أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رويدة سالم - الحاكم بامر ربه (فصل ثان من رواية)















المزيد.....


الحاكم بامر ربه (فصل ثان من رواية)


رويدة سالم
الحوار المتمدن-العدد: 4424 - 2014 / 4 / 14 - 03:50
المحور: الادب والفن
    


وكانت الحياة لحن عشق مرهف دنسته الاوحال

انا الارض. هل قرأتهم في اسفاركم عدد عشاقي وعرفتهم هويات مغتصبي طهري ؟
لم ابحث عن امجاد الاحبة الذين مروا بصمت ولم ابكي امام سيوف المنتهكين الصاخبة. عشقت وتهت في دروب الحب ودنست حتى عطنت الجراح وسكنتني النجاسة.
اتقدرون على اعادة بسمة مسروقة وعلى رتق بكارة مخترقة وتمتلكون سبل سكب نبض حياة افتقدتها منذ ان ترك الانسان المعول وتمنطق بصحف ومدية ؟
حبيبي يا وجع النايآت الحزينة... يا رجع الصدى... يا ذاكرة منتهكة... مد يديك استحم في بحرهما وانسى قليلا وجعي. ارتاح قليلا من غربتي وتيهي. قليلا فقط. لا اطلب اكثر. اسمح لي ان اسرق من العمر ساعة اخرى قبل الرحيل. أتكوم هنا في هذا الركن المظلم وانتظر. هل املك ان أغير الماضي وأرد الشريد الى الوطن وأنقذ طفلا منفيا عند الحدود وأقوم من غفوتي التي فرضها عليّ الطغاة يا قدري ؟
من قادنا ذات ليل يئن تحت وطأة نوم مسروق الاحلام الى مخيم الزعتري ساحة تهاوينا ؟
خوفنا من الضعف الكامن فينا ام عهر حاكم سخر من حقنا في الحياة ام تجار باعونا قبل استلام البضاعة لمن دفع في اسواق النخاسة اكثر.
مقتولون إلا قليلا نحن.
كان يجب ان ارسم ابتسامة رغم المرارة واليأس ورائحة الموت لما سألني بعض الاطفال المحتضرين في مخيمات الموت هل من أمل ؟ مسحت على الجبين المحتقن وابتسمت. ابتسامة لن يرها الطفل المسكين لان اوان رحيله كان قد حان قبل ان اتمكن من جمع خطوطها العامة. همس أخر :
- الى متى سيحتمل أولئك الذين لم يصابوا بالصمم بعد انتحابي وتشردي وغربتي وآلامي؟
ربت على خده المتورم وابتسمت. هل كان من السهل الابتسام لما تتربع في العقل والقلب سخرية الاقدار وسخافة المعنى وغياب القيمة ثم هل نمتلك غير البسمات نتبرع بها مراهما لمن لن يعرفوا اعيادا ولا هدايا أيا سرب سنونو احرق القيض عشه ؟
غريبة أنا. غارقة في شرنقة تسجنني داخل اسوار العزلة والوحدة الموحشة. سجن بارد يعزلني عن كل ما ينبض بالحياة من حولي. يأخذني الى حدود الكون ويعيدني بقسوة الى اضيق نقطة بداخلي دون ان احقق امجادا في فهم ما يحيط بي او ادراك ذاتي. غير قادرة أنا على ايصال نداءات قلبي المنهك والهش جدا لك. يسحقني اللاشيء وشبه الحياة التي اختارتها بعض الالهة أو أقرها في عمى أوصياؤها.
الم يعلموا اني كفرت بهم جميعا يا قدرا لم اختره واخترتك ربا دون كل الارباب ؟
كفرت بعقمهم وعجزهم وتشوهاتهم التي لا تحصى ولا تعد وآمنت بيقين تزرعه وحلم تصنعه وحبا ابديا لن يموت مهما طال البعاد وفرضت الاقدار قوانينها. أتعلم ان الاعجاز يكمن فقط في استمرار الحب رغم الفراق الابدي ؟ حب سيذلل كل الموانع يوما ليصنع عالما من نور ودفئ وحنين. حب ينثر حواليه عطر النباتات البرية التي تثيرني كلما عانقت جسدك. حب يحمل لي بين كفيه الربيع. حب يعيدني اليك جسدا شبقا يروم الارتواء ويعيدك حد الذوبان الى روح صارت بدونك ثكلى.
أتعرف عدد الثكلى في هذا المخيم يا سترا هتك في غفلة من العذارى الطاهرات ؟
كل من لا يزال بقلبه نبض يبكي سرا او علنا حبيبا فقده في بعض الطرقات المغبرة. الاطفال والنساء ومن بقي من رجال. سرنا في دروب التيه يسرقنا صمتنا من الصمت، منغلقين على ذواتنا نجتر بعض الصور العالقة في ذاكرة دامية تأبى الاستكانة والتواري.
من يجمع اشلاء الانسانية المهدورة فينا ؟
أتشعر بهم في عمق الجرح ينزفون عاتبين : أكان يجب ان يدوسنا عالم لا نمثل بالنسبة اليه إلا مصالح تنال ووسائل تحقق امال وملكية تباع وتشترى ؟
