أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد الأزرقي - قراءة في كتاب ألمسألة ألأخلاقيّة وأسلحة الدّمار الشّامل مقارنة بين المنظورين الدّيني والعلماني















المزيد.....



قراءة في كتاب ألمسألة ألأخلاقيّة وأسلحة الدّمار الشّامل مقارنة بين المنظورين الدّيني والعلماني


محمد الأزرقي

الحوار المتمدن-العدد: 4480 - 2014 / 6 / 12 - 20:12
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


قراءة في كتاب ألمسألة ألأخلاقيّة وأسلحة الدّمار الشّامل
مقارنة بين المنظورين الدّيني والعلماني
إعداد: د. سهيل هاشمي د. ستيفن لي
تقديم وترجمة: د. محمد جياد الأزرقي

بحلول شهر أغسطس من كلّ عام تطلّ علينا ذكرى الكارثة الذريّة مع نهاية الحرب العالميّة الثانيّة، حيث وصلت القوّة إلى غايتها بتدمير هيروشيما وناگازاكي على يد الولايات المتحدة. لكنّها من حيث لم يخطط السياسيّون، قد قادت العالم إلى مخاض عجيب. في ربيع عام 1945 سقطت النازيّة، وانتهت الحرب في السّاحة الأورپيّة. أضحى بحث الحلفاء المحموم يدور حول غنائم من الحرب مختلفة، تمثلت هذه لأوّل مرّة في تاريخ الحروب والبشريّة في أدمغة العلماء المتخصّصين بالذرة والصّواريخ البعيدة المدى العابرة للقارّات ليضمّوهم لبرامجهم.
يقول أيان بوروما في كتابه "السّنة الصّفر" إنّ أكثر ما أرعب الزّائر، في الأشهر الأولى لنهاية الحرب، الصّمت المطبق الذي يخيّم على كلّ شيء. المباني التي لمْ ترمّد تماما كانت نوافذها فارغة وبلاطها محفورا من شدّة الانفجارات. لمْ تعد هناك أرصفة لأنّها غُطّيت بالرّكام. ومن بقي حيا راح يبحث بين الأنقاض عمّن بقي حيّا تحتها، أو عن شيء يأكله. في الليل، كانت الناس تمشي وسط الطرقات على ضوء الشّموع، خوفا من أنْ تنهار عليهم الأبنية المتداعية. السّيارات المدنيّة والعسكريّة صارت حديدا ملتويا أو بقايا حديد ذائب. في 8 مايو (أيار) 1945، جاء ضبّاط هتلر يوقعون اتفاق الهزيمة. كان الفيلد مارشال فيلهلم كيتل الضّابط الذي سيوقع مع الرّوس، فقال وهو يمسك بالقلم والورقة، إنّ مشاهد الدّمار التي رآها في برلين زرعت في نفسه الرّعب والأسى.
سأله الضّابط السوفياتي "وأيّ نوع من المشاعر زرعت في نفسك مشاهد آلاف القرى الرّوسية التي مُحيت بناء على أوامرك؟ أيّ مشاعر خامرتك وأنت تعرف أنّ الملايين، بمن فيهم الأطفال والنّساء، طمروا تحت ذلك الرّكام؟" رفع كيتل كتفيه ولمْ يجب! 50 إلى 70 مليون إنسان قتلوا في الحرب التي بدأها أدولف هتلر. ملايين المشرّدين. الملايين ممّن فقدوا كلّ شيء في الحياة، كلّ شيء. لكنّ الفيلد مارشال كيتل لم يرَ سوى مشاهد الرّكام في برلين. صحيح، كان محزنا ما جرى للمدينة الجّميلة، التي كانت قبل أحلام هتلر المريضة، إحدى أجمل مدن العالم. وها هي تعود كذلك اليوم، أرض من الخضرة والحدائق والأزهار.
تطرّق الكاتب عبد اللطيف جبر(1) إلى أنّه من ضمن الوثائق التي أفرج عنها بموجب قانون السّريّة المعمول به في بريطانيا ويتيح الاطلاع عليها بعد 30 سنة، هناك وثيقة حول التّدخلات العسكريّة وأخلاقيّاتها وما تسبّبه من احتكاكات مع دول المعسكر الشّرقيّ، وهل هي مبرّرة في الرّدّ على انتهاكات حقوق الإنسان، أم لا. وهذا لا يعني أنّ الغرب كان يخطط لها، لكنّه لا يريد أيّة مفاجآت في حالة تأزم العلاقات الدوليّة أو فلتانها.
هناك عدّة عوامل مثيرة للقلق في العلاقات الدوليّة، بسبب التّناحر السّياسي - الآيديولوجي بين المعسكرين، الشّرقيّ والغربيّ. الوجود السّوفياتي في أفغانستان والحرب العراقيّة ــ الإيرانيّة التي دخلت عامها الخامس، شكلتا نقطتي احتكاك وصراع نفوذ خلال الحرب الباردة. التّغييرات الدّاخلية في القيادة السّوفياتيّة، التي تكلمت عنها سفيرة الولايات المتّحدة لدى الأمم المتحدة جين كيركرباتريك في لقائها مع رئيسة وزراء بريطانيا مارگرت ثاتشر، والعلاقة غير المريحة بين موسكو وبعض دول أوروپا الشّرقيّة التي تدور في فلكها، شكّلت هذه الأخرى عوامل تدعو للقلق والتّوتر.
التّقارير التي وصلت إلى الغرب تبيّن أنّ موسكو كانت تعتقد أنّ الغرب قد يوجّه ضربة نوويّة للاتحاد السّوفياتي، خصوصا بعد إطلاق رونالد ريگن خطة "المبادرة الاستراتيجيّة الدّفاعيّة"، أو ما أصبح يُعرف بـ"حرب النّجوم". وحاولت ثاتشر طمأنة موسكو من خلال إرسال رسائل غير مباشرة من خلال الرّئيس البلغاري بأنّ الغرب جادّ في إحلال السّلام مع المعسكر الشّرقيّ، إلا أنّ ذلك، كما قالت ثاتشر في الوثائق التي نشرت، لم يكن مقنعا. وعندما أبدت لندن قلقها من تدهّور الأوضاع في الخليج وميل كفة الميزان الحربي لصالح طهران، قالت لواشنطن إنّ هناك حاجة ماسّة لوضع خطة طارئة للتّدخل العسكريّ من أجل تأمين حريّة الملاحة في الخليج. وفي الوقت نفسه أرادت ثاتشر أنْ تطمئن موسكو بأنّ الهدف من أي تحرّك عسكريّ في المنطقة لن يكون على حساب موسكو. كما أنّ ثاتشر كانت متخوّفة من اندلاع حرب عالميّة بسبب الانهيار المتسارع لدول أوروپا الشّرقيّة.
على هذه الخلفيّة قرّرت ثاتشر عقد حلقة دراسيّة (ورشة عمل) لسدّ الفراغ الذهني حول تضارب المبادئ بين الاحترام للسّيادة الوطنيّة من جانب والحاجة للتّدخل من أجل إيقاف أيّ اختراقات لحقوق الإنسان من جانب آخر. تطلب طرح هذه القضيّة جمع عدد من خبراء السّياسة الخارجيّة ممن يعملون في المؤسّسات الأكاديميّة البريطانيّة المرموقة وفي مراكز البحث. دُعي هؤلاء إلى تشيكرز، وهو بيت ريفي حكومي يعود إلى القرن السّابع عشر ومخصّص لرئيس الوزراء، لمناقشة موضوع هل التّدخلات العسكريّة مبرّرة أبدا، على خلفيّة غزو الولايات المتّحدة لجزيرة غرينادا في الحوض الكاريبي عام 1983 والتّدخلات الأمريكيّة المستمرّة في نيكاراغوا، أم لا.
يخبرنا الكاتب جبر عن محضر الجّلسات، التي عُقدت في 1 أكتوبر (تشرين الأول)، بأنّه كانت هناك مجموعتان: الأكاديميّون، الذين يتوهّجون دائما حرارة ويلوّحون عادة بأعلام القوانين الدوليّة والأخلاقيّة من جانب، والسّياسيّون والإداريّون الذين يبحثون دائما عن توجيهات أخلاقيّة وقوانين دوليّة مقبولة، من جانب آخر. ولكنْ في هذه المناسبة لمْ يظهر أيّ منهم بالمظهر المعتاد، وابتعدوا عن النّمطيّة.
اقترح الحضور عدّة عوامل لتفحّص "عقيدة الرّدّ المرن"، التي تأخذ في الحسبان التّقدم المستمرّ في قدرات الاتحاد السّوفياتّي الهجوميّة خلال فترة قصيرة، وهذا حدّده حلف النّاتو من اثنين إلى ثلاثة أسابيع، بعد أنْ قدّره سابقا من خمسة إلى ستة أسابيع. وهذا يجعل أوروپا أكثر عرضة إلى التّفوق السّوفياتّي، القادر على أنْ يهاجم المواقع الأوروپيّة من على بعد 800 ميل، خصوصا إذا أدخل عامل الأسلحة النّوويّة في الحسبان، وكذلك استراتيجيّة النّاتو "للرّدّ المرن" التي أصبحت قديمة وتحتاج إلى مراجعة.
إتّفق الجّميع بأنّ "الرّدّ المرن" لم يعد استراتيجيّة، وإنّما هو مجرد وصف للقوّة التي يختار حلف النّاتو تسخيرها في فترات محدّدة. وتركّز النّقاش حول التّوازن بين الأسلحة النّوويّة والتّقليديّة الأخرى المتاحة للنّاتو.ويقول المحضر إنّه "لمْ يكنْ هناك أيّ خلاف حول عنصر الأسلحة النّوويّة، على أنّها تشكّل جزء من استراتيجية حلف النّاتو، وألّا يكون الرّدّ الوحيد من خلال الأسلحة التّقليديّة فقط.
أثار استعمال العراق للسّلاح الكيمياوي ضدّ الأكراد في أواخر الثمانينات تساؤلات عند الغرب بخصوص استعمالها على مستوى أكبر من الاتحاد السّوفياتّي. قال الرّئيس الفرنسيّ في لقائه مع ثاتشر إنّ فرنسا لنْ تقف مكتوفة الأيدي حال استخدام الأسلحة الكيمياويّة، وإنّها، أي فرنسا، ستردّ وبلا تردّد بأسلحة نوويّة. وجهات النّظر بالنّسبة للحضور كانت شبه متطابقة ،"لا توجد الإمكانيّات الماديّة الكافية لتمويل قدرات تقليديّة مناسبة، وأنّ ذلك لن يقنع الطرف الآخر بالتّخلص من أسلحته النّوويّة. قدرات حلف النّاتو النّوويّة لم تردع فقط اندلاع حرب نوويّة، وإنما أدّت إلى تفادي الحرب التقليديّة أيضا. في هذه المعادلة، القدرات الدّفاعية للحلف هي ما يحسب له الرّوس حسابا، وليس عقيدة الحلف في عدم استخدام الأسلحة النّووية. في حالة افتقاد الحلف للعامل النّوويّ في خطته الرّادعة، فإنّ الاتّحاد السّوفياتّي قد يشنّ حربا تقليديّة بمسؤوليّة محدودة. هناك حاجة لوضع استراتيجيّة تقدم أقصى درجة من الشكّ لدى الرّوس حول نيّة الحلف، مع المرونة حول عدم استخدام الأسلحة النّوويّة، إذا كان ذلك ممكنا. تدخل سياسة الرّدّ المرن في هذه الاستراتيجيّة للحلف."
تناولت ورشة العمل ما أطلق عليه ظاهرة "الشّتاء النّووي". واتّفق الحضور على أنّ ذلك مجرد افتراض، غير مبرهن، وهو استخدام غيوم ناتجة عن تفجيرات نوويّة. لكنّ الظاهرة غير معروفة المعالم من ناحية الوقت والاتّجاهات التي قد تأخذها، مما قد يسبّب دمارا للجّهة المستخدِمة لها. وتناول اللقاء بعد ذلك زيادة القدرات النّوويّة للمعسكر الغربيّ وكيف يفهم الاتّحاد السّوفياتّي ذلك. تناولت الورشة إمكانيّة قيام الاتّحاد السّوفياتّي بمهاجمة حلف الناتو "إمّا لاعتقاده أنّه ضعيف، أو أنّ الدّول الغربيّة تعاني من انشقاقات، أو لأسباب يائسة غير عقلانيّة سببها اعتقاد الاتّحاد السّوفياتّي أنّ الولايات المتّحدة الأمريكيّة حققت تفوّقا عسكريّا كاملا في الفضاء الخارجي لا يمكن له تحدّيه."
هذا طبعا ما أظهرته الوثائق السّابقة، بأنّ بعض قادة أوروپا كانوا قلقين من الخطاب الذي ألقاه الرّئيس الأمريكي رونالد ريگن وتكلم فيه عن "منظومة دفاعيّة في الفضاء الخارجي" والتي أصبحت معروفة بحرب النّجوم. هذا كوّن اعتقادا لدى الاتّحاد السّوفياتّي بأنّ حلف النّاتو قد يوجّه له ضربة نوويّة. وبدا الجميع متخوّفا في تلك الفترة من خلق أجواء خوف وغير عقلانيّة قد تجعل طرفا يبني حسابات خاطئة حول الطرف الآخر.
