أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سميرة المانع - هل تدلني على بيتي؟















المزيد.....

هل تدلني على بيتي؟


سميرة المانع

الحوار المتمدن-العدد: 4411 - 2014 / 4 / 1 - 03:19
المحور: الادب والفن
    


سميرة المأنع

( بمناسبة محاولة العودة بالمرأة إلى العهود المظلمة )

هل تدلني على بيتي؟



استمرت أمّ نزار بملابس السواد بعد وفاة زوجها . ظلت تتذكره بصمت. يصر اولادها، عندما كبروا، كي تغير اللون، فكانت تعدهم أنها نذرت للقيام بذلك متى ما تخرج نزار ولدها الاكبر من الجامعة حاصلا على الشهادة العلمية وستكون أول المصفقين اللابسين ثوبا بنصف ردن وبلون التفاح الوردي.
مثل كل البيوت في المنطقة الشعبية ببغداد، بعد انتقالهم لها وبيع بيتهم القديم بعد وفاة الوالد ، كانت عادة السكان زيارات الجيران المفاجئة ونادرا ما تُغلق الابواب أو يحكم قفلها بينهم. تعرفتْ، اثناء ذلك، على الجميع ومن ضمنهم شابات متزوجات حديثا. صارت تساعدهن فتخيط ملابس اطفالهن عندما لا يجدن ماكنة خياطة. تعلمهن الطبخ وكيفية صناعة المعجنات في الاعياد، وجودها مصدر تدبير للبيوت المتراصة، وهي مصدر أنس وترحيب للنسوة في مثل سنها كمرجع مرموق في احاديث الجلسات.
اعتادت أن تفرش على الارض حصرانا لأولادها من أجل نوم القيلولة بعد عودتهم للبيت في صيف بغداد الحارق في عز الظهيرة. يجدون مروحة كهربائية سقفية لتبريد المكان كما تفرش لها موضعاً قربهم بسجادة ملونة صغيرة للنوم معا.
لا تخطئ بمراقبة نظافة المكان دوما حتى وهي نصف مغمضة، تنتبه إذا سها احدهم ورمى عود ثقاب على الارض بعد أن يولع سيجارته في تلك الايام. كانت مرمى لتعليقاتهم المرحة وقفشاتهم فيما بينهم، عارفين غامزين كيف ستتصرف الآن، ومتى ستقوم من مكانها لتلتقط عود الثقاب من الارض حفاظا على نظافة المكان.
في تلك السنة ظهر، بفرح، على صدر أم نزار، وقريبا من قلبها، دفتر تحمله اثناء ذهابها باتجاه مركز محو الامية الذي تأسس، مؤخرا، في محلتهم لتعليم النساء اللاتي فاتهن قطار التعليم في القراءة والكتابة.
أثناء ذلك، حصل لعالم النساء بالمحلة الشعبية وعي جديد ودهشة فرحة. اكتشفن أهمية حروف الهجاء . صارت : أ . ب . ت. ث . ج. ح. خ. ...إلخ واضحة للعيان على صفحات دفاترهن. كانت سنة 1961على وشك الانتهاء ورغبة أم نزار في اتمام دراستها بمدرسة محو الامية المسائية قائمة، وبها انتظار. في بعض الاحيان تكتشف أن بامكانها أن تكتب اسمها. تحلم لو تستطيع تكوين جملة مفيدة لتكتب رسالة في المستقبل القريب لاقربائها البعيدين. تعلمت قراءة رقم باص أحمر وحيد يمر قربها، كان رقمه 9اهتمت به كونها لا تعرف قراءة رقم غيره.
كبر اولادها اثناء تلك الفترة. نضجوا، يحاولون مساعدتها في الرزق بعد وفاة والدهم. قاموا باعمال خفيفة في الخارج، هنا وهناك، ريثما يتمون دراستهم عما قريب، باعتقادها، وهي متفائلة. أكبرهم نزار يفكر في الزواج من زميلة له في الجامعة حاصلا على تفوق بنتائج الامتحانات النهائية وقد رشح للبعثة الحكومية، للدراسة في إحدى جامعات لندن المعروفة.


