أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حازم شحادة - الثورة الفرنسية السورية العرعورية















المزيد.....

الثورة الفرنسية السورية العرعورية


حازم شحادة

الحوار المتمدن-العدد: 4411 - 2014 / 4 / 1 - 09:38
المحور: الادب والفن
    


تجاهل التاريخ وعدم الاطلاع على تفاصيله قد يُعتبر خطأ بحق الفرد، خاصة إن كان هذا الفردُ متعلماً ولديه القدرة على البحث والاستقتصاء في فضاء معلوماتي يتيح للجميع حرية الحصول على المعلومة، لكن هذا التجاهل ذاته يُعتبرُ خطيئة بالنسبة للشعوب ككيانات لها تاريخها وإرثها الحضاري والثقافي، فيكون التجاهل ها هنا بمثابة إحراق السفن بعد الوصول إلى مكان مجهول، والإصرار على المضي في هذا المجهول دون القيام بالحسابات الضرورية والتي لا بد منها عندما يتعلق الأمر بمصير وطنٍ وشعب.

ومعرفة التاريخ لا تكون بالحفظ الساذج للمانشيتات التي درجت وسائل الإعلام القديمة والحديثة على تكرارها بشكل يجعل أي شيء تسلط الضوء عليه يبدو كأيقونة زاهية يكاد المرء يعبدها لشدة نقاء الصورة المقدمة عنها دون الرجوع إلى تفاصيل تلك المرحلة التاريخية وما حدث خلالها أو بعدها بعشر أو عشرين أو مئة سنة، ومدى الاهتزازات الارتدادية التي شكلتها ومدى قوتها وتأثيرها على مجتمع من المجتمعات.

قبلَ أيامِ كتبَ أحد الممثلين السوريين في صفحته عبارة ملفتة هي: (الثورة مغامرة)، مستشهداً بالثورة الفرنسية ومتحدثاً عن هذه الثورة بطريقة فاجأتني شخصياً، فقد بيّنت لي حجم الجهل الكبير الذي يصيبنا من قبلِ أفراد يُعتبرون (للأسف الشديد) من قادة الرأي في المجتمع، كما بينت لي قوة غريزة الانقياد التي يتسم بها عموم البشر غير المستعدين للقراءة والبحث ولو قليلاً عن تفاصيل هذا الحدث أو ذاك، معتمدين اعتماداً كلياً على ما يقوله (ربّهم البشري) إن جاز التعبير (فقد تحول نجوم التلفاز من ممثلين ومطربين وراقصين ومذيعين إلى أرباب بشرية تؤثر في ذهن المتلقي الساذج أكثر مما تؤثر فيه تعاليم الأديان الأرضية).

وما يحدث عند التطرق للثورة الفرنسية من قبل المعتدين على الثقافة والذين يعتبرون أنفسهم (ثواراً) كبعض (الممثلين) يشبه إلى حد كبير عملية فرز تلقائية للأمور التي قامت عليها الثورة الفرنسية، فحين يقوم أحدهم بالترويج لما يحدث الآن على الساحة السورية من خلال المقارنة مع الثورة الفرنسية لا يقدم من تفاصيل تلك الثورة سوى أنها قامت لاعتبارات طبقية (وهي اعتبارات غاية في الأهمية ولا يستطيع أحد أن ينكر ذلك إلا إن كان متخلفاً عقلياً) بالإضافة إلى الاعتبارات السياسية ـ التي لا جدوى منها لأن من يأتون بعد الثورات لا يختلفون كثيراً عمن قبلهم (تشي غيفارا) ـ متجاهلاً عن عمد أو عن جهل باقي الركائز التي قامت عليها تلك الثورة..بل إنهم يعتمون كلياً على ركيزة من أهم الركائز التي قامت عليها الثورة الفرنسية ألا وهي (فصل الدين عن الدولة والقضاء على نفوذ رجال الدين كلاعبين سياسيين في المجتمع وتجريدهم من أملاكهم).

لو كان في مجتمعنا الذي نباهي بعظمته ـ من شدة حرقتنا ـ أناس يفكّون الحرف بشيء من الذكاء لبصقوا في وجه كل مثقف أو ممثل أو مفكر يقارن أو يشبه ما حدث في تونس ومصر وما يحدث في سوريا بثورة فرنسا الكبرى، لو كان في هذه الجموع أناس يقرؤون جيداً لطالبوا بدج هؤلاء المتذاكين في مشافي الأمراض النفسية، فكيف يمكن مقارنة تحرك يتبناه (الجامع) ورجال الدين، ويساق فيه آلاف ممن يؤمنون بأربع زوجات وسبعين حورية في الجنة مع أنهار من الخمر، كيف يمكن مقارنة هذا التحرك بثورة قامت للقضاء على نفوذ رجال الدين والتخلص من أفكار الكتاب المقدس كتشريع في البلاد والاعتماد على القانون الإنساني نظراً لفشل القانون الإلهي المطبق من قبل رجال الدين في حكم الرعية.