كما توصّلت الورشة إلى الإعتقاد بأنّ هناك "خطرا حقيقيّا في الافتراض بأنّ هناك حسابات عقلانيّة في المقايضات النّوويّة، وأنّ قرارات قد تُتخذ في ظلّ أجواء أيّ توتر وارتباك". لكنْ كان هناك اختلاف واضح بين الحضور حول "أهميّة الاستعداد للتّصور حول من يقوم باستخدام الأسلحة النّوويّة أولا. اعتبر البعض الخوض في الموضوع مهما جدا ويشكّل عاملا مهمّا في قضيّة الرّدع في استخدامها. أما الطرف الآخر فقد اعتبر أنّ إعطاء أهميّة كبرى حول من يضغط على الزّرّ أوّلا سيضعف المرونة في الموضوع. تؤثر القيود السياسيّة على قرار استخدامها وعلى مصداقيتها، كما أنّها ستشقّ الرأي العام. لكنّ القرار بعدم استخدامها أولا سيستميل الرّوس إلى استخدام عنصر المفاجئة في الهجوم التقليدي. لكنّ الجميع اتفقوا بأنّه يجب التأكيد في النّقاشات العامة على الرّدع وليس على منْ سيستخدم الأسلحة النّووية أولا.
كما تناول اللقاء "ساحة المعركة للأسلحة النّوويّة". وقال البعض إنّ الأسلحة النّوويّة ستكون عديمة الفائدة في حال اندلاع المواجهات في أوروپا، حيث تختلط القوّات من المعسكرين في نفس المنطقة الجغرافية، أي أوروپا، ومن المشكوك فيه أن توافق ألمانيا على استخدام الأسلحة النّوويّة. "كما أنّه لا يوجد اتّفاق في حلف النّاتو على استخدامها عبر الحدود، ومن المستحيل معرفة إذا كان الهجوم يستهدف القدرات النّوويّة أم التّقليديّة. ولهذا فإنّ السؤال الذي يطرح نفسه، ما هو الرّدّ المناسب؟ حين يشكّ الخبراء العسكريّون في استخدام ساحة المعركة للأسلحة النّوويّة، فلماذا الاستثمار فيها على الرّغم من التكلفة السّياسيّة الباهظة النّاتجة عن الاحتفاظ بها أو تطويرها؟" وعلى هذه الخلفيّة قال البعض إنّه من الخطأ التّخلص من هذه الأسلحة كاملة، لكن يمكن فقط التّقليل منها وإبقاء الأمور على ما هي عليه. ولذلك، لماذا إعطاء الاتّحاد السّوفياتّي ميزة إضافيّة من خلال سحبها، ويظهر حلف الناتو بمظهر الضعيف أمام حركة السّلام؟
لم توافق المانيا على استخدام الأسلحة النّوويّة لأنها ما زالت تتذكر ما قال الفيلد مارشال فيلهلم كيتل الضّابط الذي وقع مع الرّوس وثيق استسلام بلده، وهو يمسك بالقلم والورقة، إنّ مشاهد الدمار التي رآها في برلين زرعت في نفسه الرّعب والأسى. نحن، ما زلنا نشهد شيئا من هذا في بيروت وبغداد والموصل وطرابلس الغرب وبنغازي ودمشق وحلب وحمص وصنعاء وغيرها من مدن العرب المستباحة اليوم من قبل الإرهاب والسّلفييّن. فعندما توقف القتال أو يتوقف في تلك المدن العامرة، بدت مثل حي من بقايا برلين. دمّرها القتلة ومشوا. باعوا رمادها، وباعوا حجارتها، وباعوا الجّثث التي لا يعرفون أسماء أصحابها. لا يكفّ الإنسان عن نشر الطاعون، والمتاجرة به. كلّ قاتل يتصرّف مثل الفيلد مارشال فيلهلم كيتل؛ لا يروّعه سوى الموت الذي يراه في حارته. قتلاه شهداء، وقتلى غيره عملاء. والمدينة إما أنْ تكون حرثه أو أنْ تُدمّر وفق مخطط جهنّمي رهيب.
ماذا حدث عندما أُعطي شيءٌ من الحريّة؟ في العراق سادت القنابل، وفي ليبيا خَطفت مجموعة من الوزراء رئيس الحكومة، وفي تونس استُبدل فساد عائلة زين العابدين بن علي وعائلة زوجته بفساد عموم عائلات الائتلاف الثوري الجّديد، وفي مصر لم يعد في إمكان المرء الخروج من منزله، ليس بسبب منع التّجول، بل بسبب تجولّ الزعران والفتوّات وفي صنعاء ما زال الوضع غامضا وفي بغداد تفجيرات انتحاريّة بغير انقطاع... ألخ. هل يعني ذلك أنّنا لا نستحقّ الحريّة؟ لا. يعني أنّنا تأخرنا طويلاً في الوصول إليها. فلما طرَقنا بابها أخيراً لم نعرفها ولم تعرفنا. غرباء عن كلّ ما هو عصريّ ومتقدّم من قوانين البشريّة. نحن نفضّل قوانين السّماء، ووفقاً لتفسيرنا فهي خيام وأكباد وجهاد نكاح وقاصرات ونسف المصلّين، في الجّوامع أو خارجها. هل هذا ما كنت تتوقعه عندما كنت تحلم لأمّتك؟ أو بأمّتك؟ هل هؤلاء هم الرّجال الذين كنت تتأمّل وصولهم؟ هل كنت تصدّق أنك سوف تفيق ذات يوم لترى أمّتك نائمة في الخيام تأكلها الوحول وأنّ هناك ما هو أسوأ؟ العيون البيضاء التي لا مآقٍ لها على التلفزيونات.
أنا العربيّ، لم أعد أشعر بغير الحسد. أجد نفسي متّفقا مع الرّأي القائل (2) إنّني أشعر بالهزيمة كلما قرأت عن بلد لديه مؤسسات تعمل وتشرع وتراقب وتحاسب. أشعر بالهزيمة مضاعفة حين يتعلق الأمر بالعدوّ الإسرائيلي وسلاحه النّووي (يقال أنه أكثر من 400 رأس نووي)، وهو ينهب الأرض المحتلة ويستوطنها بتمويل من الولايات المتحدة وعلمها. وإسرائيل بترسانتها قادرة على تدمير كلّ مدينة وقرية على امتداد الوطن العربي، في الحقيقة من المغرب حتّى افغانستان. وها هي تشكو للعالم خوفها وتوجّسها من مشروع إيران النّووي من جهة، وتحاول دفع الولايات المتّحدة لتهاجم إيران وتدمّر منشئاتها. ثمّ تعود تهدّد تارة أخرى بأنّها ستقوم بانجاز المهمّة لوحدها لكي لا تصنع أيران قنبلتها الذريّة.
في اعتقادي أنّ المواطن العربيّ قليل المعرفة بأسلحة الدّمار الشّامل، ومكتبتنا العربيّة فقيرة في مصادرها عن هذا الموضوع. وأنا على يقين أنّ الكتاب الذي أقدمه للقرّاء العرب سيملأ فراغا ظاهرا في ثقافتنا السياسيّة والعلميّة، خاصّة وانّه يضمّ العديد من الدّراسات والتّحليلات المرتبطة بهذه الأسلحة. قام بجمع الدّراسات وتصنيفها استاذان متخصّصان، ويحتوى الكتاب على دراسات قام بها أثنا عشر أستاذا من كافة انحاء العالم، تركّزت جميعا على طرح وجهات النّظر المختلفة أزاء أسلحة الدّمار الشّامل. يتألف الكتاب من توطئة وقسمين. تركّز التوطئة على نظرة القانون الدّولي لهذه الأسلحة، ويتناول القسم الأوّل وجهات نظر الدّيانات السّماويّة، الأسلام والمسيحيّة واليهوديّة. أما شطر الدّيانات الوضعيّة فيتناول البوذيّة والكونفوشيّة والهندوسيّة. ويتعرّض القسم الثاني الى وجهات نظر الواقعيّة والقانون الطبيعي والسّلاميّة والليبراليّة والأنوثيّة.
في توطئة الكتاب يتعرّض الدكتور پول زاس الخبير الدولي في الأمم المتحدة واستاذ القانون الدولي في جامعة نيويورك لموضوع أسلحة الدّمار الشّامل فيقول إنّه بعد أنْ وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، جرت مفاوضات مكثفة حول السّيطرة على السّلاح ونزعه تحت إشراف الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة، خاصّة ما يتعلق بالتّرتيبات العامّة لتلك المفاوضات. ركّز الكثير منها على السّلاح النّووي، وأقلّ من ذلك على السّلاحين الكيمياوي والجرثومي، ومن فترة لأخرى على أنواع التّسليح الأخرى.
وبالرّغم من عدم وجود أيّة وسيلة قانونيّة رسميّة للتعريف والتّحديد، أصبحت الأسلحة النّوويّة والجّرثوميّة والكيمياويّة تُسمّى "أسلحة الدّمار الشّامل،" للتّمييز بينها وبين ما يُسمّى "ألأسلحة التّقليديّة." ولا شكّ أنّ التّعريف الأوّل يعكس حقيقة أنّ هذه الأسلحة تحدث الدّمار (في حالة السّلاح النّووي) والموت في حال (الأنواع الثلاثة جميعا) على نطاق واسع. وتتميّز هذه الأسلحة بأنّه حتّى لو تمّ استعمالها على قدر محدود، فإنّها تفتقر الى التّمييز وتقتل عشوائيّا، وتؤثر على المدنيّين أكثر من تأثيرها على العسكريّين، لأنّ هؤلاء تتوفر لديهم في الغالب سبل الوقاية منها. لكنّ الأمر ليس على هذه البساطة، لأنّ سلاحا نوويّا صغيرا يُستخدم مثلا ضد باخرة عسكريّة في عرض البحار سيقضي على جميع من عليها من العسكريّين. وعلى العكس من ذلك، فإنّ أكثر الأسلحة التقليديّة عندما يُستعمل بشكل مناسب، يسمح في التّمييز بين الأهداف المدنيّة والعسكريّة. ألإستثناء من ذلك هو الألغام الأرضية التي تفتقر الى هذه الميزة. ونتيجة لذلك فقد أبرمت إتفاقيات حولها، وحول الحدّ من استعمالها. ومن جهة أخرى، فإنّ ما جرى يوم 11 سبتمبر من عام 2001 قد أثبت أنّ الدّمار الشّامل والقتل غيرالتّمييزي العشوائي يمكن أنْ يتحققا باستعمال وسائل لم تكنْ أصلا سلاحا يُستخدم ضدّ الخصوم.
يضيف الدكتور زاس قائلا إنّه لا توجد معاهدة تتطرّق الى شرعيّة السّلاح النّووي سلبا أو إيجابا. وأقرب شيء الى ذلك هو معاهدة الحدّ من انتشار الأسلحة النّوويّة NPT. فهي تدعو الى اجراء مفاوضات من أجل التّخلص من هذه الأسلحة. كما أنّ معاهدة المنع الشّامل للإختبارات CTBT فيها بعض الميل نحو هذا الهدف، لكنّها لا تحتوي على فقرات تفرض التّفاوض.
لقد توصّلت الجمعية العامّة للأمم المتّحدة لإتخاذ بعض القرارات التي تتعلق بشرعيّة هذا السّلاح، وتمّ التّصديق عليها بأغلبيّة ساحقة، في حين اعترضت بعض الدول النّوويّة على تلك القرارات.
تبنّت الجمعية المذكورة عام 1961 إعلانا حول منع استخدام الأسلحة النّوويّة والنّوويّة-الحراريّة. ورد في نصّ الإعلان ما يلي:
أ‌. إنّ استخدام الأسلحة النّوويّة أوالنّوويّة-الحراريّة يتعارض مع روح أهداف الأمم المتّحدة ونصّوصها، ويُعتبر تجاوزا لميثاقها.
ب‌. إنّ استخدام السّلاح النّووي أو النّووي-الحراري يتجاوز حدود الحرب ويتسبّب في معاناة وتدمير للإنسانيّة والحضارة دون تمييز. وبذلك يكون مثل هذا الإستعمال مخالفا للقانون الدّولي وقوانين البشريّة كافّة.
ت‌. إنّ استخدام السّلاح النّووي أو النّووي-الحراري هو بمثابة حرب على عدوّ أو أعداء، لكنّه في حقيقته ضدّ البشريّة جمعاء.
ث‌. إنّ أيّة دولة تستخدم السّلاح النّووي أو النّووي-الحراري يجب أن تُعتبر مخالفة لميثاق الأمم المتّحدة ومخالفة لقوانين البشريّة. ويُعتبر عملهاهذا جريمة ضدّ الإنسانيّة وضدّ الحضارة.
بعد مرور عامين اتّخذت الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة قرارا لإدانة الحرب الذريّة جاء فيه ما يلي:
1. ندين بشدّة ودون قيد أو شرط ألأسلحة النّوويّة باعتبارها نقيضا للضمير الإنساني وللعقل، واعتبارها جريمة وحشيّة ضدّ البشر ومخالفة لأبسط حقوق الإنسان، وهو حقّ الحياة.
2. ندين كلّ محاولة لتكوين واقتراح ونشر الدعاية لمبادئ سياسيّة وعسكريّة تهدف الى "إضفاء الشّرعيّة" على استخدام الأسلحة النّوويّة أو تبرّر "السّماح" لشنّ حرب نوويّة.
وفي السّنوات الأخيرة دأبت الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة سنويّا على تبنّي قرارات تدعو الى المفاوضات وعقد المؤتمرات "لمنع استخدام الأسلحة النّوويّة والتهديد بها تحت أي ظرف."
