أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - خالد صبيح - ألأمهات مستودع الحكمة















المزيد.....

ألأمهات مستودع الحكمة


خالد صبيح
الحوار المتمدن-العدد: 4476 - 2014 / 6 / 8 - 22:41
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    



(يمه! وقّع ولبگلبك بگلبك)

نسبت هذه العبارة الى أم أحد الشيوعيين العراقيين تنصح ولدها او توجهه لما افترضته، بفطرة ام حنون، موقفا سليما. كان ذلك ابان حملة الاعتقالات والتنكيل التي اقدمت عليها سلطة البعث ضد الشيوعيين العراقيين في اواخر عام 1978. ارادت الام بنصيحتها الشهيرة ان تحمي ولدها، تصون جسده من الالم وروحه من العطب. ارادت منه ان يرضي نفسه بكتم قناعاته والاحتفاظ بها خَفيّة في أعماقه (تقية متأصلة) ليخلص نفسه من العذاب، وأن يرضي عدوه او يتحاشى شره. والحق أن الام بنصيحتها هذه قد وزعت فضائلها على الجميع بعدالة، منحت ولدها الحياة والسلامة، وأهدت لعدوه، رجل الأمن زهوة الانتصار، وقدمت لحزبه، الشيوعي، حق الابتزاز.

كانت أيام الحملة القمعية تلك أياما عصيبة على الشيوعيين العراقيين، خطط لها البعثيون بروية لدوافع وأسباب مختلفة منها إخلاء الطريق من كل ما يحتمل مشاكسته لصعود صدام حسين المرتقب للسلطة، ذلك قبل ان يلتفتوا لخصمهم اللدود، الاحزاب الاسلامية الشيعية، المتغلغل في تنظيماتهم كحصان طروادة. لكن مايثير الاسى إن من أعان البعثيين على تنفيذ ترتيباتهم الجهنمية ضد الشيوعيين هو خصمهم نفسه، بتفكيره السطحي وبسلوكه المرتبك وسوء تدبره.

لم تُحرك البعثيين في حملتهم القمعية هذه المرة ردة الفعل كما حدث في أيام إنقلابهم عام 1963، لأن ردة الفعل تؤدي غالبا لأنفلات عنيف وفضائح دموية. لقد استخلصوا بعض الدروس المفيدة من تجربتهم الاولى. والدرس الاول المستخلص هو حرمان الخصم من مجد البطولة. لا أبطال هذه المرة بين الضحايا، فالضحية إما مُغيب بالموت السري في اقبية العذاب والقتل المخفية بدقة عن اعين الرقباء المحتملين، وإما ذاعن. فالخبرة تقول إن الناس يتعاطفون عادة مع الضحية، وكان هدف البعثيين حرمان الشيوعيين من مجد البطولة ورمزية الضحية التي تمنحهم جاذبية طالما نسجت مجدا وصورة القة لهم في مخيلة الناس، ولهذا ضيقوا عليهم سبل الخيارات.

حينذاك، عندما كان يُعتقل الشيوعي يكون منفردا ومعزولا،* فالملاحقات فردية ومنتقاة، فيبادر في البداية، كاستمرار لتفكيره الذي اعتاده ايام الجبهة، بنكران انتمائه الشيوعي، ويصر على انه شخص مستقل لكي يسد الطريق على معتقليه، لكنه في الحقيقة يسهل بتصرفه هذا ويمهد، بغير قصد، لعملية تنازله. بعد ذلك، حين يكشفون له عن معلوماتهم الصحيحة والدقيقة عن وضعه التنظيمي، تسقط اي قدرة له على المناورة، ويخير عندها بين ان يوافق على تقديم براءته من العمل الحزبي لغير حزب البعث بشكل رسمي وموثق بتوقيعه** على المادة 200 سيئة الصيت، أو يتعرض للاذى إن أراد أن يكون بطلا مجهولا، ولا مانع عندهم إن أراد شخص ما أن يجرب، لكنهم يحاولون اقناعه، قبل البدء، بعدم جدوى تصرفه لان الامر سينتهي في النهاية الى تحقيق مايريدونه منه، لكن بثمن مضاعف.

