أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد ليلو كريم - مناقشة في ثقافة الفقه















المزيد.....

مناقشة في ثقافة الفقه


محمد ليلو كريم

الحوار المتمدن-العدد: 4411 - 2014 / 4 / 1 - 19:16
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


( قل له : أن لفقهنا رأي يُحرم هذا الطعام . . ولا تقل له : أن هذا الطعام مُحرم )
( فقال لهم : أفأنتم أيضا" هكذا غير فاهمين ؟ أما تفهمون أن كل ما يدخل الإنسان من خارج لا يقدر أن يُنجسه , لأنه لا يدخل الى قلبه بل الى الجوف & الإنجيل , انجيل مرقس, 7: 18-19 )
يبدو أن بعض الذين ينزعون الى شيء من التشدد المذهبي , أو الديني , يلتجأون الى الحجج الفقهية حين يعجزون فكريا" أو عقليا" عن التفوق على الآخر في الجدال , والملفت أن يُجزم بعض هولاء بصحة رأي فقهي مع عدم وجود طرف مقابل من الطائفة الاخرى , ولنا في هذا مثال :
يجد الشيعي أن أكل الأرنب غير شرعي , ويستند الى آراء فقهية حوزوية أفتت بذلك , ويُشكل على السُني أنه يأكل لحم الأرنب , ويعتبر هذا مخالف للشرع , ومع أنني لست أعرف بشكل دقيق هل أن الرأي الفقهي الشيعي يعتبر أكل لحم الأرنب من المحرمات أو المكرهات , فإن موضوع هذه المقال يُركز على مسألة أخرى , ومن أولى المسائل التي أطرحها مسألة وجود الطرف الآخر , إذ كيف يتسنى لي معرفة سبب تجاهل تحريم أو إكراه صدر في فتوى دون أن يكون هناك طرف مقابل هو من تجاهل هذا التحريم أو الإكراه ؟ . أن وجود الطرف الآخر الرافض للرأي الفقهي الذي أعتقد به يكون وجوبا" حين أريد الجزم بصحة الفتوى وتخطئة من يرفضها أو يتجاهلها , وإلا سيكون الجزم منقوصا" لكون الطرف الآخر مفقود , والجدل بالتحاجج يستلزم وجود طرفي الموضوع , فإن قلت بأن أكل لحم الأرنب محرم أو مكروه وصرحت بفتوى الفقيه التي تناولت هذا الموضوع , ومن ثم وجزمت بأن من يخالف هذه الفتوى قد ارتكب ذنب , أو جزء من الذنب , أو أتى بشبه كان الأولى به أن لا يقربها , يتحتم علي الأستماع للرأي الفقهي المقابل الذي يسمح بما نهى عنه المجمع الفقهي الذي أتبعه , وعند إقامة الدليل الحجة على الطرف الآخر مباشرةً سيحق لي الجزم بصحة الفتوى التي صدرت من مرجعيتي الفقهية المذهبية , وإلا سيكون الجزم بلا قيمة ..
المسألة الأخرى تتلخص في أن الفتوى التي تصدر من مرجعيتي الفقهية المذهبية تخصني أنا , وأنا المطالب بالإلتزام بها , وللآخر مردعية مذهبية أخرى , هي من يلتزم بفتاواها , وليس مطالبا" بالتقيد بفتوى مرجعيتي المذهبية , وعلى هذا الإساس لا يجوز أن ألزم الآخر بما التزمت به أنا , فأنا والآخر منتمين الى مذهبين , مدرستين من الفقه , لكل واحدة منها فقه خاص , وفقيه معين , وجذور خاصة , ورأي متميز عن غيره من الآراء , وهذا مثال :
سأتصور أن شافعيا" من الفقهاء سمح بأكل لحم الأرنب , وفقيها" شيعيا" حرم أكله , وحدث جدال بين شخصين من المذهبين , وبسياق الجدال قال الشيعي للشافعي :
< الفتوى التي قال بها مرجعي الفقيه الفلاني تُحرم أكل لحم الأرنب , وأنت ملزم بهذه الفتوى . . ! >
أن هذا الإلزام ليس ذو أثر شرعي , والأختلاف المذهبي يُبطل هذا الإلزام , وبالتالي ؛ فليس من حق الشيعي أن يُلزم الشافعي بفتوى شيعية , فحق الإلزام يستلزم الإنتماء للمذهب أولا", وتقليد المرجع الذي أصدر الفتوى ثانيا", وبخلافه سيكون الإلزام تجاوز عقائدي على الطرف الآخر وكأنني تجاهلت مذهبه , أو مارست معه نوع من التبشير القسري متبعا" طريقة معينة , فإن جاء مسيحي كاثوليكي وقال لي أن < التناول > واجب , ورجع الى قصة المائدة الواردة في القرآن , واعتبر رفضي خطيئة , فأنه يُلزمني برأي صدر من الفاتيكان , وأنا لست من الكاثوليك , ولست مسيحي , وبالتالي ؛ فأي حق له علي ليُلزمني برأي لم يصدر من حوزة النجف , وأنا مسلم شيعي ؟؟؟...