يفتتح الدكتور سهيل هاشمي، وهو أحد مصدري الكتاب، وأستاذ في كليّة ماونت هوليوك، رأي قسم الديانات السماوية متحدثا عن وجهة نظر الإسلام، فيقول إنّ جماعة أنصار السلام المسلمين تعارض امتلاك أسلحة الدمار الشامل أو استخدامها. وهم يعتبرون أن ذلك يتناقض مع أخلاقية الإسلام ذاته. ويجب التمييز بين أنصار السلام المسلمين وبين اتباع حركة انصار السلام الآخرين الذين يشجبون كافة انواع العنف في حل الصراعات السياسية. قد يقول قائل انه يصعب وجود نصير سلام مسلم حقيقي بسبب وجود العديد من الآيات القرآنية التي تحث على العنف، من قبيل الآية رقم 216 من سورة البقرة التي تقول:
كُتِب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبّوا شيئا وهو شرّ لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون
وهذا برأي الكاتب لا يعني أن أخلاقية عدم استعمال العنف غريبة على الإسلام. في الحقيقة، أن النبي محمد قد تطرق لهذا الموضوع في الكثير من أحاديثه. لكن القرآن والحديث يبرران اللجوء الى العنف عندما لا تجدي الأساليب السلمية نفعا، من أجل تحقيق العدالة والأمن اللذين لهما الأولوية على الأساليب السلمية التي تحضى بالقليل من الإهتمام في تاريخ الأفكار الإسلامية. إن انصار السلام المسلمين ليسوا استثناء لمثل هذا التعميم. فهم يقبلون أن الجهاد قد يتطلب اللجوء الى العنف تحت ظروف معينة. لكنهم يرفضون قطعا أي ظرف أو عذر يسمح باستخدام الأسلحة النووية والكيمياوية والجرثومية.
يُشكل جهاديو اسلحة الدمار الشامل الغالبية العظمى ويحضون بدعم العلماء المسلمين المهتمين بهذا الشأن. وبمقارنة ذلك بفئة إرهابيي أسلحة الدمار الشامل وفئة انصار السلام المسلمين، نجد أن هاتين الفئتين تشكلان مجموعتين هامشيتين. وفي الحقيقة، لم نجد أي من هذه الفئات قد عبرت عن آراءها بشكل واضح وجلي لا لبس فيه. ولذلك فإن أية محاولة لكشف نقاط الإختلاف بينها ليست أكثر من محاولة للإستدلال اعتمادا على المصادر النادرة. وحسب علم الكاتب لا يوجد هناك نقاش مستمر أو حوار دائم بين كافة الفئات، ولا حتى بين عالِمين يمثلان أي منها.
وعليه فإنه بالإضافة الى استفتاء ميداني لرأي المسلمين عن اخلاقية اسلحة الدمار الشامل، فهو يهدف الى أن يسفر ذلك فتح نقاش جدي حولها. إن وجهة نظره هي أن موقف انصار السلام المسلمين قد طغىت عليه الأصوات الأخرى بعد نجاح تجربة السلاح النووي في باكستان والواقع الذي خلقته أحداث سبتمبر 11. ولكنه يصرح به لقناعته الشخصية. فهو يعتقد أنه يتوجب على المسلمين أن يرفضوا انتشار هذه الأسلحة، وبالتالي احتمال استخدامها، ويشرح أدناه اسباب قناعته بذلك.
أولا. إن الأسلحة النووية والكيمياوية والجرثومية لا تفرق بين المقاتلين وغير المقاتلين التي تتطلبها قواعد الحرب حسب المفهوم الإسلامي.
ثانيا. حتى وإن استُخدمت أسلحة الدمار الشامل ضد أهداف عسكرية فإنها تقتل وتشوه الضحايا بطريقة مرعبة الى درجة انها تخالف تعليمات الإسلام بضرورة القتال وليس التقتيل، بمعنى القتال "بطريقة إنسانية،" إذا جاز لنا التعبير.
ثالثا. إن استخدام هذا النوع من السلاح سيخلف ضررا طويل الأمد على البيئة الطبيعية. وهذا يعيد الى الأذهان ضرورة تقييم آثار الحروب أخلاقيا من وجهة النظر الإسلامية، لأن كل ما خلقه الله مصون لا تفريق في ذلك بين الإنسان وغيره من الكائنات الأخرى، وفق ما يذكرنا القرآن به في الآية رقم 38 من سورة الأنعام.
وما من دابة في الأرض ولا طير يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم الى ربهم يُحشرون
فتدمير البيئات الطبيعية والحاق الأذى في الكائنات الأخرى التي ليس لها القدرة في الدفاع عن نفسها ضد هجمات الإنسان عليها، تشكل ما يُشير اليه القرآن "الفساد في الأرض."
رابعا. نظرا لأن أسلحة الدمار الشامل لا يمكن أن تُستعمَل لأغراض لا يمكن الدفاع عنها أو تبريرها، فإن الأموال التي تُنفق في تطويرها وتكديسها تعني أن مصادر الثروة الوطنية قد تم إهدارها عن طريق تحريفها عن الإستثمار البناء، وهذا يشجبه القرآن والحديث باعتباره "إسرافا."
إن اعتراض محبي السلام المسلمين على أسلحة الدمار الشامل يجب أن يتوسع ليشمل حتى استعمال الأسلحة "التقليدية" بما فيها القنابل العنقودية والألغام الأرضية المضادة للأفراد والقنابل الحارقة. والإعتراض على هذه الأنواع من الأسلحة هو لأنها لا تفرق بين المحاربين والمدنيين، وانها تقتل أو تجرح بطرق فضيعة. لكن محبي السلام المسلمين يتمسكون بالرأي القائل إن الأسلحة النووية والجرثومية والكيمياوية يجب أن تحضى باهتمام أشد لأنها تختلف في صفاتها، ويمكن أن تُصنف حسب شدة الأذى وطول الزمن الذي تستغرقه والضرر الذي تلحقه ليس بالبشر والكائنات فقط، بل في البيئة الطبيعية أيضا. والحقيقة أنه يبدو أن الفئات المسلمة الثلاثة تتفق أنه ليس هناك تمييز أخلاقي بين الأسلحة النووية والجرثومية والكيمياوية، فكلها مدانة على السواء.
يختتم الدكتور هاشمي دراسته بالقول انه إذا كان على المسلمين أن يعملوا وفق أخلاقيات الإسلام، فإنه ليس بإمكانهم التفكير باستخدام أي من أسلحة الدمار الشامل. وإذا كان يجب عدم استخدام هذه الأسلحة فإن تطويرها من أجل الردع، أو الأسوأ منه من أجل هيبة الدولة، عمل ليس له ما يبرره أخلاقيا وعسكريا واقتصاديا. وكما يوضح التاريخ أن هذه الأسلحة لا تحول دون استخدام الأسلحة التقليدية والأساليب غير التقليدية مثل حرب العصابات على المستوى المحدود خلال فترات الصراع. وإذا كانت هذه الأساليب تحول أو تقود الى التصعيد لاستعمال أسلحة الدمار الشامل فلا زال الأمر موضع نقاش. لكن المخاطر المترتبة عن فشل استعمال هذه الأسلحة كرادع ستكون أمرا مؤكدا. ومن المؤسف القول إن التهديد الموجه للمسلمين لا يأتي من الدول الأجنبية أو من دولهم الظالمة، بل من المنظمات الإرهابية التي تمارس نشاطاتها داخل الدول المسلمة ذاتها. لقد أظهر الإرهابيون أنهم مستعدون لقتل أعداد كبيرة من الأبرياء المسلمين وغير المسلمين. والطريقة الفعلية الوحيدة للتأكد من عدم ارتكاب هؤلاء لجرائم القتل الجماعي هو تجنب الحكومات الحصول على السلاح الذي سيسهل مهمة الإرهابيين إذا ما وقع في أيديهم. والى حد ما، فإن النظرة المسيحية المتواضعة للمسؤولية البشرية هي نتيجة لحساسيتها ازاء حدود قوة الإنسان، حسب ما ورد في دراسة الدكتور نيگل بيگار الأستاذ في كلية ترتني في دبلن. فالمسيحيون التقليديون يؤمنون بأن الخالق لطيف وقوي وحكيم، وأنه كان يرمي الى خلاص الكائنات البشرية عندما نسخ نفسه في صورة المسيح. وهو بهذا يكون المخلص وينوي أن يغير العالم نحو الأفضل، لا أن يتخلى عنه. وعليه فإن قيام المسيح يبعث الأمل بأن عجز الإنسان وضعفه لخلق عالم خير ليس أمرا ميؤوسا منه. وهذ الأمل يجعل المسيحيين يميلون الى أن الفشل ليس إلا أمرا مؤقتا، ولذلك يستمرون في التركيز على الأفق البعيد بحثا عن إشارات النجاج التي قد تأتي بشكل غير مسبوق.
فالأسلحة النووية التي تهدد بالحاق ضرر متناسب بالجانب المدافع ولكن توقع خرابا غير متناسب في المهاجم المعتدي مسموح بها أخلاقيا. بالتأكيد إن الخراب المتناسب في صفوف الجانب المدافع يعتمد جزئيا على خطورة التصعيد. ولكن لأنه لا يمكننا القول بأن الخطورة ستكون عالية في كل موقف متوقع، فإن التقاليد المسيحية لا تستبعد أن تكون كل انواع الردع النووي غير مشروعة، حسب وجهة النظر المسيحية كما طرحها الدكتور بيگار.
يناقش الدكتور روفن كميلمن الأستاذ في جامعة پراندايس سؤالا عمّا إذا كان هناك تبرير يهودي لكي تمتلك إسرائيل السلاح النووي. الوحيد الذي ردّ على هذا السؤال هو الحاخام الإسرائيلي بن جلي بلي الذي أشار الى الهولوكوست بطريقة حذرة ليبرر امتلاك إسرائيل لهذا السلاح.
إذا كان من حق أية دولة أن تمتلك سلاحا نوويا لردع العدوان الغاشم، فإن إسرائيل هي البلد الوحيد الذي له الحق في ذلك دون منازع. فهي الدولة الوحيدة في العالم التي تتعرض الى التهديد بالفناء التام .... وإن آشوتز وتربلنكا ما زالتا ماثلتين في وجداننا. فبالنسبة للشعب اليهودي فإن قضية "الحل النهائي" عن طريق الإفناء ليست أسطورة رهيبة، بل حقيقة عشناها في هذا القرن.
ونظرا لأنه يعرف خطورة هذه السياسة فهو يقترح نقطتين من باب الإجراء الوقائي. يوضح أولا متطلبات بناء حاجز للسطح عند بناء دار جديدة حتى لا يقع أحد من على سطح تلك الدار. كما يذكر بما جاء في الكتاب المقدس "لا تجلب الدم على الدار." (سِفر تثنية الإشتراع 8:22) ويعرج على التلمود (B.Ketubot 41b) لكي يوسّع في قضية عدم جلب الدم على الدار ويقارنها بامتلاك كلب مخيف، لأن Maimonides قد صرح في مجموعة مبادئ القانون اليهودي بأن ضرره، أي الكلب، متكرر وجدّي. ومع ذلك فإن التلمود (B.babba Kamma 83a) يقول بأنه لا يُسمح بامتلاك مثل هذا الكلب من أجل الحراسة الليلية في المدن التي تقع على الحدود، ما لم يتم ربطه بالسلاسل خلال ساعات النهار. ولو طبقنا ذلك المبدأ على أسلحة الدمار الشامل، فإن بلي يستنتج ما يلي:
إن امتلاك المواد الخطيرة يصبح بسهولة كمثل "جلب الدم على الدار." ولذلك يجب عدم وضع هذه المواد في الدار. ولكن إذا كانت هذه المواد تحت تصرف شخص ما، فعليه أن يتخذ كافة الإحتياطات للتأكد من "وضع السلاسل حول رقبتها" لكي يمكن السيطرة عليها في حالة أي تصعيد، وعدم الإنتقال من مرحلة "امتلاك" هذه المواد الفضيعة الى حالة "استخدامها."
ثم يختتم الكاتب دراسته عن موقف اليهودية بالقول إنه يجب ألاّ يُسمح للبلدان التي لا تمتلك السلاح النووي بأن تعمل على امتلاكه. "وإذا عملنا بمبدأ إيقاف ما يمكن ايقافه، يجب ألاّ يُسمح لأي بلد أن يطور الأسلحة الجرثومية والكيمياوية. في الحقيقة، على أعضاء النادي النووي أن يعملوا متحدين ويستأسدوا على البلدان الأخرى لكي تلتزم الأخيرة بقرارات المؤتمر الخاص بالأسلحة الجرثومية والكيمياوية ومعاهدة الحدّ من انتشار الأسلحة النووية ومعاهدة المنع التام للقيام باختباراتها."