والثورة الفرنسية التي استمرت عشر سنوات (1789ـ 1799) لم تأتِ استجابة لترددات أصوات أجراس الكنائس كما حدث في تونس ومصر وما يحدث اليوم في سوريا (من خلال الاستجابة لنداءات التكبير في الجوامع) ولم تأتِ من إرهاصات تفكير رجال الدين بالتحليل والتحريم على هواهم، لكنها جاءت نتيجة منطقية لأفكار رجال عظماء كفولتير وروسو، شخّصوا ما كان يحدث في المجتمع وألّفوا عنه الكثير من الكتب منتقدين التفاوت الطبقي والحكم الملكي الإقطاعي والأرستقراطي، كما كان جان جاك روسو قد وضع عقداً اجتماعياً لتنظيم العلاقة بين الفرد والدولة يعتبر من أعظم العقود الاجتماعية في التاريخ، بالإضافة إلى الحركة الثقافية والاجتماعية ذات التحرر من شتى أنواع القيود (الدينية) وإن جاز لنا التعبير فقد كانت الثورة الفرنسية انتقاماً حقيقياً من رجال الدين وسلطتهم الإلهية المزعومة.

إن أحلام المجتمع المدني التي تساور كل مثقف حر ونبيل هي أحلام يشترك معهم فيها قسم كبير من المجتمع السوري ولكن المعطيات التي نراها أمامنا لا تشير بأي شكل من الأشكال إلى أننا سنرى هذا المجتمع لا في المدى القريب ولا في المدى البعيد لأن العنصر الأساسي الذي بنيت عليه التحركات هو عنصر (الدين) مهما حاول أولئك الحالمون نفي هذا الشيء، ورمزية الخروج من المساجد لنيل (الحرية) يقدم لباقي شرائح المجتمع عنواناً عريضاً لا يحتمل اللبس لماهية الحكم الذي يريده هؤلاء المتظاهرون بعيداً عن مقومات الصراع الطبقي وأسس المجتمع المدني التي لا ترى في الدين سوى علاقة بين الفرد ومعبوده يجب احترامها مع عدم السماح بتصدير مشاكلها إلى المجتمع ككل.

وعلى الرغم من ذلك وجب على من يقارنون ما يحدث بالثورة الفرنسية أن يعلموا أن الثورة الفرنسية لم تأت للمجتمع الفرنسي بالمن والسلوى كما يتوهم الكثيرون، وعلى الرغم من شعارات (الحرية، العدالة ، المساواة) التي رفعتها منذ انطلاقتها إلا أنها جوبهت فيما بعد من قبل عناصر ساهمت إلى حد كبير في هذه الثورة وما أن مضى على قيامها عشر سنوات حتى تم تسليم الحكم في فرنسا باتفاق قيادات الجيش إلى الضابط (نابليون بونابارت) والذي غدا فيما بعد إمبراطوراً على فرنسا أي أن الثورة لم تستطع أن تضع حداً لما يمكن لطموح شخص واحد أن ينجزه.

وهكذا تم القضاء على كثير من إنجازات هذه الثورة على يد أبنائها أنفسهم لأنه لا يمكن الثقة بجشع الإنسان وحبه اللامحدود للسلطة والسيطرة، أما ما تعيشه فرنسا وأوروبا وأمريكا حالياً من ديمقراطية فإن تجلياته لم تأت بناء على (ثورات) بل بناء على حربين عالميتين أكلتا من أبناء أوروبا وأمريكا واليابان أكثر من 60 مليون إنسان، أي ما يعادل في حسابات القرن الحادي والعشرين ما يقارب 200 مليون إنسان أو أكثر وهي ضريبة قاسية لم يختاروها بملء إرادتهم بل فرضها عليهم جبروت السلطة والرغبة في حكم العالم، كما أن مقتل هذا الكم اللامعقول من البشر في غضون ثلاثين عام جعل طبيعة العقل الأوروبي تبتعد تلقائياً عن التفكير بالله كمسير لأمور هذا الكون وباتوا على قناعة أن الله إما وأنه غير موجود، وإما وأنه موجود ولا حول ولا قوة له، فبدأوا العمل وفق هذه الاعتبارات منظمين أنفسهم ضمن نقابات وانتخابات ذات مصداقية نوعاً ما، وحافظوا على كلمة السر في استقرار أي مجتمع من المجتمعات ألا وهي: (الطبقة الوسطى).

