليكية تَقرُ وبشكل واضح، على أن العبادة المسيحية ليست من خلال الصور والتماثيل والأيقونات وغيرها، بل هي "عبادة داخلية في القلوب". وتعترف الكاثوليكية أيضاً بالعبادة الشخصية بكونها عبادة حقيقية، بل هي تعبير عن العلاقة الحميمة والشخصية بين الإنسان والله؛ وتنظر إلى شخص المسيح نفسه، بأنه محور هذه العلاقة الحَميمَة. مع العلم أن الكاثوليك لا يَرون بأن الرسالة الجوهرية ليسوع بكونها ليست في العبادة الباطنية. لأن الجديد في الرسالة المسيحية هو في مفهوم التَجسّد، الذي يَكمُن في أن الله أصبح بَشراً وعاشَ بيننا. ويُعد هذا المفهوم الأساس الجوهري لرسالة المسيح وللمسيحية، وليس فقط في العبادات، وشكلها الداخلي أو الخارجي. وإضافة الى ذلك، إن الرسالة التي يؤكد عليها البروتستانتيون حول العبادة الداخلية في القلب، ليست جديدة على الأطلاق، لأنها موجودة وحاضرة بوضوح في رسالة الأنبياء في العهد القديم، إذ يؤكد الأنبياء على أن العبادات اليهودية نفسها لم تبدأ خارجية على الأطلاق، بل كانت في الأصل عبادات داخلية. فالأختلاف الحقيقي بين اليهودية والمسيحية ليس في الحقيقة بين نوع العبادات، بل بالاحرى في مفهوم التَجسّد. إذ أن التَجسّد يُعد حَجَرُ العَثرة الحقيقي بالنسبة الى اليهود، وكذلك بالنسبة إلى مفهومهم لله. هذا المفهوم الغالب على التعاليم المسيحية، والذي يظهر بوضوح في فن الأيقونات في الغرب الأوروبي الى القرن السادس عشر؛ إذ تظهر السيدة البتول مع الطفل يسوع في الصور والإيقونات، التي تَعكس إهتمام الكاثوليكية بالتجسّد، كأمر جوهري وسِراني، يَدل دَلالة واضحة على مجيء المسيح يسوع، الإله المُتَجسّد من أحشاء إمرأة بشرية.
وبالرغم من أن البروتستانتيين، يؤمنون بالتَجسّد، ولا يَترددون بالإعلان عن هذه العقيدة الإيمانية الجوهرية، إلا أن مَيلهم الدائم يبقي يدور حول التطهير الحقيقي، أي تطهير القلب الذي يَتم برأيهم عن طريق الإيمان بالمسيح والتوبة التامة، والتَسليم التام له، وقبول موته الفدائي على خشبة الصليب للتكفير عن الخطايا، وذلك للحصول على الحياة الأبدية.
ومن المُلفت للنظر، إن الحركات الأنجيلية وجماعات الروح القدس "البنتيقوسطية"، تؤكد اليوم، على مفهوم موت المسيح على الصليب. فهي إذن، تُعطي أهمية أكبر لهذا الأمر، كوسيلة للخلاص من الخطايا، أكثر من العقائد الأخرى.

قراءة الكتاب المقدس، وكأنه يُدين الكنيسة الكاثوليكية
وجد أشهر قادة الأصلاح البروتستانتي في القرن الساد عشر ( مارتن لوثر 1483 – 1546 ) و(جون كالفين 1509 – 1564 )، الذخيرة الكافية لهجومهم على الكنيسة الكاثوليكية في الكتاب المقدس. ويَتلخص هجومهم على أن الكنيسة الكاثوليكية، استبدلت الأنجيل الروحي، بنظام مادي ميكانيكي، يدور حول الطقوس والأسرار. مع العلم أن المسيحية منذ نشأتها لم تكن تعرف غير الأنجيل الروحي البسيط، وكيفية عيش الحياة الروحية البسيطة. فما الأسرار الكنسية (بحسب رأي البروتستانت) سوى طقوس رَتَبها، الأنسان لِتَحل مَحل الأنجيل الروحي.
ففي الواقع إن الكنيسة الكاثوليكية لم تنسَ يوماً أن الكتاب المقدس هو أحد المَنابع الجوهريّة للايمان، وبكونه كتابها الذي تَجلّه كثيراً، وتحترم تَفسيره عن طريق مُفسرين مُختَصين يُعدون مُعلمين كِبار في هذا المجال. غير أن الكتاب المقدّس (بحسب الكاثوليكية)، ليس المُستودع الوحيد للايمان، بل هناك أيضاً مستودعاً آخر، تمرّ كلمة الله من خلاله للشعب المؤمن بالله، وهو "التقليد المقدس"، الذي يَكفلُ الطابع الرسوليّ للكنيسة، والذي تنشره الكنيسة، بطرق مُتعدّدة. فالتقليد الكنسيّ بالنسبة إلى الكاثوليك هو سابق للكتاب نفسه؛ بل هو حافظ للكتاب، ومكمّله، بِشكل لا يُستغنى عنه.
ولكن من الطرف الآخر، إن الكتاب المقدس بالنسبة الى البروتستانتيين هو المَحك الرئيسي، الذي على أساسهِ فقط لا غير، تَبنى الكنيسة رسالتها وحياتها التبشيرية. ولذلك، نجد أن الكاثوليكي، الذي يُسأل عن موضوع يَتعلق بالأيمان، أو الأخلاق، يبدأ جوابه عادة بالقول "تُعلّم الكنيسة كذا وكذا ..."، في حين، يَبدأ البروتستاني جوابه قائلاً: "يُعلّم الكتاب المقدس، كذا وكذا .. "؛ ولذلك يؤمن البروتستانتيون عموماً، بأنهم وحدهم أمناء مع تعاليم الكتاب المقدس؛ ويَتهمون الكاثوليك في إضافة أمور كثيرة لرسالة الكتاب المقدس البسيطة. وتتفاوت القائمة في الأمور المُضافة، ومن أكثرها، الأسرار والأوخارستيا، ومعانيها الذبائحية، والحج للأماكن المقدسة؛ إضافة إلى العبادات الأخرى، مثل الوردية المقدسة، والتعاليم المريمية الكثيرة جداً.
وتبدو هذه الأمور مُشوّشة بالنسبة الى الكاثوليك، الذين تَعوّدوا في إحترام وتَبجيل الكتب المقدسة، بكونها المركز الأهم لأيمان الكنيسة. ويَرون أن القراءات الإحتفالية المُرَتبة لأيام الآحاد والأعياد، تَحمل أثنا القداديس الإلهية إشارات تَعبدية. ولكن من الوجهة النظر البروتستانتية، فالقراءات الكتابية، لا تعني شيئاً بالنسبة الى الكتاب المقدس. ويَرون بأن الكاثوليكية تُعطي إحتراماً خارجياً للكلمة الألهية؛ وتُهمل في الواقع الرسالة الألهية الحقيقية. ويؤكد البروتستانتيون أيضاً، بأن الرب نفسه، إتهم الفريسيون بنفس الطريقة. ولعل النقد البروتستانتي الأكبر ضد الكاثوليك في هذا الخصوص، هو أن الكاثوليك ينظرون إلى الكتاب المقدس، بكونه مُلك خاص لهم، ولكنهم في الوقت نفسه، يَرفضون إتباع تعاليم الكتاب المُقدس.
فما يُثمّنه البروتستانتيون، ويُعدونه خطوة أساسية وجوهرية بالنسبة الى الكتاب المقدس، هو الحرية في دراستهِ شخصياً؛ بينما الكنيسة في القرون الوسطى كانت تمنع حتى في إقتناء الكتاب المقدس شخصياً. ويَتعجّب الكاثوليك مما يسمعونه عن التصرفات غير المسؤولة للسلطة الكنسيّة في القرون الوسطى؛ إذ تبدو لنا اليوم سخيفة جداً. ويشير اللاهوتييون والمدافعون عن الكاثوليكية، الى أن الكنيسة يجب أن لا تُدان في خصوص ما حدث في القرون الوسطى، ولا سيّما أن الأمر كان طارئاً، ولم يُمارس دوماً عبر تاريخ الكنيسة العريق. إذ بدأت الكنيسة الكاثوليكية، منذ القرن العشرين بِحملات عامة وشاملة لدراسة الكتاب المقدس، وقامت بإضافة دورات تعليمية وتفسيرية للكتاب ولكل الأعمار، تَميّزت بتقديم رؤية روحانية ولاهوتية جديدة للكتاب المقدس. وهذا ما جعل البروتستانتيون يقتنعون نوعاً ما، بأن الكاثوليك أنفسهم، قد أخذوا روح المُبادرة بالإصلاح، ولو مُتأخرين.
وتجدر الإشارة إلى أن التغييرات، التي شهدها العالم الغربي في كل المجالات الثقافية والروحية والعلمية والتكنولوحية منذ نهاية القرن التاسع عشر، أجبَرت الكنائس جميعها، للمضي قدماً في نشر التَرجمات الدقيقة للكتاب المقدس، وفي معظم اللغات واللهجات العالمية، ولا سيّما أن العديد من الناس أصبح في مقدورهم اليوم القراءة والمُطالعة. وقد قامت الكنيسة، بطبع الكتاب المقدس في الكثير من اللغات العالمية، إضافة إلى نشرها للكتب التفسيرية وبأسعار مناسبة، والتي أصبحت مُتوّفرة في كل مكان، بخاصة بعد إنتشار المطابع ودور النشر، في العالم كُلهِ. وكذلك الأمر بالنسبة إلى المواقف الكاثوليكية، ناهيك عن نظرتها لدور المرأة والعلمانيين، التي جاءت وببساطة شديدة كرد الفعل للتغييرات الإجتماعية، والتي نَتَجت بِدورها بسبب النمو والنهضة والتقدم. فالحجج التي كان يَستخدمها البروتستانت ضد الكاثوليك بخصوص تَوفر نسخ الكتاب في أيدي المؤمنين لم تَعد موجودة، بل أصبحت اليوم، فارغة ومن دون معنى. ولكن هذا لا يعني ان الأختلافات بين الكاثوليك والبروتستانتيين في مفهوم الكنيسة، والعقائد ودَور العلمانيين، قد إختفت بين ليلة وضُحاها.