أتينا وحيدين الى العالم وكنا ثمار حب وتوق للاكتمال. حاولنا التماهي فيه والعيش على وقع نبضه. صارعنا من اجل بقاء يكون اجمل. طالبونا ان ننفي الفرد من اجل الجماعة فامتثلنا. انصهرنا. رددنا ما لقنا لكن قيودهم كسرتنا. ثقافتهم شوهتنا. شردتنا. وجدتنا نعود في المتاهات التي حشرونا فيها الى اعماق ذواتنا الاشد خفاء لنبكي احزاننا في وحدة الجمع القاسية. هل جربت الغربة في وطنك ؟ وطن كان لك. وطن لفضك. وطن شطبك لأنك مختلف. وطن الضياع الذي صار اشد برودا وبعدا عن نبضنا الخفي الصامت. النبض المكتوم المحتجز بين اسوار العجز عن البوح او الكشف عن ذاته.
ها أني اتجاوز معانات كل البشر وأجدني وحيدة بين ألاف المشردين على حدود وطن النزف المتواصل في تجربة فريدة لا تتجاوز فيها نداءاتي حلقي الجاف العاجز عن الصراخ.
لا تلمني حبيبي اليوم اذ تراني خائفة مرتجفة ابحث عن نفسي في اكوام الاراجيف التي صنعت حقائق تفوق الخيال مثالية لكنها كاذبة مخادعة. اقف هنا عند حدود الضياع اجتر وجعي وأغوص فيك وفيّ الى الحد الذي افقد فيه اي ادراك حسي بكياني وأتحول لمجرد روح تضطرب في احتضارها الاخير سجينة قالب لا تدرك ملامحه متقوقعة في عمق ذاتها تصرخ بكل ما فيها من قوة دون ان يسمعها بشر. اني Locked-in-syndrome. اصرخ اعد لي الابجديات الطاهرة الاولى لأبدأ نسج الحكاية من جديد.
أتسمع ، أيا عمرا بحجم الضياع ، صرخاتي؟
أدرك ان لا احد من البشر العاديين يقدر على سماع صوتي ولا الاستجابة لنداءاتي.
ولكن انت. انت مختلف. انت حبيب بحجم الاشواق التي لم ترتوي. الاشواق التي تعيدنا دوما للمرج الذي شهد اعترافات الحب الصامتة الاولى. المدركة دون ان تكشفها الابجديات.
أتسمعني ؟
أنّى لمن يعاني غيبوبة قاتلة في ركن مظلم من مستشفى منسي ان يسمع ؟
قررت منذ ذاك اليوم الذي انتهكك فيه الحاكم والوليد ابو ركوة وكل من ادعى شرعية وسفك دما وضيع حدود وطن ان اضعك هناك لأقدر ان استمد من وحيك لغة لم يعرفها البشر بعد قادرة على تغيير وجه العالم.
هل نقدر ان نواصل السير في متاهات الحياة ان كنا نعلم ان حبيبنا قد رحل ولن يعود وان كل صراخنا من اجل احياءه لا يعدو ان يكون صراخا في برية قاحلة ؟
وهل من معنى لكلماتنا ان كان حبيبنا لا يزال يؤثث الدنيا بنبض قلبه الذي نعبد لكن في منفى دونه ودون عُشاقه بحار وجبال لا تخترقها الكلمة الحرة ؟
هل سنتمكن من العيش دون ان تقتلنا الغيرة وتقودنا الاشواق الى حدود الجنون ان فشلت كل مساعينا لاستعادته وبناءه من جديد بمداد الاشواق واليقين مهما يكن نصيبنا من العذابات والشك والخوف ؟
نحتاج دوما خلق عالم على مقاسات احلامنا لكي نقدر ان نعيش.
كان يجب ان استعيدك واملأ بك مسرح الحياة والحكاية لأقدر ان اتأقلم مع الغربة التي سببها انتهاكك واستمر في العيش من اجل اواني ناضل شرفاء من اجل ان لا تكسر قبل ان يفقدوا الصوت ويغرقوا في صمت متواطئ مدفوع الاجر لعمالة او مفروضا في قلاع حصينة لا تُرى فيها شمس. ان الواني تكسر اليوم بأمر ملكي وبشريعة دينية وبتخاذل كوني وبصمت الهيّ مشبوه.
اتكوم وحدي هنا في هذا الركن المنسي من الكون... حبة رمل تائهة على الخرائط البشرية.
هل حقا وضعت الالهة البدئية حدودا وخرائط لسجن الروح وتكبيل الجسد أم ان الحكام بامر ربهم هم من وضع السيف على الرقاب واغرق الجمع في وحدة قاسية ؟
وحدة بلون الخريف. بلون الاوراق الصفراء الذاوية المتساقطة. بلون هلوسات ريح عابثة. بلون جنون برد لا يرحم وعزف منفرد لمطر لا يروي ظمآنا. وحدة خريف عمر يحتضر وسط عري الانسان من انسانيته. عري لا يأبه لألام اجساد غضة وخواء بطون كائنات كنت تنتمي لفصيلة البشر يوما ولا تزال تحمل بعض الاعراس الصغيرة المسروقة من الحياة في اعماقها المنتهكة. انظر اليهم يرقصون على حد الوجع تحت زخات المطر حفاة عراة وكانسان بدئي ينشدون :
- مَنْ يغسلُ للمطرِ ثيابَهُ اللازورديةَ؟
إذا اتسختْ بغبارِ المدينةِ
وأين ينامُ إذا رحلتِ السحبُ؟
وتركتهُ وحيداً، ملتصقاً
على زجاجِ النوافذ المغلقة (عدنان الضائغ)