يفتتح الدكتور ديفيد تشابل من جامعة سوكا قسم الديانات الوضعية وموقفها من أسلحة الدمار الشامل، مبتدأ بالحديث عن البوذيّة فيقول إنه خلافا للإعتقاد السائد بأن البوذية ديانة سلمية، فإنه يميل للقول بأن جمهور المؤمنين بها قد لجأوا أحيانا إلى استخدام وسائل العنف أو هدّدوا به لتحقيق أهداف اجتماعية في مواقف تاريخية معينة. فالقادة البوذيون، حالهم حال القادة السياسيين الآخرين، قد استخدموا العنف بأشكاله التقليدية لحماية بلدانهم. وبرغم أن الحكومات ذات الغالبية البوذية، مثل اليابان وسريلانكا وبوتان ومنغوليا وتايلند، ترفض استخدام أسلحة الدمار الشامل، وأن حكومة التبت في المنفى قد ساندت بقاء منطقتها خالية من هذه الأسلحة، فإن المنظمات البوذية في فرنسا وانكلترا والولايات المتحدة قد ركبت هي الأخرى موجة السياسات الوطنية التي تقوم على الردع النووي. ومع أن الكاتب يعترف بأن قبول أسلحة الدمار الشامل كرادع من قبل بعض البوذيين خلال فترة الحرب الباردة لا يمثل خروجا على القياس في تاريخ البوذية، فالنقطة الهامة التي ينبغي التركيز عليها انه لا توجد مناقشات موضوعية ولا مبادئ بوذية لتأييد استخدام هذه الأسلحة اليوم، وانه من الضروري شجبها ورفضها اعتمادا على مبادئ البوذية التي ترفض العنف وتدعو الى حماية الكائنات الحية.
إن غالبية البوذيين يشجبون استخدام العنف إلاّ إذا كان آخر ملاذ، وأن القوة الأخلاقية الدافعة للبوذية تقوم على اللاعنف. وبرغم أن تشابل يطرح أنه في ضوء التاريخ الحديث، فإن تجربة البوذية السياسية حول انتشار أسلحة الدمار الشامل ربما كان لها ما يبررها خلال فترة الحرب الباردة، فإن تلك السياسة قد قامت على جهود بناء وعي حضاري متبادل وعدالة اقتصادية وشمول سياسي للمجتمع الدولي. لقد بُذلت جهود كبيرة من أجل تقوية الوكالات العالمية التي تُشرف على تطبيق الإتفاقيات الدولية حول السيطرة على أسلحة الدمار الشامل بأمل إلغائها. ونظرا لأن الحرب الباردة قد انتهت واصبح العالم أكثر انفتاحا من النواحي الإقتصادية والإجتماعية والسياسية، فإن الفرصة للعمل من أجل تحقيق السلام قد باتت مواتية. واستنادا الى القيم البوذية حول الخلق الشخصي والعطف أزاء الآخرين والحاجة الى التعاون السياسي، فإن ما يتفق عليه من يؤمن بالبوذية هو الرفض الفعّاّل لأسلحة الدمار الشامل من أجل احداث نوع من التوازن مع نفوذ شركات التصنيع العسكري، بغية توجيه الثروات والمصادر المالية لبناء المجتمع العالمي.
غالبا ما تمّ تلخيص الأخلاق البوذية في مطلع ظهورها فيما يلي: "تحاشي الشر وزرع الخير وتطهير الذهن من الأدران." فالبوذية تؤكد بشكل غيرمبهم على تحويل ذهنية الفرد وتغيير فهمه للخير والشر اعتمادا على تنقية وعيه العقلي. فإذا ما أعطينا لأنفسنا قدرا كبيرا من الأهمية والديمومة في المراكز التي نشغلها فإننا سنكون في النهاية أنانيين ومحبين للذات بشكل مفرط، ويتحول إحساس الواحد منّا بالخير الى انه وحده فقط الذي يكون على صواب ويعمل على تحقيق مآربه الشخصية. وبالتالي، سيكون ميّالا لتعكير صفو حياة الآخرين وسعادتهم، ومن ثمّ تدمير حياتنا وسعادتنا نحن الذين حوله. ومن جانب آخر، إذا ما أدركنا أننا بطبيعتنا مختلفون وقابلون للتغيير ونعتمد على بعضنا البعض، عندها سنكون أكثر ليونة وأقل ميلا للتطرف والتقليل من أهمية الآخرين، ونساعد بعضنا بعضا ونكون قادرين بشكل أفضل على ايجاد أسس المنافع المتبادلة. إن الإفتقار الى هذا الفهم الذي يقوم على اعتماد بعضنا على البعض الآخر والشعور بالأهمية الفردية يولدان مشاعر غياب الأمن والخوف والغضب وإعلان الحرب على تقلب الحياة الذي لا بد منه. يكمن هدف البوذية في تنقية الأذهان بغية التوصل لراحة النفس وهدوء الروح، اللذين يُعتبران شرطا أساسيا للأمن القومي. وهذا التغيير في الوعي هو عامل حاسم لكل مقترحات السلام التي تطرحها البوذية، حسب ما ورد في دراسة الدكتور تشابل.
أمّا الدكتورة جوليا تشينگ الأستاذة في جامعة تورنتو فتناقش موقف الكونفوشية. تقول إن الحرب تقوم بدافع الإنتصار، ومن المفترض ألاّ تكون لها ضوابط، أخلاقية كانت أم اجتماعية. ومع ذلك فإن الفيلسوف سون ذكر القليل عن السلاح ولم يقل شيئا عن أسلحة الدمار الشامل. لم يكن في كتابه الى جانب دعاة الحرب من أجل تحقيق النصر، لكنه ذكر انه إذا كان بالإمكان تحقيق النصر بدونها فذلك أمر أفضل. وحسب رأيه "من الأجدر أن تحافظ الدولة على كيانها. ويلي ذلك تحطيم قوة الدولة المعادية ... وإن الفوز بمئة انتصار ... لا يعني جودة الأداء الحربي. الأداء الأفضل هو السيطرة على العدو دون خوض المعارك إطلاقا."
يُعتقد أنّ سون كان معاصرا لكونفوشيوس، الفيلسوف الأخلاقي العظيم. ويُعتبر الإثنان فيلسوفين منطقيين إلاّ أن كونفوشيوس نادرا ما تطرق لموضوع الدين أو الحياة الأخرى. ويبدو إن كليهما كان يجهل وجود الآخر. غير أن سون لم يكن الصوت الوحيد في تلك الفترة، فهناك وثيقة عسكرية أخرى كتبها وو تشي، المحارب من القرن الخامس قبل الميلاد وكان من أتباع كونفوشيوس. وضع وو تشي تعليم الناس ومحبة الآخرين في المرتبة الأولى. وفي رأيه ألاّ يلجأ الإنسان الى الحرب ما لم يستنفذ كل وسائل حلّ الخلافات أولا.
يجب على الحاكم الأخلاقي أولا أن يحافظ على السلام ويعمل أشياء عظيمة دائما قبل أن يشغل شعبه بالحروب. عليه ألاّ يلجأ الى الكيد والخداع، وأن يطرح الأمور علنا أمام الجميع عند اجتماعهم في المعبد. لا يركن الى الرجم بالغيب ويتخذ قراراته عن طريق التمعن والبطء، وينظر للإمور في ضوء الظروف الطبيعية والآنية. وعندما تكون جميع الأمور مواتية، يمكنه عندئذ بدء الحرب. وقبل الإقدام على تلك الخطوة يتعين عليه أن يُقنع الناس بأنه يعتز بحياة كل منهم ويأسف لفقد أيّ منهم لحياته. في تلك اللحظة سيخوضون الصراع معا يدا واحدة خلفه. سيشعر الضباط بالمجد إذا ما استشهدوا، وسيشعرون بالذل لأنهم ضيّعوا الفرصة وما زالوا على قيد الحياة.
إحترم وو تشي السلاح لكنه لم يؤكد عليه لأنه يعرف جيدا أن النصر يعتمد أيضا على الأخلاق وحسن التنظيم ومرونة التخطيط في وجه التحديات، "فقصار القامة من المحاربين يجب أن يستخدموا الرماح. أما طوال القامة فيكونوا ضمن الوحدات المسلحة بالأقواس والسهام. يحمل الأقوياء الرايات كما يحملون الطبول الذهبية. أما الضعفاء، فتُناط بهم مهام تأمين الذخائر والإعاشة، والحكماء فقط هم الذين يتولون وضع الخطط الستراتيجية."
يتضح مما سبق أن ذوي العقول الراجحة من المؤمنين بالأخلاق ما اعتمدواعمرهم على الحروب والأسلحة. وحتى من كان منهم عبقريا في وضع الخطط الستراتيجية، لم يعط التكنولوجيا العسكرية ذلك الوزن. ثمّ تمضي د. تشنغ الى القول بأن الأجداد فضّلوا استعمال عقولهم أكثر من اعتمادهم على التكنولوجيا. وهم طبعا لم يكونوا على دراية بوقتنا الحاضر واسلحة الدمار الشامل فيه. وهي مقتنعة انه لو تأملنا مبادئهم الأخلاقية وتقاليدهم فسيكون من المُستبعد جدا أن نتصور أنّ كونفوشيوس سيتقبل فكرة استخدام اسلحة الدمار الشامل كما نعرفها وما ستجلبه على البشرية من الخراب، بغض النظر عمّا إذا كانت نووية أم كيمياوية أم جرثومية.
وتختتم الدكتورة تشنگ دراستها بالإشارة الى الرسالة التي تركها مفكرو الكونفوشية الجديدة لنا والتي مفادها البحث عن حلول لسباق التسلح. وهي تحلم بحكومة عالمية جيدة تحمي البيئة وكل الكائنات من ضمنها الحيوانات البرية. وهذه الفكرة حقيقة هي فحوى مقترح كانغ يووي الطوباوي لبناء "عالم واحد". ثم تقول "ولمّا كنت شهدت سقوط عصبة الأمم واختفاءها من الميدان السياسي، ومن خلال خبرتي الحالية مع الأمم المتحدة، فإنني أعرف الصعوبات التي تواجهها مختلف مؤسساتها في تنفيذ السياسات المطلوبة، لأن الدول غير راغبة في منح التنازلات، حتى وإن كانت قد وقّعت عليها. غير أن التوصل لتحقيق نظام عالمي من خلال التفاوض، يبدو وكأنه الخيار الوحيد المتوفر لنا نحن الذين نطمح الى سلام دائم وعالم خال من تهديد أسلحة الدمار الشامل. هذا هو الخيار الذي كان يمكن أن يقبل به كل من كونفوشيوس ومنكيوس، لو كانا على قيد الحياة اليوم."
كتبت الدكتورة كاثرين يونگ من جامعة مكگيل في كندا فصلا ممتعا عن الهندوسية. وهي تعترف منذ البداية أن الهندوس يجدون تفسيرات متعددة لنصوصهم القديمة، أضف الى ذلك، أنهم في نفس الوقت يقرّون بأنّ dharma ذاته عصيّ على الفهم. وقد ورد ذكر هذه الملاحظة في قولين، أشار أحدهما الى أنه من الصعب سبر غور طرق dharma الحاذقة. وفي القول الآخر أن حقيقة dharma مخفية في كهف مظلم. وبسبب هذا الغموض، يعترف الهندوس بأن الحيرة الأخلاقية تظهر جلياعندما يختلف الناس في ترتيب قائمة الأشياء المطلوبة أو حين تتعارض الفضائل، كما في حالة الصراع بين الحقيقة واللاعنف. يحدث هذا الصراع مثلا عندما نذكر الأسباب الحقيقية لموت شخص ما. وقد يظهر المأزق أو الحيرة الأخلاقية (dharma-pasa) في طرق فهم الفضائل samanya ذاتها.
ثمّ تمضي الدكتورة يونگ للقول بأن النظام الأخلاقي عند الهندوس قد شابه الكثير من الغموض. فالسلطة العليا عندهم (sruti) تشتمل على نصوص مثل Rg-veda التي تعظّم الحروب وتعتزّ بالمحاربين (Indra). ولكن في نفس الوقت هناك نصوص أخرى تدعو الى اللاعنف كما نجد في Upanisads. بكلمة أخرى هناك تناقض في القيم في لبّ السلطة العليا ذاتها. ونتيجة لذلك يوجد توتّر بينvisesa-dharma وsamanya-dharma. فالأولى تجعل القتل (himsa) واجب في أعناق المحاربين (kastriyas) تحت ظروف معينة. إلا أن العديد من فقرات قوائم samanya تبدأ بكلمة ahimsa أي الإمتناع عن إيذاء أيّما كائن حي. وهنا تثير د. يونغ سؤالا بالغ الأهمية فحواه، هل أن العنف لدى المحاربين استثناء للمبادئ العامة وفق ahimsa؟ إذا كان الأمر كذلك، فلماذا يكون artha، الذي يناقش النظرية والتطبيق في الحرب، واحدا من الأهداف الرئيسية في حياة الإنسان (purusartha) في علم القيم الهندوسي؟ وإذا كان المحاربون يجدون تناقضا أساسيا بين himsa و ahimsa، فلماذا يُقال بأن الإنسان ينال السعادة الكبرى عندما ينتفي الصراع بين dharma وartha وبين dharma وkama وكذلك بين kama وartha؟
بعد مرور عدة عقود على فترة غاندي، عبّر أحد زعماء الحركة الهندوسية وإسمه Sarasvatisvami عن موقف نشره في سلسلة من المقالات سُميت Hindu Dharma. ورغم أن المقالات كانت قد كُتبت قبل اجراء التفجيرات النووية عام 1998، كان يبدو أن القضية كانت تشغل ذهنه وأنه حاول أن يعطي الهندوسية الحديثة رخصة للمرة الثانية –بعد رخصة غاندي- بأن تشنّ الحروب لأغراض الدفاع الوطني. لجأ الى استخدام عدد من ستراتيجيات التأويل لخلق فهم عام لقضية الحرب العادلة تمثل في الآراء التالية. أولا، إن الحرب العادلة مسألة إستثنائية لمبدأ اللاعنف العام تُشبه ذبح الحيوانات إيفاء للنذور. ثانيا، وضع تأكيدا على القصد، وليس على الفعل ذاته. إذا كان العنف لصالح المجتمع، وانه ليس بدافع العداوة، فهو أمر مسموح به. ثالثا، أكّد على أن samanya-dharma في الحقيقة مطلوب فقط في حالة نكران الذات ونشاطات أخرى تُعتبر في رأي الناس قضايا مثالية. إن اللاعنف مبدأ عام يجب فهمه على انه الغياب التام للنوايا السيئة عند الإقدام على عمل ما. ويكون بذلك خيارا وليس إلزاما. رابعا، أشار Sarasvatisvami بطريقة غير مباشرة الى أن العنف ضمن مفهوم الحرب العادلة ليس مقصورا على طبقة Ksatriya، وبذلك يكون قد اقرّ تجنيد عامة الشعب في العصر الحديث للمشاركة في الحرب. خامسا، إختتم بالقول إن الأفعال "التي يبدو انها تُسبب آلاما للآخرين، يمكن اللجوء اليها لمصلحة العالم اجمع، وليس هناك أيّ إثم في ارتكابها."