الكتاب المقدس في الليتورجيا
ينظر الكاثوليك إلى الكنيسة بكونها جسد المسيح السِري؛ أو هي حيثما نعيش مع المسيح، أو بالأحرى، هي المكان الذي يجتمع فيه المسيحيون حول مائدة الرب يسوع. ولذلك إن المهمة الرئيسية للمؤمن هي أن يُصلي ويَحيا الإيمان مع الكنيسة، التي تُجسّد حياة وآلام وموت المسيح سنة بعد أخرى. وعلى المؤمنين أيضاً أن ينهلوا النعمة التي تُمنح لهم من خلال الأسرار، والتي هي إعداد وتهيئة للقيام بأفعال المحبة والرحمة، بحسب المبادىء المسيحية. وينطبق الأمر نفسه على الطقوس كلها، التي هي مُجرّد صيغ توضيحية تتم من خلالها أنواع العبادات الروحية. ويبدو أنه ليس من الضروري على الحاضرين أن يكون لهم القابلية على القراءة والكتابة لكي يشتركوا فيها تماماً. مع العلم أن الليتورجيا على أنواعها المختلفة، غنية جداً بالفقرات والآيات والقصص والعِبر والمواعظ من الكتاب المقدس، والتي تُمثل بِحد ذاتها، الثمار الحقيقية للتأملات الكنسيّة على الكتاب.
وقد قَسّمَت الكنيسة منذ القرون الأولى لنشوءها النصوص الكتابية الى أجزاء وفقرات للقراءات اليومية وللآحاد والأعياد، لكي تُعطى للشعب المؤمن اثناء القداديس اليومية والأسبوعية والقداديس الإحتفالية، المواسم الطقسيّة؛ وتُمثلُ أيضاً سِمة من سِمات حياة المسيح الأرضية؛ كما هو الحال في قصص الطفولة في أيام الأعياد الميلادية، وكذلك في قصص الآلام في الأسبوع المقدس. ويبدو أن الكنيسة نَظمت الكتاب المقدس للمؤمنين منذ القرون الأولى. وأما بالنسبة إلى المؤمن البروتستانتي، فالمسألة مختلفة جداً، إذ عليه أن يُدير العَجلة كليةً، وأن يَفحص كل الأمور، ويُدققها لكي يرى إذا ما تَعلمه يَتطابق مع نصوص الكتاب المقدس. لأن الكنائس البروتستانتية تربط نفسها عادة بقراءة الكتاب المقدس بترتيب، من الجملة الأولى الى الجملة الأخيرة. في حين أن الكنيسة الكاثوليكية والكنائس التقليدية الأخرى، تُقدم أجزاء من الكتاب المُتَعلِقة بِبَعضها بعضاً أثناء القداديس اليومية والأسبوعية؛ وتُلقي عليه الضوء، وتُفسّر معانيهِ الحقيقية، على ضوء الحياة اليومية للمؤمنين وللكنيسة المحلية، والكنيسة الجامعة.
فالتبرير الذي تُقدمه الكنيسة إذن، في منع المؤمنين من دراسة الكتاب المقدس بصورة شخصية، كان نابعاً من خوف الكنيسة من تَشتت أنظار المؤمنين، وإساءة فهم الكتاب بطريقة تُبعدهم عن الكنيسة. ولذلك رَكّزَت الكنيسة قديماً بتقييد النظرة الشخصية للكتاب. ولكن الوضع إختلف اليوم كثيراً، ولا سيّما بعد نشر الكنيسة للكلمة الإلهية، سواء المَسموعة، أو المنشورة على الورق المطبوع، أو الموجودة على صفحات الإنترنيت، مع الشروحات الوافية للمُفسرين العِظام، عبر تاريخ الكنيسة العريق.
الدراسة الشخصية للكتاب المقدس
ليست مهمة الكاثوليك في الكنيسة الكاثوليكية لتعليم الناس محتوى الكتاب المقدس فقط، بل أن يحيوا حياة المسيح كجسد واحد؛ وأن يَعبدوا ويُصلوا معاً، لكي يُديروا شعلة الأيمان في العالم، ويُنشروا الكلمة الإلهية الحيّة، التي يَحتاجها الناس، ويكونوا جزءًا من مملكة الله على الأرض.
فالممارسة الشخصية لدراسة الكتاب تَبدو شيئاً ثميناً وغالياً جداً، إذ تُساعد الفرد لكي يَفهم الكتاب، ويَنمو ويَنضج في الأيمان، ويُقدم العبادة الحارة لله والمسيح، ما دام بَقي في حدود الأيمان الكاثوليكي. ولكن المسألة ليست بالضرورة فرض جوهري، ولا سيّما أن الجميع لا يستطيعون القراءة والكتابة. وإلا كيف يستطيع الملايين من الأميين المؤمنين بالمسيحية، في البلدان النائية، تِباعَة يسوع من دون القدرة على قراءة الكتاب وتفسيره لأنفسهم؟. ولكن النظرة البروتستانتية هي على العكس من ذلك تماماً، إذ يجدون المسألة مهمّة ضرورية لتعليم الناس كيفية القراءة؛ وطريقة مفيدة لكي يكون في مَقدورهم دراسة الكتاب، وفهم رسالته الخلاصية. وهناك أيضاً الكثير من التأكيد والإهتمام على الدراسة الشخصية للكتاب. إذ تجد مؤسسات بروتستانتية خاصة مثل "مؤسسة ويكلف"، وجمعيات الكتاب المقدس، التي تختص في الترجمة، إلى كل اللغات واللهجات المعروفة في العالم.
وتجدر الإشارة إلى أن البروتستانتيين بالغوا في إنتقاد المواقف الكاثوليكية عبر العصور في نشر الكتاب المقدس باللغة اللاتينية؛ وقد ظنَّ البعض من البروتستانتيين بأن فرض اللغة اللاتينية من قبل الكاثوليك، كانت خطة مقصودة ومُنظمَّة من قبل الكاثوليكية، لإبقاء الناس في جَهلِهم. لأن من كان يَقرأ اللاتينية، لم يَكن يَتجاوز نسبة قليلة جداً من الكهنة والشمامسة، وبعض المهتمين القلائل جداً. إذ كانت الدراسة في العصور الوسطى مثلا تقتصر على الكتاب المقدس وباللغة اللاتينية فقط. فاللغة اللاتينية كانت لغة العلم والوثائق والدواوين والقوانين والتشريعات، إضافة الى دراسة اللاهوت والدراسات الجامعية. مع العلم أن اللغات الأوروبية القومية، لَم تحل مَحل اللاتينية في الدراسة والعلم بجدية أكثر، إلا ما بعد الإنشقاق البروتستانتي في القرن السادس عشر.
هناك إذن إختلافات جَمَّة بين الكاثوليكية والبروتستانتية في خصوص أهمية الدراسة الشخصية للكتاب المقدس بالنسبة الى المؤمن. ولكن يجب أن لا نَنسى أيضا وجود قضية أخرى، وتتعلق بِتَرجمة الكتاب المقدس. فالكتاب المقدس بالنسبة إلى الكاثوليك، يُعد مُفَسّراً ومَشروحاً، مع أنه يجب أنّ يُعلَّم ويُفسَر مِن قِبل مُعلّمين مُختَصّين. إذ أن الأيمان الكاثوليكي ليس مُلكاً لأحد، يستطيع تَحويره، أو تَفسيرهِ كما يشاء، بل مُلك لكل الكنيسة. ولذلك يَجب أن يُراعي كل مُتَرجم للكتاب المقدس، الأصول القانونية للكنيسة الكاثوليكية. وكذلك بالنسبة إلى المُعلمين؛ فأي مُعلِم لا يُراعي مَعاني الكتاب المقدس، بِطريقة لا تَتَوافق مع إيمان الكنيسة؛ فمن واجب المسؤولين في السلطات الدينية الكاثوليكية، إزاحة ذلك الشخص مِن مَركزِه كَمعلم رَسمي للكنيسة. والمسؤولية، مطلوبة كذلك حتى بالنسبة إلى العلمانيين الذين يُعلّمون اللاهوت، إذ عليهم أن لا يَخرجوا عن خَط الكنيسة الصحيح. لأن الكاثوليكية (كما أسلفنا) لا تنظر إلى الكتاب المقدّس بأنه المُستَودع الوحيد للايمان. بل أن كلمة الله تمرّ أيضًا في تقليد الكنيسة المُعلّمة، وهو تقليد يَكفله الطابع الرسوليّ للكنيسة، وتَنشرُه الكنيسة، بِطرق مُتعدّدة، سواء في تَعليم السلطة التعليميّة العاديّة أو الخارقة، أو عن طريق الليتورجيا، وتعاليم الآباء القديسون، أو في غيرها من التقاليد الكنسية المختلفة. وتُمثل التقاليد بالنسبة إلى الكتاب المقدس، المَنهل الوحيد الذي يَكفل تفسير الكتاب، وفهمه بالطريقة الصحيحة. مع أن الكاثوليكية، لم تَنقطع يوماً إنقطاعاً كلياً عن الكتب المقدّسة، عدا الفترة التي تُسمى بالقرون الوسطى، إذ خَسِرت الكنيسة مكانتها في المَجال الروحي، وفي دراسة اللاهوت؛ وفي ممارسة الليتورجيا. وكان هذا التراجع علامة تدلّ على أن قوّة التعليم الانجيلي أصبحت ضعيفة. ونستطيع القول إذن، أن ردّة الفعل لدى المُنشقين البروتستانتيين على هذا الوضع كانت قاسية وعَنيفة. لذا كان من الطبيعي، بروز الدعوات القوية للعودة إلى الكتاب، وإلى الجذور المسيحية الناشئة. ولم يَجد المُنشَقون لكي يُحققوا أهدافهم، إلا بعد إبتعادهم عن السلطة الكنسية في روما، وتحرير الكتاب المُقدس، من إطاره الليتورجيّ، ومن كل إكراه تفسيريّ يَفرضه التقليد والسلطة التعليميّة.
وتبقى نظرية "الكتاب وحده"، بالنسبة إلى البروتستانتيين، سلطة عُليا لا تُماثلها سلطة أخرى. وأصبح الكتاب بالنسبة إليهم، بمثابة الجريدة اليومية، أعطاه الله هدية للجنس البشري؛ والذي يحتوي على وحيّ من الله؛ يجب أن يُقرأ ليلاً ونهاراً؛ وأن يُعمل به في الحياة اليومية. ولا عجب أن تشتهر الكنيسة البروتستانتية، بكثرة مدارس الترجمة والتفسير. إذ منذ أن أعطى المُنشق (مارتن لوثر)، الحق لكل مسيحى مؤمن أن يُفسّر الكتاب المقدس، حَسبما يُرشده الروح القدس، ظهرت على الساحة تَرجمات وتَفسيرات لا حَصرَ لها. وكان من طموحات المصلح الأنكليزي(وليم فيدال 1494 – 1536 ) الرئيسة، ترجمة الكتاب المقدس الأولى من نوعها الى الأنكليزية، ووضعه في يدِ كل عامل وفلاح، كي لا يكون محصوراً فقط في يد المثقفين والإكليريكيين كما كانت العادة مِن قبلُ.
ويعتقد البروتستانتيون، إضافة إلى ذلك بأن الكتاب المقدس يتكلم لنفسه بنفسه، ويُفسر نَفسه بنفسهِ. ففي كل جيل "بحسب البروتستانتيين"، يَلتقي عدد لا يُحصى مِن الناس مع الله، من خلال دراستهم لِصحفات الكتاب.
وتَجدرُ الإشارة إلى أن الخِبرة الحادة في دراسة الكتاب المقدس التي يُعلنها البروتستانتيون، ولا سيّما في غِياب السيّطرة السلطوية الكنسية، قادت البروتستانتية إلى الإنشقاقات والإنقسامات الى أعداد هائلة من الطوائف والكنائس، والتي يربطها رابط ضعيف مع بعضها بعضاً. ويَكمن التفاؤل الوحيد في تلك الكنائس، في وجود نوع من الوحدة الروحية الداخلية بين المؤمنين؛ إذ يتفق معظم البروتستانتيون في الأمور الجوهرية والأساسية، ولكن من دون أن يتفقوا على الأمور الثانوية.
السلطة الكنسية
لعل الفرق الرئيسي بين الكاثوليك والبروتستانت يَكمن في طبيعة ونطاق السلطة. إذ أن البابا مع التسلسل الهرمي للأساقفة يُشكل السلطة النهائية في الكاثوليكية. ويقبل الكاثوليك ليس فقط التعاليم العقائدية من تلك السلطة، بل التعاليم الأخلاقية، التي قد تُكلف البعض كثيراً في طاعتها، لا سيّما في مجال قوانين الزواج.
ومن الممكن تعريف الكنيسة الكاثوليكية بكونها مُجتَمع عالمي مُتَرابط، لها سلطة دينية مُتَمثلة بالبابا رئيساً للكنيسة الجامعة، مع مجلس الكرادلة والأساقفة في العالم كله. إضافة الى كونها واحدة من أقدم الموسسات الكنسية، التي تَرجع بِجذورها إلى بدايات المسيحية. فالكنيسة إذن، تشبه العجلة، والكنائس المحلية المنتشرة في محيط العالم الواسع، مرتبطة بمركز الكنيسة الذي في روما. فالكنائس الكاثوليكية المُنتَشرة في كل مكان تَتَحد مع بعضها البعض. ولكن من الطرف الآخر، لا يَجد البروتستانتيون ضرورة إلى مثل هذه المركزية في الكنيسة؛ ويَعتقدون بأن الطاعة المُقدَمة للبابا من قبل الكاثوليك تَنتَهك الحرية الفردية للأشخاص الكاثوليك. ولذلك يَعترض البروتستانتيون على هذا النوع من الوحدة؛ ويَعتقدون بأن من يَنتمي الى الكنيسة الكاثوليكية، ويَقبل تَعاليمها وعَقائدها، يُضّحي في الواقع بِحريتهِ الشخصية، ولا يستطيع معارضة الكنيسة، حتى في الأمور الثانوية جداً.
ولكن في الواقع، تُمارس الحَركات البروتستانتية السلطة أيضاً بكل الطرق. إذ أنَّ الدول في شمال أوروبا والمعروفة بوجود أنظمة كنسيّة وطنية؛ توصف كنائسها بالوطنية بالمعنى العرقي. ولا تزال الكنائس الوطنية، لها حاضرً قويّ في الدول الإسكندنافية؛ ويَحتفظون بالنظام الأسقفي على الطريقة الكاثوليكية، كما في حالة "انكلترا"، إذ أن الكنيسة الأنكليكانية تُعد كنيسة وطنية، ولا تَزالُ تشكل أهمية حضارية وثقافة للشعب الإنكليزي. فالسلطة الكنسيّة في تلك الكنائس، تَنحصر بيد الأساقفة والمجمع الكنسي العام، الذي يتم فيه إتخاذ القرارات الكنسية، وعلى طريقة التصويت الديمقراطي بأغلبية الأصوات.
وأما بالنسبة إلى السلطة في الكنيسة "المشيخية الاسكتلندية"، تَنحصرُ بِيَد الرعاة الكنسيّين، الذين يُحاطون أنفسهم بمجموعة من اللجان من الشيوخ العلمانيين. والأمر نفسه بالنسبة إلى الكنيسة "الميثودية" مع فارق واحد، إذ يبقى راعي الكنيسة، أو الخادم لفترة مُحدّدة في مكان واحد، ويكون مُلزما ًبالإنتقال الى مكان آخر في نهاية مُدَتهِ. وكذلك بالنسبة إلى الكنائس الأنجيلية الأخرى، إذ أن السلطة فيها تعود لخادم الرعية، التي تكون عادة متوازنة مع سلطة العلمانيين المُنتَخبين من قبل الرعية كَمَجلس كَنسيّ. ولكن في بعض الكنائس البروتستانتية المُسماة بكنائس "الأخوة"، ليس هناك رُعاة رسميين، لأن الخدمة الكنسية يَقودُها العلمانيون بالتناوب.
وتجدر الأشارة إلى إن الكنائس البروتستانتية، تشترك جميعها في أمر واحد ألا وهو رفض السلطة الكهنوتية، التي تعتز بوجودها الكنيسة الكاثوليكية، والكنائس التقليدية الأخرى. إذ أن الكنيسة الكاثوليكية، وبموجب تعاليمها وعقائدها، تؤمن بأن الكاهن يَحصل على قوّة التَكريس في إقامة الأسرار، وتقديس الخبز والخمر، وتحويلهما الى جسد ودم المسيح. فالكاهن يَستَمدُ صلاحيته بالرسامة الكهنوتية من الرسل لمغفرة الخطايا؛ بينما الخادم، أو الراعي في البروتستانتية هو مُجرّد معلم روحاني. ولذلك أصبح الخط الفاصل بين الخادم وبين العلمانيين في الكنائس البروتستانتية غير واضح البتة. مع العلم ان البعض من الكنائس الإنجيلية، بدأت مؤخراً بالإحتفال بالعشاء الرباني الأخير "الأوخارستية"، كما في بعض الأجزاء في استراليا، حيث أن الوجود الكنسي الأنجيلي قويّ جداً هناك. إذ تحتفل تلك الكنائس بالأوخارستية، ويقوم العلمانييون بتلك الخدمة بِفَرح كبير.
ويبدو أن الخادم في تلك الكنائس له مكانة خاصة، ليس بحكم النعمة المقدسة التي تعطى للكهنة والقسس، كما في الكنائس التقليدية من خلال الرسامة الكنسية، ولكن من منطلق خبرته وتدريباته ودراساته الكتابية، إضافة الى المواهب الروحية التي يَمتلكها أو تَمتلكها.
ويتعجب البروتستانتيون من وجود السلطة في الكنيسة الكاثوليكية، ولا يفهمون كيفية إدارتها من قبل البابا ومعاونيهِ. وتنتابهم الحَيّرة والدهشة من قوة وإلتزام الكاثوليك لتلك السلطة وإحترامهم الشديد لها، وطاعتهم العميقة للقرارات الصادرة منها. والبروتستانتيون من الجانب الآخر، لا يَرون من وجود حاجة إلى هكذا سلطة بيد شخص واحد. وكذلك بالنسبة إلى مسألة العصمة البابوية، فهي مسألة غريبة نوعاً ما بين البروتستانتيين. لأنهم يؤمنون بوجود العصمة فقط للنصوص المقدسة - الكتاب المقدس- وليس في شخص البابا، كما يعتقد الكاثوليك. ففي الحقيقة إن وجود فكرة شخص معصوم، مسألة تدعو الى القلق، أكثر من الأيمان بوجود نصوص مقدسة مَعصومة. والسبب واضح وبسيط جداً، إذ إن الكتاب المقدس يحتوي على الوحي الألهي، وعلى كل ما نحتاجه من الخلاص، فلماذا إذن نحتاج الى مُترجم، أو نائب مَعصوم يُترجم لنا، هذا المفهوم الواضح أصلاً في الكتاب المعصوم بحد ذاته؟