اتعرف كم عشق الانسان البدئي المطر ؟
عاشق يغسل الاحزان وينثر البسمات. يعانق الارض الظمئى اليه. يلثم ثغرها. تتسلل انامله لتحسس مكمن اللذة في جسدها. يلتصق بها. يعتليها. ينساب الى اعماقها. يفتض بكارتها ويبدأ موسم الحرث.
لقد فقد الانسان العقل او اكتسب منه اكثر مما يجب فضيع في عماه السبيل.
كم احتاج ان اعود اليك. ارتمي في احضانك واقول احبك. احبك بعدد قطرات المطر. احبك بقدر شوق الارض لولادة شمس جديدة. احبك بقدر فرح الحصادين في البيادر امام اكوام القمح.
أتذكر ؟
يوم سرقتني من كهوف الصيادين. اخذتني الي دفئ التماهي وبذرتني حبا وحبا في حقول الخصب والأنشودة. أشرق في الجسد فجر وليد وكبرت القصيدة.
"السيدة الأرض زينتْ جسدها و تجملت و تعطرت، و البهجة تملآ قلبها
الأرض /العروس/ تزينتْ بما ندر من أحجار كريمة ، و باللازورد ، و بالمرجان الذي يخطف بريقه الأبصار
السماء/ العريس/ زين شعره باوراق الأشجار و بدا كالأمير
الأرض ذات القداسة ، العروس البكر ، تزينت لعريسها السماوي المقدس
العريس السماوي عانق عروسه الأرض
جعل مياهه تسيل فيها. مياه الشجر و مياه القصب
الأرض العروس العذبة ، البقرة الحلوب ، إمتلأت بما السماء الرغد
ثم ، و في فرح و جذل ، راحت الأرض العروس تلد زرع الحياة جاعلة الحقول تسيل خمراً و عسلاً" (ترجمة فايز مقدسي)
اين تاه منا المحراث ولماذا صار الرحم عقيما ؟
عبيد مشردون خارج حدود الكلم سرقوا اللحن الاول. حرفوا مواقع النوتات ووضعوا في البياضات العوسج. داسوا لون الزهر وضيعوا في عفونة العداوات عبقه فصارت اسوار الورد شباكا من شوك ونار.
أتذكر حبيبي ليالينا ؟
ليال العشق المتألق التي تنير ظلمة الليل. اسافر اليك. اتوه في تفاصيلك. انساب عطرا على المخدة. تغمرني بكلك. ننصهر في كيان واحد. تحتويني. اذوب فيك. عناقنا يروم الابدية. ثم شهقة فآهة. نصير شمسا. ننير كونا.
عد حبيبي اني احتاج حضنك للمرة الاخيرة قبل الرحيل.
أتسمع أيها السليب نداءاتي ؟
اني هاهنا. بين نفسين متقطعين ونشيج.
صمتك يغرقني في صمت بارد. في شبه موت اراه حيثما جال نظري. عند ذراعي تلك الام التي تودع صغيرها بدمعة وتلك الصبية التي سرق منها الربيع وذاك الفتى المنكسر عند حدود حلم يحاول عبثا جمع اطرافه المنفلتة.
أشوهتك ثقافة المشردين ام عنين كنت منذ اليوم الاول ؟
اين أضعت بذرة البسمة التي وعدت ان نزرع بأحشائي ؟
لا تثر لرجولة سليبة يا قدري ولا تغضب. انك هنا في كل مكان حولي. كل هؤلاء المقتولون إلا قليلا بعض من بذورك. اني اراك في عيون اللاجئين... في انكسارات المحرومين... في شرود المعتوهين لهول ما رؤوا... في انتحاب المكلومين... في رجع صدى احتضار المخيمات. مخيم السلامة... مخيم الرحمة... مخيم الاشفاق... الاحسان... العطف... المحبة... مخيمات بأسماء براقة تبث الامل المخادع الذي اراده تجار النخاسة وصدقنا الكذبة الكبرى وانتظرنا العودة. العودة حق مقدس. لكن الى اين سنعود ؟ الى المقصلة او حد السيف المشرع ؟ اننا واهمون مخدوعون فهل عنت كلمة المخيم ابدا في كل اللغات غير إِجْحافٌ واستبداد وتَعَسُّفٌ وجَوْرٌ وقَسْوَةٌ وعري وعهر الانسانية ؟
كل اللاجئين منك. من صلبك. من ماء مالح خرج منك في لحظة تطرف في المعاني والقيم. مشوهون كجلاديهم حتى الاعماق.
انظر هناك. تماما عند اطراف العتمة التي تغلف الاحداث الصاعقة.
اب يبع فتاته لمن يدفع اكثر ثم يقف عند الباب ويستمع باسما لصراخ عذريتها تنتهك من اجل خبز عفن لمن ستليها في قائمة العرض.
شاب يقدم قريبته التي ينام الربيع خجلا عند صدرها لأبناء العشيرة لأنها لم تنتمي للفرقة الناجية.
مخدوع في ربه يقطف رقبة عجوز تجاوز التسعين لم يبذر يوما سوى طيبة وحنانا.
اخ يستأصل اعضاء ابن امه ويبيعها سرا لبعض المختبرات المثيرة للشبهة.
طبيب يسلب حاملا جنينها وحياتها لستر جريمة اغتصاب احد عبيد الحاكم بأمر ربه لها.