يُظهر النقاش المشار اليه في أعلاه كيف أن مفكرا هندوسيا معاصرا ومحترما قد أعاد تأكيد تقاليد الحرب العادلة وعدّلها بشكل يتلائم مع الواقع السياسي الحديث. فهو أجرى قدرا من التداخل بين جانبي فكر dharma: أولا، إقتبس من samanya الذي جعل اللاعنف موضوعا مركزيا، وثانيا إقتبس من visesa الذي سمح بالعنف تحت عدد من الظروف أطلق عليها استثناء شرعيا لمبدأ اللاعنف العام. وأخيرا إقترح أن الهندوسية قد اتخذت وجهة نظر "موضوعية" ازاء العنف واللاعنف ، على السواء، وأن هذه الفلسفة الذرائعية لها نصيب كبير في الحدّ من العنف بدلا من التأكيد على مبدأ مطلق يجد الناس صعوبة للإلتزام به. وهكذا فهو يتجاوز موقف غاندي وتوسع في أخلاقية اللاعنف لجماعة معينة لتشمل الجميع. ويكون Sarasvatisvami بهذا قد رجع الى تقاليد الحرب العادلة.
وأخيرا تستشهد الدكتورة يونگ بقصة أوردها أحد المناصرين للإختبارات النووية التي جرت عام 1998 بيّن فيها شرعية أسلحة الدمار الشامل كرادع فقال:
كانت أفعى كوبرا سامّة تعيش على أطراف قرية تقع وسط غابة كثيفة. كانت الكوبرا تشكل خطرا على حياة كل من يمرّ بتلك القرية أو يخرج منها. وحدث أن كاهنا سلك ذات يوم ذلك الطريق، فحاولت الأفعى أن تلدغه. لكنه بمجرد أن لمسها استطاع تحويلها الى أفعى مسالمة. علّم الكاهن تلك الأفعى الحب والعطف على الآخرين وسلوك اللاعنف. وفي حدود أيام قليلة، لاحظ القرويون أن الأفعى قد كفت تماما عن مطاردتهم وتهديد حياتهم. دفعهم الفضول الى الإقتراب منها أكثر فأكثر ليعرفوا حقيقة الأمر. قام البعض برميها بالحجارة وضربها بالعصيّ، لكن الأفعى لم تحرك ساكنا وبقيت هامدة في مكانها. عاد الكاهن الى القرية بعد أيام فلاحظ الأفعى ملقاة على جانب الطريق وهي مثخنة بالجراح التي مازالت تنزف، وقد أصاب الورم بعضا من جسمها. إقترب الكاهن منها ووضع يده عليها وهي تنظر اليه بانكسار. سألها "لماذا سمحت بذلك أن يحدث لك؟" قالت الأفعى"يا قدّيس، لقد علمتني الحب والعطف واللاعنف، وعدم الأخذ بثأري أو إيذاء من يعتدي عليّ." ابتسم الكاهن في حزن وقال لها "يا ابنتي العزيزة، طلبت منك ألاّ تلدغي، ولكني لم أمنعك من أنْ تهُسّي!"
ننتقل الآن الى القسم الثاني من الكتاب، حيث تناقش الدكتورة سوزن مارتن من الكلية الملكية في لندن أراء أصحاب النظرية الواقعية فتقول إن "قرار" الرئيس الأمريكي هاري ترومن لإسقاط قنبلتين نوويتين على هيروشيما وناگازاكي في شهر أغسطس من عام 1945، لم يكن أمرا محيّرا على الإطلاق في نظرهم. فمن المتوقع من الدول أن تستخدم الأسلحة الفعّالة التي في حوزتها خلال الحرب، خاصة في الصراعات الكبيرة حيت يتمّ اسقاط كافة القيود التي تمليها الإحتمالات المتوقعة للوصول الى تسوية من نوع ما. كان هدف السياسة الأمريكية عام 1945 هو إستسلام القوات اليابانية غير المشروط في مسرح العمليات في المحيط الهادئ. كانت تلك السياسة ثابتة وحظيت بتأييد عامة الشعب الأمريكي. وأكثر من ذلك فإنه في ضوء موجات القصف الأمريكي المتواصل للمدن اليابانية، وجد المسؤولون الأمريكيون انهم لم يتخطوا الحدود الأخلاقية للحرب، ولم يتوقعوا معارضة واسعة داخل الولايات المتحدة لاستعمال السلاح النووي. كانوا في ذلك على صواب، إذ اشارت استطلاعات الرأي العام التي أجريَت في نوفمبر من عام 1945 أن 45% من الشعب الأمريكي قد عارض اسقاط القنابل النووية على هيروشيما وناگازاكي ، في حين اعتقد 22.7% انه "كان على الولايات المتحدة استخدام المزيد من تلك القنابل بسرعة قبل أن تستسلم اليابان." وبالتأكيد لم يكن هناك أي خوف من أن اليابان ستقوم بهجمات انتقامية تستعمل فيها نفس السلاح لأنها لم تملكه اصلا. في الحقيقة انها لم تظهر نيّة للقيام بأية هجمات ثأرية على الإطلاق. وأكثر من ذلك فإن ما كان يبدو أمرا مثيرا للهلع في نظر المؤرخين، هو حين فكر قادة الولايات المتحدة أصلا باسقاط تلك القنابل على اليابان، أو قد كان لتلك العملية تأثير جانبي "إضافي" على بداية الصراع مع الإتحاد السوفياتي. ظهر كل ذلك فيما بعد بأنه أمر طبيعي ومتوقع في رأي غالبية الواقعيين. ومع وجود كل هذه العوامل التي فضّلت الإستخدام المباشر للقنبلة النووية، تبدو القضية وكأنها تصميم فائض عن اللزوم من جانب القيادة الأمريكية.
وإذا أخذنا بنظر الإعتبار تبرير اعتقاد قادة الدولة من جهة وفعالية تعادل القوى من جهة أخرى، فليس من المدهش أن الواقعيين المحدثين ينظرون الى الإمتلاك الثنائي لأسلحة الدمار الشامل باعتباره قوة ايجابية للسلام والإستقرار، وليس قوة لأغراض الحرب. ولذلك فإن الواقعيين طرحوا شرحا مبسّطا سموه "توازن الرعب" كعامل لعدم استعمال أسلحة الدمار الشامل من قبل الإتحاد السوفياتي والولايات المتحدة في قمّة الحرب الباردة. لقد طوّر كلّ من الجانبين قدرا كبيرا من المخزون النووي للتأكد بأن أيّ منهما سيكون قادرا على الردّ على نطاق واسع إذا ما تعرّض للهجوم من قبل الطرف الآخر. كما قام كلا الطرفين بوضع سياسة نووية لاستخدام مزيج من الردود لضرب أهداف العدو منها مواقع القوات النووية للحدّ من الأضرار في حيالة قيام الحرب، وارباك رادارات العدو وطائراته الحربية، وجعل الضربة الأولى محدودة ومسبوقة بإطلاق التحذيرات، وإعادة النظر في تحديد الأهداف منها ضرب مناطق تمركز السكان بشكل متعمد لإيقاع العقاب بشكل أوسع، خاصة إذا ما قام الجانب الآخر بهجوم نووي مضاد. كما وضع الجانبان خططا لضرب مواقع القيادات الرئيسية في عاصمتي البلدين والقواعد العسكرية على أمل الحدّ من الضرر الذي يخشاه الجانب الآخر، إنْ تطوّر الوضع الى حرب أشمل. إنّ التهديد الجدّي باستهداف "القيادة العليا للبلدين" كان بأمل ردع أكثر المغامرين من الرأسماليين والشيوعيين الذين يتبوأون المراكز العليا.
ما هي سياسة الولايات المتحدة حول استخدام الأسلحة النووية أو التهديد بها خلال حرب الخليج عام 1991؟ ما طبيعة التهديدات التي أطلقها المسؤولون الأمريكيون خلال عملية عاصفة الصحراء، وماذا كان القصد منها؟ نعرف الآن من خلال مذكرات العديد من المسؤولين أنّ القادة الكبار للولايات المتحدة الأمريكية قد اتخذوا قرارا باستبعاد استعمال السلاح النووي، حتى وإن استعمل العراق اسلحته الكيمياوية، لكنهم رغم ذلك زرعوا بشكل حذر بذور الشّكّ في ذهن صدام حسين عن امكانية استعماله. ورد في المذكرات المشتركة للرئيس جورج بوش ومستشاره لشؤون الأمن القومي الجنرال برنت سكوكروفت مايلي:
ماذا لو استعمل العراق الأسلحة الكيمياوية؟ لقد ناقشنا هذا الموضوع بتاريخ 24 ديسمبر في لقاءنا في كامب ديفد، وقررنا أننا لن نلجأ للسلاح النووي. ولكن لو استعملها العراق فإننا سنقول بأن ردّ فعلنا سيكون مرهونا بالظروف، وأننا سنعتبر قادة الوحدات الميدانية العراقية مسؤولين وسنجلبهم للوقوف أمام العدالة بتهم اقتراف جرائم حرب. لم يتقدم أحد بأي اقتراح لاستخدام السلاح النووي، وأن الرئيسّ رفض ذلك، حتى وإن كان لغرض الإنتقام لتعرض القوات الأمريكية لهجمات كيمياوية أو جرثومية. لقد تقصدنا حتى التهديد المباشر أو غير المباشر على أساس انه سيكون سلوكا سيئا أن تهدد بشيء أنت تعرف مسبقا انك لا تنوي استخدامه. وبشكل عام تركنا القضية غامضة. لم يكن هناك موجب للتقليل من الرّدع الذي تركناه. (في ذهن القيادة العراقية-المترجم)
إستذكر وزير الخارجية جيمس بيكر فيما بعد أنه خلال لقائه مع وزير خارجية العراق طارق عزيز أنه "قد ترك بشكل متعمد انطباعا بأن استعمال العراق للأسلحة الكيمياوية والجرثومية قد يؤدي الى ردّ انتقامي باستعمال السلاح النووي التكتيكي. (استخدام رؤوس نووية صغيرة في مسرح العمليات العسكرية-المترجم) ودافع بيكر بالقول إن التهديد باستعمال السلاح النووي الأمريكي هو الذي ردع صدام عن استخدام الأسلحة الكيمياوية والجرثومية. هذا وكان الكثير من المسؤولين الأمريكين والباحثين في الشؤون السياسية قد تقبلوا الموقف الأمريكي دون أي اعتراض. غير أن نقاشا هاما حول هذا الموضوع كان يدور عمّا إذا كان التهديد النووي الغامض أو التهديد الأكثر وضوحا بأن القطعات العسكرية ستتقدم نحو بغداد لإسقاط نظام صدام حسين، هو الذي ردع الأخير عن اصدار الأوامر باستعمال أسلحته الكيمياوية والجرثومية.
كان هناك القليل من الإنتباه لتوضيح فكرة "الكلب الذي لم ينبح". لماذا لم تستخدم الولايات المتحدة السلاح الذري ضد القوات العراقية خلال حرب الخليج عام 1991؟ لقد أتاحت تلك الحرب الفرصة المواتية لاستخدام السلاح النووي وفق نظرية الحرب العادلة، سبب عادل وتمييز بين المحاربين والمدنيين ونسبة الخسائر. كما أن الإعتبارات التكتيكية والستراتيجية قد فضلت استخدام السلاح النووي. فالرؤوس النووية ذات الأثر المحدود (التكتيكية) متوفرة في مسرح العمليات وكانت القطعات العراقية معزولة في الصحراء في مواقع بعيدة عن تجمعات السكان، أي أن احتمالات استعمال السلاح النووي التكتيكي سوف لن توقع خسائر بين صفوف المدنيين. كانت بغداد معزولة سياسيا، بالمقارنة مع واقع الحال في كوريا أو فيتنام. لم يكن هناك أي خوف من أن دولة أو أكثر من دولة ستنتصر للعراق وستستعمل سلاحها النووي دفاعا عنه ردّا على استخدام السلاح النووي الأمريكي. كما أن خسائر أمريكا وحلفائها كانت ستكون أقل بكثير لو كان تمّ تقليص العمليات العسكرية التقليدية. وفي مثل هذه الظروف يبقى امتناع القيادة الأمريكية عن استعمال السلاح النووي لغزا يحتاج الى توضيح.