"الأصيل" و"غير الضروري" من الأنجيل
يُعد الأنقسام بين الأمور الأساسية والثانوية، أمراً مُهماً جدًا في العقيدة البروتستانتية. إذ أن من أهم الأسباب التي تجعل البروتستانتية تَنّفَر من الكاثوليكية هي مسألة السلطة البابوية التي تَنظر إليها البروتستانتية بكونها غير ضرورية على الأطلاق. فالبروتستانتيون بِبَساطة شديدة، لا يحتاجون الى روما، ولا إلى سلطتها الروحية. إلا أن العديد منهم يَدّعون بأن لهم إتصال وتواصل مع روما؛ والعديد منهم أيضا يُصرّحون قائلين: بأنهم يَتَحدون مع روما في وحدة إيمانية، وغير مرئية، ولكنهم يَمتَنعون من قبول السلطة البابوية. ويَرون أيضا بأن الأنقسام بين مختلف الكنائس والحركات المسيحية، يُعد شيئاً إيجابياً؛ في حين أن الوحدة على الطريقة الكاثوليكية تُعد أمراً سلبياً جداً، بالنسبة إليهم.
وترتكز العقيدة البروتستانتية في موضوع الأمور الجوهرية وغير الضرورية في الوحدة غير المرئية، والتي تَتَجاوز التَفكك الخارجي بينهم. ففي المعمودية في سبيل المثال، يَستمرُ السِجال بين الحركات البروتستانتية، ولا سيّما في موضوع معمودية الأطفال الى يومنا هذا. إذ أن أقساماً من الحركات البروتستانتية، لا يقبلون معمودية الأطفال. ولهذا تُسمى تلك الكنائس بالمعمدانية. فالكنائس المعمدانية مُقتَنعة تماماً بأن الحاجة للموافقة على نداء المسيح، يجب أن تأتي من القلب. وقد ينتظر المؤمن المعمداني الى بلوغه أو بلوغها سِن الرشد لقبول المعمودية، وذلك عن طريق الغَمر الكامل في الماء. وأما بالنسبة إلى الكنائس "المشيخية والأنجيلية"، فلا يَترددون بتعمبد الأطفال، مُستَندين على فَقرات من الكتاب المقدس، التي تؤكد تعميد العوائل بأكملها، ومن ضِمنهم الأطفال، فالأطفال يُحاطون بِسبب إيمان والديهم. مع العلم أن الإختلاف في الممارسات العملية، لا يُعد في الوقت الحاضر، إختلافا في الأمور الأساسية، في حين أنه كان فرقاً أساسياً في الأجيال السابقة.
ففي الحقيقة، تبدو الأمور الجوهرية التي تختلف عليها الكنائس في المائة سنة الأخيرة، قد تَقَلّصت كثيراً. وكذلك الأمر بالنسبة الى الأمور الأصيلة وغير الضرورية، إذ تلاشت تَقريبا المواضيع، التي لم يكن مُمكناً النقاش في شأنها، قبل قرن من الزمان. ففي سبيل المثال، كان موضوع الثالوث الأقدس، شائكاً، ومصدراً للنقاش والجدال، بل جوهرياً بالنسبة الى كل من يَدعو نفسه مسيحياً، ولسنين طويلة خَلت. وقد أدت تلك النقاشات إلى إنشقاق العديد من الجماعات عبر السنين؛ إلا أن الحركة المسكونية، بدأت تُرحب في هؤلاء أيضاً، ومعهم الكنائس الأخرى كالكويكرس(المُرتعدين)، وغيرها من الطوائف، التي تَبتعد كل البُعد في طقوسها وعقائدها عن التيارات المسيحية الرئيسة.
ومن المُلفت للنظر اليوم، أن التغيرات الثقافية في العالم كله، وفي جميع المجالات، أَثرَت على المذهبية المسيحية، وجعلتها أكثر تقارباً مع بعضها بعضاً من جهة، ولكنها أدت إلى الخلط في الحقائق، وبروز ما يُسمى بالروح النفاقية، وتغليب المصلحة الذاتية، في تحقيق الحاجات الشخصية من جهة أخرى. وأدت كذلك وللأسف الشديد إلى نشوء حركات بَعيدة كل البعد عن التعاليم المسيحية الصحيحة، لأن تركيزها بقي يَشملُ الخِبرات الشخصية الحياتية فقط، من دون الإنتباه للأمور العقائدية. ففي إحدى المَرات، جاءت إلى الكاهن الكاثوليكي سيّدة شابة، تطلب مَكاناً لحفلة الزفاف؛ وأستشار الكاهن أسقفه المسؤول حول الموضوع، فأجاب الأسقف بأن الموضوع لا يَتفق مع القانون الكنسي، فإضطر الكاهن مواجهة المرأة بهذا الأمر، وكان جواب المرأة ببساطة شديدة، "إنه مناسب بالنسبة اليّ يا أبتي". وفي حالة مماثلة لهذه القصة، حَدثت مع الراعي البروتستانتي، الذي بَلّغ كاتب هذا الكتيب قائلا: "بأنه ليس مُتشدّداً كِفاية في الأمور الأخلاقية".
فالمشاركة في التجمّعات المسكونية إذن، أصبحت اليوم، المعيار الحقيقي للوحدة بين الكنائس، والطوائف المختلفة. وأصبح الأستياء القديم من مشاركة الكنيسة الكاثوليكية في تلك التجمّعات، مرفوضاً بين الكنائس الأخرى. وأما بالنسبة الى الكاثوليك، فالأختلاف المُفتَرض من قبل بعض البروتستانتيين في مسألة الجوهر والأمور الأساسية، بدأ يوصلنا في حقيقة الأمر الى مسألة في غاية الأهمية، وتَتلخص في موضوع مُهم جداً وهو:"مَن الذي يٌقرر ما هو الإختلاف؟!"، أو مَن الذي يُقرّر ما هو الأمر الجَوهري، أو الثانوي؟. فالمسألة الجوهرية بالنسبة الى الكاثوليك هي الوحدة مع الكرسي الرسولي في روما؛ فهي إذن، من الأساسيات المهمة والجوهرية. ولكن بالنسبة الى البروتستانتيين، تُعد الوحدة أمراً ثانوياً جداً، ومن دون أهمية تُذكر.
ومع أن المذاهب المسيحية تَقتَرب مِن بَعضها بعضاً من جانب، ولكن من الجانب الآخر، أن الإختلاف مع بعض الكنائس البروتستانتية، يَبدو أعمق بكثير مما كنا نظن سابقاً أو نعتقد. إذ أن البروتستانتيين يُحافظون بِشدة على القضايا المُوحاة في الكتاب المقدس، وبطريقة أكثر تطرفاً من الكاثوليك. ولكنهم يَتساهلون كثيراً عندما يَتعلق الأمر في المبادىء الأخلاقية العامة، التي يحتوي عليها الكتاب المقدس، كالأجهاض، وحبوب منع الحمل، والقتل الرحيم، وغيرها من الأمور التي تَتَركها الكنائس البروتستانتية على المؤمنين، لكي يُقرّروا بأنفسهم، وبحسب ما تُمليه عليهم ضمائرهم. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الطلاق، الذي أصبح مقبولاً بِشكل مُتزايد في الأوساط البروتستانتية. وأما بالنسبة الى الكاثوليك، فالوحي يأتيهم من خلال تعاليم الكنيسة. لأن الكنيسة هي التي تُفسّر الكتاب، وهي التي تُقرّر في الأمور الخاصة، ولا سيّما الأمور الأخلاقية.