مسألة أخرى :
بعض الأشخاص يتمتع بنباهة لا تخلو من الدعابة والفكاهة , فقد سأل أحدهم عن مغزى عدم السماح بأكل لحم الأرنب , فجاءه الجواب أن أنثى الأرنب تحيض , فرد سريعا" بأن ذكر الأرنب لا يحيض . . !!
في الحقيقة ؛ أن المغزى العلمي العضوي لا يدخل في حسابات الفتاوى الفقهية لرجال الدين , وقبل فترة أخبرني أحدهم أنه سأل عن الأثر المعنوي لأكل لحم الخنزير , فجاءه الجواب أن لا جواب لهذا السؤال , وآخر أخبرني أنه تلقى جوابا" مفاده أن رأس الخنزير يحتوي على حشرة صغيرة , أو كائن مجهري , يُحول الشخص الى ديوث , فيسمح لوالدته وأبنته وزوجته وأخته بممارسة الجنس بدون التقيد بالشريعة , وقد تسائل الشخص الذي تلقى هذا الجواب بأنه لماذا لا يُرمى الرأس ويأكل الجسد ؟؟! .. لم يكتفي بهذا السؤال , بل تسائل عن سبب وجود النزاهة والمصداقية والمثابرة في شعوب تأكل لحم الخنزير والأرنب والكلاب والصراصر , وكل ما يدب على الأرض عدا الإنسان والسيارات , وكل ما يطير بالسماء عدا الطائرات ؟؟؟!.
أنا شخصيا" لا يمكن أن أأكل لحم الأرنب أو الخنزير, وليس محور مقالي حول ثنائية المنع والجواز , وكل ما ورد هو عبارة عن أمثلة أردت من ورائها التأكيد على مسألة ترك التخصص للمتخصصين , والأعتراف بالأختلاف , وبالآخر , والإنتباه الى أنماط من التفكير لاتتناسب مع التنوع , وخوض الجدال وفق آلية جامعة تفهم وتحترم التعدد والتنوع .
كثير من الأشخاص المنتمين لمذاهب يدخلون في جدال ليسوا مجبرين للخوض فيه , فهم يُسببون الإحراج لرجل الدين المتخصص , ولأنفسهم , مع أن هناك من رجال الدين من أعطى أمثلة عملية جعلت من الإنسان الأولوية الأولى في عقلية الفقيه , فإذا رأى الإنسان أنه الأول في أولويات الفقيه ألتزم بعلاقة مع الفقيه رأسها الإنسانية , مهما كان هذا الإنسان , علماني , ملحد , منتمي لطائفة أخرى , مادي . . . , وكم من الجميل أن لا يفسد الرأي للود قضية .