شاعت في تلك الفترة مرويات ساخرة تحكي عن شيوعيين يقفون بالطابور أمام احدى دوائر الامن ليوقعوا على تعهدات البراءة من حزبهم، وعن آخر اطلقوا سراحه من دائرة الامن بعدما اكتفوا بما قدمه لهم من اعترافات لكنه كان يصر على البقاء عندهم وقتا اطول خشية ان يكون قد نسي إسما أو معلومة تفيدهم.

وبغض النظر ما اذا كانت هذه المرويات صحيحة أم مبالغ فيها أو ملفقة اصلا فهي قد عبّرت بطريقة جلية عن عمق المحنة ومقدار التفكك الذي وقع على الحزب في تلك الحملة ذات النتائج المدمرة على كامل كيانه.

بيد ان لهذا الواقع المزري مقدمة طويلة، فماحدث هو ان الشيوعيين اوقعوا انفسهم بانفسهم بيد الخصم كضحية سهلة الانقياد الى حتفها. فقد تعاونوا بوهم التشارك في الجبهة بوضع كل المقدمات الضرورية للانقضاض عليهم ونسف كل مبرراتهم النقدية لمعارضة نظام امتدحوه وبنوا عليه آمالا عريضة ونعتوه بنعوت لم يجرؤ هو نفسه على توصيف نفسه بها. وبعدما إنقض عليهم لم يعد لديهم مايقولونه أمام الراي العام بحق خصمهم من إدانة للقمع والدكتاتورية حينما انفرط عهد الصداقة الخادعة بينهما، لم يكن ذلك ممكنا لانهم قبل ايام قليلة كانوا يكيلون المديح للنظام ويطلقون عليه مايفيض بالروح من (اسماء الثورية الحسنى). و الاكثر ان تعارضهم الايدلوجي والفكري مع النظام قد بهت وتلاشت قيمته بعدما ارتضوا أن ياخذ النظام ادوارهم ويتبنى، بدجل، شعاراتهم.

إن مادللت عليه معطيات الحملة القمعية هو ان البعثيين لم يكونوا يريدون من الشيوعيين اية معلومات سرية او تنظيمية، فهم، كما أظهرت وقائع الاعتقالات، كانوا يعرفون كل خفايا واسرار التنظيم عبر التجسس و الاندساسات، فالعلنية كما مارسها الحزب الشيوعي أيام الجبهة جلبت له أمراضا مؤذية تعارضت مبدأيا مع عقلية التنظيم السري ودرجة الانضباط العالية التي تمتع وتميز بها طوال تاريخه، لهذا بدا تنظيمه مكشوفا وعاجزا و أعزلا من كل قدرة على المواجهة ازاء الهجمة. وبدا الحزب في صراعه ذاك خائر القوى، مرتبكا، وكانت حماسة منتسبيه خامدة.

كما بدا واضحا من سياق تطور الاحداث ومجمل سيرة التحالف وشكل الحملة واساليبها ان ماكان يبغيه البعثيون هو تفريغ الحزب من طاقاته وتفكيك بنيته المادية والمعنوية، عبر فصل قيادته عن قاعدته وجعله حزبا مهاجرا بفتح بوابات العبور لمن يريد من اعضائه الانسلال لاسيما القادة والكوادر، بمعنى آخر إن ما ارادوه هو تصفية معنوية وتغييب طوعي وليس تصفية مادية – جسدية، بالقتل والدماء، التي عادة ما تاتي بمردودات عكسية للاحزاب السرية والثورية تقويها وتزيدها اصرارا. لهذا ابتدأوا حملتهم بعمل تدريجي ظهر وكأنه لا يستهدف الحزب كله من أجل خلق بلبلة ولمنع أي قدرة على المناورة أو المبادرة، فالجبهة ماتزال قائمة رسميا، وصحيفة الحزب تصدر في بغداد، ومقر اللجنة المركزية مفتوحا، وقيادة الحزب حرة وطليقة فيما القاعدة الحزبية تتعرض للاعتقال والملاحقة، وهكذا انقّضوا على الحزب بحركة تدريجية؛ إطباق من الجنوب والشمال، تحرك من الاطراف نحو المركز، وبغير ضجيج قاموا بتصفية التنظيم وحوصر الجميع في العاصمة بغداد. وعلى خلفية المشهد وتمهيدا له تم تحييد المجتمع بالرشوة والاغواء والتضليل وببعض التخويف.