السيدة البتول
تشتهر البروتستانتية بتعدّد المدارس والأفكار، وبتعدّد وجهات النظر تجاه مريم العذراء. إذ أن الكنائس اللوثرية والأنكليكانية، مع جميع الكنائس البروتستانتية الأسقفية، لا تزال تَحتفظ بالطقوس الكاثوليكية، التي تُكرم مريم العذرء بشكل مُشابه تقريباً مع سائر الطوائف المسيحية التقليدية. غير أن عددًا آخراً من الطوائف، ولا سيّما في الولايات المتحدة الأمريكية، تَختلف وجهة نظرها عن الوجهة النظر التَقليدية في المسيحية؛ إذ لا تَعتقد ببتولية مريم العذراء بعد الولادة. وتَعتقد أكثر من ذلك، بقولها أن البتول مريم، ربما أنجبت أولاداً، وتابَعَت حياتها كسائر النساء بعد ولادة يسوع، إستناداً إلى تفسير خاص لبعض آيات الكتاب المقدس. فليس هناك إذن وجود لشفاعة البتول مريم، وليس هناك أيضاً تَخصيص لأعياد أو تذكارات خاصة بها. وغالباً ما يُعطي البروتستانتيون تشبيهاً غريباً يَرفضه الكاثوليك والكنائس التقليدية جميعها، بكونها أي "مريم العذراء"، العلبة التي إحتضنت الجوهرة، والتي "فقدت أهميتها بَعد أخذ الجوهرة منها".
وتَنظر البروتستانتية في النقاشات التقليدية حول السيدة البتول كما يلي: كانت مريم فتاة يهودية عادية، خاطئة كغيرها من البشر من دون المسيح، أي انها لم تَكُن كائنًا منفردًا. إذ أُختيرت من قبل الله لكي تُعطي الطبيعة الإنسانية لأبن الله المُتَجسّد. وتشير التعاليم البروتستانتية أيضاً على أن مريم نفسها أرادت أن تكون إمرأة عادية جداً، ولم تَرغب أكثر من قيادتنا لأبنها وأعماله الخلاصية. فالبروتستانتيون إذن، لا يؤمنون بالشفاعة إستناداً على الآيه القائلة: "يوجد إله واحد، ووسيط واحد، بين الله والناس، الإنسان يسوع المسيح" (1 تيم 2: 5).
وبعد أن أكملت العذراء مريم مهمّتها، إنسحبت عن الأنظار، كي يَشع مَجد إبنها للعالم كُلهِ؛ فهي لم تكن أبداً مُعفاة من الخطيئة الأصلية. ولعل تلك النقطة هي الأهم. إذ أن الله إختار التَجسّد، لكي يكون بين البشر الخطاة. فالشىء الأخير الذي أرادته مريم إذن، هو التَبجيل المُقدّم لها من قبل الكاثوليك.
وتقتصر النظرة البروتستانتية إلى مَريم بكونها شخصية تاريخية في المسيحية؛ وإنّ حياة المسيح على الأرض لم تَستمدّ مُعينها إلاّ من الله وَحَدهُ. وثانيًا أَسهمت مريم في هذا الحدث بقبولها عطيّة الله. ولكنها بِمُجرّد أن أنجبت إبن الله، إختفت، ولم يَبقى لها دور يُذكر في الخلاص. وهذا يقود إلى نقطة أخرى، أو تتسبب عنها، وهو أن البروتستانتيين، لا يقدمون الصلاة للسيدة مريم وللقديسين. وتطوّر الأمر عندهم إلى منع تَقديم الصلوات حتى للِمَوتى، إذ أن الموتى يقع مصيرهم في يَد الله كلياً، وتَحت رحمتهِ. لذا نحن لا نستطيع تغيير قدرهم في أي حال. وعلى العكس مما يقوله البروتستانتيون في هذا الخصوص، إذ أن الكتاب المقدس، يُوافق على الصلوات، في قولهِ: "صَلوا بَعضكم لأجل بعض" (يع 16: 5). وكان القديسون أنفسهم يطلبون صلوات الناس عنهم. فالقديس بولس يقول لأهل تسالونيكي:"صلوا لأجلنا"(2 تي1:3 ). فإن كان القديسون يطلبون صلواتنا، أفلا نطلب نحن أيضاً صلواتهم؟!. ويقودنا هذا الأمر الى المفهوم الكاثوليكي للمَطهر. فالبروتستانتيون، يؤمنون فقط بوجود الجنة والجحيم؛ ولا يَضعون أية إمكانية إلى وجود وِساطات وشَفاعات على الأطلاق. وبالنسبة الى تقديم الصلوات للقديسين، لا يُميّز البروتستانتيون بين المؤمنين العاديين وبين القديسين. ولذلك يَتبنون المصطلح"القديسون"، من العهد الجديد، ويّستخدمونه لجميع أتباع المسيح. فكل مؤمن مسيحي عندهم هو قديس. ولكن البروتستانتيين، يعتقدون أيضاً بِعدم وجود الصلاحية لأي كنيسة بإعلان قداسة شخص ما، بسبب سيرته أو أعمالهِ البطولية في الرحمة والعبادة للمسيح. ويُعدّون ذلك أمراً غير مرغوب فيه بالنسبة الى المؤمنين، بل هو مؤذ ومضر لهم. والأشد من ذلك، يَتصورون بأن الكاثوليك يَستخدمون الكلمات من الكتاب المقدس، ويُعيدون صياغتها وربطها في معان جديدة، ويَصلون بالتالي الى النتائج، التي يُريدونها في خصوص مريم البتول والقديسين.
ولكن البروتستانتيين بدأوا مؤخراً بالإعتراف نوعاً ما بوجود شخصيّات مسيحية في الماضي، عُرفوا بِبَراعتهم في إيمانهم، وبأحقيتهم في الإحترام والتقدير، وبالواجب في تذكيرهم في الفنون، وفي بعض الأحيان في خدمات روحية تذكارية. فالكنيسة الأنكليكانية مثلا، لا تزال تَحتفظ في تقاويمها الكنسية، وكتب صلواتها، ذِكر بعض القديسين من القرون الوسطى. وقد أضيفت بعض الأسماء الأخرى حديثا، لمسيحيين يَستحقون أن تُضاف أسماءهم الى قائمة القديسين.
الإنقسام الكبير في البروتستانتية
"الإنجيلية والليبرالية"
هناك العديد من نقاط الخلاف بين الطوائف الكاثوليكية والبروتستانتية، وكذلك بين الكنائس البروتستانتية نفسها. ويُعد الإنقسام بين الكنائس الإنجيلية والكنائس الليبرالية بصورة عامة، من إحدى تلك الإنقسامات. ففي الكنيسة الإنكليكانية توجد جَريدتان رسميّتان ناطقتان بإسمها؛ الأولى تَنطقُ بإسم الإنجيليين، وتُسمى "جريدة الكنيسة للإنكليكان"، وهي جريدة أسبوعية. والثانية تَنطقُ بإسم الليبراليين، وتُسمى "جريدة التايمز لليبراليين" وهي جريدة أسبوعية أيضاً.
وكانت الكنيسة الإنجيلية جزءًا من الكنيسة الإتكليكانية المُنشَقة أصلاً من الكنيسة الكاثوليكية في القرن السادس عشر، والتي إنشق منها أيضاً مذهب المُطهرين في القرن الثامن عشر في ألمانيا؛ والكنيسة "الميثودية" المُؤسسة من قبل "جان ويسلي" نفسه.
مع العلم أن الكنيسة الإنجيلية عُرفت كأنشط وأقوى وأكثر حيويّة من جميع الحركات البروتستانتية بعد الحرب العالمية الثانية. إلا أن هناك بعض الغموض والتَشتت في إستخدم إسم الكنائس الإنجيلية؛ إذ أن البعض من الكنائس، تَستخدم الأسم من دون أن تكون لها علاقة وحدوية مع الكنيسة الأنجيلية التقليدية، كما هي الحال مع الكنائس الإنجيلية المُستَقلة. ولكن الواقع يؤكد أن الطريقة في التفكير والممارسة الروحية، سواء بصورة أقل أو أكثر، تتواجد بين أعضاء كل الطوائف البروتستانتية. ولعلَّ من أبرز تلك الحركات الإنجيلية، الحركة المُسمات " ألفا"، والتي إنشقت من الكنيسة الإنجيلية الإنكليكانية للروح القدس، ومقرها في برومتون – لندن. فما تنظر إليه الكنيسة الإنجيلية البروتستانتية إذن، يُعد أمراً جوهرياً في الإيمان المسيحي، كغيرها من الكنائس البروتستانتية الأخرى؛ إذ أن الكتاب المقدس هو الركن الأساس لكل الأمور الإيمانية فيها؛ وهو كلام الله الموحى به من الله، والمَعصوم من الخطأ والزلل. ومع أن البروتستانتيين يَحترمون نظرياً، الكتاب المقدس، إحتراماً شديداً، ويستندون اليه في قراراتهم، وإختياراتهم اليومية، إذ يَستخدمونه، حتى في صلواتهم وعباداتهم. إلا أن ما يَنقصهم، الجانب التقليدي في الكنيسة، إضافة إلى الجانب العقائدي الموروث، الذي تَعتزُ به الكنيسة الكاثوليكية.
ومن المُثير جداً في الحركات الإنجيلية، إستخدامهم للكتاب المُقدس كخط مفتوح مع الله. وقد يكون هذا الأمر، للدعابة الكاريكاتورية. إلا أن هناك البعض من الكاثوليك الكارزماتيكيين، الذين يشتركون مع أخوانهم الإنجيليين، ولا سيّما في مسالة الحوار مع الله، الذي تُعلنه الكنائس الإنجيلية، وتدعو بجدٍ وإخلاص للبحث عن الهداية في كل الإختيارات والقرارات، وذلك من خلال إستخدام الآيات الإنجيلية، التي تعني الموضوع، أو من خلال كلمات المؤمنين الآخرين، أو حتى من خلال الأحلام. إذ نلاحظ إنتشار مفردات خاصة تَتماشى مع هذه الطريقة في التفكير، مثل الجملة التي تؤكد بأن "الرب قال لي ... أو الرب قادني لأقوم بالشيء الفلاني، أو للقيام بالعمل المطلوب" . فالأمر الخاص في الحوار مع الله، هو لغرض الطلب من الله للتدخل العجائبي، أو للمشاركة في الحالات الشفائية، التي نراها أثناء الخدمة في المعابد الإنجيلية، أو في حالات الوقوع في مشكلة، أو في ورطة كبيرة. إذ يدعو الإنجيلي المؤمن حينئذٍ لتَدخل الله المُباشر ليَحلّ المشكلة، أو ليزيل العقبات من أمام المؤمن الداعي. ونستنتج من هذا، أن الحوادث التي تحدث في حياة الناس، ينظر إليها معظم البروتستانتيون بكونها تتم بتدخل إلهي سواء للعون أو للمساعدة. ولكن المؤسف في الأمر، أن البعض من البروتستانتيين، يبالغ كثيراً ليَجعل الله يَمشي معه، حتى في خطوات حياتهِ.
وهناك قلق أكثر من هذا النوع من الفهم للإيمان. فقبل بعض السنوات دعا كاتب معروف، في إقامة جدال مع أحد الرعاة الإنجيليين، ويُدعى "مايكل مايكل". ولم يأخذ "مايكل" الحوار بمحبة وتفهم كبير، إذ أجاب للكاتب، الذي عارَضه في الرأي، مُنهياً الحوار بصيغة تهديدية قائلا: "مَن تكون للتتعارض مع ما قاله لي الروح القدس؟! وقد جَلب هذا التصرّف إنتباه البعض إلى الموضوع العقلاني في التعاليم الكنسية الإنجيلية، أو بالأحرى للطريقة التي يُفكر بها الإنجيليون. ولكن الكاثوليك والليبراليون على السواء، ينظرون إلى "العقلانية"، كهبة الله للإنسان، نَستخدمها بالبهجة والسرور. وكذلك بالنسبة إلى الأمور الأخرى في الحركات الإنجيلية التي تُرعب الناس وتُرهبهم، ولا سيّما في مسألة الحَدس المُفاجىء، والبَصيرة النافذة، والأحلام والنبوات، إضافة إلى تنسيب الأمور الصغيرة والكبيرة، الى الكتاب المقدس، والإستشهاد بالآيات المُتطابقة مع الأمور الحياتية المُختلفة.
وقد تجد هذا النوع من التفكير في بعض الأحيان، حتى في الكاثوليكية، ولا سيّما في حياة بعض القديسين الكاثوليك. ولكن هناك دوما تَدقيق شَديد من السلطات الكنسية العليا، لغرض السيطرة عليها، ولخلق نوع من التوازن للخروج من الأزمة. ولكن في الحركات الإنجيلية، لا يوجد شىء يَمنع المُتطرفين من الإنشقاق وتأسيس رعية جديدة، أو كنيسة جديدة.
ولهذا ليس غريباً إذن، من إنتشار ظاهرة التشتت والتجزئة في الكنائس البروتستانتية التي تَضعف الكنيسة بشكل فضيع. فإذا عضو في الكنيسة البروتستانتية، في سبيل المثل، حُوصر أو أُحرج مِن قِبل مجموع المؤمنين بسبب مَقطع كتابي، أو مجموعة من المقاطع، فإنه من دون تَردّد، يَتحوّل الى كنيسة أخرى، أو طائفة أخرى، أو حتى ليؤسس طائفة جديدة. لأن البروتستانية تؤكد على الولاء الكامل للكتاب المُوحى به من الله، وليس للكنيسة أو للجماعة. ولو أن عضواً من الكنيسة، ظن أنه قد تلقى نداءًا ربانياً للقيام بعمل ما، فالعمل الرباني يكون له الأولوية، بالرغم من إعتراض الجماعة من حواليه، وبالرغم من إعتراض السلطة الكنسية عليه. وعلى العكس من ذلك تماماً في المفاهيم الكاثوليكية، لأن من يقبل نداءًا من الله، عليه أن يكون صبوراً لكي يُعطي الفرصة للكنيسة لتُعطي رأيها في الموضوع. فالنداء في الكاثوليكية، يجب أن يَكون مُثَبّتاً من قبل الجماعة، أو من ممثليهم، كما في حالة القديس فرنسيس الأسيزي، الذي كان راهباً حُراً طليقاً، ولكنه بالرغم من ذلك، أراد الكنيسة أن تُثبت أعماله، وتَقبل رؤياه ودعوته الإلهية للرهبنة.
العلاقة الشخصية مع يسوع
لعلّ المواضيع الكتابية، التي يؤكد عليها الإنجيليون، أكثر من أي شىء آخر هي تصوير حياة الإيمان على العلاقة الشخصية بينهم وبين يسوع. ويدخل المؤمنون الإنجيليون في تلك العلاقة بالتعبير عن التوبة من الخطايا، وبالطلب من المسيح لكي يدخل حياتهم فادياً ومُخلصاً. وللوصول الى ذلك الإلتزام، يَتعهد المؤمن، البدء من جديد والشروع في فترات من الصلوات والعبادات الخاصة؛ إضافة الى المشاركة في دورات للكتاب المقدس، وممارسة الإيمان، بحيث تكون قراراته وإختياراته مُتَطابقة مع هِداية الله. وعلى المؤمن الإنجيلي أيضاً، أن يلتحق بِتَجمّع للصلاة والعبادة الخاصة، بحيث يكون الإيمان الإنجيلي يوعظ، ويُمارس فيها. ويكون التركيز عادة من خلال تلك التجمّعات على الترنيم الروحي، تتخلله قراءآت من الكتاب المقدس وتفسيره وشرحه، إضافة الى الصلوات الإرتجالية التي عليه القيام بها. فما يقلق الكاثوليك قليلاً، التعبير الخاطىء الذي يَصرُ عليه الإنجيلييون، وهو أن التعبير"المسيحيين" يترادف مع التعبير "الإنجيليين"، بل إنهما شيئاً واحداً. وبأنهم أي "الإنجيليون" هم المسيحيون الحقيقيون. ولهذا نجد التجمع للطلبة الإنجيليين في الكليّات والجامعات والمدارس، يُقارنون أنفسهم دوماً بكونهم التجمّعات المسيحية الحقيقية.
الجماعة الخمسينية "البنتيقوسطية"
جماعة الروح القدس
تُعد البنتيقوسطية مِن أَقوى الحَركات البروتستانتية في الحركة الإنجيلية نفسها، التي بَدأَت في بدايات الألفية الثانية، وإنتشرت في العالم كلهِ في بدايات الألفية الثالثة. وتُعرف أيضا بالحركة الكارزماتيكية. وتَعود جذور الحركة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تأسست لأول مرة. وتُعرف الحركة بِتَشدُدِها الكبير في التبشير عن مواهب الروح القدس. وتؤمن بأنَّ كُل مؤمن له القابلية للحصول على تلك المواهب المذكورة في الكتاب المقدس، والتي تَتَضمن التكلم بالألسن وتفسيرها، والتنبوء بالنبوات، إضافة إلى الهِبات الشفائية المُختَلفة.
وقد ظهرت في السنوات الأخيرة، حالة جديدة بين أتباع الحركة، وتدعى بِحَسب اللغة الكتابية باللمس من الروح القدس، وتتم هذه الحالة بالوقوع على الأرض مِن شِدة الضربة، أو مِن شِدة حَرارة الروح، وبخاصة بعد وضع الأيدي من قبل الراعي، أو المُبشر الإنجيلي. وتُرافق الأحداث هَمهَمات وصُراخات؛ وفي بعض الأحيان ضَحكات مُستَمِرة لِعشرات الدقائق، دَلالة على البَهجة والفَرح مِن حضور الروح القدس. وتَشهد بَعض الجماعات الكاثوليكية أيضاً، مُمارسة هذه الظاهرة في إحتفالاتها الروحية الخاصة. ويبدو أن هؤلاء الكاثوليك قَد تَعلموا من الظاهرة البنتيقوسطية بعد مشاركتهم في إحتفالاتهم الروحية، مما قاد هؤلاء الكاثوليك الى مزج الطقوس الكاثوليكية مع الممارسات العِبادية للحركة الكارزماتيكية، والتي تُسمى "بالحركة الكاثوليكية الكارزماتيكية". ففي الجريدة الخاصة المُسماة "ألفا"، والتي تُنشر بإنتظام، تظهر مِن خلال القصص الخاصة عن الكاثوليك المُتَجددين، إيمانهم بعد إنتماءهم للدورات التي تقيمها "ألفا". وقد يكون هذا الأمر، شيئاً جديداً في الكاثوليكية في السنوات الأخيرة.
ويبدو أن الفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، شهدت قبول الكاثوليك في صلوات الإنجيليين، بكونهم في حاجة ماسة إلى الروحانيات والصلاة المشتركة، ولكي يقبلوا كمسيحيين حقيقيين.