لقد جعلت من النقاش في الاختلاف الفقهي والمذهبي وسيلة اتخذتها كمدخل لموضوعي الذي يركز على التواصل مع الآخر , وإتباع الجدال كطريقة لهذا التواصل , والإنتهاء عنده , إذ ليس من المعقول أن نتجادل فقهيا" عبر السيوف والبنادق والصراخ والتواصل المنقوص, وشيء آخر أردته هو أن نضع الأشياء في محلها , وهذا من الحكمة والعدل , ولا نطلب من المتخصص بالطب حصرا" أن يبني لنا ناطحة سحاب , أو نطلب من المتخصص حصريا" بالمنطق أن يُصلح لنا جهاز كومبيوتر فيه عطل , ولا نتحيز الى ما يعجبنا من الآراء التي تجعل من الآخر مخطئا" أو مذنبا" أو مرتكبا" لشبهة دون الأخذ برأي الآخر , والاستماع أليه , وفهم ردوده وحججه , والركون الى العلم المنهجي الذي يفسر الرأي والخلاف. . أنا بدأت من القاعدة , من عامة الناس وطريقة فهمهم للأختلاف المذهبي , ونوعية تعاملهم مع هذا الأختلاف الذي يُمثل واقع الفرق المذهبية , ونرتقي في الاسترسال :
في موضوعة التأسي نجد ان اتباع الأديان والمذاهب يتخذون الرموز المقدسة مصباح هداية ودليل طريق , فالرموز المقدسة يمثلون الطريق المستقيم الموصل الى الله ورضاه وثوابه , ولهذا نجد الشيعة يقولون أن الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة , ويمزجزن هذا القول بإيمان عميق , والمسيحيين يتمسكون بشخص يسوع ويؤلهونه ويؤلهون كلامه الموجود في الإنجيل , وكذلك يفعل اليهود مع الوصايا التي وردت في التوراة والتي جاء بها النبي موسى نقلا" عن الله , وموسى كليم الله , والجميل في الأمر أن المسلمين يُقدسون المسيح ابن مريم وموسى نبي بني اسرائيل , كما يُقدسون النبي محمد الذي بُعث بلسان وقرآن عربي , ومن خلال هذا التقديس يستطيع المسلم التواصل مع المسيحي واليهودي , والمسلم من المذهب الآخر , فشخص المسيح ابن مريم يُعتبر وصلة بين المسلم والمسيحي , وموسى وصلة بين المسلم واليهودي , ومحمد وصلة بين المسلم والمسلم الذين ينتمون لمذاهب مختلفة , ومن طبيعة الحال أن الرأي الفقهي يختلف من مذهب الى آخر , وكذلك هو بين الأديان , بل قد تختلف حتى المسميات فيكون مقابل الفقه مسمى آخر عند عقيدة أخرى , ومحتوى الفقه وآراءه تختلف من مذهب الى آخر , ومن دين الى آخر , وفي نفس المذهب نجد اختلاف فقهي قائم بين الفقهاء رغم انتماءهم لنفس المذهب , ومن هنا نفهم أن الفقه وفتاويه مسألة حساسة جدا" ينبغي أن تنحصر كرأي في حالة اختلاف , أي أن الاختلاف الفقهي يبقى فاعلا" في داخل دائرة موضوع الاختلاف ويتم الأعتراف بأن هذا الاختلاف ناتج عن آراء وليس فتوى قطعية لا سبيل لمناقشتها كرأي , وتعميم هذا المفهوم من واجب الفقهاء لكي يُفهموا الناس من اتباعهم أن الفقهاء ليسوا انبياء , وأن قداستهم كفقهاء أتت لكونهم مجتهدين , وقداسة الانبياء أتت لكونهم رسل الله , وقداسة الله أتت لكون النص المقدس كلامه وهو جوهر التشريع , وهنا سيُميز عامة الناس بين المجتهد والنبي والله , ويفم المتجادلون أن ما يخوضوه من جدال ليس إلا آراء لمجتهدين , ومفردة مجتهدين تدل على أن المجتهد هو من بذل جهدا" عقليا" ليستنبط الحكم الشرعي , والنبي تلقى النص المقدس المحتوي على أحكام شرعية من الله , فالنبي لم يكن مجتهدا" أستنبط من النص , وفرق شاسع بين الاستنباط والتلقي , فالقيه مجتهد والنبي مرسل , أي أن الفقيه ليس بنبي , والنبي لم يكن فقيها" مجتهدا" استنبط الحكم الشرعي عبر طريقة إفراغ الوسع المعروفة عند الفقهاء , والمحصلة أن علم الفقيه حصولي , وعلم النبي حضوري , والعلم الحصولي مصدره العقل , والعلم الحضوري مصدره الوحي , والنتيجة أن الرأي ليس نصا" منزلا" ثابت التشريع .
