أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عائشة مشيش - السائل الأسود المُر ....














المزيد.....

السائل الأسود المُر ....


عائشة مشيش

الحوار المتمدن-العدد: 4419 - 2014 / 4 / 9 - 09:44
المحور: الادب والفن
    


بخطى سريعة وفكر مشتت يحاول أنْ يركز على شيء واحد من بضعة الأشياء التي كان عليه أنْ ينجزها هذا اليوم ، كان يسير على يمين الطريق وهو يحاول عدم الاصطدام بالناس لسرعته في المشي عكس اتجاههم ، وذهنه عامرٌ بمشاريع وأفكار تنتظر الفرصة لتكتمل ، وقد لا تحظى بها فتندثر ، كان الشارع مكتظاً بمن اضطرتهم الظروف للخروج مثله وكلٌّ بهمه غارق لا يلوي على شيء في هذه الساعات الساخنة من أيام الصيف الحارقة ...ساعات الظهيرة .
اصطدم بأحدهم ثم واصل سيره دون أن يكلف نفسه عناء الاعتذار له وهو يلعن في سره رب العمل الذي كلفه بمائة مهمة في وقت واحد نظير أجر لا يسد رمق الأبناء ولا طلبات الزوجة والبيت ، ولا يتبقى له ما يشرب به فنجان قهوة مع أصحابه في مقهى الحي.
كان صاحب المصنع يقول إنَّ السوق راكدة وإنَّ الأزمة العالمية طالت الإنتاج المحلي ، يعطينا أجرتنا كأنه يهبنا صدقة ، بضعُ أوراق مالية هزيلة لا تكفي يومين فكيف بشهر ؟! لم يكن تهديدنا له بالإضراب يهز ثقته بنفسه فطلبات العمل أكثر من العمل نفسه ، لهذا كان يقول اضربوا فسيكون غيركم في نفس اللحظة في أماكنكم ، كثيراً ما هددنا بإقفاله زاعماً أنَّه خاسرٌ ولا ربح له فيه ، وأنَّه يفتحه فقط من أجلنا حتى لا نتشرد نحن وأبناؤنا .
أفواه فاغرةٌ في انتظار اللقمة التي يجود بها علينا هذا اللعين ،كثيراً ما لمت نفسي على وقوفي متخاذلاً في وجه هذا المستنزف لجهدنا وعرقنا ، لا أجد متنفساً لي إلا في البيت حين أنفجر في وجه زوجتي وأبنائي وكأنهم سبب نكبتي وإحباطي ، ناسياً أنَّني أعيد إنتاج الاستقواء في مكان هو بيتي ، وأيضا في حارتي وبين جيراني، لم يكن جسمي يساعدني على تحمل مزيدٍ من الإرهاق والتعب ليجني هو ثمار هذا التعب والجهد .
وقف قليلاً وهو ينظر إلى أقرب مقهى أمامه ، فكر للحظاتٍ ، ثم في الأخير انهال بجسده على أقرب كرسٍ ليشرب كوب السائل الأسود المر وحده، وليدخن قليلاً ليظل صامتاً حتى لا تخرج صرخة كان يحسها تريد الانطلاق، وأيضاً ليبدد ضيقاً عميقاً في صدره ، وراءه أحاديث تصله منها بضع كلمات لكنها مبتورة غير ذات أهمية على الإطلاق كأنما الكلمات تفقد جوهرها حينما تُنطق أو لأنَّ ما يُقال وحتى ما لا يُقال عبث في عبث مادام العالم لا يتغير.
نفح النادل فوق ثمن القهوة درهماً غير عابئ بابتسامة لاحت على فم النادل ، انطلق من حيث أتى ، لكنَّ الشارع كان أكثر ازدحاماً ، فيه يتقاسم البشر مع السيارات الطريق فلا تَعُد تعرف أين تمضي في هاته الفوضى العارمة ! ولا شيء جديد ، دورة الحياة روتينية تقتل ببطء أشد من القتل بعينه.
لا أدري كم من الوقت مضى وأنا أسترجع الآمي ومحنتي مع الأيام ولا حجم المسافة التي قطعت وأنا غائب عن الوعي مسترجعاً حياتي كحلم في قيلولة خاطفة ،أو سرعة البرق في يوم ماطر ، هل توقفت عن السير دون أن أشعر ..؟ لا ، بَلْ سمعتُ -كأني أحلم- صوتَ سيارة وأناس يصرخون ، ووجه امرأة مذعورة تنظر إليَّ بخوف من وراء زجاج السيارة . ما أدركته حينذاك أنَّني أرتفع فعلاً ودوي انفجار شيء ما أمام أذني وآخر عمارة شاهقة يبدو أمام عيني ثم هويتُ ببطء إلى حافة الرصيف محاولاً استرجاع ما حدث في ثوانٍ ووجه أبنائي يتراءى لي من بعيد .
لم تكن أصوات الناس التي اجتمعت حولي واضحة إلا أنَّني عرفت أنَّ هناك طريقاً تأخذني إلى حيث أجد راحةً أبدية ، كانت مرارة الظلم تمتزج بلعابي و تحت لساني وكان ضباب كثيف يلف عيني ورأسي ... نفس الوجوه الكالحة التي أراها كل صباح ومساء ، نفس الكآبة التي أصطدم بها حين مغادرتي البيت كل يوم ، نفس المقاهي ونفس الأشخاص الذين لا يفرقون كراسيهم .
كنت أمني النفس بالرحيل إلى مكان حيث أجد بعض الفرح ، إلى مكان لا يقتات فيه أصحابه على أخبار الآخرين ، يبدو أنَّني أخيراً سأنتقل إلى مكان آخر حيث تنتهي أسئلتي الحائرة في دواليب الضباب ، وأمانيَّ المبعثرة على أطراف الليل ، سأغادر لأعبث بالقدر كما يعبث بي ، سألهو بالحزن كما يلهو بي ، سأحمل رسالة الشك وأدعو إلى وهم وأقدَّس الخيال وأعد بجنة خلت من كلِّ شيء إلا من الألم ، أخيراً لفظتني الحياة وسأركلها من الخلف ، تدعوني الأرض إليها وأنا أغازل السماء ، أحس سكينة كأنَّ الريح عدلت عن الإقلاع، سيستقبلني العبث ويجردني من السأم فقد كرهت الكذب ولم أجد الصدق وخذلتني ريشتي في رسم الجمال ... ! انتهى، فقد جفت الصحف ورُفعت الأقلام .
أخيراً وصلتني الدعوة للمغادرة ، وأخيراً سأغادر وإلى الأبد ، وضع نقطة النهاية ، وأحسَّ بنشوة تسري عبر مسامه لتغمر كافة جسده ، شبَّك يديه ثم ابتسم في وَداعة وغصة في حلقه ، وأخيراً ،لم يعد يسمع أيَّ صوت ... سكت الصوت وعمَّ السكون ...لاشيء...لاشيء...
لا عَدْلَ إلا الضباب ....
عائشة مشيش ........





