أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعيم إيليا - حدث في عرس رنيم. الحلقة الخامسة















المزيد.....


حدث في عرس رنيم. الحلقة الخامسة


نعيم إيليا
الحوار المتمدن-العدد: 4448 - 2014 / 5 / 9 - 15:45
المحور: الادب والفن
    


أصغي إلى نيران بحرص وتركيز، أُغرِق سمعي في مويجات ألفاظها المتتابعة خبباً وهي ممتطية صهوة صوتها السابق الذي اشتدَّ؛ وأسمع أفكارها الغريبة وهي تهدل بين طيات موجها اللفظي محمحمة بجلبة واضحة تميل إلى الغلوّ والإسراف؛ فتتولد في ذهني من أفكارها، في عين لحظة الإصغاء إلى أفكارها، أفكارٌ وخواطرُ جانبية مستقلة عن أفكارها، بينها وبين أفكارها شبهُ وهدة. إنها المرة الأولى التي – إن صدقت ذاكرتي – تتعارض فيها أفكاري مع أفكار نيران. إنها المرة الأولى التي لا تحذو فيها أفكاري حذو أفكارها. إنها المرة الأولى التي لا تحظى فيها أفكاري من أفكارها بطباق تام عليها.
أتعجب..! كيف استطاعت نيران أن تؤلِّف عن الكاتب كل هذه الانطباعات والصور النقدية المرعبة وهي لا تعرفه إلا معرفة سطحية خفيفة استمدتها من مجموعة له واحدة لم تقرأ – باعترافها هي – سوى قصتها الأولى؛ بل إنها لم تقرأ قصته الأولى حتى النهاية!؟
فأقاطعها برفق خامل:
- ولكن حبيبتي، كيف جاز لك أن تحكمي عليه وعلى أدبه، وأنت لم تقرئي إلا سطوراً من قصته الأولى؟
- بسيم، أترى فيه وفي أدبه خلافَ الذي أراه فيه؟
- لا أدري، قد..! الحقيقة أن ذهني الآن فارغ من الأحكام.
- هذا يعني أنك تخالف رأيي فيه، أليس هذا ما تعنيه؟.. حسن! كم قصة قرأت من قصصه؟
- اثنتين وكلمة التقديم للمجموعة.
- أيكفي هذا لأن يكون لك رأي مخالف لرأيي فيه؟ أقراءتُك لقصتين من قصصه يتيح لك أن تحكم عليه وعلى أدبه حكماً مغايراً لحكمي!؟ إذا كنت ترى ذلك منطقياً معقولاً، فدعني أسألك: هل قرأت شيئاً مما قاله الآخرون في هذا الكويتب؟
- لا، لم أقرأ شيئاً مما كتبه الآخرون عنه، ما عدا كلمة التقديم للشاعرة (ليليان جريس) فقد قرأتها.
- وكيف وجدت كلمتها التي قرأتها؟
- خالية مما يعيبه. وقد، ربما وجد القارئ في عرضها لقصصه ما يوحي بإعجابها بقصصه.
- أواثق أنت مما تقول!؟ أواثق منه حقاً..! إذاً فما رأيك فيه، إذا أخبرتك أنّ ليليان جريس هي التي فضحت حقيقته دون سواها من الأدباء؟
- فضحت حقيقته؟ متى؟ وأين؟
- ألم تقرأ العدد الجديد من (حديقة الأدب المعاصر)؟ لا بأس، سآتيك به غداً. في هذا العدد ستجد حواراً مع الشاعرة ليليان جريس أجراه الصحفي (عبد الرحمن التلاوي) وقد استطاع التلاوي بلجاجته المعروفة وألمعيته وذكائه الحاد، أن ينتزع منها اعترافاً صريحاً بأنها لم تكن راغبة قط في التقديم لمجموعته، وإنما اضطرت إليه تحت الضغط.