ليس من المستحسن أن نحجب العقل لصالح الانغلاق , وما فكرة الفرقة الناجية إلا الوليد الأول للأنغلاق , مع أن فكرة الفرقة الناجية مرتبطة عضويا" بفكرة المنقذ , ونحن الى الآن لم نرى المنقذ ونسمع حكمه الشرعي النهائي . . الانغلاق يوهمنا بأن الآخر يتبع الباطل , فكل ما يؤمن به باطل , وكل تشريع يتبعه باطل , ومن هنا جاء مفهوم التكفير , والذمي , ونجاسة الآخر , فانقطع التواصل بين الإنسان وأخيه الإنسان حين تقطعت كل المشتركات والروابط إلا عن طريق الفقه الوعر , مع أن المساحة الدينية واسعة تفوق مساحة الفقه , فالمساحة الدينية تضم الفقه والإيمان والقداسة والأخلاق والتسامح , حتى أن النص تطرق لمسائل فقهية واعتقادية تعود الى ديانة أخرى , وهذا ما لم يُخصص له منهج تعليمي مستقل يُضم الى المنهج الحوزوي العام لتكون الحلقة الدراسية معبرة عن عالمية القرآن , كما كان النبي محمد قرآن يمشي على الأرض , وهو المرسل رحمة للعالمين , ولنا مع شمولية النص القرآني وقفة :
لم يكن القرآن كتاب يدعو للأنغلاق , فهو تناول فقه وعقائد نجدها في نصوص كتابية لأديان أخرى غير الأسلام , مثلما تناول قصص عن المسيحية واليهودية , بل وتطرق الى الكفر والكفار كديانة لها ما لها , إذ قال :( قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون , ....., لكم دينكم ولي دين & سورة الكافرون ,1-2-6 ) , وفي سورة المائدة نقرأ :( إنا أنزلنا التوراة فيها هدىً ونور يحكم بها النبيون , .... , وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن. . .& من الآيات 44 و 45 ) , وفي تطابق كبير مع هذا النص القرآني نقرأ في التوراة :( وإذا أحدث إنسان في قريبه عيبا" , فكما فعل كذلك يُفعل به . كسر بكسر , وعين بعين , وسن بسن , كما أحدث عيبا" في الإنسان كذلك يُحث فيه & التوراة , سفر لاويين , 24: 19- 20 ) , أن النص القرآني أعترف بالنص التوراتي ولم ينكره ( وكتبنا عليهم فيها ) وهذا ما نستطيع أن نُسميه بالتواصل النصي , المنحصر في التشريع .
ينبغي أن يكون التواصل مبني على أساس النص ورحابته ( وقد ورد في خاتمة النص التوراتي الذي ذكرته سلفا" ما يُعبر عن معنى الرحابة التي اقصدها < ومن قتل إنساناُ يُقتل . حكم واحد يكون لكم . الغريب يكون كالوطني . أني أنا الرب إلهكم & توراة , لاويين , 24:21-22> وقد أكد النص القرآني هذه الرحابة التواصلية عبر اعترافه بالتوراة والانجيل وبأحكامهما : ( وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا" لما بين يديه من التوراة وءاتيناه الانجيل فيه هدىً ونور ومصدقا" لما بين يديه من التوراة ,.... , وليحكم أهل الانجيل بما أنزل الله فيه ,...., وأنزلنا اليك الكتاب بالحق مصدقا" لما بين يديه من الكتاب & القرآن , سورة المائدة , من الآيات 46 -47 -48 ) , ولم يكن الأنجيل ببعيد عن هذه الرحابة , إذ ورد فيه :( فأجابه يوحنا قائلا": < يا معلم , راينا واحدا" يُخرج شياطين باسمك وهو ليس يتبعنا , فمنعناه لأنه ليس يتبعنا > فقال يسوع :< لا تمنعوه & اجيل مرقس , 9: 38-39 ) أقول ؛ ينبغي أن يكون التواصل مبني على أساس النص ورحابته , لا على أساس الرأي وانغلاقه , أضافة لكوننا مطالبين بإضافة نزعة إنسانية للتواصل فالله أنعم علينا بنعمة التفويض وخصوصا" الاستخلاف في الأرض , ولكن الطامة الكبرى أن هناك فرق جوهري بين عقولنا وعقل الله , ونحن مطالبين بالعمل وفق رؤية الله لا رؤيتنا , وهذا يشمل حتى الفقه , والاختلاف , ولأننا بشر , ومن يختلف معنا أيضا" من البشر , يصير التواصل وفق مبدء الرأي مقابل الرأي , وليس الرأي الناسخ لكل رأي , فالمسلمين أمة مختارة بالتلقي , لا بالتميز ( أمة تلقت النص المقدس ولكنها ليست متميزة نوعيا" عن باقي البشر , وإلا لماذا وردت في القرآن آية : قل أعملوا ) , وأما العصمة والنبوة فهي مميزات للأشخاص الذين اتصفوا بها ونالوها , وليس هناك من مسلم يقول أن كل اتباع النبي محمد كالنبي محمد تماما", أو أن اتباع الإمام علي كالإمام علي تماما", وغن ظهر من يعتبر نفسه أمتداد للعصمة والنبوة فأن حجتنا عليه تتلخص في الوحي , والإعجاز , وصورة الكمال مقيدة بشروط وردت في التراث والأدبيات التي نُقلت لنا في الكتب المعتبرة , وإلا ؛ سنكون أمام مجادلة ناسفة ..