أُتبع هذا الاسلوب الهادئ المتاني والمتدرج في المرحلة الاولى من الحملة، 78- 80 لذا لم تعرف هذه الفترة مواقف جريئة مقلقة للسلطة من الشيوعيين الذين أُعتقلوا، واي ادعاءات بالبطولة والتحدي في فترة الاعتقالات تلك هي ادعاءات غير مقنعة ابدا. لكن بعد ذلك تغير السلوك والنظرة وايضا التعامل، فقد فاجأ النظام اشتعال الثورة الايرانية ومجيء الاسلاميين هناك الى الحكم، الامر الذي قلب المعادلة الاقليمية وفتح اجندة داخلية كان مسيطرا عليها، اعني انشطة وتحركات الاحزاب الاسلامية الشيعية التي وجدت بالثورة الايرانية محفزا وحاميا ومثالا فجر سلوكها بطريقة جذرية وعدوانية ضد النظام مما خلخل استراتيجياته الامنية لاسيما بعد نشوب الحرب العراقية الايرانية التي كانت الاضطرابات الداخلية الناشئة***واحدة من اهم اسبابها.

وفيما يتعلق بالشيوعيين فقد كان لتمركزهم في كردستان ولنشاطهم المسلح الذي اخذ في التنامي ولارتباطهم الجدي بالحركة القومية الكردية وباحزابها، ولبعض الانشطة التنظيمية في الداخل فيما بعد، اثره في تغيير نظرة النظام اليهم وتحفزه وقلقه من انشطتهم، لذا ركزت اجهزة النظام الامنية على اصحاب الماضي الشيوعي بتشديد المراقبة عليهم وجرهم الى ماسمي بالصف الوطني لاعادة تاهيلهم بعثيا *** ولملاحقة وايذاء من تعاون منهم مع الشيوعيين بصفة شخصية او تنظيمية، من خلال اعادة نشاطه وصلته بهم، وقد أُعدم كثيرون لهذا السبب وبطريقة (قانونية) لانهم كانوا قد وقّعوا على تعهدات رسمية تقضي بموافقتهم على تنفيذ حكم الاعدام بهم في حال ثبت نشاطهم في صفوف اي حزب سياسي غير حزب البعث.

كانت حملة القمع تلك حملة قاسية واستثنائية في تاريخ الحزب فقد عانى ولاول مرة في تاريخه من هذا الشكل الكبير من الإنهيارات، وبظني فان تلك الحملة قد أدخلت الحزب في مأزق كبير، فبالاضافة الى ماتركته من خلخلة في تنظيمه فانها اشاعت الفوضى والاضطراب في صفوف تنظيمه المتبقي بعد الحملة، وتراجعت الثقة بين القيادة والقاعدة وساد الشك في صفوفه وتراجع اداؤه وقدرته على تقديم خطاب وسلوك سياسي مقنع.

لقد سلب البعثيون الحزب الشيوعي مجد البطولة الذي تسربل به لسنوات طويلة، وانطفات، كما يبدو، في هذه الحملة القاسية جذوة الحماس لدى اعضائه مرة واحدة والى الابد، ويخيل لي ان الحزب عجز في ان يؤجج وقدة الحماس من جديد في روح اعضائه حتى هذه اللحظة.

هوامش واضافات.

