أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حازم شحادة - الخطوة الأولى في رحلة الألف ميل















المزيد.....

الخطوة الأولى في رحلة الألف ميل


حازم شحادة

الحوار المتمدن-العدد: 4411 - 2014 / 4 / 1 - 11:21
المحور: الادب والفن
    



طريق الألف ميل تبدأ بخطوة إن كانت في الاتجاه الصحيح
وما أدراني أن خطوتي ذاهبة في الاتجاه الصحيح
سأل ممدوح نفسه وهو متكئٌ على أريكته القديمه في غرفته القديمة مرتدياً بيجامته القديمة ذات اللون الأزرق الباهت وهو ينظر عبر نافذته إلى السماء القديمة قدم هذا العالم بأسره.
راح يهرش رأسه الذي أعلنه الصلع منطقة آمنة منذ سنتين ثم أشعل سيجارة قبل أن يداهمه السؤال الثاني بإلحاح.. هذه الخطوة إلى أين؟ فممدوح لا يعرف وجهته بشكل دقيق، لا بل إن هذه الوجهة في ظل عشرات القيود المادية والاجتماعية التي تكبله تبدو عبثية وغارقة في الضباب..ضباب الوهم، ضباب اليأس، ضباب الإرهاق.
قبل أن يعب آخر نفس من سيجارته هجم السؤال الأخطر دون أن يحسب له أي حساب
هل حقاً قمت بهذه الخطوة أساساً؟
راجع ممدوح تاريخه الحافل بالخيبات المتلاحقة فلم يحتج لكثير وقت كي يدرك أن هذه الخطوة المزعومة بالكاد تبدو مرئية فهو موظف منذ أكثر من تسع سنين أي أنه من ذوي الدخل المحدود.. وذوو الدخل المحدود حتى خطواتهم تكون محدودة ـ هذا إن تم اعتبار الذهاب والعودة من وإلى العمل خطوات ـ
ما اتفق عليه بينه وبين نفسه أن يعتبر حصوله على وظيفة خطوة بحد ذاته.. تنفس الصعداء فها هو قد عثر على جواب عن أحد الأسئلة التي طرأت على دماغه هذه الليلة فاستراح قليلاً وراقت له هذه الفكرة ما دفعه لمكافأة نفسه بكأس من الفودكا رغم أنه لا يحب الفودكا لكن الزجاجة التي أحضرها قبل أسبوعين على شرف إحدى المومسات اللواتي يلجأ إليهن بين الحين والآخر للتفريغ ما زالت تحوي القليل من السائل الذي يشبه الماء في كل شي إلا الطعم.
أشعل سيجارة جديدة بعد أن رشف القليل من كأسه وشعر بشيء من الرضا.. لا يستطيع أي كان أن يحصل على وظيفة هذه الأيام لذا لا بد أن تقتنع أنها خطوة لا بأس بها، يبقى أن تدرك أين ستقودك..
عادت حالة الكدر التي بدأت بها الأمسية مع الأسئلة، بالفعل إلى أين ستفضي بي (خطوة الوظيفة) قال ممدوح وهو يحدق بالتلفاز المطفأ ويظهر على شاشاته انعكاس للأريكة وعليها جسده ممدداً، لن تفضي إلى مكان.. أجاب نفسه.. ستبقى تدور كالبغل الذي يستخدمونه لهرس ذلك المنتج الزراعي (نسيت اسمه) وعلى عينيه غطاءان لا يتيحان للبغل رؤية سوى الطريق الدائري الواجب عليه أن يسلكه مراراً.. مراراً.. ومراراً ومراراً.