لم يكتب الواقعيون الكثير عن انتشار السلاحين الكيمياوي والجرثومي، لكن نفس المنطق المشار اليه سابقا قد ينطبق على ذلك. فالدول غير النووية التي تشعر بتهديد لأمنها، من المتوقع أن تطور أسلحتها الكيمياوية والجرثومية رغم الحظر الأخلاقي والقانوني. فغالبا ما يُشار الى الأسلحة الكيمياوية والجرثومية بأنها "السلاح النووي للفقراء" لأنها سهلة وغير مكلفة، رغم انها بشكل عام أقل تأثيرا. (الإستثناء الوحيد منها هو استعمال السلاح الجرثومي الخبيث) ورغم أن الكثير من الدول قد اتفقت على عدم انتاج أسلحة جرثومية أو كيمياوية وفق معاهدة الأسلحة الكيمياوية CWC ومعاهدةالأسلحة الجرثومية BWC، فإن الواقعيين يتنبأون بأن الدول الضعيفة ستميل الى الخداع وعدم الإلتزام بنصوص المعاهدتين اللتين وقعت عليهما. وهذا التنبؤ تظهره التقارير التي تقول إنه توجد على الأقل سبع دول من التي لا تمتلك السلاح النووي وهي أيران والعراق (قبل الإحتلال الأمريكي عام 2003) وليبيا وكوريا الشمالية وكوريا الجنوبية وسوريا وتايوان، يُشكّ بأنها تخفي أسلحة كيمياوية و/أو لديها مخزون من الأسلحة الجرثومية وأماكن لتصنيعها.
غالبا ما يُنظر الى التقاليد الأخلاقية لفلسفة القانون الطبيعي بطريقة محددة، وفق ما يطرحه الدكتور سي كودي من جامعة ملبرن – أستراليا في الفصل الثامن من الكتاب. وهو يشير الى الحال بالنسبة للتعاليم الأخلاقية للكنيسة الكاثوليكية، فيقول بأنها غير معوّل عليها فيما يتعلق بالوحي. غير أنّ هذا النوع من الفرز الخجول يلقي ضوء طائفيا على قيمتها. وهويحاول النظر في تلك التقاليد باعتبارها تتعلق بكنيسة أكبر. ثيم تناول أقوال بعض المنظرين. قد تفاجئ هذه المحاولة بعض المعنيين بالأمر، ولكنه لا يقترح معالجة موسّعة تستبعد أي تلميح أنّ هناك شيء مميّز عندما نشير الى "القانون الطبيعي". وهذا الإعتراف بأنّ هذه الفلسفة، حالها حال كل التقاليد والفلسفات الأخرى، عبارة عن مجموعة من النظريات والتأملات والأفكار لا ضرورة أنْ تقودنا لأنْ نعتقد بأنها مجموعة موسّعة جدّا. فمثلا، يجب ألاّ نعتبرها مساوية لكل النظريات التي تنكر النسبيّة والتمسك بالتقاليد أو الفلسفة الوضعيّة (فلسفة أوغست كونت التي تعنى بالظواهر والوقائع اليقينية فحسب، مهملة كل ّتفكير تجريدي في الأسباب المطلقة – المترجم) قدر تعلق الأمر بالقانون والأخلاق. فليس بين هذه سوى القليل من الأفكار المشتركة لتكوين تقاليد فضفاضة.
لربما من أفضل الطرق لطرح نقاش الدكتور كودي هذا هو تحديد بعض الصفات المشتركة بين عدد من النظريات ذات العلاقة التاريخية بفكرة أنّ فهم الأخلاق هو قضية ادراك شيء تقوم عليه النظرة العقلانية للعالم ومكانة الكائنات البشرية فيه. وهذا "الشيء" قد تمّ اكتشافه في ضوء الحقيقة وليس عن طريق الإرادة الإنسانية، لكنّه يوضح أنّ من الأفضل للعناصر مهما كان نوعها أنْ تتلائم مع الطبيعة. وفي هذا المعنى، فهي تكشف الحقائق الأخلاقية، لكن الأخيرة، ليست إلاّ مواصفات لخلق حياة جيّدة، بدلا من أنْ تكون جردا مطوّلا لقضايا مجرّدة.
يمكننا أنْ نجد الفكرة في مرحلتها الجنينية في أقوال أرسطو وربما إفلاطون ولكن بالتأكيد عند ستويس وسيسرو وتوما الأكويني، وآخرين غيرهم في أواخر القرون الوسطى، والمجدّدون المحدثون لأفكار أرسطو مثل فيتوريا وسواريز ومن بعدهما گروتيوس وهوبّس ولوك ومختلف المؤمنين بفلسفة الأكويني اللاهوتية في القرنين التاسع عشر والعشرين. ولربما كان فكر جاك ماريتيان أكثرهم شعبية وشيوعا. وقد انظمّ لتلك التقاليد حديثا مفكرون غير دينيين مثل جون فنّس وجوزف بويل وجرمين گريسز. كما برزت بعض الجوانب في أخلاقيات الفلسفة الصينية التي يوجد فيها بعض أوجه التشابه مع فلسفة القانون الطبيعي. لقد واجه كلّ هؤلاء المفكرين مسألة الأخلاق بطرق مختلفة عمّا هي عند أتباع كونت أو أصحاب المذهب النفعي، ولكن بالطبع توجد بعض التداخلات بين اهتمامات هؤلاء أو أولئك ومبادئهم. كما توجد بعض الإختلافات الجديرة بالإنتباه بين أتباع تقاليد القانون الطبيعي أنفسهم. في الحقيقة هناك اختلافات عميقة بين أنصار تقاليد القانون الطبيعي حتى ضمن بعض التفسيرات المحدودة التي تربطها بالتعاليم الكاثوليكية، كما أشار بويل إلى ذلك. قد تزعج هذه المحاولة لضم هوبّس الى النقاش البعضَ من المفكرين من عدة زوايا نظرا لكونه منظّراَ غير قياسي لفلسفة القانون الطبيعي. ولكن يبدو للكاتب أنّ اعتراضهم قائم على عدم فهم أطروحته عن الأخلاق. ثم يطرح فيما يلي المزيد من ذلك النقاش. إنّ السّمات التي يود أنْ يستشهد بها هي:
1. ألتأكيد على العقلانية الأساسية للأخلاق.
2. ألتأكيد على مركزية الطبيعة الإنسانية لفهمنا للأخلاق
3. ألتمييز بين القانون الإيجابي والقانون الطبيعي، باخلاقياته الأساسية التي تعطيه موقفا متقدما، ولكن في نفس الوقت أرى أنّ القانون الإيجابي مبنيّ فكريا على الأخلاق.
4. هناك وجهة نظر خلفية لاهوتية تقول إنّ القانون الطبيعي يحتلّ جزءً من الدواعي أوالمبرّرات الإلهية التي تحافظ على بقاء العالم وديمومته.

نرى من الفقرات أعلاه أنّ التقاليد تنظر الى الأخلاق على أساس أنها تشمل أمورا عملية ومبادئ متصلة في الوجود. ولذلك فهي تدور حول صنف يمزج بين ما هو عاطفي وما هو فكري في ازدهار الوجود الإنساني ويشكل خلفية للمسعى الأخلاقي. وهذا ما تعرّض له بشكل واضح توما الأكويني حين وضع في كتابه أسس القانون الطبيعي تحت عنوان Summa Theologia . يقول الأكويني إنّه نظرا لأنّ الإنسان هو أول من يواجه الفهم، فإنّْه بالضرورة يُعتبر أوّل من يدرك الخوف من الأسباب العملية. وبذا يُدفع الشخص لتحقيق نتيجة أحد أوجه الخير. وهكذا يصبح المبدأ الأول للأسباب العملية هو أنّ الخير هو أمنية الجميع. إذنْ، فإنّ "المبدأ الأوّل" للقانون الطبيعي هو أنّ الخير يجب أن يُستهدف ويُحقق وأنّ الشرّ يجب تحاشيه. يستمر الأكويني قائلا:
إنّ المبادئ الأخرى للقانون الطبيعي قائمة على ذلك. ومهما كانت الأسباب العملية أو التي تتحكم بالإنسان، فإنّ طيبة هذا الإنسان تنتمي الى مبادئ القانون الطبيعي كشيء خيّر يُراد تحقيقه أو كشرّ يجب تحاشيه.
وعلى أيّ حال، ففي النهاية يكون للخير طبيعته وللشرّ طبيعة مناقضة. إنّ كلّ الأشياء التي يميل الإنسان اليها هي أسيرة سبب كونها جيدة فتصبح أمورا مبتغاة. والأشياء المناقضة لها شرّ هدفنا أنْ نتحاشاه. ولذلك فإنّ تنظيم مبادئ القانون الطبيعي يكون وفق الميول الطبيعية.
وبالطبع هناك المزيد من الأمور الأخرى، التي مهما كان مصدرها، لا يمكن أنْ تكفل الطاعة. ولو أخذنا هذا المفهوم لوجدنا أنّه يمثل جزء من خليط معقد من التعقل والمشاعر التي توجّه السلوك البشري. وهي عوامل لعبت دورها في المعركة الناجحة ضد العبودية والنجاح الجزئي لتحرير المرأة ومقاومة العنصرية، إضافة الى وضع الأطر للمؤسسات الديمقراطية. وفي حالة نظرية القانون الطبيعي، فقد كان لتقاليدها تأثير على مواقف المسيحية من الحرب وعلى تطوير القانون العالمي وقانون حقوق الإنسان، وفي أيامنا هذه على نظرية الحرب العادلة والقيم العسكرية الغربية. قد يكون الكثير من هذا التأثير مبهما بطرق عدة، لكن أهميته شيء لا يمكن إنكاره. وفي قضية أسلحة الدمار الشامل، يلخص الدكتور موقفه بالقول "إنّ تقاليدنا القديمة لا زالت تفصح عن قلقنا في الأوقات الحاضرة."
في الفصل التالي يناقش الدكتور روبرت هولمز، وهو استاذ في جامعة روتشستر، فلسفة السّلامية Pacifism وموقفها من أسلحة الدمار الشامل. يصنّف الدكتور هولمز أنصار هذه الفلسفة الى ثلاثة أنواع ويقول إنّ السّلاميّة قد تكون فلسفة شخصية أو مبدأيّة أو نفعية اعتمادا على ما يقوم به الفرد أو ما يؤمن به.
1. السّلاميّة الشّخصيّة Personal Pacifismترفض المشاركة في الحروب كالتزام شخصي لا يمكن اعتباره ملزما للآخرين.
2. السّلاميّة المبدأيّةPacifism Principled تعارض الحروب لأسباب دينيّة وروحيّة و/أو أخلاقية يمكن اعتبارها ملزمة للآخرين.
3. السّلاميّة النّفعيّة Pragmatic Pacifismتعارض الحروب لأسباب عمليّة باعتبارها طريقة قد تكون غير فعّالة أو كافية لتحقيق أهداف الفرد.
قد يتّفق السّلاميّون الشخصيّون مع السّلاميّين النّفعيّين على أنّ الحرب غير عملية، كما يعتقد السّلاميّون المبدأيون الذين يقولون إنّ شجبهم للحرب له طبيعة أخلاقية أو دينيّة. وهم بذلك لايصرّون على أنّه يتوجب على الآخرين أنْ يظهروا نفس الإلتزام (فبعض الذين يرفضون الخدمة العسكرية لأسباب ضميرية مثلا، ليس لديهم مانع أنْ يخدموا في صفوف الجيش طالما لا يُتوقع منهم أنْ يحملوا سلاحا أو يستعملوه). والإلتزام الشخصي، وليس الإعتقادات الأخرى كالدين والأخلاق والأسباب العمليّة هي في جوهر إيمانهم بالسّلاميّة. أما السّلاميّون المبدأيون فيمكنهم الإتّفاق على أنّ الحرب ليست فعّالة، أي أنّهم سلاميّون نفعيّون من الدرجة الثّانية في نفس الوقت. غير أنّ هذا ليس هو السّبب لكونهم سلاميّين. فسببهم الرّئيسي هو اعتقادهم بأنّ الحرب خطأ من كلّ جانب (السّلاميّة الأخلاقية) و/أو تتعارض مع بعض الإلتزامات الدّينيّة والرّوحيّة التي يجب أنْ يتحلى بها كلّ فرد (السّلاميّة الدّينيّة).
يعترف السّلاميون أنّه بالرغم من عدم وجود طريقة للسّماح بالحرب، فإن هناك طرقا أسوأ من غيرها. قد تكون هناك طرق أفضل أو أسوا للإستمرار بنشاطات خاطئة. فمثلا، السّرقة عمل خطأ. ولكن الأسوأ هو أنْ تسرق ثم تُشبع المسروق ضربا أو تقتله. والمثال الآخر هو الإغتصاب والأسوأ منه اغتصاب الضحية ثمّ الإجهاز عليها. وإذا أخذنا بنظر الإعتبار قناعة السّلاميين بأنّ الحرب خطأ فمهما كانت طريقة تنفيذها هي خطأ أيضا. ولكن الحقيقة هي أنّ الوسائل تختلف عن بعضها البعض فاستعمال العصي والحجارة أقلّ ضررا من استعمال الدّبابات والطائرات.