*- لم تتم الاعتقالات عن طريق المداهمات ولا المطاردات بل وقعت بطريقة فيها الكثير من الثقة بالنفس والاستخفاف بالخصم، فغالبا ماكان الاعتقال يتم عن طريق قصاصة ورق يستدعى فيها الشخص المعني من مكان عمله تطالبه بالقدوم شخصيا الى دائرة الامن، او يبليغ اهله ان لم يعثروا عليه في البيت بضرورة القدوم الى دائرتهم
.
**ـ ليس من مثلبة، برايي، في سلوك وموقف من قدموا تعهدات البراءة في تلك الحملة، ففي ظل غياب خطة وتكتيك ناضجين وعمليين من قيادة الحزب لم يكن هناك من خيار امام هؤلاء غير انقاذ انفسهم، وحسنا فعلوا. ولا ماخذ الا على من تعاونوا مع البعث وآذوا الحزب امنيا
.
***- ربما ارتكب البعثيون خطا بتوقيت انقضاضهم على الشيوعيين الذي جاء في فترة زمنية متقاربة مع التغييرات التي ادت الى الانفجار الامني الداخلي والحرب مع ايران، فربما، اقول ربما، لو انهم كانوا قد أبقوا على الجبهة وعلى العلاقة مع الشيوعيين لصار هؤلاء عونا ماديا ومعنويا جيدا لهم في مواجهتهم مع القوى الدينية و للتحولات والتحديات التي جاءت بها التغيرات في ايران.

****ـ والحق لقد نجح البعثيون كثيرا في هذا المسعى، فبعض من بقايا شيوعيي الداخل، (اؤكد: بعض،) كما تعرفنا على صورتهم وعقليتهم بعد سقوط النظام كانوا (شيوعيين) على الطريقة البعثية، بمعنى انهم قد تشبعوا لحد التغلغل الكامل في شخصياتهم( بروح وقيم البعث) واشاعوها ومارسوها داخل الحزب.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,863,703,936
- تكفيريو اليسار
- بوابات الماضي
- هوى التقسيم
- بارزان 1984
- البعث (العديوي)
- من يقرر صواب المواقف؟
- لمحة قصيرة عن تشكل رابطة الانصار الشيوعيين العراقيين
- للعراق رب يحميه
- ألإخوان يفترسون
- طقوس عاشوراء
- ماذا لو...
- لماذا يعترفون؟!!
- بورترية: علي العسكري.
- معادلة النزاهة والسلطة
- سروال المغاوجة ومحنة دكتور فارس
- أصوليتان تتصارعان ضحيتهما التاريخ
- حماية الديمقراطية في بلدان الربيع العربي
- مغالطة
- المخلوعون.. ومحنة ابن صالح
- العراق... رهين المحبسين.


المزيد.....




- تقرير: منفذ هجوم الدهس بلندن هو صالح خاطر
- في غياب أهداف رونالدو وفنيات إنييستا..كيف يبدو طعم الليغا؟
- الآيس كريم الألماني يتفوق على الإيطالي
- سلاح للدفاع الجوي السوري: رغم صغر حجمه إلا أنه كبير في أفعال ...
- جمهورية لوغانسك الشعبية تتهم القوات الأوكرانية بقصف أراضيها ...
- الأمن السعودي يحبط عملا إرهابيا وسط البلاد
- ترامب يحرر جزئيا استخدام السلاح الإلكتروني
- مشاهد عجيبة لنبتة تنمو على ظهر فأر!
- أمير قطر مغردا: نقف مع تركيا التي وقفت مع قضايا الأمة وقطر
- الداخلية السعودية عن إطلاق النار في البكيرية: الهدف مواطن يت ...


المزيد.....

- 14 تموز والتشكيلة الاجتماعية العراقية / لطفي حاتم
- المعوقات الاقتصادية لبناء الدولة المدنية الديمقراطية / بسمة كاظم
- الدين، الدولة المدنية، والديمقراطية / ثامر الصفار
- قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العر ... / عزيز محمد
- رؤية الحزب لمشروع التغيير .. نحو دولة مدنية ديمقراطية اتحادي ... / الحزب الشيوعي العراقي
- نقاش مفتوح حول اللبرالية واللبرالية الجديدة وواقع العراق؟ ال ... / كاظم حبيب
- مبادرة «التغيير نحو الإصلاح الشامل» في العراق / اللجنة التحضيرية للمبادرة
- القبائل العربية وتطور العراق / عصمت موجد الشعلان
- تحليل الواقع السياسي والإجتماعي والثقافي في العراق ضمن إطار ... / كامل كاظم العضاض
- الأزمة العراقية الراهنة: الطائفية، الأقاليم، الدولة / عبد الحسين شعبان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - خالد صبيح - ألأمهات مستودع الحكمة