ولو أردنا الحديث بإسهاب عن الثورة الفرنسية لأخذنا الحديث إلى متاهات تبدأ ولا تنتهي بدءاً من الدور القذر الذي لعبته إنكلترا في هذه الثورة وليس انتهاء بدور (البنائين الأحرار) وقد تراجع (إيمانويل كانط) العظيم وكان من أكثر المؤيدين لهذه الثورة عن هذا التأييد والدعم بعد أن رصد المسار الذي سلكه فيما بعد أبناء الثورة معتبراً أن الفرق شاسع إلى حد كبير بين الشعارات وتطبيقاتها على أرض الواقع.

يقول (تشي غيفارا) إن كل ثورة تقوم لا بد من التحضير بعدها مباشرة إلى ثورة تقوم عليها فيما بعد وما (كوبا) التي ثار فيها غيفارا وأصدقاؤه إلا دليل حي على حب الإنسان للحكم والقوة والنفوذ مهما كانت الشعارات التي يتبناها وها هو فيديل كاسترو حكم كوبا أكثر من ستين عاماً على الرغم من أنه ثائر حقيقي وكانت شعاراته في يوم من الأيام تلهم عقول الملايين من البشر.

لذا ومهما كانت الشعارات التي يتم رفعها للترويج لما يحدث في سوريا هي شعارات براقة الهدف منها تجنيد الناس حتى تصل طبقة معينة إلى مراكز النفوذ وتبدأ رحلتها ودورها التاريخي في حصد المكاسب والابتعاد التدريجي عن مطالب الناس وهمومهم الحياتية الأساسية التي ارتكب النظام السياسي القائم العديد من الخطايا بابتعاده عنها والسماح للفجوة الاقتصادية أن تأكل من أبناء الطبقة المتوسطة لا لصالح الطبقة الغنية وإنما لصالح الطبقة الفقيرة.

يقول أرسطو: إن الديمقراطية تقضي بوجود طبقات ثلاث في المجتمع لأن القضاء على الفقر أو الثراء ضرب من ضروب الخيال لذا وجب على المجلس النيابي أن يكون بمعظمه من أبناء الطبقة الوسطى وأن تكون هذه الطبقة هي الأكثرية في المجتمع للحد من طمع الغني وجشع الفقير، وهذا ما يجب على أي سلطة في العالم أن تلتزم به لأن العناصر القادرة على رفد المجتمع بالفن والعلم والأدب والأبحاث في 90% من الحالات تكون منتمية لهذه الطبقة التي بكثرتها يكون خير وصالح المجتمع ـ كما يقول أرسطو ـ

وفي هذا المجال أنا أصدق أرسطو أكثر من تصديقي لكل الثائرين في العالمين.. السماوي والأرضي.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,475,280,112
- ألف ليلة وليلة
- امتلاك الحقيقة
- راياتك بالعالي يا سوريا
- لمَ لستم سعداء؟
- طريق النحل
- عَزفٌ مٌنفَرد على أوتَارِ رُوح
- أنا حازم شحادة
- المُقَامِر
- دعوةٌ للاعتذار
- أشبَاح
- شَيءٌ مِنَ البحر
- جلجامش
- المُعَاتِبه
- دكتوراه
- صعود المطر
- مطرُ الشام
- في صلنفة بين الأغنياء
- رِهَانُ الشِّعر
- في بيتِ لميا
- قصيدةُ حُبٍّ لدمشق


المزيد.....




- مهرجان -سباسكايا باشنيا- للموسيقى العسكرية في الساحة الحمراء ...
- بالصور.. سكارليت جوهانسون مازالت الممثلة الأعلى أجرا في العا ...
- هل يكتب عنوان أحدث أفلام -جيمس بوند- كلمة النهاية لأشهر عميل ...
- جمعية جهنم بيروت.. التجوال الثاني للروائي راوي الحاج بالحرب ...
- الأرميتاج الروسي يعرض خدماته لترميم متحف تدمر السوري
- بهذه الأفلام ناصرت السينما الوقوف في وجه العبودية
- بالفيديو... تفاعل نسائي في حفل كاظم الساهر في أبها بالسعودية ...
- الجزائر.. مطالبات بإقالة وزيرة الثقافة على خلفية حادثة حفل س ...
- بداية متواضعة لفيلم -Viy 2-.. شركة روسية تقاضي جاكي شان وشوا ...
- قتلى ومصابون في تدافع بحفل لموسيقى الراب في الجزائر العاصمة ...


المزيد.....

- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي
- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حازم شحادة - الثورة الفرنسية السورية العرعورية