+++++++++++


حين ابتعاده عن بلده للدراسة في بريطانيا، بعدئذ، يتذكر نزار، مرارا جدته وهي تبكي، اثناء ضحكها، قائلة لمن حولها من بين دموعها: " سأموت غريبة " إلا أنه يعرف أنها توفيت ودفنت بمسقط رأسها بالمقبرة نفسها التي دُفنت فيها أمها ووالدها وأخوها واختها والآخرون من ، منهم من كان عزيزا طيبا ، مخيفا، نذلا أو .... أو.. من الساكنين في نفس المدينة.
سمع ، آنذاك أيضا، أن من تضحك تسارع في الدعاء محذرة من حولها : " اللّهم اجعل ضحكنا خيرا" خائفة متوجسة مما سيحصل بعد الفرح هناك.
الآن يعرف أن الظلم والخوف حلقتان قديمتان مترابطتان عندهم. يتصرفون ازاءهما، طيلة الوقت، بالطريقة الملائمة. لم يستعينا بغير الله، فهو الوحيد الموجود ، وهو شيء ثابت، بينما ما يُسمى بـ ( الجندرمة ) هم اتباع الحكومة النائية باسطنبول، وفي حقيقة الامر، لا وجود لها في سنوات عمرها الاخيرة، تقابلهم ( الدكاكة) وهم اتباع بعض الاشخاص المتنفذين المتجبرين بالمدينة، يخاف منهم الجميع ولهم الصولة والجولة. يبعث المتنفذ المعروف بقسوته وطمعه اربعين حراميا يختارهم من عصابات المجرمين السراق ليسطوا على بيوت الملاكين الصغار، من ضمنهم جده، عند انتهاء الموسم أو ما يسمى هناك بـ ( ايام الثمرة) لكون المدينة زراعية، الاراضي خصبة يملكها ملاكون صغار يساعدهم في زراعتها فلاح يدير شؤون الارض ويتفقان، بعد بيع المحصول، كي يعطي صاحب الارض حصته باتفاق وتفاهم الطرفين معا ليعود الفلاح راضيا، بعد ذلك، إلى قريته.
يبدأ الشعور بالقلق، آنذاك، عند اصحاب الملك بعد تسلم المبلغ، وهم في حيرة في كيفية المحافظة عليه خصوصا لانعدام البنوك في تلك الايام، متوقعين أن يرسل المتنفذ اتباعه من ( الدكاكة ) لينتزعه منهم بعد أن يقرعوا الباب عليهم ليلا ،كعادتهم، طالبين استرداده وإلا سيحدث القتل من دون اكتراث بسبب التواطؤ بين سيدهم و( الجندرمة ) الحكومية، كما أن سيدهم يعرف من باع ذلك النهار والكمية وكيف يحصل عليها عن طريق جواسيسه وعيونه المنتشرة في انحاء المدينة.
ينخفض رأس صاحب الملك ، بعد أن يناول كيس النقود لهؤلاء المجرمين، عائدا إلى عياله يائسا ، مهموما، في خيبة دائمة لا أمل في ازالتها، حتى صارت الحسرة حاضرة بين السكان هناك، كثيرا ما اعتادت أمه على القول وفي غفلة : " يا الله يا كريم ، يا أمان الخائفين" أو : " يا فتاح يا رزاق، يا مقسم الارزاق" جمل دعائية رافقتها طيلة وجودها حية.
انبرتْ خولة، زوجة نزار، مستاءة من تكراره هذه القصة، عدة مرات، لشدة تأثره وامتعاضه لما جرى لهم رغم مرور السنين وانهيارالدولة :
- لماذا احتج جدك ، كما سمعت، عند سقوط الدولة العثمانية ،آنذاك ، سنة 1914 في الحرب العالمية الاولى؟!
- قالوا إن العثمانيين مسلمون، يجب صيانة الدين.
- وهل نسي حكمهم ومعاناته؟
- اتفق معك. حقا، شيء لا أفهمه. إنها مهزلة. يكفي أن يذكروا منظره متلوعا اثناء وقوفه على سطح بيتهم في موسم نهاية الثمرة،، كما قيل لنا، مراقبا من ثقوب السياج خوفا من مجيء ( الدكاكة)، متصايحا مناديا جارهم المقابل ( ابو زكي)، وكلاهما مهيئ بندقيته في ثقوب الحائط للاحتياط. بين فترة واخرى يستمع الواحد للآخر ليتأكد ويطمئن على سلامته والفزع مستول عليهما، حتى ينقضي الليل ويبزغ الفجر ليعودا إلى سريرهما منهكين.