إنتشار الإنجيل
إنه مِن المُدهش جداً اليوم، وجود الإمكانيّات الهائلة، والإستثمارات الضخمة، التي تستخدمها الحركة البنتيقوسطية في حملاتها التبشيرية لنشر الإنجيل في كل أصقاع العالم. ولعلَّ الحماس القويّ من وجهة النظر البنيقوسطية، نابِعٌ مِن إلتزام قادتها وأعضاءها ومؤمنيها، لمفهوم الخلاص الشَخصي، الذي يُعد أهم عقيدة، لدى أتباع تلك الكنيسة.
فأتباع الحركة حَريصون أشد الحرص في القيام بالحملات التبشيرية العالمية، أو في التَجمعات الضخمة للصلاة، أو القيام بالدعوات الروحية لتجديد الإيمان، والتي يَتمُ مِن خلالها دعوة الحاضرين عَن طريق مُكَبّرات قوية للصوت، للتقرّب، وإظهار إنتماءهم ليسوع على الفور، ومن دون تَردد. ففي الوقع أن البرنامج "ألفا"، مثال رائع وممتاز للإيمان المسيحي من الوجهة النظر الإنجيلية، التي تَجدّ في البحث عن المُهتدين الجُدد. وقد أسس البرنامج، الراعي "تشارلس مارنهام"، بنصيحة من زوجته سنة 1977، والذي عُرف بإيمانه العميق عندما كان راعياً في كنيسة "برومبتون" في لندن. وبدأ البرنامج بصورة متواضعة لأول مرة. وظلَّ تركيزه ينصبُّ على تعليم أعضاء الكنيسة، الأساسيات المُهمّة للمسيحية. وتطوّر البرنامج بعد ذلك لينتشر في مساحته الجغرافية، وليشمل العديد من الكنائس والمعابد، إذ بدأ بتقديم البرامج الروحية لكل مَن يَهتم بِتَعلّم الإيمان. وتشهد اليوم الكثير من التجمّعات المسيحية تغطئة كاملة لمواد هذا البرنامج، ولا سيّما في الإحتفالات الروحية الكبرى، التي تُقيمها الحركات البنتيقوسطية لكي يُعلنوا إيمانهم بيسوع المسيح.
ويشتهر النائب المسؤول عن الحركة في كنيسة الثالوث الأقدس في برومبتون - لندن"نيكي كامبل"، بكونه من المتكلمين الأساسيين في تلك الإحتفالات، التي تستخدم فيديوات البرنامج "ألفا". ويُعرف السيد "كامبل" بكونه خِطيبٌ ماهر، يدخل قلوب سامعيهِ، مع أن الكثير مِن المُبشرين، وجدوا صعوبة للقيام بالدور نفسهِ، ولا سيّما في قضايا مُهمّة مثل "لماذا تَبدو اليوم، الديانة المؤسساتية المنظمة، مُمِلّة ومُزعجة".
وتُعد البرامج، التي تُقدمها الحركة عن طريق "ألفا"، ناجحة ومثمرة جداً، ولا نستغرب مِن إستخدامها في التجمّعات الكاثوليكية في المستقبل القريب. إذ تعرف تلك البرامج بغيرتها الرسولية في إستخدام الإنجيل، والتي تُختَتَم في وجبة غذائية خَفيفة ومُشتَركة "Alpha Supper".
مع العلم أن تلك البرامج الروحية، تَجذب الكثير من الذين يشعرون بالوحدة، بخاصة من الذين يَحتاجون الى نوع من الألفة والصداقة مع الآخرين. ولكن الحركة لا تخلو من نواقص، إذ تُوجه لها إنتقادات كثيرة؛ ومن تلك الإنتقادات: أن المسؤولين عن البرنامج المذكور، حَريصون جداً على شرح الإمور الروحية البسيطة، من دون توجيه أتباعهم للتَعمّق فيها، أو من دون محاولة مساعدتهم وقيادتهم لمرحلة من النضوج في الإيمان. وهناك أيضاً مشكلة أخرى؛ تكمن في كيفية التَلمذة والتباعة ليسوع المسيح في أثناء المحاضرات الروحية. إذ غالباً ما يَنسى المُبشرون، كيفية إعداد المُهتَدين الجُدد لحمل الصليب الثقيل في حياتهم اليومية. وأما المشكلة الثالثة، فهي في أن البعض من المُتَحدثين المشهورين، يوجهون المؤمنين نحو الكنائس الإنجيلية. ولكن الأسوأ في الحركة، هو ترك البعض من أتباعها للإيمان كُليّة، بعد توجيههم توجيهاً سطحياً أو خاطئاً. ومن الأمثلة الحيّة على ذلك، الواعظ المشهور "ديفيد واتسون" في مدينة "يورك" البريطانية، في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، الذي مات في حادث مأساوي، وهو في سِن الشباب. وقد كان الواعظ المذكور ماهراً في جذب الناس إليه، حتى من الأماكن البعيدة عن معبده الضخم جداً، ليَحضروا الصلاة والعبادة، وليستمعوا إلى وعظه؛ ولكن معظم هؤلاء إختفوا بعد وفاته في ذلك الحادث، ولم يجدهم أحد بعد ذلك. فهم لم يكونوا في الحقيقة، مُهتَدين للإيمان، بل بالأحرى من العابرين، أو من الركاب المؤقتين على الحافلة.
الإنجيل الشخصي
هناك أيضاً خلافات أخرى بين الكاثوليكية والكنائس الأنجيلية، ومنها أنَّ الكنائس الإنجيلية تَصرُ تَقليدياً على ترديد العبارة "الله الكتاب المقدس"، بدلاً من العبارة "الله الكنيسة". وتؤكد الحركات الإنجيلية بأن الإنجيل هبة العلاقة الشخصية مع المسيح، وبالتالي تأتي الكنيسة في المرحلة الثانية في المفهوم الإنجيلي؛ في حين إن الكاثوليكية، تنظر إلى الكنيسة، بكونها الأم، التي أعطت الحياة للكتاب المقدس(العهد الجديد). وقد قال المسيح في الكتاب المقدس بكونه الصديق، الذي لا يُخيب ظن المؤمنين به؛ وهو مصدر الفرح والرجاء، الذي يُعين الجميع حتى وإن خابَت الكنيسة ظنونهم. ولهذا نجد الأنجيليون يُصرّحون في بعض الأحيان قائلين: بأنهم لا يبشرون بالديانة، بل بيسوع المسيح. لذا يرفض الأنجيليون أن تكون المسيحية ديانة، بل يعدّونها حياة مع يسوع المسيح. إذ أن الديانة، تتضمن قوانين وأوامر ونواهي، قد تَحدُ من حركتهم، ولا تُساعد مفاهيمهم المسيحية التحررية جداً. فالمؤمن الأنجيلي يُشجَّع كثيراً في البحث عن المسيح في فترات خلوته، وصلواته الشخصية، وكذلك من خلال الدورات المُخَصّصة للكتاب المقدس التي يحضرها. ولكن ما يُحسَب لَهُ في النهاية وفَوق كل الأمور، هو القرار الشخصي لقبول المسيح في حياتهِ. ولهذا نجد الأنجيليون يبحثون دوماً عن الكنيسة، التي تؤمن بالكتاب المقدس. فإذا وَقَعت الكنيسة بأيدي رُعاة غير مُهتدين للمسيحية الصحيحة "بحسب نظرتهم الشخصية"، فما عليهم إلا التحوّل إلى كنيسة أخرى، بِشرط أن تَكون تَحت وصاية الكتاب، وهِداية الروح القدس. مع أن هناك عددٌ لا بأس به من المؤمنين، الذين يؤكدون على قبولهم للمسيح في حياتهم، ولكنهم لم يَنتموا يوماً الى أي كنيسة رسمية. مُدَّعين بأنهم لم يَجدوا كنيسة مناسبة بعد، أو أنهم لم يَجدوا كنيسة تُبشر بالإنجيل الصحيح. فالإنجيل إذن، شخصيّ جداً بالنسبة لهم، إذ يؤسس المؤمن علاقته الشخصية بالمسيح يسوع؛ ويربط مسيرة حياته مع المسيح، وليس في جسد المسيح السري، كما هو الحال في المفهوم الكاثوليكي. ففي الكاثوليكية ليست إرادة الفرد أن يُعلن بكونه مسيحياً، أم غير مسيحيّ، بل إنها مهمة الكنيسة، التي تُقرّر ذلك، وتُعطي للفرد العضوية في جسد المسيح السريّ. ويحصل الفرد على هذه العضوية في طبيعة الحال، عندما يقبل الأسرار الكنسية. ولكن من الطرف الآخر، تنظر الكاثوليكية إلى أن المؤمنين يجدون"الله"، اثناء الحضور في القداس الإلهي، وأثناء المناولة للقربان المقدس. مع العلم أن الكاثوليكية تُعطي أهمية كبيرة لتلك المشاركات، وتنظر إليها بكونها، أهم وأقدس بكثير، من الصلوات الشخصية.
ففي الواقع نشأت الحركة الإنجيلية كرد الفعل للديانة الوطنية، أو ضد الفكرة الإسكندنافية للكنيسة، وذلك بعد الإصلاح الكنسي، الذي أعلنه المُنشَق"مارتن لوثر". إذ سَحب حُكام تلك المقاطعات، ولائهم للسلطة البابوية في روما، وإنشقوا عن الكنيسة الكاثوليكية، وتخلوا عن التواصل البريدي مع الكنيسة في روما. وأصبحت في المُقابل تُجيب تلك المقاطعات للدول والحكومات الوطنية التابعة لها. وتخلت بالتالي عن المفهوم الشائع جداً في تلك الفترة، وهو أنهم يجب أن يكونوا تلاميذ المسيح لكي يكونوا مواطنين صالحين للدولة. وتغيّر أيضاً مفهوم الحضور الى الكنائس مقارنة بما كان سابقاً؛ إذ لم يبقى للناس حرية القرار، بالإنتماء أو عدم الإنتماء للكنيسة. فالكنائس في تلك البلدان أصبحت مُستقلة، ولم تعد تأخذ الأوامر من الخارج(روما) بل من الملوك والأمراء. ولهذا إتجهت نحو الروحانية الداخلية أكثر فأكثر، وفقدت بالتالي إتجاهها ورؤيتها الكنسية؛ وأصبحت تعتمد على الكتاب وَحده.
كان المبشرون المتجولون مثل "جان ويسلي، وجورج وايتفيلد"، في بريطانيا العظمى، النماذج الأصيلة للرسل الإنجيليين، الذين كانوا يَتجوّلون حول البلاد للحديث حول الإنجيل. وكانت تلك خطوة مُهمّة ومُتَميّزة. إذ لم يكن للكنيسة في إنكلترا، أُسس كنسيّة في تلك الفترة. ففي كل كنسية مَحلية، أصبح القسيس مَلكاً في خورنته؛ وكذلك بالنسبة إلى مفهوم الخورنة، إذ أصبح مختلفاً عن الفترات السابقة للإنشقاق. وكان على المبشرين طلب السماح من الخوارنة، للقيام بالتبشير في خورناتهم. ولقد سمحت هذه الفوضى الدينية في خلق نوع من الفساد، وطَغت روح الرشوة والفساد على معظم الخورنات، وأصبحت الخورنات تحكم حُكماً زَمنياً، إضافة إلى الحكم الروحي. وقد وصل الأمر في البعض من الخورنات، أن تخلى البعض منهم حتى عن واجباتهم الروحية، ومن دون أن يُحاسبوا من أحد. وأصبحت الرشاوي والمكافآت توزع يميناً ويساراً. وكان على "ويسلي ووايتفيلد"، في تلك الأوضاع، التنقل من مدينة الى أخرى، ومن بيت إلى آخر، لكي يُبشروا الناس بالإهتداء الشخصي، والتثقيف المسيحي الملائم، والحياة الروحية الصحيحة.
ولا بد من التأكيد إلى أن"ويسلي" لَم يَرغب في تلك الفترة، بترك الكنيسة الإنكليكانية، ولكن النظام الروحي، الذي أسسه، تطوّر تدريجياً بعد وفاته الى طائفة مستقلة، عُرفت فيما بعد، بالميثودية، التي إنتشرت في كل أصقاع العالم بعد ذلك.
وكان بروز الكنيسة الميثودية، نموذجاً حقيقياً عن التجزء والتشرذم، الذي أصاب الحركة الإنجيلية، إذ بدأت كل مجموعة تُفكر بشكل مستقل عن الكنيسة الرئيسة، وتُحاول تأسيس طائفة خاصة بها، أو كنيسة مستقلة عن الأخرى. ومن المُلاحظ أن تلك الإنقسامات بدأت منذ الأيام الأولى للإصلاح الكنسي، وظلت من أكبر التَحديّات ضد الوحدة المسكونية الى يومنا هذا. ولكن من الغريب في الأمر، أن الإنكليكانيين لا يزالون يدّعون، إدعاءًا فارغاً ومن دون معنى، وهو أن الكنيسة الإنكليكانية هي الديانة الرسمية للشعب الإنكليزي. وقد أعيد ذكر هذا المُصطلح في بعض المقالات الحديثة من قبل الأكليريكي الأنكليكاني "بيتر مولين"، وفي جريدة (هيرالد الكاثوليكية). وغالبا ما يُوجه هذا المُصطلح للطعن في الكنيسة الكاثوليكية، التي تحاول إعادة انتشارها في انكلترا.
ويبدو أن المُدافعين عن الكنيسة الأنكليكانية، ينتابهم الغرور بالعظمة في بعض الأحيان، ناسين أن الكثير من أتباع الأنكليكانية قد تركوا الكنيسة، وأما الباقين في أحضانها، يشعرون بِخلو حياتهم الروحية من أي معنى يُذكر. وقد حَصلتُ مؤحراً على الفهرس الجغرافي للقرى والمدن الإنكليزية، والمطبوع سنة 1835 : يظهر فيه ما لا يبدو غريباً، إذ أن الكثير من سكان تلك القرى، حافظوا على الإيمان الكاثوليكي، الى تلك الفترة الزمنية. وكانوا لا يترددون بالإعلان صراحة، بإنتمائهم للكنيسة الكاثوليكية.
ولعل تلك الأسباب كانت كافية بالنسبة إلى الكثير من آباء الكنيسة والمؤمنين المُتضايقين، من ممارسة إيمانهم الكاثوليكي بحرية، لإجبارهم للهجرة إلى أمريكا وممارسة شعائرهم بحرية أكبر.
الكنائس "غير المذهبية"
أثرت الإنشقاقات على الحركة المسكونية تأثيراً كبيراً. وقد إزداد هذا التأثير بعد إنتشار التكنولوجيا الحديثة في الآونة الأخيرة. ويؤكد الكثير من علماء الكنيسة والمتخصّصين بأن وجود هذا العدد الهائل من الطوائف والكنائس المسيحية البروتستانتية، يؤثر تأثيراً سلبياً ومؤلماً، ولا سيّما في هذه الفترة التي تُعد من أكثر الفترات حَساسية في العمل المسكوني الوحدوي بين الكنائس. ولهذا يشعر الكثير من الأشخاص البروتستانيين اليوم، بإظهار إيمانهم المسيحي بطريقة، يؤكدون فيها على تبعيتهم وتلمذتهم للمسيح فيما يدعى "بالتلمذة والتباعة للمسيحية"، ولكن بعيداً عن الطوائف البروتستانتية التقليدية، بدأ الكثير من البروتستانتيين اليوم، يلتحقون بالتجمّعات، التي يُكرز فيها الإنجيل، وغالباً ما يجتمعون في بيوت خاصة تُدعى بالكنائس "البيتية"، أو يجتمعون في أماكن الإستراحة والترفيه، أو في المراكز المدنية حيث تجتمع العوائل. وبالرغم من أن الغرض من تأسيس تلك الكنائس، مفهوم ومُبَرّر تماماً، ولكننا يجب أن نعترف أيضاً بأن تلك الحركات هي في الواقع، طوائف جديدة في داخل الجماعة البروتستانتية.
وغالبا ما كنا نرفض، نحن الكاثوليك، التسميّات التي كانت تردّ إلينا من خلال تلك الكنائس، ولكننا يجب أن نقرّ ونعترف مع ذلك بأنها قد تكون تسميّات دقيقة. فالمجتمعون، يبحثون عادة في كتاب أعمال الرسل، كي يجدوا تعبيراً، أو تَسمية يضعونها على حركتهم أو معبدهم الروحي أو تجمعهم الكنسيّ، ولكي يقتربوا في رأيهم من أيام الكنيسة الناشئة في القرون المسيحية الأولى.
ولكن علم الإكليسولوجيا ἐ-;-κ-;-κ-;-λ-;-η-;-σ-;-ί-;-ᾱ-;- يُثبت وجود أخطاء ونواقص فضيعة في ممارسات تلك الكنائس، التي من المفروض أن تكون فوق المصالح والمزاجات الفردية، لأن الكنيسة، مؤسسة إلهية، وليست مزاجية مؤقتة. فالقرار في الكنائس الإنكليكانية يعود فقط للأفراد، كي يُقرّروا أية كنيسة هي صحيحة، أو أية جماعة هي أكثر كتابية من الآخرين. ويختلف الوضع في الكاثوليكية في طبيعة الحال، إذ أن الكاثوليك يُعلّمون بأن الإيمان، هو إيمان الكنيسة. ولذلك يجب على الكنيسة أن تُقرّر ما هو الصحيح، وما هو الخطأ. والعجيب في الأمر، التصريحات التي يُبديها البعض من الكهنة الأنكليكان، من أن الكنيسة الإنكليكانية، أفضل قارب للصيد، أي ما معناه أفضل قارب للخلاص؛ ناسين التجزوء والتشرذم وتحوّل الكثير من أتباعها إلى الكنائس الأخرى كل سنة. ومع أن مكانة الكنيسة، لا تزال باقية في القلوب، كموسسة تراثية حضارية وثقافية، تُمثل تاريخ الشعب الأنكليزي؛ ليس فقط للنخبة الحاكمة، بل للشعب البسيط أيضاً، إذ لا يزال الشعب يلجأ اليها للمعمودية، ولوضع أكليل الزواجات وصلوات الجنازات والدفنة على الطريقة المسيحية.
ولا تزال "الإنكليكانية"، الديانة السائدة في انكلترا، ولكن بحسب مفهوم علم الإكليسلوجيا الكنسية، فالأمر ليس كما كان في السابق، لأن الكنيسة قد تناقص إحترامها في القلوب والعقول، فما بقي منها في حقيقة الأمر، هو "الإنكليكانية الثقافية"، أي أن الناس يُعلنون إنتمائهم للكنيسة كحضارة أكثر من إيمانهم بها كعقيدة روحية.