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,426,897,980
- في الغيبوبة سلام..
- 8 /مارس تمردٌ ونجاح
- عبءُ السؤال..
- كيف نحب .....؟
- حرمان وحنين....
- إختيار....
- أريد أن أكون كاتبا ...
- الغوص في الذاكرة ..
- ماسح أحذية ...
- صفحة بيضاء ...
- المحاولة الثانية لنبش الداكرة ..
- محاولة النبش في الذاكرة ...
- الحرية .. الحلم الدائم .
- شهرزاد والحكاية ..


المزيد.....




- محمد عساف ينجح في -امتحان عبد الحليم حافظ-
- العثماني يجمد مهمة الأزمي في رئاسة فريق البيجيدي بمجلس النوا ...
- بعد انتهاء -أفنجرز-.. 10 أفلام جديدة من مارفل
- رغم خلافات الحزب الحاكم.. مجلس النواب يصوت اليوم على القانون ...
- فيلم -المنتقمون-نهاية اللعبة- يحطم رقم -أفاتار- العالمي!
- حضور مخيب للآمال بمهرجان جرش للشعر العربي
- أول داعم صوتي باللغة العربية في التلفزيون بتقنية الذكاء الاص ...
- نقاش فرنسة التعليم ومجانيته: مزايدات فارغة
- لجنة بمجلس المستشارين تناقش تعديلات مشروعي قانون الأمازيغية ...
- العثماني للغاضبين من حزبه: مصلحة الوطن قبل مصلحة الحزب..


المزيد.....

- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- نشيد الاناشيد المصرى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- متر الوطن بكام ؟ سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كرباج ورا سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر 1 سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عائشة مشيش - السائل الأسود المُر ....