++++++++

تأخر نزار وخولة في العودة لوطنهما. انهما ينتظران هدوء الوضع السياسي ليعودا خفافا. وفجأة يحصل انقلاب سياسي مرة أخرى. يسمعون كيف امتلآت الشوارع باشخاص بملابس خاكية ورشاشات وبنادق. خيّم خوف في البيوت القريبة منها. صار القاتل لا يهمه المقتول، الضحايا كثر والاذاعة الرسمية لم تعد تنشد ما يُسمى بالاغاني الوطنية بل انهمكت بالخطابات الرنانة المملؤة بالتهديد والوعيد. سمعا أن أم نزار عادت إلى بيتها آسفة حزينة ،ذات يوم، فقد ازيلت فجأة مدرسة محو الامية ولا دوام فيها اطلاقا. اولادها الباقون اثنان معها بالعراق، خائفين ومتخفين لسبب تجهله، تمنت لو تستطيع أن تقرأ الجريدة التي يقرآنها. جاءت على لسانيهما اسماء سياسيين جدد بعد أن آختفت الحكومة التي فتحت دورات في مدرسة محو الامية وبقيت أم نزار متشبثة بـ أ . ب. ت. ث. ج.....ألخ دون أن تتمكن هي من تكوين جملة مفيدة .

استمر الزوجان بلندن في الدراسة وتعلم اللغة الانكليزية ما داما موجودين ببريطانيا. الاول يجتهد كي يكمل بحثه العلمي كطالب بعثة من أجل الحصول على الدكتوراه في موضوع الهندسة الميكانيكية والثانية تدخل دورات دراسية في مواضيع عدة، مثل: كيف تقوي لغتك الانكليزية، دروس في الطباعة ، علم النفس، كيفية تنظيم الازهار، العناية بالاطفال المعوقين، والموضوع الاخير صار مهما خصوصا بعد الذي يسمعانه عما جرى لابناء وطنهما من حروب ونزاعات عبثية على السلطة في منافسة على الحكم بصراعات دموية من أجل الاستحواذ على النفوذ بالبلاد والعباد . تنتهي بالحاكم المتشبث بالسلطة ببغض اعدائه له بعنف متزايد وتنكيل، مع قسوة الاحقاد . اثناءها بدأ البعض من أفراد الشعب بالتفكير في ترك المكان، مفتشين عن دول اخرى يسمعون . أنها تنظر للبشر احرارا بتساو وعدالة ورحمة من دون تمييز وظلم واستبداد. يعرف الحكام حدوهم القصوى من دون غرور أو تمادٍ . صار الزوجان، نزار وخولة، بلندن يتذكران احيانا باستنكار التأليه للافراد، بترديد اغنية سياسية في مديح الحاكم ، قبل خروجهما من العراق، تُسمع باستمرار من فرقة الانشاد بالاذاعة العراقية الرسمية بتحد وتباه :

عاش الشعب وابن الشعب
عبد الكريم قاسم
أو :
زعيمنا الاوحد عبد الكريم قاسم
علقت خولة:
- بجاهلية العرب، كما قيل ، يعبدون الحجر كاصنام ، والآن يعبدون البشر بدل ذلك.

متذكرة اسم الذي جاء ليحكم العراق بعد قتل العائلة المالكة سنة 1958 ، وانتهى باعدامه نفسه بعد خمس سنوات في نفس البناية وفي احدى الغرف الاذاعية ، مع ظهور جندي يبصق عليه للاهانة في الشاشة التلفزيونية وشلة من اعدائه تحيط به ، وسبق أن كانوا اصدقاءه

صارت العودة القريبة للعراق بعيدة ، بسبب تزايد طمع المتنافسين المتقاتلين على الحكم بصراع شرس يتلوه صراع ثم صراع ، ففكرا بشراء بيت صغير في إحدى ضواحي لندن، إخيرا. قالت خولة يوما:

- أرجو أن تكون عتبة هذا البيت مباركة، ففي اعتقاد البعض، عندنا، أن للبيوت حظوظا لاصحابها وهي مختلفة لساكنيها.
قطب نزار ساخرا:
- واين تموت الناس تُرى! إلا تموت ببيوتها ؟! لم تفعل عتبة هذه الدار شيئا شريرا يُذكر سوى بعض الحوادث الصغيرة.
- أنا أعدد المرات التي اؤذينا فيها منذ أن وطئنا عتبة هذا البيت. لقد اصطدمت سيارتك مرة، كُسرت ذراعي اثناء السقوط من السلم، خسرت المبلغ الذي ضاربت به في الاسهم المالية أخيرا.
- هذه أمور بسيطة مقارنة بما حصل لنا بعد وفاة والدي. ثلاثة اطفال لأمي، عمر أكبرهم تسع سنوات وهو أنا. ليس لها تقاعد من الدولة، لا تعرف القراءة والكتابة، لا تملك شيئا سوى بيتنا الذي نسكن فيه والاثاث الموجود فيه والذي بدأت تبيعه.
- ولكن لديها أهلها حولها . إنها في بلدها.
- وأي أهل ؟! عندها خالتان نطلق عليهما نحن الصغار لقب جدة. كانتا مثلها لا تعرفان القراءة والكتابة لانعدام المدارس للبنات وحرمانهن من الخروج بحرية بالطرق في ذاك الزمان، لا تستطيعان الخروج من بيتهما إلا باتجاه واحد وهوعبور الشارع باتجاه بيتنا المقابل. أتذكر جيدا كيف خرجت واحدة منهما يوما وضاعت في الطريق، ظلت تائهة في الشوارع، لا تستطيع العودة إلى دارها حائرة، سألت من شدة قلقها وجهلها أحد الصبيان العابرين : " يا وليدي، هل تدلني على بيتي ؟ "
أجابها :
- كيف هو ؟
ردت متأكدة :
- فيه شبابيك وباب.
قاطعته خولة :
- وأكيد كانت محجبة؟
- طبعا ، وهل هناك شك بذلك.

++++++++


بعد فترة من الصمت تسلم نزار بلندن رسالة من أخيه بالعراق تقول:

أخي العزيز

اخبرك بمصابنا الاليم بسبب وفاة أمنا الغالية. لقد رفضتْ أن أخبرك بمرضها الاخير الذي الزمها الفراش في الشهور الستة الماضية، خائفة لئلا تفكر في العودة للعراق من أجل رؤيتها.......

+++++++





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,475,244,390
- ما قلت وداعا أبدا
- نساء
- خروج أديب من قرونه الوسطى
- ما يقال عن المرأة في الادب العربي
- الاعتداء
- العيش في سلام
- التواطؤ الثالث بالسياسة
- التواطؤ الثاني بالجنس
- التواطؤ الاول بالفنون
- البحث عن الموجود
- العاقلة جدا
- بداية حملة السرقة
- الخال
- ها....ها...ها
- ألا ابشروا بالاعمال الخلاقة
- ثمة اسرار
- من مفكرة امرأة مغتربة
- أجوبة أسئلة تخطر بالبال
- مَن دفع للمزمرين
- خصائص رواية منفى


المزيد.....




- مهرجان -سباسكايا باشنيا- للموسيقى العسكرية في الساحة الحمراء ...
- بالصور.. سكارليت جوهانسون مازالت الممثلة الأعلى أجرا في العا ...
- هل يكتب عنوان أحدث أفلام -جيمس بوند- كلمة النهاية لأشهر عميل ...
- جمعية جهنم بيروت.. التجوال الثاني للروائي راوي الحاج بالحرب ...
- الأرميتاج الروسي يعرض خدماته لترميم متحف تدمر السوري
- بهذه الأفلام ناصرت السينما الوقوف في وجه العبودية
- بالفيديو... تفاعل نسائي في حفل كاظم الساهر في أبها بالسعودية ...
- الجزائر.. مطالبات بإقالة وزيرة الثقافة على خلفية حادثة حفل س ...
- بداية متواضعة لفيلم -Viy 2-.. شركة روسية تقاضي جاكي شان وشوا ...
- قتلى ومصابون في تدافع بحفل لموسيقى الراب في الجزائر العاصمة ...


المزيد.....

- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي
- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سميرة المانع - هل تدلني على بيتي؟