حرم الله علينا الميتة والدم ولحم الخنزير , وما أهل لغير الله مختص بالنبي والمعصوم , وبعد انقضاء فترة النبوة واكتمال القرآن وغياب آخر إمام معصوم لا يمكن أن نعتبر الفقيه عدل القرآن والإمام , وأن كان الفقيه نائبا" للإمام فهو نائب , وكيل , والوكيل غير الأصيل , وبين الإمام والفقيه بون شاسع , واختلاف جوهري , فمسألة النيابة لا تعني حدوث تقارب بين الإمام والفقيه الى درجة أن الإمام إذا ألتفت وراءه وجد الفقيه يكاد أن يصل أليه , وما مسألة النيابة إلا تفويض وليس أمتداد , وهل قرأنا في نصوص الشيعة أن إماما" أختلف فقهيا" مع إمام , بينما الفقهاء يختلفون في كثير من المسائل , بل أن أختلافهم يشمل جل المسائل التي يتطرقون لها , وهذه الحقيقة تخبرنا بأن رأي الفقيه لا يعدوا أن يكون رأيا", فالفقهاء قد يختلفون , والمعصومين متفقون , أي أن الفقهاء متعددين , والمعصومين واحد , فإذا اختلف ثلاث فقهاء حول مسألة معينة فأيهم يكون الأقرب للإمام بالنيابة , على فرض أن الفقيه يتلمس التكامل في فتاويه ؟؟..
(صناعة الحلال والحرام , تمثل الصناعة الاولى ,...., والتي تعود لها معظم الأزمات في التاريخ الجماعي للمسلمين & عبد الرزاق الجبران , جمهورية النبي , ص176 ) ..
لقد بدأنا من داخل النص عبر نص آخر , وتدرجنا من داخل النص لنصل الى الرحابة التي تضفي جمالا" على كل التواصل النصي , والحكم لله , الرب الرحيم , فالنص المقدس وديانته وحكمه انتقل الى يد البشر بعد أن كان تحت يد النبي أو من هو ضمن دائرة النبوة , وبرحيل النبي وامتداده النبوي صار الدين مجموعة من الآراء التي تُعرف بالمذاهب , فذهب كل جمع مذهبا" فرحوا به , واعتبروه الحبل الموصل الى الله , وكذلك حال الأديان فيما بينها , ولأن التجربة تعطي البرهان الافضل , فقد تعلمنا من التاريخ أن اختلاف الأديان والمذاهب يورث الويلات والتعصب والحروب والتنكيل , وما من شيء يكون وقعه شديدا" على عامة الناس مثل التفاصيل البسيطة التي يصدر فيها حكم فقهي , وخاصة المسائل المتعلقة بالنجاسة , وأنا استمعت لبعض من المسلمين يقولون بعدم طهارة الصابئي , وأنه يعيش حياة ملؤها النجاسة , وحينما أخبر هولاء البعض بأن الصابئة ديانة ورد ذكرها في القرآن , وأنهم أهل كتاب مقدس , نجد ملامح التعصب الأعمى تظهر لتبين عمق الانغلاق الذي أدمنه البعض , حيث يطلقون حكما" هو الأشد وطأة على نفسية المنتمي للدين الآخر , أو المذهب الآخر , أنه حكم النجاسة وإستنكار مأكل ومشرب الآخرين , إذ يشعر الآخر بحرج شديد , وهذا ما يولد حاجزا" نفسيا" يُباعد بين الإنسان وأخيه الإنسان , فهل أمرنا الدين ونصه المقدس أن نسيء للناس , وها هو النص يصرح بكل وضوح قائلا" : ( إن الذين ءامنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من ءامن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا" فلا خوف عليهم ولا هم يحزنزن & القرآن , سورة المائدة , 69 ) . . لقد ورد في الآية أسم الصابئون , بل وأشارت الآية التي قبلها ضمنيا" الى كتابهم :( قل يا اهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أُنزل إليكم من ربكم & سورة المائدة , 68 ) . .