النبت الاخضر النامي عند بوابات القلب ذوى حبيبي. أتعرف بربك من قتله ، أبعض الالهة اللاهية ام الحاكم بأمر ربه ام المحكوم بعجزه ؟
تسألني اأحبك بعد ؟
لأني احبك اكثر من الحياة ولأنك الحياة وكل معانيها اقدم جسدي قربانا يحمي جسدك وروحي ستارا يحمي عريك وافرش الكلمات سجادا تسير فوقه لكي لا تمس قدماك غبار الدمار المستشري في كل اركاني. اني ارفعك ايها الانسان البسيط المنفي من دفئ الموقد وحضن الحبيبة وألعاب الاطفال وأعراس المساء. اطهرك من عجزك. اجعلك تتسامى على ضعفك وأمنحك منارة تهديك للبدايات التي تنتظرك ليولد الكون سليما.
ارسمك نورا يضيء سبل التائهين الذين التهمتهم الصحارى القاحلة ونغما سحريا يهدي البحار الذي يشاكسه الموج وفي الاعماق تنتظره الاسماك مهرجا.
نحن لا نقتل ابدا من نحب. اني امنحك حياة كانت لي فخذها وامضي الى الافاق ناشرا القصيدة والنغم. تمسك بيدي وقم. قف منتصبا كأول مرة حينما غادرت الادغال وسحت في البرية الرحبة. اخطوا خطواتك الاولى بحذر. افرد جناحيك وكن مختلفا. حلق في الفضاء وضمه بين ذراعيك كعاشق اعياه الوجد. لا تسمح ان يسرق العبيد المشردون خارج اسوار المدينة كلمات الحب من شفيتك.
احذر ان تغتالك الكلمات ان اسروها.
الكلمات مشاكسة عنيدة. تتملص سريعا من الحكاية لتصنع لنفسها عالما مغايرا. عالما لم يفكر به الكاتب. عالم لا ينفك يتسع كلما تكاثرت وتوالدت. عالم يفقد تفرده ويصير عوالما سرعان ما تستقل. تبني اسوارها العالمية. تحتجز كل من تطاله السنتها اسرى. تداهنهم. تغازلهم. تسحرهم. تستعبدهم ثم تستبد. تغتال الانسانية الكامنة فيهم. تشحنهم بكل تطرفها وهوسها. تحولهم الى ضوار متوحشة ثم تطلقهم في البرية. وتبدأ المجادلة ويحتد النقاش. وتولد حرب وتكبر حروب. يبتلع الحب وتداس الكرامة وتنتهك العزة ولا يبقى إلا الحاكم بأمر ربه وكهانه.
كل الحكام بأمر ربهم ، لا يموتون. ألا تصدقني ؟
يحكى انه مات بعد احدى المجازر الكبرى للمرة الالف بعد المائة. سار موكب جنازته عبر المدينة ثم طاف كل مدن البلاد. خرج كل الناس الى الطرقات والشوارع والازقة. تبعوا النعش حيثما حلّ. كان يتبادل حمل النعش رجال بنايشين كثيرة ثم ناب عنهم ائمة بعمائم بيض وكهان بصلبان وثياب فضفاضة. حل محلهم الجند فالموظفون فالعمال ثم تزاحم بقية الناس بعد ذلك لنيل البركة وبعض الحكايا المثيرة التي سيدخرونها لليالي السمر الشتوي الطويل.
كان رجال الدين يرددون الادعية ويتضرعون لرب الكون والطبيعيون يناشدون العناصر كلها وغيرهم ممن لا معتقد اثيرا عنده يناقشون ويحللون ويبررون غارقين في حتمية الفناء والعدم.
