أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عمار العربي الزمزمي - العروبة و الاسلام بين بين مشروعيّة طرح سؤال الهويّة ومنزلقات الاستقطاب الإيديولوجي















المزيد.....



العروبة و الاسلام بين بين مشروعيّة طرح سؤال الهويّة ومنزلقات الاستقطاب الإيديولوجي


عمار العربي الزمزمي
الحوار المتمدن-العدد: 4409 - 2014 / 3 / 30 - 18:04
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


مقدّمة :
تونس من البلدان التي يطرح فيها سؤال الهويّة من حين لآخر بكثير من الحدّة.وهي لا تشذّ في هذا عن بقيّة بلدان العالم العربي الإسلامي. ولم يطرح هذا السؤال إلاّ في العصر الحديث. وكان منطلق طرحه الشعور بالهزيمة الحضاريّة و الرّغبة في اكتساب مقوّمات القوّة في مواجهة الآخر المتسلّط أي الغرب الاستعماري .
بدأ طرح السؤال منذ إفاقة العرب و المسلمين على التاريخ في أواخر القرن الثامن عشر عند غزو بونابرت لمصر بعد أن فقدوا وعيهم بالذات في سياق كوني طيلة عصور الانحطاط. وأصبح الطرح أكثر إلحاحا بعد حصول الغزو الاستعماري. وظنّ كثيرون بأنّ خروج الاستعمار المباشر من تونس و تجربة التحديث التي رافقت بناء الدّولة الوطنيّة سيضعان حدّا لطرح السؤال لكنّ ذلك لم يحصل بل تعمّقت الهوّة بين مختلف القوى المتواجدة على الساحة سواء كانت في السلطة أو في المعارضة. وكانت الثورة الأخيرة مناسبة حصل فيها توحّد بين أغلبيّة أبناء الشعب و حصل شبه إجماع على أنّ الشعب التونسي عربي مسلم و أنّ العروبة و الإسلام من أهمّ مقوّمات هويّته لكن سرعان ما حصلت عمليّات استقطاب تحوّلت أحيانا إلى صراعات حادّة . و في ظلّ هذا الوضع كثرت الاتهامات المتبادلة بين مختلف التيارات الفكريّة و منها:
- اتّهام العروبيين واليساريين للإسلاميين بمحاولة احتكار التكلّم باسم الإسلام و توظيفه في خدمة أغراضهم السياسيّة.
- اتهام الإسلاميين واليساريين للعروبيين بمحاولة احتكار التكلّم باسم العروبة.
- اتهام العروبيين للإسلاميين و اليساريين بأنهم لا يؤمنون حقا بالعروبة .
- اتهام اليساريين للعروبيين والإسلاميين بأنّهم يتجاهلون الخصوصيات الوطنية للشعب التونسي.
- اتهام الإسلاميين وجزء من العروبيين القريبين منهم لليساريين وجزء آخر من العروبيين (خصوصا البعثيين) واللّيبراليين بالا نبتات بدعوى تبنّيهم للعلمانيّة.
و لعلّ أخطر ما قادت إليه هذه الاتهامات الاستقطاب إسلام/علمانيّة .
و بناء على ما تقدّم يصبح مشروعا طرح التساؤلات التالية :ما هي أهم اللحظات التاريخيّة التي مرّ بها طرح سؤال الهويّة وما هي الأطراف التي طرحته و تطرحه؟ هل الشعب التونسي مهدّد اليوم في هويّته؟ أيّ عروبة و أيّ إسلام أسهما في نحت هويّتنا؟ كيف نتفادى الاستقطاب الإيديولوجي دون تفريط في الهوية؟



* مداخلة ألقيت في ملتقى الطاهر الحدّاد للفكر الإصلاحي المنعقد بالحامة يومي 19 و20 ديسمبر 2012.