كما تعلم ما تتقاضاه من دخل شهري بالكاد يكفي لإطعامك وسداد إيجار الغرفة وشراء التبغ واقتناء قطعة ملابس جديدة، حتى الذهاب إلى المقهى تضع له خطة كي لا تتأثر خزينتك (العامرة) به.. أمسك بجهاز التحكم عن بعد وضغط على زر أحمر فأضاءت الشاشة وما هي إلا ثوان معدودات حتى كانت إحدى المطربات الصاعدات تتحدث عن متعة الإخلاص والجد في العمل والمكافحة في سبيل تحقيق الأهدف، تمعن ممدوح في وجه الفنانة فتذكر أنه شاهد لها قبل مدة فيلماً إباحياً كاملاً ثم أكد على كلامها بضرورة (الإخلاص في العمل لتحقيق الأهداف) وهنا سيطرت مشاهد ذلك الفيلم على مخيلته فنسي أمر الأسئلة التي تؤرقه وراح يداعب عضوه متأملاً وجه هذه الفنانة.
كان أمام خيارين.. إما الاتصال بإحدى عاهراته الرخيصات وانتظارها كي تأتي أو اللجوء إلى يده كي ينتهي من الأمر بسرعه.. حسم أمره وأفرغ غله على وجه الفنانة والزمن والأيام ثم سكب في جوفه آخر ما تبقى في الكأس من فودكا وأشعل سيجارة جديدة.
بدأ عواء الريح يزداد قوة وما هي إلا دقائق حتى بدأ المطر بالهطول لكن الكهرباء قطعت.. (أحسن.. قال لنفسه) ثم أشعل شمعة على اعتبار أن إشعال شمعة خير من لعن الظلام.
الوحدة أمر غريب.. مع الأيام يبدأ المرء بإدمانها فيصبح الاختلاط بالآخرين صعباً.. وممدوح كان اختلاطه بالناس مقتصراً على العمل فقط، حتى نومه مع العاهرات بين الحين والآخر لم يكن يعتبره سوى عمل له وظيفة محددة.. هو من الأشخاص الذين لا يستطيعون الحب ربما لخلل جيني.. ذات مرة أرجع الأمر لهشاشة وضعه المادي.. ثم عدل عن الفكرة فملايين الفقراء يحبون ويتزوجون.. ثم استقر على أن الأمر بالنسبة له جيني بحت.. أحد أجداده من زمن الديناصورات ترك له هذه العينة الوراثية فوصلته هو دوناً عن بقية السلالة الموغلة في التاريخ وها هو يجلس في غرفته وحيداً غير قادر على حب امرأة واحدة فقط.
أليست هذه خطوة؟ لكنها خطوة باتجاه ماذا بالضبط؟ سأل نفسه.. وهل عدم القدرة على الحب خطوة أيها الأرعن.. حتى وإن كانت خطوة فهي خطوة للوراء وليس للأمام، ماذا تريدهم أن يطلقوا عليك بإنجازك العظيم هذا.. العازف عن الحب أم العاجز عن الحب أم الكاره للحب.. دعك من هذه الأفكار الساذجة وابحث جدياً عن خطوة تستطيع معها أن تقول (إن طريق الألف ميل يبدأ بخطوة)
تقلب على أريكته ثم قرر أن يدون على ورقة إنجازاً يمكن أن يعتبره خطوة في الاتجاه الصحيح ليركز عليها ويبني على أساسها خطة تغير مجرى حياته نحو الأفضل
بعد أن أحضر الورقة والقلم أشعل سيجارة ثم تمعن في الورقة البيضاء.. كان ضوء الشمعة يعكس ظلالاً للأشياء الموجودة في الغرفة.. غاص في الورقة البيضاء..ما الذي سيسجله عليها كي يعتبره الخطوة الأولى لانطلاقته نحو واقع أفضل... كتب كعنوان (الخطوة الأولى في رحلة الالف ميل).. فكر كثيراً.. كثرة التدخين لم تساعده على التركيز كما توقع.. هنالك حقيقة يحاول منذ زمن بعيد أن يرفض الاعتراف بها لكنها تحاصره يومأً بعد يوم..
أنا رجل بلا موهبة على الإطلاق (صرخ ممدوح بعد أن كانت الساعة قد تجاوزت منتصف هذا الليل الشتائي الكئيب بالنسبة له) لا استطيع أن أغير شيء في هذه الحقيقة وبالتالي لن أستطيع ابتكار خطوة تضعني على طريق الألف ميل.. ولا على المئة ميل حتى.. (تابع لوم نفسه) إنها حقيقة مرعبة لكن لا بد أن تتعامل معها.. والمعجزات كما تعلم (لناس وناس) دعك من الانتظار وحاول أن تتأقلم.
ألقى ممدوح بجسده على الأريكة واستسلم لنوم لم يعرف طعمه من قبل
في اليوم التالي لم يذهب إلى العمل، وفي اليوم الذي تلاه لم يذهب أيضاً.. حاول بعض زملائه الاتصال به لكنه لم يجب
طوال أسبوع كامل لم يذهب ممدوح إلى العمل فتوجه زميلان له في المكتب إلى غرفته ليستفسران عن سر هذا التغيب لكنه لم يستجب لقرعمها العنيف على باب الغرفة.
لم يكونا يعرفان عن ممدوح أي شيء حول أسرته أو علاقاته ولم يعرفا إن كان يستوجب عليهما إبلاغ الشرطة أو الدخول عنوة إلى الغرفة لكن أحدهما حسم المسألة ودفع الباب بكل عزم غير أن الرائحة المنبعثة أخافتهما أكثر من المشهد الفوضوي.
كانت جثة ممدوح ممددة على الاريكة ورائحة نتنة تنبعث منها.. على الطاولة قلم أزرق وورقة بيضاء مكتوب عليها (الخطوة الأولى في رحلة الألف ميل)..

بعض الاشخاص على سطح هذا الكوكب خطوتهم الاولى في رحلة الالف ميل ليست سوى الرحيل.









كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,475,252,304
- الثورة الفرنسية السورية العرعورية
- ألف ليلة وليلة
- امتلاك الحقيقة
- راياتك بالعالي يا سوريا
- لمَ لستم سعداء؟
- طريق النحل
- عَزفٌ مٌنفَرد على أوتَارِ رُوح
- أنا حازم شحادة
- المُقَامِر
- دعوةٌ للاعتذار
- أشبَاح
- شَيءٌ مِنَ البحر
- جلجامش
- المُعَاتِبه
- دكتوراه
- صعود المطر
- مطرُ الشام
- في صلنفة بين الأغنياء
- رِهَانُ الشِّعر
- في بيتِ لميا


المزيد.....




- مهرجان -سباسكايا باشنيا- للموسيقى العسكرية في الساحة الحمراء ...
- بالصور.. سكارليت جوهانسون مازالت الممثلة الأعلى أجرا في العا ...
- هل يكتب عنوان أحدث أفلام -جيمس بوند- كلمة النهاية لأشهر عميل ...
- جمعية جهنم بيروت.. التجوال الثاني للروائي راوي الحاج بالحرب ...
- الأرميتاج الروسي يعرض خدماته لترميم متحف تدمر السوري
- بهذه الأفلام ناصرت السينما الوقوف في وجه العبودية
- بالفيديو... تفاعل نسائي في حفل كاظم الساهر في أبها بالسعودية ...
- الجزائر.. مطالبات بإقالة وزيرة الثقافة على خلفية حادثة حفل س ...
- بداية متواضعة لفيلم -Viy 2-.. شركة روسية تقاضي جاكي شان وشوا ...
- قتلى ومصابون في تدافع بحفل لموسيقى الراب في الجزائر العاصمة ...


المزيد.....

- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي
- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حازم شحادة - الخطوة الأولى في رحلة الألف ميل