- تحت الضغط!؟ ومنذا الذي ضغط عليها؟
- إنه هو؛ إنه صاحبك الذي لا يعيبه شيء! فاسمع إذاً أحك لك باختصار: عندما واجهها عبد الرحمن التلاوي بتحيّر الناس في أمر تقديمها لمجموعة هابطة المستوى، وهي من هي في دنيا الشعر، وبتساؤلهم الممتعض: " ما الذي يدفع شاعرة في وزن ليليان جريس، وبقامة ليليان جريس الممشوقة، وبشهرة ليليان جريس الممتدة، إلى أن تخدش سمعتها الطيبة بتقديم كلمة منها لمجموعة تنتمي إلى الأدب الرخيص!؟" اعترفت الشاعرة بأنها فعلت ذلك؛ لأنها رقّت لحاله.. اعترفت بأن هذا الذي لا يعيبه شيء، ظلّ يلاحقها برسائله المستعطفة الراجية المتذللة، فلما أعيا عليه الفوز منها بنفع؛ جاء إليها طائراً بشحمه ولحمه من استوكهولم إلى بيروت، فطرق عليها باب شقتها من غير دعوة توجه إليه، ولا موعد سابق مضروب معها، حاملاً لها (على ظهره) كيساً مليئاً بهدايا ثمينة؛ فاشتد عليها الحرج؛ فلم تجد مهرباً أو مناصاً من الرأفة به. هذه باختصار حكاية صاحبك الذي لا يعيبه شيء؛ وهذا اعتراف الشاعرة بما كان بينهما بصراحة جريئة مكشوفة، فماذا ترى في اعترافها الصريح هذا - ولا أظنك تتهم شاعرة مثلها بالتدليس فيه. ما حاجة شاعرة مثلها إلى التدليس ؟- همم.. مارأيك؟ أتراك بعد ترى فيه صورة كاتب لا يعيبه شيء؟
- ولكنْ.. أعني..: أين القبح في سلوكه هذا المسلك؟ أوليس من حقّ الأديب أن يروّج لأدبه؟
- بلى، من حقّه أن يروِّج لأدبه، وهل كنت قلت شيئاً ينكر عليه هذا الحق؟ أبداً.. ولكنْ أيجمل به أن يتضع إلى حد المذلة والدناءة في التماس وسائل الترويج، وأن يلجأ إلى ما يشبه الرشوة وسيلة إلى نيل ما يبتغي؟ فإذا لم يكن ذلك جميلاً، فكيف تثق بمن يأخذ بما ليس جميلاً، ويعالج حاجاته بمثل هذه الأساليب المبتذلة الدنيئة المنحطة؟
الحق أن ثقافتي الأدبية لا ترقى إلى مستوى ثقافة نيران الأدبية. هذه حقيقة لا يسوءني البتة أن أقرَّ بها. نيران مدرِّسة مبتدئة لمادة الفلسفة في ثانوية (الفارعة بنت طريف) للبنات كبرى ثانويات القامشلي. تخرجت قبلي من الجامعة بتفوق وامتياز مع أنها أصغر مني بعام وستة أشهر ويومين. مواهبها العقلية متفتحة كالأكمام، كنافذة مشرعة على كل جديد منعش.. بارعة في كتابة المقالات الأدبية والفلسفية. أذكر - على سبيل المثال - محاضرتها الفلسفية الأخيرة (المقارنة بين نظرية هيركليتس في الوجود:طبيعته وتحولاته الدورية المنتظمة، وبين نظرية الانفجار العظيم) التي ألقتها في المركز الثقافي قبل ثلاثة أشهر، والتي أثارت زوبعة من النقاشات المطولة بين المثقفين في القامشلي، لم تهدأ إلا بعد مرور ما يقرب من عشرة أيام على يوم إلقائها. وقد أعجب مدير المركز الثقافي الأستاذ صموئيل حنَّا بمحاضرتها إعجاباً شديداً؛ فكان أن أرسلها إلى مجلة (دروب الفلسفة) الأردنية، فنشرتها المجلة في عددها اللاحق دون إبطاء. ثم ما عتمت نيران أن تلقت، بعد أسبوع من نشرها، رسالة من رئيس التحرير، يعبر فيها عن رغبته في نشر المزيد من مقالاتها. بيد أن مواهب نيران وقوة شخصيتها الفكرية والأدبية التي لا يماري فيها أحد ممن يعرفها، ليست سبباً لأن يمنعني من أن أخبر بأنني، أنا أيضاً، أملك إلماماً بالأدب، وأن أخبر بأنني، أنا أيضاً، لي مطالعات متأنية فيه.. أنا أهوى الأدب بجميع أفرعه ولا سيما الشعر والمسرحيات، وأحب عشرة الأدباء، ولي أصدقاء من أهل الأدب في الشام، ولي مثلهم في القامشلي مدينتي الصغيرة. إن صداقة الأدباء تلذُّ لي، وإني لأعتقد بوجود قرابة توشِّج بين فن التصوير والأدب. أذكر أن أحدهم - وإخاله ليوناردو دافنشي - أفصح عن هذه الوشيجة بتعبير رائع بديع إذ قال:" الرسم شعر صامت، والشعر رسم أعمى" كما أنني لا أدخر وسعاً أو فرصة في متابعة ما يجري في ساحة الأدب، ولا أتأخر عن حضور الأمسيات الثقافية - الأدبية التي تقام على مدرّجات كليات جامعة دمشق، ولا عن تلك التي تحييها مراكز الثقافة في الشام وفي القامشلي. وأسعد برؤية المبدعين المشهورين. ما أزال إلى هذا اليوم أتفاخر بحضوري أمسية شعرية فاتنة للشاعر العراقي الكبير (شاكر العاني) على مدرّج المتنبي في كلية الآداب بدمشق. لكم أبهجني ليلتها أن استطعت في نهايتها أن أخلِّد ذكراها بصورة جمعتني مع الشاعر الكبير جنباً إلى جنب! ولقد صنت الصورة داخل إطار مذهَّب، وجعلت لها مستقراً فوق مكتبي أمام نظري في غرفتي (مرسمي، وكري) لتكون حافزاً لي على الإبداع. فلا غرو أن أعترض (بنعومة) على شيء من آراء نيران، وأطلب منها بين الفينة والفينة تفسيرا لها!
أجبتها:
- قد لا أثق ثقة تامة...
ثم، دون تراخ اعترضتها مباشرة عقب الذي قلته آنفاً:
- ما لنا ولأخلاق الرجل في قضية لها صلة بالإبداع لا بالسلوك العام للرجل!؟ ألا يقع أن يأتي أديب مطعون في خلقه بإبداع متقن جميل نظيف لم توسّخه أخلاقه الرديئة؟
- إذا كنت تعتقد بصحة ذلك، فعليك أن تعتقد أيضاً بأن الشوك ينتج عنباً، والذئبة حملاً..
ثم أغارت عليّ بسؤال مباغت:
- هل أعجبتك حقاً قصته هذه التي قرأتها؟ ما الذي أعجبك منها؟
أجبت:
- شخصية بدور.
- بدور؟ ما الذي تمثله لك هذه الشخصية؟ أعني: ما هي القيمة التي تنبض بها؟
قلت وأنا أستجمع كل مهاراتي التعبيرية بغية التأثير فيها:
- الدمامة في أفظع تجلياتها وأعنت مظاهرها؛ الدمامة الصارخة من وجع حرمانها من السعادة غايةِ الإنسان..
-حسن، أوتظن هذا معنى مبتكراً؟ ألا تعلم أن أرسطو في أحد مؤلفاته – لا يحضرني عنوانه الآن، سأتذكره فيما بعد – سبق إلى الحديث عن الدمامة التي تقتلع سعادة المبتلى بها من جذورها قبل عشرات القرون.