عندما بلغ الركب القرافة ، فوجئ الحشد بعدد الشموع التي جعلت الليل يبدو نهارا لشدة الاضاءة. وضعوا الجثة بجوار القبر واصطفوا صفوفا طويلة كل حسب انتماءه لصلاة الوداع الاخير.
في هذه المرحلة من المراسم افترقوا. وقف المسلمون عند الطرف واليهود في الجهة المقابلة وفي الوسط المسيحيون وبين الصفوف اصطف البقية. حتى المجرمون واللصوص وقطاع الطرق كانوا هناك خاشعين امام جلال الموت.
عم السكون. كان سكونا مهيبا. ران هذا الصمت المريب على المكان فسرت في النفوس رعدة وجل. ابتلع الصمت كل الفضاءات وكل التعابير الممكنة.
فجأة صرخ احدهم:
- الجثة تتحرك.
- اششششت
- تالله انه صادق. الجثة تتحرك. قال آخر.
تعالت التكبيرات والتعوذ وبدأ الهرج يسري في الصفوف التي بدأت اواصرها تتفكك.
نظروا مليا للشيء الملقي بين ايديهم بجانب القبر المفتوح الذي غدى يزداد اتساعا وظلمة بشكل طردي.
جحظت العيون. اتسعت. شحبت الوجوه. ثقل الهواء. ابرقت السماء وهزم رعد لم يعلم احد مأتاه. لكن ولا قطرة مطر نزلت لتغسل الادران وتوضح الصورة وتسكن الاغبرة المتصاعدة.
امامهم رأوا الميت يتخبط في داخل كفنه. يتحرك ببطء وبصعوبة هذا صحيح لكن بإصرار.
اختلفت تفسيرات العامة. قالوا انه يصارع منكر ونكير وقالوا انه ملك الموت الذي لا يريد ان يعود لربه بدون غنيمة وقيل الشيطان. ربما قال بعضهم ايضا انها فقط الخيوط التي تقيده والتي لم يتمكن من قطعها سريعا.
تحلقوا حول رجال الدين. استجدوهم كلمة.
- أمعجزة ترى ما نرى ؟ ايمتحن ربنا صدق ايماننا ؟
فكر المصطفون بالاستشارة. هل سيقدرون على الاجابة على سيل الاسئلة التي ستغمرهم ان جازفوا وقالوا نعم؟ صمتوا في خشوع مصطنع. ذكروا الهتهم كثيرا. بسملوا. حوقلوا. دعوا العذراء. استنجدوا بكل القديسين. حاصرتهم العيون والاسئلة المكتومة في الصدور. صاحوا بصوت واحد وان اختلفت الابجديات :
-أنتم كفرة. ان الوهم يخادعكم وتنساقون له. عودوا لصلاتكم. اذكروا ربكم في سركم وعلنكم. توبوا الى الله. الى الرب. الى كل مقدس يمتلك عليكم امركم.
حال تقيئ تلك الكلمات ، انسحبوا. فروا خجلا من ضعفهم او خوفا على مكانتهم.
ضج الحشد ونادهم ان عودوا. يقودنا الى الطريق الذي تاه منا ولا ندرك اي السبل تقود اليه.
تعالت الاصوات من كل صوب بين منكر ومؤيد ومصدق ولاعن.