الكنائس الليبرالية
ظهرت المدرسة اللاهوتية الليبيراليّة في الكنيسة الأنكليكانية، التي أرادت الجمع بين الدين والعِلم والمجتمع الحديث، فكانت تعتمد النقد الكتابي كوسيلة للتعرّف على شخص يسوع التاريخي بِمَعزلٍ عن العقيدة. وسُمي التيار بحركة "أوكسفورد". فقد دخلت الليبرالية في الكنيسة بمفاهيمها المتعددة، التي يجمعها الاهتمام المُفرط بالحرية، وتحقيق الفرد لذاته، وإعتبار الحرية هدفاً وغاية في ذاتها. ولكن بما أن هناك العديد من الالتباس والغموض في مفهوم الليبرالية؛ لذلك نظرت الكنيسة الإنكليكانية، إلى هذا التيار المُتصاعد في داخل أروقتها وخورناتها منذ نشأته، بعين الحيطة والحذر، بخاصة أن التيار يَملك قوة كبيرة، إضافة إلى المال والجاه، والسلطة الإعلامية، ناهيك عن التمثيل القوي في السلطات الحكومية. ولكن ما يختلف به التيار الليبرالي الإنكليكاني عن الحركة الإنجيلية في الكنيسة الإنكليكانية، هو أن الحركة الإنجيلية، مُستَقِرة نوعاً ما، ومُتَحمسة وجَريئة في مواقفها المُختلفة. وقد يكون السبب في تاريخها وإستقرار مواقفها تجاه الأمور، بالعكس من الحركة الليبرالية، التي ظلت حذرة وغير متوازنة في مواقفها وفعالياتها المختلفة. ومن الغريب في أمر الحركة، نظرتها للكتاب المقدس، مع أنه الوثيقة الأهم التي تستخدمها الحركة في إلقاء الضوء على كل مجريات الحياة، مثل الحقوق والواجبات، وكذلك مواقفها تجاه المرأة والعلمانيين، ومحاربة العنصرية، إضافة إلى إتخاذ المواقف ضد الشاذين جنسياً أو الوقوف معهم. فالتبرير الذي يُقدمه التيار الليبرالي، وهو أن الزمن قد تغيّر، وكذلك الأمر بالنسبة إلى للديانة. لذا يجب أن تتطابق النظرة التفسيرية الى الكتاب، مع المبادىء العامة، مثل الكونية والشمولية، والإنفتاح على الأديان والعقائد الأخرى.
الحركة المسكونية
نظراً لوحدانية وشمولية وساطة يسوع المسيح الخلاصية، يجب أن نؤمن إيماناً وطيداً بأن وحدة الكنيسة التي أسسها المسيح هي حقيقة إيمانية كاثوليكية. إذ كما أن هناك مسيح واحد، وله جسد واحد، هكذا هناك عروس واحدة أي (كنيسة واحدة). ولكن عدم الوحدة بين المسيحيين اليوم هو جرح للكنيسة من دون شك، وعائق كبيرٌ ازاء تحقيق كامل لشموليتها في التاريخ. فعلى المؤمنين أن يعترفوا أيضاً بأن هناك تواصلاً تاريخياً – مُرتكزاً على التسلسل الرسولي. وعلى هذا الأساس، أراد المجمع الفاتيكاني الثاني أن يُعلن حقيقتين عقائديتين: الأولى هي إنه بالرغم من انقسام المسيحيين إلى فِرَق وطوائف عديدة، تبقى كنيسة المسيح قائمة بتمامها في الكنيسة الكاثوليكية وحدها. وثانياً، هناك عناصر عديدة لحياة النعمة خارج هذه الأطر، أي في الكنائس والجماعات الكنسية، التي لا تنعم بعد بالشركة الكاملة مع الكنيـسة الكاثوليكية. ولكـن مع ذلك يجب التأكيـد، إن قوة هذه الكنائس والجماعات، تنبع من كمال النعمة، الذي أوكل الى الكنيسة الكاثوليكية.
فعلى المؤمنين إذن، أن لا يتصوّروا كنيسة المسيح جماعة مُنقسمة على ذاتها فحسب، بل جماعة مُحافظة على شيء من الوحدة، ككنائس وجماعات كنسيّة؛ لا تخلو أبداً من معنى وقيمة في سرّ الخلاص. إذ أن روح المسيح لم يتمنّع عن استخدام الكنائس جميعها، بمثابة وسائل خلاصية، تنبع قوتها من كمال النعمة التي أُوكل الى الكنيسة الكاثوليكية.
ويُمكننا القول أيضاً أنه لا يقتصر المفهوم المسكوني على الكنيسة الكاثوليكية، بل يتعدى ذلك ليشمل معظم الكنائس سواء الشرقية أو الغربية. وأما في خصوص الكنائس الأنكليكانية، فالحركة المسكونية، موجودة منذ عقود من السنين. إذ يتقاسم الليبرايون في الكنيسة الأنكليكانية مع الإنجيليين، الأرضية المشتركة في هذا الإتجاه. ويرى أتباع الحركتين معاً، إنّ وجود الطوائف المتنوعة والمذاهب والحركات المختلفة داخل البروتستانتية، بمثابة أمر إيجابي ومفيد. فالإنشقاق والتشرذم إذن، ليس إلا إنعكاس لإلوان القوس قزح في المحتمعات البشرية"بحسب مفهوم الحركتين". ولكن لا يُمكننا تجاهل وجود أمور شائكة بين الطرفين أو الطائفتين، وخصوصاً في مسالة السلطة الكنسية؛ والنظرة التفسيرية إلى الكتاب المقدس، إذ أن الحركة الإنجيلية تنظر إلى الكتاب، كسلطة عليا لا تُناقش، بالرغم من أنها تقبل بوجود أشياء غير قابلة للتطبيق عالمياً في كل زمان ومكان. مع أن الإنجيليين ومعهم الليبراليين، يُشددون على أنَّ الأسفار المقدَّسة، وَصَلت إلينا بوسائط بشرية، ومن خلال سلسلة من الوقائع والعمليات التاريخية النبوية. ويقتنعون قناعة كاملة بأن الكتاب المقدس هو كلمة الله الموحى به من الروح القدس، ويؤمنون بأن على المؤمنين، طاعة الكلمة الإلهية، طاعة كاملة. ولكن المشكلة الكبرى تَكمن في إهمال الإنجيليين لدور العقل في نظرتهم للكتاب المقدس، بِحجة أنهم، يُشدّدون على العلاقة الشخصية مع يسوع المسيح فقط. إذ يميل الإنجيلييون في المقام الأول إلى معرفة الله في مجالات الحياة المختلفة، كالسعادة والظواهر الطبيعية والمعجزات، وكذلك في الأمور ما فوق الطبيعية، إضافة إلى النبوات والرؤى والأحلام، وغيرها من الأمور، فوق الفهم البشري.
ويبدو أن التفسير الليبرالي للمسيحية، أكثر واقعية في هذا المجال، وخصوصاً في ضوء "الحس الإيماني العام" لأن الطاقات لا توجه فيها نحو الصلاة والإرساليات التبشيرية والدورات التفسيرية للكتاب، بقدر ما توجه للإجتماعات بإتجاه الحياة الإجتماعية والتعاملات الإنسانية في عمل الخير والرحمة والإحسان في المجتمع الواسع.
وعلاوة على ذلك يتمتع التيار الليبرالي الكنسيّ في الكنيسة الإنكليكانية برغبة قوية، لا مثيل لها في الأنشطة المسكونية، في حين أن البعض من الإنجيليين يَتحايلون في موضوع الحركة المسكونية ويَتحجَّجون الحضور للإجتماعات المسكونية، بِحجة حضور الوفود الكاثوليكية.
النشاطات الخيرية
يشترك الإنجيليون بشكل قويّ في الأعمال الخيرية. ولكن تصرفاتهم ودوافعهم الخيرية تبدو غالباً، مختلفة ومقصودة؛ إذ كثيراً ما يقومون بتلك النشاطات خوفاً من التيار الليبرالي الإنجيلي، أو كما يسمى "بالليبرالية الأخلاقية" أو بتاثير من الفكرة القائلة: لنفعل الخير، لأنه واجب علينا. وتنطبق الفكرة المماثلة في الحركات الإنجيلية الأخرى، التي تقوم بهذه الأعمال من مُنطلق الدعاية والواجب، وليس من مُنطلق الخير والرحمة الكامنة في القلوب. ويُجادل الإنجيليون الموضوع قائلين: المسألة هي في الإمتنان للرب يسوع، وما قَدَّمه لنا من تضحية ربانية. وغالباً يُبالغ الإنجيليون في فهم رسالة الإنجيل في مسألة الأعمال والخلاص المُتعلق بالإيمان. فالخلاص إذن، هِبة مجانية، يَحصل عليها المرء بِمجرّد قبوله للمسيح يسوع مُخلّصاً وفاديّاً، ومن دون القيام بأي عمل في المقابل؛ وهو أيضاً هبة ناتج عن الذبيحة الحيّة على الصليب، والذي دُفع ثمنه غالياً جداً. ولذلك لا يستطيع الإنجيلي القيام بالأعمال الصالحة من دون النعمة الإلهية. لأنّ الإهتداء يأتي في المرحلة الأولى، وبعد ذلك هبة النعمة، ومن ثمّ دور التحضير للقيام بالأعمال الصالحة. فمن دون النعمة إذن، لا يقدر الإنجيلي أن يكون شخصاً مُحباً، ولا يستطيع القيام بأي فعل للخير أو الرحمة. ويبدو أن هناك تناقض واضح في الإنجيلية في،"أن تكون صالحاً" من دون أن تحصل على النعمة من الله، أو في "أن تكون صالحا" بعد أن تكون قريبا من الله الذي يُقوّي عزيمتك، ويدفعك للقيام بالأعمال الصالحة. وأما بالنسبة الى الليبراليين، فالتشديد يدور عادة حول السلام الداخلي، لأن الليبراليين، تخطوا مرحلة القلق والصراع الداخلي، الذي يمنع المرء من أن يكون صالحاً وخيّراً. ولذلك فهم يبحثون عن التفسيرات النفسية، التي تؤكد في نظرهم على أهمية الديانة، وفائدتها الكبيرة على أخلاقيات الإنسان وسلوكياته، أي انهم يُشجعون بالأحرى على البحث عن الله، بدلاً من بحث الله عن الإنسان. ومن هذا نستدل على المراحل الشكوكية، التي يمر بها الليبراليون، إذ ينظرون الى المسيحية بكونها لا تملك الحقيقة المطلقة، بل تشترك مع الأديان العالمية الأخرى في ذلك. والغريب في الأمر إن مثل تلك المفاهيم بدأت تتواجد اليوم، حتى في بعض الجامعات الكاثوليكية المعروفة بالليبرالية في التفكير والتفسير.
ويُحاول الليبراليون في الكنيسة الإنكليكانية، التنسيق مع الإنجيليين البروتستانتيين، وكذلك مع الكنيسة الأسقفية الإنكليكانية في خلق نوع من التوازن في النشاطات الكتابية والإجتماعية من طرف، وكذلك الممارسات الطقسية والليتورجية الموجودة في الإنكليكانية الأسقفية من الطرف الآخر، وذلك لغرض خلق نوع من كنيسة بسيطة مناسبة للناس البسطاء أو للناس العاديين الرافضين للطقوس الثقيلة والرموز القديمة، التي في الكنيسة الإنكليكانية. وكذلك بالنسبة إلى المشاعر والأحاسيس العاطفية، التي تفوح رائحتها في كل مكان في الكنائس الإنجيلية. فما نستنتجه إذن، من مواقف وتصرفات الكنائس الليبرالية هي أنها تحاول ترضية المُترددين إليها، إضافة إلى ترضية الشارع والعقلية التجارية ووسائل الإعلام على حِساب العقيدة والروحانية الصحيحة، لكي تبقى في الإعلام، وفي عقول الناس على الدوام.
مع العلم إنَّ الليبراليين الأنكليكانيين، معروفين عادة بكونهم مُثقفين ثقافة عالية، مما جعلهم مصدر إهتمام كبير من قبل الصحافة والإعلام. ولهذا تجدهم مُنتَشرين في الصحافة المشهورة ومحطات بي. بي. سي.( BBC ) وكذلك في البرامج الإعلامية؛ إضافة إلى المقاعد المهمّة التي يحصلون عليها في الكنيسة الأسقفية الإنكليكانية نفسها. ولعل هذا يُبرّر الكثير من التَهجم القاسي المُوجه، ضد الكنائس الإنجيلية والكاثوليكية، مُقارنة مع الكنائس الليبرالية التي تبدو مُحصَّنة جداً. فإذا عُدنا إلى مَقولة الراعي في المقابلة الصحفية عندما صرَّح قائلاً: "انا لستُ مُتعصباً تجاه القضايا الأخلاقية"، نفهم إذن، القصد الحقيقي من مُسايرة الكنيسة الليبرالية للصحافة في قراراتها ومواقفها. إذ تُرحب الصحافة بدورها بمثل تلك المقولات الصادرة من رجال الدين، لأنَّ في أجندتها خلق نوع من ديانة سهلة وبسيطة، تُناسب أذواق الناس. ولا عجب إذن، أن الليبرالين قد نجحوا نوعاً ما، في تقديم الطبق الشهي والمُلذ للصحافة اليوم، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بشدة، إلى متى تدوم هذه العلاقة غير الشرعية؟!.