يهتم الفقه بتحقيق الطهارة للمسلم , وخاصة في الأمور المادية , من مأكل ومشرب ولباس ونكاح وعبادات وحقوق , وكثر من الأتباع يعرفون نزرا" من احكام الفقه تختص بجوانب معينة , فالغالبية تعرف أن أكل لحم الخنزير حرام شرعيا", ولكن القلة من يعرفون أن المتنجس الأول والثاني والثالث من عين نجاسة الدم متنجسين , ولكن الرابع غير متنجس , ولست أعلم هل يفسر علماء الفقه هذا التشريع الفقهي من زاوية علمية بايولوجية تفسر المتغير الذي طرأ على الدم حين انتقاله للمتنجس الرابع الذي هو غير متنجس , وهل المتغير حدث في الكم , أم في التركيب ؟؟ . . والأكثر ضرورة في التساؤل : هل يستطيع الفقيه الإستغناء عن المتخصص في البايولوجيا في هذه المسألة للخروج بنتيجة تحليل مختبري توضح التغير الذي حدث في الكم , أو النوع , ولا دخل للمتخصص المختبري باللإفتاء , ما عليه سوى تزويد الفقيه بمصداق علمي تخصصي يوافق مفهوم الفتوى , ليكتمل المعنى , وستكون النتيجة أفضل بكثير من النتائج التي تُنتج في مختبرات منطق أرسطو





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,475,270,852
- تجربة في زمن العولمة
- عائلة السلطة
- رأي في عقيدة
- الصراع والنظام
- انثيال على قارعة النور
- الديمقراطية المحترمة.. والديمقراطية المبتذلة نظرة للديمقراطي ...
- قانون التقاعد الموحد.. وتعاملنا مع ميزات النظام الديمقراطي
- الحاكم الفاصل (الجزء الثاني)
- يجب أن يحارب
- الحاكم الفاصل (الجزء الاول)
- ديمقراطية بلا تعقل
- الديمقراطية الأميركية.. والديمقراطية العراقية الاميركية مقار ...
- ثلاثة أصناف
- تديننا.. أضاعنا عشرة اعوام يا ليلى
- كابوس المعادلات العراقية


المزيد.....




- اليوم في مقر “التجمع” : الأمانة العامة تجتمع برئاسة سيد عبدا ...
- تقرير رسمي : “الإخوان” ترمي بأفرادها في الهلاك ثم تتنصل منهم ...
- ملحدون في الأردن... من التدين الظاهري إلى الشك
- “الإفتاء” تحدد شرطا يجعل “التاتو” حلالا
- الفاتيكان يدعو الحكومة الإيطالية لتحكيم صناديق الاقتراع
- نقاش بين إعلامي سعودي وغادة عويس حول -إسرائيلية المسيح-
- نقاش بين إعلامي سعودي وغادة عويس حول -إسرائيلية المسيح-.. وع ...
- دار الإفتاء المصرية تحدد شرطا وحيدا يجعل -التاتو- حلالا
- مرجع ديني عراقي يصدر فتوى بشأن وجود القوات الأمريكية ويأمر ب ...
- ترمب يقول إن اليهود الذين يدعمون الديمقراطيين -غير مخلصين-


المزيد.....

- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد ليلو كريم - مناقشة في ثقافة الفقه