أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي أحماد - موكب الزيارة














المزيد.....

موكب الزيارة


علي أحماد

الحوار المتمدن-العدد: 4419 - 2014 / 4 / 9 - 01:43
المحور: الادب والفن
    


أفاق صباح هذا اليوم على غير عادته باكرا .. إن الغرفة التي يتخذها سكنا تضيق حتى الاختناق فهي في حجم زنزانة بنافذة صغيرة . جلس تحت حائطها الحجري.. امامه أخدود عميق حفرته مياه الأمطار والسيول الجارفة ، كجرح عميق في ذات بشرية ، يفصل بينه والسكان الذين تركوا منازلهم القديمة وشيدوا أخرى على صخرة تطل على حقول النخيل ويقوم عليها مسجد عتيق من آثار المرابطين. وقد أرادوا له البعد ، ويخشون الاختلاط به، كحيوان أجرب . يجلس متأملا ما حوله وقتا يطول أو يقصر وهو آمن مطمئن البال. حافظ الأهالي على هذا الصمم في علاقاتهم بهم إلا امرأة تتشح بالسواد كأنها في حداد دائم . تمر أمامه صباحا و مساء، وهي أنثى فارعة الطول، سمراء اللون، عاجية الأسنان، كحيلة الطرف نحيلة الخصر. تبادله التحية في خفر العذراء ، وقد تجلس اليه غن اختفى ما يشغلها عن ذلك من هموم الحياة. غير أن جلوسها إليه وإن كان يفرج عنه كربته ويزيل عنه أحزانه فإنه يرمي به في دوامة من القلق والجزع لأنه يخشى عليهما ألسنة الناس اللاذعة كلدغ العقارب، وهذه الخلوة لن تبررها النوايا الحسنة. وهذه الخلوة بين رجل وامرأة والشيطان ثالثهما تحاصرهما وتكدر صفوهما. توطدت العلاقة بينه وبين المرأة ودأبت على غسل ثيابه رغم أنها نالت من الناس شتى أنواع التقريع والتجريح. فاطمة. كان هذا إسمها. تذكر أنها كانت زوجة رجل من نفس القرية. تقول إنها كانت تحركه كالأراجوز وتضبطه كالساعة الى أن صار عبدا يأتمر بأوامرها وينتهي بنواهيها، إلا أنها ملت اللعبة وأصبحت في حاجة الى رجل قوي الشكيمة شديد البأس كامل الرجولة. فكان الطلاق بأمر منها كذلك وتزوج طليقها امرأة كأنها قدت من مرمر، صنما للفتنة منصوب... دبت الحركة وعمت أرجاء القرية التي غالبا ما يلفها صمت كصمت القبور وعلا الصخب، حشد هائل من الناس تجمهروا وكونوا ما يشبه مسيرة " لن يتخلف أحد إلا بعض النساء ممن لا يسمح لهن أزواجهن بمغادرة المنزل" تقول فاطمة. وقع دوي الكلمات على سمعه كأجراس كنيسة. وعرف أنه معني بالكلام .لا خيار. عليه أن يغادر المكان ويكون مع الآخرين وهم يسيرون الى حيث عقدوا العزم ، حتى لا تظن أنه تخلف لينال حظه من اللوائي لن يبرحن القرية وقد يسوس له الشيطان!. سار بمحاذاة الجبل. تلوح الطريق أمام الناظر ملتوية كأفعى، على جنباتها أشجار نخل جف سعفها تطاول السماء في انحناء المتواضع وعجب لطالعي النخل! والعيش أرزاق.. تعلو الحناجر بأمداح وترانيم تعدد مناقب الولي الصالح وتنشد فضله ومكرماته. بالقرية ونواحيها عشرات الأضرحة وإن كان وجودها صوريا وهميا ن يكفي أن يضع احد الشرفاء حجرة بمكان ما ويقول هذا قبر فلان الولي الصالح فلان حتى يقيم عليه السكان قبة.. قد تجد لأولياء كمولاي عبد القادر الجيلاني . أضرحة بأماكن عدة بالمشرق والمغرب، هل هو تشابه الأسماء ام قدرة الولي الخارقة على التواجد بكل الأمكنة؟ ام هي اعتقادات راسخة يصعب محوها سكنت العقول واستولت على المشاعر..؟ تتقدم المسيرة بقرة لاتشبه بقرة بني اسرائيل! زينت بالورود والأزهار البرية وخضب جبينها بالحناء فبدت كعروس تمشي في غنج يجرها رجال أشداء انتدبوا للمهمة. تعلو رؤوس الأشهاد عصي من القصب عليها أعلام وخرق من شتى الأولوان تحركها نسائم بارد يلفح الوجوه كأنه يخرج من مصفف شعر كهربائي ويبدو الجمع عنه غافلون. النساء خلف الموكب تعلو زغاريدهن ويجلجل لغطهن وقد اتخذن أبهى زينة. صيحات الأطفال تشوش على هذا المشهد الروحي الكئيب وهي لا تزعج البتة الحاضرين. إتخذ له مكانا قصيا ، مشدوها شارد البال ، مشتت الذهن يخيل اليه أنه في أحضان قبيلة إفريقية وكل ما حوله يوحي بذلك. انتهى الموكب الى منبسط بين هضبتين به بيت من أحجار مرصوصة بعفوية ،أما بابه بقايا حطب ورماد. أريج البخور وعبير الصندل وعبق الأعشاب البرية يزكم الأنوف . الفقهاء وقراء الأمداح اتخذوا مجلسهم على فرش بسيطة مهلهلة، كأنهم جاؤوا في الساعات الأولى من الصباح. طرح الرجال القرة أرضا وشحذوا سكينا حاد النصل وذبحوها. الدم ينزف فائرا وقانيا. ترفس بأقدامها وهي تصارع ما تبقى من روح. امرأة طاعنة في السن تدنو ويديها الى الوراء ، تنحني جاثمة على ركبتيها وتعب ، تحت العيون الخاشعة ، حتى ارتوت...