اعترضت ثانية:
- وهل قيمة المعنى في جدته فقط؟ إذا كانت قيمته في جدته، فما الرأي في مَثَل طرفة بن العبد القائل في معلقته: "ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي؟" قبل ما يقرب من ألفي عام؟ ألست ترين عديداً من الفلاسفة، والأدباء، وأفراداً من عامة الناس أيضاً، في عصرنا هذا يحاكونه ويرددون معنى بيته، كل واحد منهم بأسلوبه المتفرد الخاص، ونحن نصغي إليهم معجبين بما ليس جديداً من جهة المعنى فيما يحاكونه ويرددونه ؟ ألا ترين ذلك؟ فأين الجديد حبيبتي؟ لا جديد تحت الشمس، ومع ذلك، فنحن نحيا ولا يميتنا سأم التكرار..
- بل ما أكثر الجديد تحت الشمس ! دونك (برتراند راسل) فهو قمين لأن يحصي لك عدداً هائلاً مما جدّ تحت الشمس من الجديد: قطارات، ناطحات سحاب، سيارات، سينما، آلات تصوير، تلفزيون، راديو...إلخ، ويمكنك أيضاً أن تضيف إليها الاختراع الجديد الذي يسمونه (كومبيوتر).. جهاز عجيب أكد (قاسم) في زيارته لي اليوم صباحاً مع هيفال أننا سنراه قريباً في مدينتنا، لكم أشتهي أن أراه!
وفجأة فطنت نيران ببديهتها المشهورة بقدرتها السريعة المدهشة على الربط بين الأشياء - وإن تباعدت هذه الأشياء عن بعضها- إلى سرّ (المفاجأة) التي أسميتها اكتشافاً، والتي كنت أحملها لها داخل أوصالي المختلجة بانفعالي السعيد قبل أن تنداح موجتها القوية وتنبسط سورتها في استرخاء، والتي لم يتح لي بعد أن أفرغها في أذنها بكل تفاصيلها، فانصرفت عن التعليق على فكرتي، إلى القول بلهجة شابها سخر لطيف:
- الآن أعلم سبب رقصك المغري على التِلِفون، هِيْ، هِيْ (تضحك) أوتكون انتويت هذه البدور لتكون موضوعاً للوحتك؟
- نعم.
- جميل! ومتى ستشرع في العمل؟
- غداً..
ووجدت اللحظة حانت لأخبرها بعزمي على السفر إلى بلدة (شمخا) قلت:
- غداً صباحاً، أسافر إلى شمخا..
- ماذا!؟ (باستغراب شديد) تسافر إلى شمخا؟ لماذا؟ ما الذي يحضك على السفر إلى شمخا؟
- بدور
- بدور ثانية!؟ ما المعنى؟
- أودّ لقاءها..
- وهل هي شخصية حقيقية لتلتقي بها؟ من أين لك أنها شخصية حقيقية؟
- من الكاتب. الكاتب يؤكد في حاشية القصة أن بدور شخصية حقيقية، وأنا..
- أجننت!؟ كيف تصدق كاتباً كهذا الذي لا يعيبه شيء؟ أبعد كل هذا الذي حدثتك به عنه تصدقه!؟ كيف تأمن له؟ إن كاتباً بمثل أخلاقه، لا يتورع عن خداع قارئه والمكر به.
قلت معارضاً أيضاً بلهجة مسّها حزن طفيف وأسف هش:
- لا أدري حبيبتي، يؤسفني ألا أرى رأيك فيه! إن شعوراً عميقاً في داخلي يهمس لي بأنه صادق فيما رواه عن وجودها الحقيقي، رغم كل ما ذكرتِه عنه.