لا يعلم احد على وجه الدقة كم مضى من الوقت وهم في جدالهم ذاك. صمتوا اخيرا حين ظهر ذاك الثقب الذي بدأ يتسع شيئا فشيئا. برزت يد ثم اعقبتها اخرى. مزقت القماش فظهر الوجه كما عرفوه دوما. لم يتغير لكن ملامحه ازدادت صرامة وغضبا. سحب الميت نفسا عميقا في حين واصل جسده انتفاضه. أخيرا تملص من كفنه كفراشة تلفظ شرنقتها لتنطلق في الفضاء - ربما التشبه هنا غير موقف فهذا الميت لا يرمز سوى للموت في حين ان الفراشات هي الحياة - تلوى على الارض. حبى لمسافة قصيرة ثم بتوأدة اعتمد على يديه ليرفع كتفيه الى الاعلى. ظل ساكنا لبرهة ثم استوى في وضع رياضي يستعد للعدو. لما استقام واقفا جال ببصره في الحشد. اطلقت عيونه شرارا فخر كثيرون صرعى. رجف قلب من لم يغمى عليه بعد. تراجعوا الى الوراء.
هل كانوا يهربون من انفسهم او منه او من ثقافة الموت التي استهلكتهم ؟
كانت تلك المرة الالف التي يقوم فيها من موته للمرة الالف مباشرة قبل اتمام مراسم الدفن لكنهم لم يتعلموا. كرروا دوما نفس الخطوات ووقفوا منبهرين خائفين للمرة الالف دون ان يدركوا كيف يتخلصوا من الجثة قبل قيامها او يعتادوا عوده.
ركضوا في كل صوب. داس بعضهم البعض. تراصوا في كتلة سرعان ما فك اواصرها الخوف. تساقطوا. قاموا وركضوا من جديد. بلغوا البوابات لكنها كانت مغلقة.
الى اين المفر ؟
عادوا بناظريهم الى الميت. كان واقفا هناك يرقبهم وعلى شفتيه ابتسامة ساخرة. عندما هدأ هرجهم صاح فيهم مزمجرا :
- - أهكذا تكون الجنازة اللائقة بملك ايها القذرون ؟
تساقط بين الصفوف ضعاف القلوب مغشيا عليهم حال سماع هذه الكلمات وسرق الصمت اصوات اخرين في حين خر صغار النفوس على ركبهم راكعين.
رددوا كلمات الحاكم مرارا كنص مقدس يخشون نسيانه :
- أهذه جنازة تليق بملك ؟ انسيتهم ان لملك لايموت يا كلاب يا اولاد القحبة ؟
حال ارتفاع الاصوات ظهر رجال بذات الحلل البيضاء الطويلة والمسابح والبخورات وان تغيرت بعض ملامحهم. لا يعلم احد من اين نبتوا كفطر سام وتوسطوا الجموع. تكلموا. تداخلت الكلمات. تكاثرت. احتدت. تقاسمت الخلق احزابا وفصائل وجماعات وقبائل وشعوب...
دخل كل اسواره وتحصن. شحذ اسلحته. رفعها. التمعت. تلاقت. اصدرت لهبا اشعل نيرانا. لم تكن النيران القديمة التي تختزل آخر السنتها الدفء والأشواق الدفينة. كانت نيرانا من نوع آخر. نيرانا على مقاس ورثة الالهة والأنبياء... نيرانا بلون الكراهية والحقد والضغينة... بلون الموت...
سال الدم غزيرا حتى سقى كل شوارع المدينة وغمر الروابي واختلط بماء البحار.
مات النبت الاخضر بالقلب ودميت بتلات الزهر ودنست البراعم الندية وغاب النور. حتى اسماك البحر المختبئة في الاعماق البعيدة عن طيش بني الانسان نفقت فدفعها الموج الى الشطآن المهجورة. تكومت هناك. تعفنت. عطنت ثم اضمحلت.
ايوجد ما هو اقسى من الكلمات لما تحيد عن مساراتها وتنزل سوق المضاربة والمال وتتعفر بالتراب فتشيد للطغاة قصورا وتصنع الها بشعا كرجل دين وعالما باردا بقدر عدمية الملحدين ؟