هل يمكن أن يصبح البروتستانت "كاثوليك"؟
لم يَعد البروتستانتيون يفتخرون بتسمية أنفسهم بالبروتستانتيين، وخصوصاً أن المصطلح "البروتستانتية": يبدو سلبياً جداً هذه الأيام، لكونه يعني حرفياً، إن الشخص الحامل للأسم في المقام الأول هو "ضد شىء آخر". مع العلم إن المصطلح نشأ بين الحركات المُنشقة عن الكنيسة الكاثوليكية، وأطلق على مجموعة الكنائس المسيحية المُنتمية إلى ما سُمي بالإصلاح الكنسيّ، باستثناء الاتّحاد الأنكليكانيّ.
ففي القرن السادس عشر، أراد مارتن لوثر (Martin Lether) مع أشخاص آخرين أن "يُصلحوا" الكنيسة بالعودة إلى إيمان الكنيسة الأولى كما كانوا يتصوّرونه. مع أنهم جميعهم شدّدوا على رفض سلطة بابا روما، وعلى سلطة الكتاب المقدس وحدها، وعلى الإيمان الشخصي كطريقة وحيدة للتبرير والخلاص.
وتجدر الإشارة إلى أن المصطلحين "بروتستانتي"،"وبروتستانتيّة" يعودان في الحقيقة، إلى شهادة الإيمان الإنجيليّ، التي شهدها اللوثريون في مجلس سبيرا في 19/4/1529، وإلى إحتجاجهم على الحلّ الوسط، الذي جاء في قرار ذلك المجلس، والذي اتّخذه شارل الخامس والأمراء الكاثوليك. ويعني المصطلح حرفياً "الإحتجاج". مع أن البعض من المُدافعين البروتستانتيين، يصرّون على أن المصطلح لا يعني في الأصل هذا المعنى، بل "الإعلان أو التأكيد". ولكن يبدو أن المعنى "الإحتجاج أو الرفض"، قد غطى المعاني الأخرى بمرور الزمن. مع أن البروتستانتيين، يؤكدون على إيجابية الفكر البروتستانتي منذ نشاته؛ ويُقدمون الأدلة على إن المصطلح، لم يقصد أبداً أن يكون ضد الكاثوليكية، كما فسره المُتخصّصون الكاثوليك.
ولذلك فَقَد مصطلح البروتستانتية اليوم شعبيته كثيراً. لقد استغربتُ أشد الإستغراب، عندما قال لي راعي الكنيسة المعمدانية: "أنه لا يُفكر بكونه بروتستانتي". ولعلّ الصحوة الرئيسية لهذا الإنقلاب الكبير في البروتستانتية هو التاثيرات الكبيرة للحركة المسكونية بعد الحرب العالمية الثانية. وقد إتجهت الحركة المسكونية، إلى التأكيد على القواسم المشتركة بين المسيحيين، وتشجيع الأمور الإيجابية في المسيحية، مع نبذ ورفض العقليات السلبية، التي تسببت في خلق الأحقاد والإنقسامات. فالحركة المسكونية أكدت دوماً على ما في المسيحية من إيجابية، وحاوَلتْ أيضاً إبراز نقاط الإلتقاء بين الطوائف المسيحية، وشَجَعتْ فكرة القبول للآخر، إضافة إلى قبول الفكر الإيجابي لدى الطوائف المسيحية الأخرى.
وبَرَزَت نتيجة لذلك فكرة جديدة بين العديد من البروتستانتيين، الذين يُسمون أنفسهم "كاثوليك"، من دون خوف أو خجل. ففي كتاب (روبرت مكافي براونز)، هناك فصل كامل يشرح فيه عن (الشمولية "الكاثوليكية" في داخل الظاهرة البروتستانتية). إذ بدأت البروتستانتية اليوم، التأكيد على وجود إتفاق جوهري بين طوائفها المختلفة؛ والتشديد أكثر من ذي قبل، للحفاظ على الإرث الكنسي القديم وخصوصاً "قانون الإيمان الكنسي – قانون نيقية"، الذي تتفق عليه معظم الكنائس، وتعدّه دستورها الإيماني، الذي يجعلها تقف مع الكنائس التقليدية على الخط نفسهِ، أي تعترف جميعها بكونها كنائس مسيحية. وبدأت تلك الكنائس مؤخراً، تستشهد بأقوال القديس "فنسنت من لورين"، الذي يؤكد على "قبول كل ما إعتقد به المسيحييون الأوائل في كُل الأزمنة والأوقات". ونستنتج من هذا بأن البروتستانتيين اليوم، يُميزون بين "الكاثوليكية" كعقيدة مسيحية شاملة، وبين الكاثوليكية الرومانية المؤسساتية، التي ينظرون إليها بكونها نوعاً رومانياً خاصاً، يختلف عن الكاثوليكية في القرون الأولى. فالبروتستانتية ترفض العقلية الرومانية الدخيلة في الكنيسة، ولكنها لا ترفض في الحقيقة، العقيدة الكاثوليكية التي أسسها المسيح يسوع. وترى البروتستانتية بأن المسيحي هو الشخص، الذي يقبل المسيح مُخلصاً وفادياً؛ في حين إنّ الكاثوليكية تؤكد على الإنتماء الى الكنيسة الأم، جسد المسيح السريّ، إضافة إلى قبول المسيح مخلصاً وفادياً.
ومن الغريب في الأمر إنّ الكثير من البروتستانتيين لا يزالون، يُعانون من الحساسية الزائدة من الإعتراف بالخطأ، بل يصرون بكونهم المسيحيين الحقيقيين، بينما غيرهم ليسوا كذلك. ومع ذلك أننا لا ننفي الجهود الجبارة التي بذلها الإصلاحيون في إكتشاف المسيحية الأصيلة، والتي لا نقصد أن تكون بالضرورة "المسيحية الكاثوليكية". ولا ننفي أيضاً، الجهود الشاقة التي بذلها المسؤولون البروتستانتيون في ترجمة ونشر الكتاب المقدس إلى معظم اللغات واللهجات العالمية. ونثمّن كذلك، التضحيّات الكبيرة، التي قدمها الكثير من المُبشرين البروتستانتيين في بعض الدول النامية في نشر الإنجيل، وغالبا ما كان يتمّ بتقديم ثمن غالي جداً، إذ قدم الكثير منهم حياتهم من أجل ذلك. ولكن من الطرف الآخر، يجب الإقرار أيضاً بوجود نوع من الغرور لدى الكاثوليك أنفسهم، إذ يبدو من الصعب لدى الكثير منهم، الإعتراف بوجود مسيحية، أفضل وأصفى من الموجودة في الكنيسة الكاثوليكية. ولذلك يجب أن لا نُعمّم الإتهام بالغرور والتبرير الذاتي.
ويشهد زمن التَّجديد هذا، كما أطلقته الكنيسة الكاثوليكية منذ المجمع الفاتيكاني الثاني (1962-1965 م)، الإنتشار الهائل للحركة المسكونية بين الكنائس جميعها. لذا علينا التخفيف من الجدالات القديمة، وكذلك علينا التوقف عن المقارنات العقيمة بين الأخلاقيات الكاثوليكية والبروتستانتيىة، والتي لا تخدم المسيحية على الإطلاق. لأنّ عطاء الله ذاتَه هو لكلَّ الناس، بل هو الشرط الأساسي للإيمان من قبل الإنسان، بل والشرط الأهم لكل قبول، وكل انفتاح على الله. من حيث أنّ الله يعطي ذاته للإنسان، على مختلف الأصعدة: في الخلق والتجسّد والكنيسة والأسرار.
ولذلك، لا بد من خلق نوع من التكاتف والتضامن بين المسيحيين من جهة، وبين الكنائس المختلفة من جهة آخرى، لمواجهة التحدّيات الفعلية وخصوصاً في المجالات الاجتماعية والثقافية والرّوحية، وذلك بسبب تنوّع الثقافات، والضرورات التاريخية والسياسية، وكذلك بسبب الاحتياجات الرّوحية والدينية الماسة للمجتمعات البشرية بخاصة الغربية منها.