- بسيم، هبه صادقاً، هب بدوره شخصية لها وجود حقيقي في شمخا.. ليكن هذا صحيحاً، دعنا لا نختلف! ولكنْ لماذا سفرك إليها؟ إلام تهدف من ذهابك إليها؟ ألا تستطيع أن ترسمها مستلهماً صورتها من قصة هذا الكويتب من غير أن تضيع وقتك في السفر؟ لقد فعلت هذا من قبل.. ألا تذكر لوحتك (عيناكِ غابتا نخيل ساعة السحر)؟ التي استلهمتها من قصيدة السياب؟
- بلى.
- فلماذا السفر إذن؟ بسيم، أنت تحيرني..!
فكرت قليلاً، لم أحتج لغير ثانية واحدة أو أقل من التفكير، لأقول لها:
- الاستلهام من الأدب - ومن الذاكرة أيضاً - يرتكز (فقط) على الخيال وعلى الصور المنطبعة في الذهن من تأثير الأدب فيه بعيداً عن الواقع المحسوس! ولا شك في أن هذا، صنيع حسن.. إنه صنيع حسن؛ أن يستلهم الفنان صوره من الأدب، ولكنني أتطلع إلى ما هو أحسن من هذا الصنيع.. إنني إنما أتطلع إلى المزج بين الخيال والواقع. المزج بينهما غايتي. وها فرصة المزج بينهما قد آتتني، فلماذا أفوّتها؟ وبعدُ، إذا كان أستاذي المشرف (أدهم المدرس) أظهر لي إعجابه بلوحتي (عيناكِ غابتا نخيل) لأنها مستوحاة من الأدب، فكيف لو أنه علم أن لوحة (بدور) التي أزمع رسمها، مستوحاة من الأدب ومن الواقع معاً!؟
- بسيم، ما بك؟ ألست تحس بأنك تهمل الواقع وكأنه محايد لا تأثير له علينا؟ عن أي مزج تتحدث!؟ أمن أجل أن تحقق فكرة المزج، تعرض نفسك لأخطار الواقع؟ أرجوك.. دع المغامرة في الواقع، واستغن عنها بخيالك، فهو آمن! إن واقعاً كالواقع الذي تحب أن تغامر فيه، قد لا يكون مأمون العاقبة، إنه كالسيل الهادئ إذا سقط فيه المرء، فهيهات أن ينجو. فأما الخيال فنافذة مفتوحة، تستطيع أن توصدها بيسر، متى هبت عليك منها ريح زعزع باردة. هل أذكرك بحادثة حي العنترية؟
تشير نيران هنا إلى الحادثة التي تعرضتُ فيها لغضبة شبان من حي العنترية. وهو حي شعبي متواضع تتناثر على أطرافه بيوت طينية رثَّة، يقع على المدخل الشمالي لمدينة القامشلي، تعبره حافلات نقل العمال إلى شركة نفط الرميلان ذهاباً وإياباً. كنت يومها نصبت حامل لوحتي فوق تلة طينية تقابل مجموعة متراصة من منازل الحي، فلما ارتفعت الشمس، أحسست بحرارتها، فخلعت كنزتي عن قميص داخلي رقيق من دون أردنة، مما هيّج علي مجموعة من شبان الحي كانوا يراقبونني سراً، إذ عدّوا ذلك مني استهانة بأعراف الحشمة في حيّ تقطنه نساء حرائر. رأيتهم طلعوا علي كالدبابير، تقدموا نحوي بنواصٍ معقودة، والغضب يشنِّج قبضاتهم. ولولا أن أحدهم عرفني في تلك اللحظة الرهيبة المهولة؛ عرف فيّ ابن أبي صليبا تاجر قطع تبديل السيارت، فدفع شرهم عني؛ لرسموا بألوان حمر زرق خريطة متورمة فوق وجهي وفوق الأجزاء العارية من بدني، وحطّوا في عرضي، ولربما كانوا دقوا عظماً من عظامي.. نجوت بجلدي وعظمي وشعري يومذاك بأعجوبة، ولكن لوحتي المسكينة تحطمت، ويا للأسف! وتناثرت قطعها مزقاً أمام بصري الملتاع فوق التلة.