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,224,439,392
- من ذكرى أبي / الجزء الثاني الدراجة الهوائية
- أوراق من يوميات معلم بالجنوب المغربي 1986
- من ذكرى أبي الجزء الأول الجدي الأجرب
- حوش المتعة
- خيانة
- رقصة في بيت العنكبوت
- النقابة بعد رحيل كيكيش
- هشام المطال وتقبيل أرجل نائب الوكيل
- ميدلت أون لاين في حوار مع السيد أحمد كيكيش نائب وزارة التربي ...
- حوار مع عبد القادر موعلي الكاتب الإقليمي للنقابة الوطنية للت ...
- حوار بوابة ميدلت مع عبد القادر موعلي الكاتب الإقليمي للنقابة ...
- حوار دفاتر مع السيد أحمد كيكيش / منقول الى المكتوب
- نص قصصي : طلسم الفحولة
- النبش في تعيين أحمد كيكيش
- خطاب الى السيد النائب


المزيد.....




- -صلاح الدين دميرتاش-مرشح لنيل جائزة نوبل للسلام
- ما العلاقة بين أفلام العنف والسمنة؟
- -ذا روك- يعلن عن بدء تصوير الجزء الثالث من -Jumanji- (صورة) ...
- السينما الروسية تحقق إيرادات قياسية للسنة الرابعة على التوال ...
- أفلام عربية في الصالات الفرنسية هذا الأسبوع
- بالصور.. ساجد ينصب خديجة بن الشويخ عاملا على عمالة مقاطعة ال ...
- بعد إهمال طويل.. الحياة تدب في مسرح سيرفانتس بطنجة
- حقائب مصرية مستوحاة من التراث الإسلامي تحملها فنانات هوليود ...
- لوحة -المسيح المخلص- الأغلى في العالم -مختفية ومزيفة-!
- وزير العدل: مندهشون لرأي اللجنة الاستشاري بخصوص بوعشرين


المزيد.....

- أفول الماهية الكبرى / السعيد عبدالغني
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- ليلة مومس / تامة / منير الكلداني
- رواية ليتنى لم أكن داياڨ-;-ورا / إيمى الأشقر
- عريان السيد خلف : الشاعرية المكتملة في الشعر الشعبي العراقي ... / خيرالله سعيد
- عصيرُ الحصرم ( سيرة أُخرى ): 71 / دلور ميقري
- حكايات الشهيد / دكتور وليد برهام
- رغيف العاشقين / كريمة بنت المكي
- مفهوم القصة القصيرة / محمد بلقائد أمايور


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي أحماد - موكب الزيارة