دمتم بخير





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,933,045,465
- الحاكم بامر ربه - بشار الاسد (فصل من رواية)
- نبش في تاريخ منسي - الكاهنة - رواية ج. الاخير
- نبش في تاريخ منسي - الكاهنة - رواية ج 4
- نبش في تاريخ منسي - الكاهنة - رواية ج 3
- نبش في تاريخ منسي - الكاهنة - رواية ج2
- نبش في تاريخ منسي ديهيا - رواية
- صلوات في هيكل حب - السجدة الثانية
- اسلاميون الافاضل تعالوا نتقصى ملابسات مقتل عثمان بن عفان بين ...
- صلوات في هيكل حب .. السجدة الاولى
- عثمان بن عفان حاكم ظالم ام سلف صالح
- حضور الغياب .. وقفة سياسية
- بحث في سيرة عثمان من منظور اسلامي
- الخلافة الراشدة عثمان وعلي والفتنة الكبرى - سياسة بلوس ديني
- صفحات من تونس- دخول الاسلام الى افريقية جزء 2
- صفحات من تونس- دخول الاسلام لافريقية
- صفحات من تونس- تاريخ شعب
- الخلافة الراشدة -- عمر بن الخطاب 2
- الخلافة الراشدة -- عمر بن الخطاب 1
- حضور الغياب.. صفحات مصرية
- حضور الغياب.. وريقات عراقية


المزيد.....




- جنة سودانية على البحر الأحمر نفذ فيها الموساد عملية كبرى يجس ...
- تاء التأنيث.. مهرجان -سلا- المغربي يحتفي بالمرأة
- فنان فرنسي يبرز جمال الخط العربي.. وأدواته؟ جسده والضوء
- رسميا .. لعنصر يترشح لخلافة نفسه على رأس الحركة الشعبية
- نائب برلماني حركي يصف عيوش ب-المفلس-
- بوريطة يدعو إلى إصلاح فعلي لمجلس السلم والأمن التابع للاتحاد ...
- جنة سودانية على البحر الأحمر نفذ فيها الموساد عملية كبرى يجس ...
- فنانة وشوم تبلغ 101 عام.. ترسم الوشوم بأشواك الأشجار
- بعدسات الجمهور: حجرتي المفضلة
- قصص المشاهير.. طريق غوغل لمنافسة فيسبوك وإنستغرام


المزيد.....

- مع قيس الزبيدي : عودة إلى السينما البديلة / جواد بشارة
- النكتة الجنسية والأنساق الثقافية: فضح المستور و انتهاك المحظ ... / أحمد محمد زغب
- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر
- -كولاج- المطربة والرقيب: مشاهد وروايات / أحمد جرادات
- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة
- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين
- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رويدة سالم - الحاكم بامر ربه (فصل ثان من رواية)