قلت مستفهماً:
- لم أفهم.. ما معنى الذي تقولينه هنا عن الواقع وتأثيره فينا؟
- المعنى أن شمخا ليست بيروت، ولا دمشق، ولا حتى القامشلي. شمخا ضيعة، قرية، ناحية، بُليدة في أحسن حالاتها، وليست تتعدى هذه التصانيف التنظيمية الإدارية الجغرافية. سكان شمخا ريفيون مزارعون فلاحون - وقد يكون بينهم على قلة موظفون صغار ومعلمون ولكن هذا لن يغير من الأمر شيئاً - لهم عوائدهم وتقاليدهم وأخلاقهم الخاصة التي ربما اختلفت عن عوائدنا وطبائعنا. إنهم حذرون حذر أبناء الأرياف المعروف، لا يأنسون بالغريب من أول نظرة..فكيف لك أن تتخيل فتاة مثل (بدورك) هذه توافق أن تجلس أمامك لترسمها؟ من أنتَ لها؟ أخوها؟ ابن عمها؟ ابن خالها؟ ابن عمتها؟ ابن خالتها؟ جار لها..؟ من أنت لتطمئن إليك فتقف أو تجلس أمامك (موديلاً)؟ بسيم، لا... أنت تحلق بعيداً بخيالك!
- لماذا كل هذه الشدة يا حبيبتي؟ الأمر ليس بمثل هذا التعقيد والشدة. لوالدي زبائن من شمخا، وقد رأيت بعضهم في محله. إنهم لا يختلفون عنا كثيراً، كما أنهم لا تنقصهم الوداعة والشهامة. ولا بد من أن والدي يعرف والد بدور؛ فهو - على ما يروي الكرباشي – ملاَّك، مزارع يملك سيارة (بيكآب) وجراراً.. فلماذا القلق؟ لا، لا، لا تقلقي حبيبتي، لا شيء يدعو إلى القلق! سأسأل والدي عنه، سأسأله، ولن يشق علي أن أقنعه بأن يكتب لي توصية لديه..
- بسيم، أنت لم تدرك مرادي على أتمه بعد.. اسمع! أنا لا أحب أن أفسد فرحتك التي أتحسسها في صوتك، ولا أن أفشل خطتك، أبداً.. ولكنني لا أحب أن ترتكب هفوة أخلاقية، وأنت في حالة من الهيجان الفني..
- هفوة أخلاقية!؟ ما هذا الذي أسمعه منك حبيبتي!؟
- لا أقول إلا ما يجب أن يقال، أقول لك الحقيقة التي خفيت عنك لتسرعك وانفعالك.. بسيم، أليست (بدور) تعاني آثار الدمامة على وجهها كما ذكرت؟
- بلى، ولكن ما شأني أنا بدمامتها؟ هل أنا الذي خلقها على هذه الصورة؟
- تمهل، لا تكن متعجلاً، لا تنفعل فتخرج عن الموضوع! لم يقل لك أحد أنك أنت الذي خلقها على هذه الصورة الكئيبة الموجعة. أنت لا شأن لك بخلقتها، نعلم ذلك بالبداهة، ولكنك عندما تختارها نموذجاً، تقرّ باختيارك هذا قبحَها بأسلوب فجّ بائس أليم! وماذا يعني لك الإقرار بالقبح؟ ألا يعني أنه هفوة أخلاقية؟ أوتحسب أنها لن تتأثر؛ لن تتوجع عندما ترى سحنتها مطبوعة بثبات ورسوخ فوق قماش لوحتك؟
بدا لي منطقها سليماً. ولكنني مع ذلك أحيد عنه. أقول لها، وشعور بالحنين الجارف إلى ضمها بين ذراعي يمخر في أضلعي:
- نيران، ألا ترين أننا أضعنا وقتنا في جدال كنا في غنى عنه؟
- لا.. لا أرى أننا كنا في غنى عنه. لو كنا في غنى عنه كما ترى أنت، فلماذا هاتفتني؟
ابتسمت مبتهجاً بذكائها، أجيبها وقد ارتفعت حرارتي العاطفية:
- نيران، اشتقت إليك.. لم أرك منذ الأمس، منذ الأمس. ألا تدرين كم هو شاق علي ألا أراك في كل حين!؟ نيران، عطلتي أوشكت على الانقضاء وأنا بعد لم أشبع منك.