يعتقد السّلاميون بأنّ العالم الذي يخلقه انتشار السّلاح النّووي سيهبط بمستوى حياة النّاس الى الحدّ الذي يجعل تلك الحياة لا رغبة فيها. يُقصد من السّلاح النّووي أنّه يُثبّت المخاوف.Ő وهذا يتوافق مع نظرية هوبس الفلسفيّة التي طغت على كافة المؤسسات الأكاديمية الأمريكيّة، والتي ترى الخوف مسألة مركزيّة في تأسيس الدولة. ألإشارة هنا الى الأنانيّة النفسية (مذهب يقول بأنّ الفرد ومصالحه الذاتيّة هي أساس السّلوك كله-المترجم) التي تفعل فعلها في القضايا الإنسانيّة. وإذا ما دمجنا ذلك بالقناعة بأنّ أحسن طريقة للعيش في هذا العالم هي التحكم بالخوف (من قبل الحكومة في الدّاخل والقوة العسكريّة على المستوى العالمي) فإنّ هذين المُعتقدَين رغم اختلافها مع الكثير من المعتقدات الشّرقية يحكمان سيطرتهما على الغرب، خاصّة الولايات المتحدة فيما يتعلق بقضايا الحرب والسّلام. تُعبّر فكرة "توازن الرّعب" عن ذلك إفضل تعبير. يقول المؤلف إنّ الرّدع النّووي هو نوع من الإرهاب الدّاخلي ويتميّز عن الإرهاب المعروف، أنّه يحاول تحقيق أهدافه عن طريق التهديد بالموت والخراب وليس بإنزالهما فعلا. وهو لا يظهر اهتماما بحياة الأبرياء من النّاس. والقصد من ذلك يكون بزرع الخوف وتثبيته للحدّ الذي يجعل هذا سياسة إرهابية، وليس فقط طريقة لتحقيق الأهداف. يعتقد السّلاميون أنّ السّلام الدّائم لا يمكن أن يقوم على الخوف. وإذا كان العنف يولد عنفا، كما قال غاندي وكنگ، فإنّ أحد أسباب ذلك هو أنّه يخلق الخوف، والخوف يولدّ الغضب والكراهية، وإذا ما سمنحت الظروف يتحول هذان العنصران الى العنف. وبإمكاننا القول إنّ الشّرّ في العالم منبعه الخوف، لأنّه يجمع كلّ شيء، عدم الشّعور بالأمن وانعدام الثقة والشكّ والرّعب الصريح. إذا كان هذا صحيحا، فإن إضافة الخوف المتسلط على الفرد والمجتمع بشكل عام، يعطي الأولويّة للتخلص من الخوف الذي يمثله الآخرون. بالنسبة للسّلاميين، فلا السّلاح النّووي ولا السّلاح التقليدي بقادرين على صنع الّسّلام. وكلاهما لا يستطيعان الإستمرار في استعمال العنف حول العالم والذي يعرقل تحقيق السّلام. إنّ اللاعنف هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق ذلك بما فيه وسائل اللاعنف في الدّفاع الوطني. ولهذه الأسباب يعارضالسّلاميون انتشار السّلاح النّووي، وفي نفس الوقت يدينون نفاق الدّول المالكة له، والتي تعطي لنفسها فقط الحقّ الذي لا غبار عليه للتفرد بامتلاكه.
يختتم الدكتور هولمز دراسته بالقول إنّ الحرب الباردة وضعت نهاية للنّظام العالمي القديم. لقد كان ذلك النظام قائما على الخوف وفقدان الثقة والعنف. وأفضل ما قدّمه هو توازن الرّعب من خلال أسلحة الدّمار الشّامل. إنّ نهاية هذا النظام تطرح فرصة لخلق نظام عالمي يقوم على اللاعنف. وعن طريق الخلاص النهائي من خصومات الدّول الكبرى، يستطيع البشر من كلّ أنحاء العالم أن يزرعوا بذور الإنفتاح والثقة والإحترام. باستطاعتهم أن يفككوا الأنظمة الحربيّة، بدأ بأسلحة الدّمار الشّامل. باستطاعتهم أنّ يوقفوا بثّ الرّوح العسكريّة بين صفوف الشّباب، وأنْ يضعوا خططا للدفاع القائم على اللاعنف. بإمكانهم أن يغيّروا مسارات اقتصادهم نحو الإستعمالات السّلمية. إن فرصة كهذه لا يمكن أن تحين ثانية حتى بعد ألف عام.
في الفصل العاشر نجد عرضا للأنوثة وموقفها من أسلحة الدّمار الشامل، والذي طرحته کل من الدكتورة كارول كوهن من كلية وسلي والدكتورة ساره رودك من كلية يوجين لانگ. وهما يعبّران عن رأي الأنوثة التقليدي الذي يطلقان عليه "الأنوثة المناهضة للحرب" antiwa feminism. تعتبر الكاتبتان نفسيهما وريثتي تلك التّقاليد التي يستعينان بها لطرح موقفهما من أسلحة الدّمار الشّامل. رأيهما باختصار، هو أنّ الأنوثة المناهضة للحرب ترفض الإستخدام العسكري أو السّياسي لتلك الأسلحة سواء في شكل فعلي خلال حالة الحرب أو لأغراض الرّدع. ويسجّلان اعتراضهما العميق على مجريات النّقاش العام الدائر حول هذه الأسلحة. فهما تدعوان الى ابتداع طرق للتفكير تكشف الآثار المعقدة على المجتمعات التي تمتلك تلك الأسلحة وتطوّرها وتنشرها. ويريدان طرقا تصوّر الرّعب والمعاناة المتوقعة للمجتمعات المُستهدفة، وتُثبت التّورط الأخلاقي للمخاطرة بمثل هذا الخراب الواسع النّطاق.
تقول الكاتبتان إنّه إضافة الى كون الأسلحة الذريّة فائقة الكلفة اقتصاديا، فإنّ لتطويرها كلفة طبيعيّة وسياسيّة أيضا. ففي الولايات المتّحدة تعرّض الكثير من النّاس لمستويات مختلفة من الإشعاعات الذريّة، من ضمنهم عمال مناجم اليورانيوم، والعاملون في مراكز المفاعلات الذريّة وحوالي ربع مليون جنديّا ممّن تعرّضوا للإشعاعات خلال تدريبات "مناورات المعارك النّوويّة"، وأولئك الذين حملت نحوهم "الرّياح" الإشعاعات النّوويّة من مناطق اختبارات التّفجير، وكذلك سكان جزر المارشال. وعلى المستوى السّياسي، فإنّ البرنامج النّووي يتطلب قدرا من السّريّة والإجراءات الأمنيّة التي لا يعرف أغلب المواطنين عنها شيئا. وفي معظم البلدان، استُبعِدت النّساء من السّياسة الدّفاعيّة وعمليات اتخاذ القرارات.
ومن وجهة نظر حياة المرأة، فإنّهما لا تريان فقط كلفة تطوير الأسلحة الذريّة، ولكن أيضا الكلفة الرّوحيّة والإجتماعيّة والنفسيّة والمادية خلال عملية نصبها. واستنادا لما أوردته إحدى الأنوثيّات، فإنّ "التّسليح النّووي ينتج اتفاقا أجتماعيا لزيادة مستوى العنف." والكلفة الأخرى للكثيرين، هي أنّ السّلاح النّووي يخلق مستوى عال من التّوتّر وفقدان الأمن والخوف. وكما قالت أرونضاتي رويفإنّ الأسلحة الذريّة تتدخّل في أحلامنا وتدفن نفسها ككلّابات اللحم في عمق عقولنا.
وأكثر من ذلك، تهتمّ الأنوثيّات بتأثير السّياسة الذريّة على الفكر الأخلاقي والآراء حول الجنوسة وكيف يتداخل هذان العنصران معا. قد تُبرّر عدوانيّة الرجال تطوير ألأسلحة الذريّة وتزرع في أذهان النّاس أنّ التّفجير النّووي يؤمّن "اكتمال روح الرّجولة" لدى الشّعب، حيث يمكن للرّجال كأفراد أن ينالوا نصيبهم منه.
إنّ الطبيعة الغريبة لواضعي السّياسيّة الذريّة لا تكتفي بطرح الأسئلة الأخلاقيّة جانبا، بل تحولها عمدا الى قضية ذكور وأناث. يُفترَض في هذه النخبة أن تكون عقلانيّة تؤمن بالعلم والحداثة، وطبعا بالرّجولة. تطرح النّخبة رأيا مفاده أنّ الأسئلة الأخلاقيّة والأسئلة حول الكلفة الإجتماعيّة والبيئيّة هي قضايا عاطفيّة تخصّ الأناث، وانكفائيّة غير ذات طبيعة حديثة. وهذا في راينا اتجاه خطير للتّفكير يقترح أنّ الأسئلة حول حياة النّاس ورفاهيتهم ليست اسئلة حديثة وغير ذكوريّة، وأنّ الرّجال ليس لديهم القدرة ولا يتوفّر لديهم الإهتمام بقضايا السّلام والأخلاق. ستقود هذه الطريقة في التفكير حتما الى نتائج كارثية للرّجال والنّساء، على السّواء.
خلاصة الكلام، إنّ الكاتبتين تجدان الكلفة اليوميّة لتطوير أسلحة الدّمار الشّامل ونصبها تتزايد بشكل عال. وهذا بحدّ ذاته دليل كاف على أنّها، حتّى وإنْ كانت لأغراض الرّدع، ليست أكثر من بديل يفتقر إلى الأخلاقيّة.
إنّ ما يُسمّى بالرّد الواقعي على مثل هذا الحكم يتظاهر بالأخلاقيّة، لكنّه سرعان ما ينقلب الى القول بأنّه حتّى لو كانت الكلفة عالية فإنها مبرّرة لأغراض الدّفاع. ولربما بشكل أدقّ، فإنّه يمكن القول أنّ نتائج الهجوم الذرّي ستكون كارثيّة الى الحدّ الذي يجعل الإعتبارات الأخرى غير ذات أهميّة. إنّ ردع هجوم أسلحة الدّمار الشّامل على بلدهما هو الشّرط المُسبق الذي تعتمد عليه الحريّة السيّاسيّة والحياة الإجتماعيّة.
ثم تتحوّل الكاتبتان الى الرّدّ على هذا الإدّعاء وتلخّصانه في نقطتين. أوّلا، إنّ المثقفين المدافعين عن السّلاح الذري، حتى وإن قالوا إنّ إثارة الكلفة قضية غير مشروعة، فإنّهم ربطوا ذلك بالأنوثة الى درجة كبيرة. وهو برأيهم عمل تقوم به "الزّوجات المصابات بالهستريا"، والنّاس الضعفاء الذين ليس لهم الجرأة الكافية ليشاهدوا "الحقيقة" المرّة، وذوو العواطف الفارغة الذين تنقصهم الشّجاعة ليفصلوا ما بين مشاعرهم وبين نظريّات القتل الجماعي ويفتقرون للصّلابة التي تتطلبها الحرب. إنّ المحللات الأنوثيات يرفضن هذا الحبك الذي يحطّ من قيمة أيّ شيء ذي علاقة بالنّساء والأنوثة. وهنّ يرين إنّ ثقافة من هذا المتسوى ترفع قيمة ما يسمّى الرّجولة على حساب الأنوثة، هو توضيح مباشر لما يُطلق عليه "الضّرورة العسكريّة التي يجب أنْ تُعطى الأولويّة على كافّة الضّرورات الإنسانيّة. وهذا الموقف يثير السؤال حول الإفتراض الذي يتمسّك "بالواقعيّة" ويصطنع التّركيز على السّلاح وقوّة الدّولة. وبدلا من أنْ يكون انعكاسا "موضوعيّا" للحقيقة السّياسيّة، فإنّ الكاتبتين تفهمان هذا النّظام من التفكير (1) إنّه صورة جزئيّة ومشوّهة و(2) عامل رئيسي لخلق ذات الظروف التي يصفها ويحاول أن يحمي نفسه منها.
ثانيا، تميل الأنوثيّات الى الشّك في فعاليّة العنف بقدر شكهنّ بفعاليّة الرّدع. بعبارة أخرى، إذا كانت الحرب "كذبة" فالرّدع "كذبة" أخرى. وهذا لا يعني القول أنّ الرّدع كظاهرة لا يحدث إطلاقا. فممّا لا شكّ فيه، أنّ أحد الجانبين قد يُردع أحيانا من قبل الجانب الآخر لخوفه من وقوع ضربات انتقاميّة. ثمّ تمضيان للقول "لكننا نعتقد أنّ الرّدع كنظريّة أو كطريقة، أي مجموعة من الممارسات تؤمّنها تلك الطريقة، هي عبارة عن محض خيال."
وبرأي الكاتبتين، إنّ نظريّة الرّدع هي عبارة عن بناء تجريدي معقد يطرح علاقات افتراضيّة بين نوعين من أنظمة التّسلح، أو بعبارة أخرى صورة مجرّدة لنوعين من أنظمة التّسلح. الحقيقة أنّ العقل والخبراء العسكريّون يقولون لنا إنّ الأخطاء البشرية والخلل في التصميمات التكنولوجيّة يعني أنّه علينا أنْ نتوقع بأنّ الأسلحة قد لا تعمل دائما وفق الخصائص المرسومة لها ضمن نظريّة الرّدع. ونظرا لأن نظريّة الرّدع تطلق العنان للنشاطات الإفتراضية لمختلف الأسلحة بدلا من تقييم ادائها على أرض الواقع نجاحا أو فشلا، فإنّها تمضي بشكل لا محدود في عرض مسلسل من الصواريخ العابرة للقارّات واستعمال أسلحة تكتيكيّة محدودة في ساحات المعلرك، والقصد هو اعطاء الإنطباع الجيّد بجدواها وضرورة نشرها على نطاق أوسع وبعث الرّوح في سباق التّسلح.