الانكليكانية و البروتستانتية
هناك إذن تفسيرات خاصة بالنسبة الى الكنيسة الأنكليكانية حول إستخدام مصطلح "البروتستانتية". ففي الرسالة المُعنّوَنة الى روما من قبل رئيس اساقفة "كانتربري"، في شهر كانون الأول من سنة 2006 ، عَرَّف نفسه بكونه رئيس الأساقفة للمسيحيين الكاثوليك في إنكلترا والعالم، بدلاً من تسمية البروتستانتين أو الأنكليكانيين المعروفة رسمياً. مُدَّعياً أن الكنيسة المذكورة، لم تنقطع فيها الرسامة الأسقفية المتوارثة من عهد الرسل الأوائل، والى يومنا هذا. وقد وضع الأسقف المذكور، آمالاً كبيرة للحركة المسكونية، إذ إعترف أيضاً مُدعياً إن الرسامات الأسقفية بعد الإنشقاق الكنسي في إنكلترا، كانت صحيحة لكونها مُنحت من قبل أسلافهم الأساقفة في القرون الوسطى. مع العلم إنّ الكنيسة في انكلترا ورثت الكنائس والكاتدرائيات الكاثوليكية، والتي تستخدمها الى يومنا هذا. فمن الصحيح إذن، والمُناسب أيضاً أن تُدعى الكنيسة في انكلترا شرعياً،"الكنيسة الكاثوليكية في إنكلترا". وكذلك الأمر بالنسبة إلى أتباع الكنيسة المذكورة، إذ لهم الحق بوصف أنفسهم أتباع الكنيسة الكاثوليكية في انكلترا. والعديد من الإنجيليين أيضاً، الذين يرفضون التسمية "البروتستانتية"، ويؤكدون على أن لهم الحق في تسمية أنفسهم بالكاثوليك.
من المعروف إن التعليق الذي إستَفّز المشاعر لدى الكاثوليك كثيراً في انكلترا، يتلخص وصفهم بكونهم إيرلنديين تابعين للإرساليات الإيطالية. وقد أجاب القديس "توماس مور" على هذه الحجة، عندما سُأل عن السبب في رَفضهِ التخلي عن السلطة في روما، مع أن الأساقفة الأنكليز الآخرين فعلوا ذلك. وكان جوابه:"ان الأساقفة الإنكليز قد يكونون فعلوا ذلك، ولكن الأساقفة في فرنسا وايطاليا واسبانيا والنمسا وغيرها من الدول، لم يفعلوا ذلك". وفي تعبير آخر إن الكنيسة الكاثوليكية في أي بلد، قد تبتعد قليلا عن روما، ولكنها لا تستطيع الإنقطاع نهائيا عن الكرسي الرسولي في روما. لأن البابا الجالس على كرسي القديس بطرس الرسول، هو الناطق الرسمي بإسم الرئاسة الكنسية.

الأنكلو - كاثوليك
تبدو الكنيسة الأنكليكانية منذ منتصف القرن التاسع عشر، أكثر قُرباً من الكنيسة الكاثوليكية من ذي قَبل، ويعود ذلك بسبب التأثيرات الجديّة لحركة "الأكسفورد"، التي مارست جهوداً جبارة للبدء بصفحة جديدة، تختلف عن الطرق، التي إتبعتها الحركة الكلفينية المُتطرفة. وقد حاولت الحركة بِجدية لا مثيل لها، إنعاش الحياة في الكنيسة الأنكليكانية، وذلك بتبني التقاليد الكاثوليكية تدريجياً، والتي تم إهمالها أو تركها عن قصد أو عن طريق الخطأ والإهمال من قبل الإصلاحيين الأوائل. وحاولت الحركة بكل نشاطاتها الروحية، إنعاش القيّم والعادات التقليدية الكاثوليكية القديمة في انكلترا. وسجلت الحركة نجاحات كبيرة في أوساط الكنيسة الإنكليكانية، إذ أعادت الكنيسة، نظام الأسرار الكنسية، وإستخدام البخور أثناء القداديس، وإعادة النظر في إحترام التماثيل وصور القديسين؛ جنباً الى جنب مع المواكب الروحية أثناء ألإحتفالات الدينية، التي أهملت لفترة طويلة؛ إضافة إلى إحياء مواكب الحج للأماكن المقدسة. ولكن الكنيسة الإنكليكانية بدأت بعد الحرب العالمية الثانية بالرجوع عن الكثير من تلك القرارات، وذلك خوفاً من فقدان السيطرة على الكهنة، الذين تَحمّسوا إلى درجة أنهم قدموا طلبات رسمية للإنتماء الى الكرسي الرسولي، من دون أن ينتظروا حتى الموقف النهائي للرئاسة الكنيسة الإنكليكانية.
وكان لا بد للكنيسة الإنكليكانية أن تأخذ موقفاً صارماً من نشاطات حركة أكسفورد، وخصوصاً بعد أن أصبح للحركة أتباعها من الكهنة والعلمانيين، وبعد أن إكتسبت الحركة لنفسها التسمية المعروفة "الأنكلو – كاثوليك". فإضطرت الكنيسة الإنكليكانية، الى شجب الحركة وأعضاءها النشطاء، الذين تطرّفوا كثيراً في التقرّب إلى الكنيسة الكاثوليكية. وقامت الكنيسة بإصدار مجموعة من القرارات الحديثة، التي أدت إلى هجرة مئات من الكهنة الأنكليكان مع عدد كبير من العلمانيين. ولعلّ من أكثر القرارات التي أثرت تأثيراً عميقاً على نشاطات الحركة، كان القرار الخاص برسامة نساء قسيسات، والذي صدر سنة 1992 . وقرر أتباع الحركة نتيجة لذلك القرار، بترك الكنيسة والإنتماء، سواء إلى الكنيسة الكاثوليكية أو الكنيسة الأرثوذكسية. وفقدت الحركة الأنكلو – كاثوليك، بعد ذلك، العناصر التقليدية لوجودها في أحضان الكنيسة الأنكليكانية، وكل الذين فَضلّوا البقاء في أحضانها أصبحوا يوصفون بكونهم ليبراليين. وقد نَسق التيار الليبرالي مع المحافظين داخل الكنيسة، من الذين رفضوا بشدة رسامة نساء قسيسات، بالعمل المشترك. ونالت تلك الحركة الإعتراف من قبل السلطات الأنكليكانية نفسها. وإثباتاً لحسن النية، قامت الكنيسة مؤخراً برسامة أساقفة خاصة بهم، خوفاً من تشتتهم وضياعهم في الكاثوليكية. ويعمل هؤلاء الأساقفة مع مئات الكهنة والخورنات التابعة لهم، بشرط أن لا يُجبروا على قبول قسيسات، تقوم بالخدمة الكهنوتية في خورناتهم وأبرشياتهم، مع بقائهم في الوحدة مع الكنيسة الأنكليكانية.

الخلاصة
واجهت البروتستانتية في بداية الألفية الثالثة فرص مُتفاوتة. ففي أمريكا الجنوبية في سبيل المثال، شَقت الحَركات الإنجيلية والخمسينية"البنتيقوسطية" طريقها بسرعة شديدة في الدول المعروفة تقليدياً بالدول الكاثوليكية مثل البرازيل. وأما في الولايات المتحدة الأمريكية، فالحركة الأنجيلية إتَخذَت مَساراً آخر، إذ أخذت على عاتِقها المشاركة في الدور السياسي، ولا سيّما في السنوات الأخيرة. واستمرّت الكنيسة الأنكليكانية من الطرف الآخر في بريطانيا مَسيرتها الوطنية، ورأت نَفسها الكنيسة الرسمية للبلاد، جَنباً إلى جَنب مع الطوائف والأقليات الأخرى، التي تُشكل ما يشبه "القوس قزح" من الأديان والمذاهب المختلفة.
ومع ذلك، واجهت الكنيسة في تلك الدول صراعات ثقافية، إضافة إلى صراعات من أجل الأولوية. وقد شهدت الساحة الثقافية والحضارية، بروز بعض المذاهب الجديدة، التي تأخذ دورها ومكانتها، والتي نمت بسرعة شديدة على حساب المذاهب التقليدية. ولعل السبب الرئيسي في نمو هذه الظاهرة، هو الغِنى الفاحش لبعض تلك الحركات، التي خَصّصت مَبالغ ضخمة سواء لكليات اللاهوت، أو لبرامجها التلفازية الضخمة والمُنتشرة في كل أنحاء العالم؛ إضافة إلى عدم وجود مَرجعية، تُحدد مسيرتها، أو تبطىء نشاطاتها المختلفة، إذ تنطلق كل فرقة من ذاتها، وتُمارس نشاطاتها بحرية مُطلقة، من دون أن يكون لها قيود، أو رادع يَمنعها من تلوين نفسها بكل الألوان. وتجدر الإشارة، إلى أن كل تلك الحركات تؤثر كثيراً على الحركة المسكونية كما أسلفنا، إذ يصعب الحوار معها، ما دامت لا تَملك سلطة مركزية واحدة.









- المحتويات -
من هم البروتستانت؟
الظاهرة البروتستانتية
البروتستانتيون والوحدة
الإصلاح، وإعادة الإعتبار لأصالة الإنجيل
تحريف الإنجيل في القرون الوسطى
الروحاني، مقابل الحركي والميكانيكي
العبادات الداخلية والخارجية
قراءة الكتاب المقدس، وكأنه يُدين الكنيسة الكاثوليكية
الكتاب المقدس في الليتورجيا
الدراسة الشخصية للكتاب المقدس
السلطة الكنسية
"الأصيل" وغير الضروري من الأنجيل
السيدة البتول
الإنقسام الكبير في البروتستانتية
"الإنجيلية والليبرالية"
العلاقة الشخصية مع يسوع
الجماعة الخمسينية "البنتيقوسطية"
جماعة الروح القدس
إنتشار الإنجيل
الإنجيل الشخصيّ
الكنائس "غير المذهبية"
الكنائس الليبرالية
الحركة المسكونية
النشاطات الخيرية
هل يمكن أن يصبح البروتستانتيين، "كاثوليك"؟
الانكليكانية والبروتستانتية
الأنكلو - كاثوليك
الخلاصة





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,398,207,881
- الهرطقات عبر العصور
- فهم حركة العصر الجديد
- حوار الاديان: دواء شافِ للإنسانية المُعَذَبة
- السياسة والإرهاب
- الدين والعلم بين الصراع والمصالحة
- الحرب والسلام
- المرأة في الدين والتشريعات المدنية
- الأخلاق
- الصوفية طريق لممارسة الحب الالهي الأصيل
- دور الاسطورة في حفظ الكلمة المقدسة
- هل نحن وحدنا في الكون الواسع واللامحدود
- روسيا تعود من جديد
- من يقود الحركة التنويرية في العالم الإسلامي اليوم؟!!
- متى تتحرر مجتمعاتنا من تصلب العقول والإنغلاق الفكري؟!!
- الديمقراطية انجح وسيلة لتحرير العقول
- 90 مليون تحية للشعب المصري
- لماذا لا يحق للأكراد، ما يحق للآخرين
- مفهوم الصليب والقيامة في المسيحية
- مريم العذراء الحواء الثانية
- بولس رسول الأمم


المزيد.....




- أزمة أمريكا وإيران: ترامب ينتقد التصريحات الإيرانية -الجاهلة ...
- واشنطن ترفض الاتهامات بشأن عرقلة إيصال المساعدات الانسانية إ ...
- واشنطن تخصص 4 ملايين دولار لأوكرانيا لتخزين الأسلحة
- العثور على طفلة في كيس بلاستيكي
- مقتل 6 جنود مصريين في سيناء
- استهدفت كمائن عسكرية.. سلسلة هجمات توقع قتلى من الأمن المصري ...
- السودان.. هل يكون 30 يونيو المواجهة الأخيرة؟
- التحالف بقيادة السعودية يعلن إسقاط طائرة مسيرة للحوثيين
- هذه تفاصيل إلقاء القبض على زعيم تنظيم داعش في اليمن
- حزب الأمة في السودان... يطرح مبادرة جديدة لتجاوز الأزمة السي ...


المزيد.....

- التاريخ المقارن / محسن ريري
- ملكيه الأرض فى القرن الثامن عشر على ضوء مشاهدات علماء الحملة ... / سعيد العليمى
- إملشيل، الذاكرة الجماعية / باسو وجبور، لحسن ايت الفقيه
- أوراق في الاستشراق / عبد الكريم بولعيون
- إشكالية الخطاب وأبعاده التداولية في التراث العربي واللسانيات ... / زهير عزيز
- سلسلة وثائق من الشرق الادنى القديم(1): القوائم الملكية والتا ... / د. اسامة عدنان يحيى
- التجذر بدل الاقتلاع عند سيمون فايل / زهير الخويلدي
- كتاب الدولة السودانية : النشأة والخصائص / تاج السر عثمان
- العقل الفلسفي بين التكوين والبنية / زهير الخويلدي
- اساطير التوراه واسطورة الاناجيل / هشام حتاته


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - صبري المقدسي - البروتستنتية من الوجهة النظر الكاثوليكية