- هههه.. أتراني صحن (مجدّرة) تشتهي أن تأكله حتى الشبع؟
- وأكثر.. نيران، أقسم أنني أحترق إليك، أيصح أن تغيبي عن السهرة؟ أيعقل أن يحضر الجميع، وأنت لا؟ ألا تستطيعين أن تمرِّي بي ولو لخمس دقائق؟ متى كان يعجزك مجيء خاطف؟
- بسيم، أنا (تضحك) لم أشتق إليك، وهِهْ.. احترق.
- أيهون عليك أن أحترق؟ أخ من قلبك القاسي!
ثم أسألها بلهجة جادة مستجدياً موافقتها على رغبتي:
- ألا يمكنك التملص من رقابة بطرس لخمس دقائق؟ كيف أعلل غيابك لأصدقائنا؟
- هيفال وقاسم يعلمان أنني لن أشهد السهرة، أما الآخرون فمنشغلون بموضوع المسرحية، ولا أظن أنهم سيفطنون لغيابي. أما بطرس فأنى لي أن أتملص من رقابته؟ إنه يرصد تحركاتي مذ علم بخلواتنا. وأنا، وإن كنت قادرة على تحديه وكسر رقابته، لن أقدم بمشيئتي على ذلك؛ لأنني لا أجد في نفسي حماسة لمناكفته وإزعاجه وتكدير خاطره، وهو اليوم هنا بيننا في إجازة قصيرة، وغداً في ثكنته العسكرية في مكان بعيد محفوف بالغربة.
- لكم أتوق إلى تحطيم فكِّه!
- أإلى هذه الدرجة تكره أخي؟
ولولا أنني أعلم بأن نيران تعلم أنني لا أكره أخاها، لمددت صوتي عالياً، صارخاً، محتجاً: " أكرهه؟! كيف أكرهه؟ وأنا لا أكره حتى أبا سليمان رغم صلفه وخبثه وثقل محضره؛ لأنه جار لك. فإذا كنت لا أكره أبا سليمان، فكيف أكره أخاك - ولو أنه يظلمني بالحيلولة بيني وبينك - وهو أخوك؟ نيران، أقسم.. إنني أحب كل شيء يذكرني بك، كل شيء يحيط بك، كل شيء ينتمي إليك من قريب أو بعيد: أحب الحي الذي تقطنينه، ورفيف الهواء فيه وعجيجه. أحب شارعكم ورصيفه وحُفَره. أحب جدران البيت الذي تسكنينه من خارجه ومن داخله، وأحب نوافذه والعتبة والأبواب، وأحب الحديقة بأورادها وأشجارها وعصافيرها. أحب عمود الكهرباء خلف الدار، وأحب (ميمي) قطتك السوداء المتوحشة رغم شراستها وخرمشاتها. أحب مدرستك التي تعلِّمين فيها وزميلاتك وتلميذاتك. أقسم.. إنني أعشق حتى ثيابك وألوان ثيابك والأرض التي تدوسينها بقدميك وتاسومتك وهي ملطخة ببقع من طين الشارع الطويل الذي تجتازينه إلى مدرستك بُعيد انهمار الودق فوق المدينة. رباااااه ! لماذا أعشقك هكذا بجنون؟"
تأجج شوقي إليها، ازداد ضراماً من تمنعها ورفضها المجيء، لم يقوَ ذكر بطرس ولا التعارض بين فكرينا على أن يهمد منه ولو درجة واحدة من أجيجه، أعود فأستعطفها بحرقة:
- نيران، لخمس دقائق في خلسة منه.. لخمس دقائق فقط. هل هذا كثير!؟ أعدك.. ! لن أتشبث بك لأكثر من خمس دقائق، نيران مرّي بي..!