للنّقاش الغربي عن انتشار أسلحة الدّمار الشّامل دور ضمن الإطار العام لسياسة الأمن القومي للولايات المتحدة. فمع نهاية "إمبراطورية الشّرّ" في نهاية الثمانينات حتّى وقوع هجمات سبتمبر 11 عام 2001، بدا وكأن الولايات المتحدة بحاجة لعدو كبير الى درجة ما "لتبرير محافظتها على مؤسستها الصناعية العسكرية الباسطة جناحيها في كلّ اتجاه في العالم". وعليه تمّ اختلاق وتوظيف فكرة "الدّولة المارقة" الصّعبة المراس وغير المسؤولة، اللاعقلانيّة الحاقدة المعادية للغرب. ويتمثل عنادها ومعاداتها في طبيعتها الحقيقيّة اللاعقلانيّة. ونظرا لأن المسألة كامنة في "طبيعتهم"، فإنّ الولايات المتّحدة ستحتاج الى طلب المزيد من الجّديّة في العمل من قبل دول الغرب للمواجهة، ودون الإعتراف اطلاقا وبأي شكل من الأشكال عن كونها مسؤولة في تسبّب تلك العدوانية وذلك التّمرد.
وتختتم الأستاذتان كوهن ورودك دراستهما بالقول " إنّنا نجد أسلحة الدّمار الشّامل في حدّ ذاتها مسألة غير قابلة للدّفاع عنها أخلاقيا، بغضّ النّظر عمّن يمتلكها، وإننا نخشى من الكلفة العالية لأي مرحلة من مراحل تطويرها ونصبها. ولذلك فإننا نرفض النّقاش الدّائر حول "الجيّد" و"السيء" و"الآمن" و"غير الآمن" منها، لأن تحديد استعمال جيّد أوسيء قائم على من يمتلكها. إنّ اهتمامنا ينصبّ على تذكير العالم لمعرفة كيف أنّ بعض أسلحة الدّمار الشّامل قد تحوّلت الى " العلنيّة " وهي (العائدة لنا). و" الخفيّة " وهي (العائدة لهم)، وكيف حوّلنا "الخطير" الى "ألأخطر منه"، وهو ما يسعى الآخرون لامتلاكه منها."
يطرح الدكتورهنري شو الأستاذ في جامعة أوكسفرد في دراسته موقف الليبرالية من أسلحة الدّمار الشّامل، ويتعرض بالتّفصيل لمفهوم "الضّرورة القصوى" باعتباره مبرّرا للتهديد في استعمال الأسلحة النّووية لأغراض الرّدع. ثمّ يعرّج الى القول بأنّ تحت نبرة تشرتشل الخطابية، يوجد رأي سليم إذا ما أخذ المرء بتبعيّات سلوكه من أجل البقاء وحوّل فاعليّة قانون الحقوق بكامله وكذلك القوانين، التي لا تقع تحت تعريف والزر للأخلاقيّة المطلقة. والسؤال هو كم مرّة أمكن صيانة هيبة القوانين وفاعليتها عن طريق تجاوزها؟ وكم مرّة أمكن صيانة نظام حقوق الإنسان عن طريق مخالفة تلك الحقوق؟ يبدو أن الكثير من الإرهابيين قد أعطوا لأنفسهم الثقة بأنّه بالإمكان أيقاف الإرهاب عن طريق ارتكاب العمليّات الإرهابيّة. والسؤال ثالثة، هو أين حدث هذا بشكل حقيقي وناجح؟
يعترف الكاتب أنّ مصالح الطرفين في "توازن الرّعب" تتشابك، كما حدث للولايات المتحدة والإتّحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة، حين هدّد الجانبان بعضهما البعض بالإبادة التّامّة. إنّ ما قيل في الدّفاع عن الإبادة المتبادلة شيء يشبه قول "العين بالعين،" التي تبدو للكاتب مسألة ذات نبرة دينيّة لا تستحقّ النّقاش، وبالتأكيد لا يقبل بها التّفكير الليبرالي، حيث يكون الإنسان هو الهدف الخلقي الأعلى. ومثل هذا الإدّعاء المزعوم بالثأر العادل على المستوى الجماعي، ليس له مثيل في مفهوم الضّرورة القصوى. تسمح الضّرورة القصوى بتجاوز مبدأ حماية أرواح المدنيين حين يكون الخطر وشيكا، وإنّ لهذا التّجاوز "منفعة ويقوم على النّسبيّة." وحسب فهمه فإنّ طرح والزر الأصلي لا يقول "إذا كنت مهدّدا بالإبادة، فلك الحقّ في إبادة عامّة الشعب في الدّولة التي تهدّدك." إنّ طرحه الأصلي يقول "إذا تعرّضت لتهديد وشيك بالإبادة فلك الحقّ في تجاوز مبدأ حماية أرواح المدنييّن بصورة مؤسفة مؤقتة ومتردّدة للحدّ الذي يجعلها نافعة (يفهما بأنّها ضروريّة) وبشكل نسبيّ. إنّ التّخطيط المُسبق لإحراق المراكز السّكانيّة وتحويلها الى رماد باستعمال السّلاح النّووي كجزء من "الستراتيجيّة" للتّدمير المُتبادل، ليست من ضمن تلك الشّروط. ويضيف قائلا "إنّ التّخطيط المسبق الطويل الأمد للمجزرة، ليس هو الرّدّ الواقعي المتوفر في وجه النّكبة الوشيكة الوقوع. يتوفر لدينا الوقت، إذا كانت تتوفر لدينا الإرادة وحسن النّظر، من أجل إعداد ردود فعل تجهض تصعيد الموقف وتسعى لإيجاد الحلول للخلاف وهو في مراحله الأولى."
يعتبر الكاتب أنّ من الأخطاء القاتلة التي لا يمكن غفرانها هو إخفاق ادارة الرّئيس كلنتن في الغاء حالة الإنذار النّووي للولايات المتحدة رغم انهيار الإتّحاد السوفياتي. وهذا الفشل الذي يشلّ القدرة العقليّة للإنسان يبدو أنّه انعكاس لعدم قدرة الإدارة المذكورة في السيطرة على العسكرتاريا. إستمرت إدارة بُش على نفس النّحو ولم ترفع حالة الإنذار النّووي التي لا مُبرّر لها، بل ذهبت الى أبعد من ذلك لتنغمس في وهم غير محدود في أن توازن الرّعب يمكن أن ينتهي عن طريق بناء شبكة الصواريخ النّوويّة الدّفاعيّة العابرة للقارات. يشير الكاتب الى أن المفكر ستيفن لي أظهر قبل سنوات أنّ الأمر سيكون أكثر خطورة ممّا هو عليه الآن إذا ما تمّ نصب هذه الشّبكة الدّفاعيّة وتمّ تشغيلها. الأسس الوحيدة التي يقوم عليها الإيمان بإمكانيّة عمل هذه الشّبكة هو اختبارات الپنتاگون المصطنعة التي تجعل من الموضوع فضيحة من النّاحية العلميّة. إنّ نجاح شبكة الصّواريخ أو فشلها في الوقت الحالي فكرة رديئة حقا، وستجعل الأمور أكثر سوءً.
وباختصار، سنستمرّ في مواجهة خطر وشيك للفناء، وأنّ نظام الرّدع النّووي هو مصدر المشكلة وليس طريقة لحلها. كما أنّ وشوك التهديد هو أفضل سبب للتّحرّك سريعا نحو تفكيك الأجهزة النّوويّة وتدميرها. لا يوجد أي مبرر للإحتفاظ بها أو الإعتماد عليها، كما هو حاليّا في السّياسة القوميّة الأمريكيّة.
إنّ هدف الدكتور شو من من دراسته هو أنْ يقف الى جانب مايكل والزر الذي يشجّع الإقدام على المخاطرة من أجل تحقيق تغيير تاريخي في كلّ ما هو ضروريّ. وأنْ يكون ضدّه عندما يظهر قناعته للسّماح بجرائم التّهديد بالتّدمير الكامل نتيجة استخدام السّلاح النّووي تحت ستار الضرورة القصوى. وخلال هذه العملية، أظهر فشل واحدة من أهمّ المحاولات الشاملة لتبرير الرّدع النّووي، وكذلك الإعتماد على أكثر أنواع أسلحة الدّمار الشّامل تطوّرا، حسب وجهة نظر الليبراليّة.
وفي ختام دراسته يقول الدكتور هنري شو إنّه يتوجب على العالم أنْ ينبذ في الحال السّلاح النّووي من بين أسلحة الدّمار الشّامل. يبدو له أنّ المسألة مسألة وقت قبل أن تحترق المدن، إن لم يكن في أورپا أو أمريكا الشّمالية ففي الصّين والهند وپاكستان ومدن الشّرق الأوسط، بأتون تلك الأسلحة. يجب على الإنسانيّة أنْ تدير ظهرها لتلك الغلطة الرهيبة في تاريخ تكنولوجيا التّسليح.
يبدو أن الذين ساهموا بالدراسات التي جمعها هذا الكتاب قد حاولوا الوصول الى المشترك الإنساني حول ادانة أسلحة الدمارالشامل. كما يبدو أن هناك رأي مفاده أنه ليس القصد بالمشترك الإنساني هو ما يؤدي الى المفهوم العولمي غير المنضبط الهادم للخصوصيات الثقافية والمسكون بهاجس الهيمنة وعقدة المركزية الحضارية في الغرب. المراد من المشترك الإنساني، هو تلك القيم الموجودة في جوهر الأديان والحضارات التي تلبي حاجات الإنسان الفطرية من حيث هو إنسان، بكونها قيما ومبادئ عابرة للخصوصيات الثقافية للأمم جميعا من حيث العدل وإنصاف المظلوم وغير ذلك. وإن واقع البشر من تدافع بين الحق والباطل وبين الخير والشر إنما هو جزء من نواميس الحياة. ولئن بلغ الحال بإمتنا إلى أن يمزق أبناؤها أحشاء جسدها المنهك، فإني على أمل أن هذا لا يعني أن هذه الأمة على وشك أن تذبل أو تموت. إنما هي بداية لانبعاثة جديدة تواصل فيها اجتهادها اللازم للخروج من أزمتها التي تمر بها، ولتتمكن بعد ذلك من بلوغ مرحلة الرحمة الإنسانية والعدالة والمساواة في هذه الأرض.
د. محمد جياد الأزرقي
أستاذ متمرس في كلية ماونت هوليوك
مونتگيو، ماساتشوست – الولايات المتحدة
mjiyad@mtholyoke.edu

1. Ethics and Weapons of Mass Destruction
Religious and Secular Perspectives
Edited by: Sohail H. Hashmi & Steven P. Lee
Cambridge University Press
2. http://www.aawsat.com/
3. http://www.alquds.co.uk/
4. http://www.annahar.com/





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,565,532,779
- غرباء مألوفون
- التملص من جرائم التعذيب في السجون الأمريكية
- الأمل الوهم - أوباما والصراع العربي الصهيوني (الحلقة الثالثة ...
- الأمل الوهم - أوباما والصراع العربي الصهيوني (الحلقة الثانية ...
- الأمل الوهم - أوباما والصراع العربي الأسرائيلي (الحلقة الأول ...
- الأمبراطورية الصهيونية الأمريکية- الحلقة الرابعة
- الأمبراطورية الصهيونية الأمريکية - الحلقة الثالثة
- المرأة في الدخيل الجائر من التراث - الحلقة الأولی
- الأمبراطورية الصهيونية الأمريکية
- ألأمبراطورية الصهيونية الأمريکية
- المرأة في الدخيل الجائر من التراث -الحلقة الرابعة
- 3-ألمرأة في الدخيل الجائر من التراث
- المرأة في الدخيل الجائر من التراث - الحلقة الثانية
- المرأة في الدخيل الجائر من التراث-الحلقة الثانية


المزيد.....




- استقالة وزراء جعجع من حكومة الحريري... تحذير تركي لدمشق... ا ...
- خلال أسبوعين... إيران تشغل الدائرة الثانوية في مفاعل -آراك- ...
- تشيلي... مقتل 3 في حريق بمتجر وتأجيل رحلات طيران بسبب أحداث ...
- ثلاثة ألوية مدرعة من الجيش السوري تتوجه إلى شرق الفرات
- الجبهة الثورية والحكومة السودانية يوقعان على الاتفاق السياسي ...
- الزراعة السورية: حرائق الغابات مفتعلة وهي جزء من الحرب على ا ...
- صفاء الهاشم: ما حدث بالقنصلية المصرية في الكويت لن يمر
- بالفيديو.. لحظة وصول المتهمين بقتل -شهيد الشهامة- في مصر
- لندن.. وصول أول سفينة تعمل بالهيدروجين
- تونس.. القضاء على قيادي في -القاعدة-


المزيد.....

- ابراهيم فتحى – فى الإستراتيجية والتكتيك ، والموقف من الحركة ... / سعيد العليمى
- ابراهيم فتحى – فى الإستراتيجية والتكتيك ، والموقف من الحركة ... / سعيد العليمى
- معاهدة باريس / أفنان القاسم
- كانطية الجماهير / فتحي المسكيني
- مقتطفات من كتاب الثورات والنضال بوسائل اللاعنف / يقظان التقي
- يا أمريكا أريد أن أكون ملكًا للأردن وفلسطين! النص الكامل / أفنان القاسم
- ماينبغي تعلمه! / كورش مدرسي
- مصطفى الهود/ مشاء / مصطفى الهود
- قصة الصراع بين الحرية والاستبداد بجمهورية البندقية / المصطفى حميمو
- هل من حلول عملية لمحنة قوى التيار الديمقراطي في العراق؟ / كاظم حبيب


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد الأزرقي - قراءة في كتاب ألمسألة ألأخلاقيّة وأسلحة الدّمار الشّامل مقارنة بين المنظورين الدّيني والعلماني