- بسيم، ضع السماعة من يدك، أقفل الخط، أقفله فوراً! جاء بطرس.. أراه اللحظة من النافذة يعبر الشارع إلى بوابة الدار بخطوات هجومية واسعة، أراه الآن يخرج سلسلة المفاتيح من جيبه، أرى بين حاجبيه تقطيباً كأنه تكشيرة متوعدة. بسيم، سنتابع حديثنا غداً.. تعال إلي غداً! أنتظرك في أمانة السر عند هيفال، أو انتظرني، إن شئت، على الرصيف في الزاوية عند انعطافة شارع ابن رشد بجانب حلويات حلب، سآتيك حيث أنت بعد انصرافي من الدوام.. إياك والتفكير بالسفر إلى شمخا، لا تسافر إليها.. أتعدني بأنك لن تسافر..؟
- ....





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,108,855,472
- حدث في عرس رنيم. الحلقة الرابعة
- حدث في عرس رنيم. الحلقة الثالثة
- حدث في عرس رنيم. الحلقة الثانية
- حدثَ في عرس رنيم (1). رواية قصيرة
- محاورة الربضي
- مسألة الضرورة والحرية، بما هي مسألة وجودية
- وصيد المعنى
- محاورة رمضان عيسى
- ما العلة الحقيقية في انهيار سوريا
- معضلة الروح
- في رحاب المطلق
- أنتي مالوم أبو رغيف. أو فلسفة التغيير
- شبح الطحان شمس الدين الكردي
- إلى السيدة الفاضلة الأديبة ليندا كبرييل
- مشكلة الوجود الإنساني
- خلق العالم . 3- الحياة
- خلق العالم 2- المغزى
- خلق العالم
- إيميل من صديقته السورية
- في ضيافة يعقوب ابراهامي


المزيد.....




- بين سوريا وتركيا.. لا مؤنس في خيام النزوح سوى الشعر
- الفنان حسين فهمي يوافق على تولي الرئاسة الشرفية لمهرجان شرم ...
- معرض -رشيد كرامي- في بلبنان.. حلم ضائع
- مصر تعلن -مطروح- عاصمة للثقافة لعام 2019
- معرض دائم لكارتون -ماشا والدب- الروسي في روما
- قانون الخدمة العسكرية على طاولة  لجنة العدل والتشريع وحقوق ا ...
- عمر بنجلون يجمع اليازغي بإدريس لشكر
- سينما الهواة في المغرب.. مصنع السينمائيين الجدد
- حسين فهمي رئيس شرف لمهرجان شرم الشيخ
- محامي حسن كامي: أمتلك فيلا الراحل والمكتبة بعقد رسمي!


المزيد.....

- خرائط الشتات / رواية / محمد عبد حسن
- الطوفان وقصص أخرى / محمد عبد حسن
- التحليل الروائي للقرآن الكريم - سورة الأنعام - سورة الأعراف ... / عبد الباقي يوسف
- مجلة رؤيا / مجموعة من المثقفين
- رجل من الشمال / مراد سليمان علو
- تمارين العزلة / محمد عبيدو
- المرأة بين المقدمة والظل، عقب أخيل الرجل والرجولة / رياض كامل
- الرجل الخراب / عبدالعزيز بركة ساكن
- مجلة الخياط - العدد الثاني - اياد الخياط / اياد الخياط
- خرائب الوعي / سعود سالم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعيم إيليا - حدث في عرس رنيم. الحلقة الخامسة