I- أهم اللحظات التاريخية التي مرّ بها طرح سؤال الهوية بتونس في العصر الحديث والقوى التي طرحته :
1- قبل دخول الاستعمار:
أصبحت تونس منذ القرن السادس عشر ولاية عثمانية بعد طرد الغزاة الأسبان. وقد عرفت في عهد البايات استقلالا نسبيا عن مركز الإمبراطورية (الباب العالي باسطنبول). ومن مظاهر هذا الاستقلال قيام أحمد باي قبل غيره من الولاة بمخاطبة السلطان العثماني بالعربية بدل التركية في المراسلات الرسمية غير أن النخب التونسية ظلت تعتبر تونس جزءا لا يتجزأ من الأمة الإسلامية التي تتزعمها تركيا.
و قد رفض علماء الزيتونة المذهب الوهابي الضارب بجذوره في فكر ابن تيمية والذي طرح نفسه كمطهّر للشريعة من الضلالات وباعث لها في نقائها الأول وأعتبر ضربا من التشدّد يرتقي إلى مستوى البدعة وبالمقابل تفاعلوا ايجابيا مع الإصلاحات العثمانيّة وانخرطوا في ما يعرف بتيّار النهضة الذي يعّد حركة تحديثيّة تأخذ بعين الاعتبار مقتضيات العصر دون تفريط في ثوابت الهوية الإسلامية. و يكفي أن نذكّر ببعض أعلامه الّذين تجاوزت شهرتهم تونس مثل خير الدين التونسي و ابن أبي الضياف ومحمود قبادو وسالم بوحاجب. لم ير هؤلاء تضاربا بين عديد مكتسبات الحداثة الغربية وروح الشريعة الإسلامية. لقد تجاوز الأمر مجال العلوم والتكنولوجيا إلى مجال السياسة والاجتماع فرأوا بأن المجالس النيابيّة مثلا شكل من أشكال الشورى و دعوا إلى إقامة حكم مقيّد بقوانين يقطع مع الحكم الفردي المطلق. ألا يعّد هذا خطوة مهمّة على طريق إقرار الدّولة المدنيّة التي تقوم على تكريس إرادة المحكومين؟ و كان زعماء الإصلاح يستشعرون خطر الاستعمار فكانت مساعيهم الإصلاحية سباقا ضدّ الساعة لكنهم خسروا في السباق و وقع المحذور.
2- في ظل الاستعمار المباشر:
عاش التونسيون الغزو الاستعماري الفرنسي كهجوم للكفار على أرض الإسلام. و ظّلوا ينتظرون أن يأتيهم العون من الباب العالي بوصفه حامي حمى الإسلام. و عندما اندحرت المقاومة رفض كثيرون ممّن تصدّوا للمستعمر أن يحكمهم كافر فآثروا الهجرة إلى التراب الليبي المجاور. و قد عبّر عن هذا الموقف بوضوح أحد فرسان بنزيد وهو إبراهيم بالسّاسي في قوله :
ننسب يهودي و لا نقول يزيدي و عدو ديني ما نقولّه سيدي.
و منذ مطلع القرن العشرين ظهرت الفكرة الوطنيّة و تكوّنت على أساسها أحزاب سياسيّة ومنظمات كانت لها في الغالب خلفية عربية إسلامية.
أ- حركة الشباب التونسي: مثلت بواكير الوعي الوطني في مطلع القرن العشرين و ضمّت نخبة تلقّت تعليما عصريّا في الصادقّية و كارنوا(1) و أتقنت اللّسان الفرنسي الذي اعتبرته أقدر على التعبير عن مشاغل العصر من اللسان العربي الذي نظرت إليه نظرة دونيّة لذلك نطق كثير من جرائدها بالفرنسيّة(2) كما ضمّت الحركة قلّة من أصحاب الثقافة التقليديّة الذين درّسوا بالزيتونة مثل الشيخ عبد العزيز الثعالبي. ولئن تحدّث الجماعة عن وطن تونسي فإنهم ظلّوا واقفين على أرضيّة إسلامية من خلال اعترافهم بالجامعة الإسلامية. و بعد أحداث الزلاج التحق بعضهم مثل علي باش حانبه بتركيا.

ب- الحزب الحّر الدّستوري التونسي:
تأسّس سنة 1920 بزعامة الشيخ عبد العزيز الثعالبي الذي روّج لفكرة وطن تونسي في كتابه «تونس الشهيدة» لكنّه ظّل يرفع راية العروبة والإسلام و لا يخفي انتماءه إلى الجامعة الإسلامية قبل أن يراجع موقفه من تركيا و دورها في التاريخ العربي إذ أرجع تخلّف العرب إلى تسلّط الأتراك و انحاز إلى العروبة بعد أن هاجر إلى المشرق.(3)
ج- جامعة عموم العملة التونسيّة:
جاء تأسيسها سنة 1924 تعبيرا عن رفض الانتساب للنقابات الفرنسيّة التي كانت تميّز بين العمّال التونسيين و العمّال ذوي الأصول الأوروبيّة و تكريسا للذاتيّة الوطنيّة التونسيّة التي من حقّها أن تستقّل عن فرنسا. و لئن ضمّت الجامعة في لجنتها التنفيذيّة شخصيّات ذات مشارب مختلفة (من شيوعيّين و دستوريّين و مستقلّين ) فإنه من المفيد الوقوف عند شخصيتين من قادتها: محمد علي أبرز مؤسسيها و الطاهر الحدّاد المؤرّخ لنشاطها (4). بدأ الأوّل حياته مؤمنا بالجامعة الإسلامية وفي هذا الإطار شارك في مقاومة الغزو الايطالي لليبيا في صفوف الجيش العثماني ثمّ انتهى وطنيا تونسّيا يعتبر تونس جزءا من فضاء أوسع هو الفضاء العربي الإسلامي وفي هذا الإطار يندرج ذهابه إلى الرّيف المغربي للانضمام إلى المقاومة التي كان عبد الكريم الخطابي يخوضها ضّد الأسبان والفرنسيين. و كانت رؤية محمد علي للعروبة و الإسلام مستنيرة لا تعادي الاشتراكيّة و الأمميّة و قد ربط بين البعدين الوطني و الاجتماعي في العمل النقابي علما و أنّه لم يكن شيوعّيا لما يعتقد البعض و كما يتهمه البعض الآخر .أمّا الثاني – أي الطاهر الحدّاد – فكان وطنّيا تونسّيا هو أيضا إذ كان عضوا بالحزب الدستوري القديم (حزب الثعالبي) قبل أن يكوّن مع محمد علي وآخرين جامعة عموم العملة التونسيّة. وقد أدرج فكره الإصلاحي ضمن سياق عربي إسلامي. وكانت قراءته للنصّ الديني حداثية تأخذ بعين الاعتبار مقاصد الشريعة لا ظاهر النّص. ومن ثمار تلك القراءة ما تضمّنه كتابه «امرأتنا في الشريعة والمجتمع» من دعوة إلى تحرير المرأة المسلمة (5).
د- الحزب الحرّ الدستوري الجديد أي حزب بورقيبة والذين انشقّوا عن حزب الثعالبي سنة 1934. ظلّ الحزب يتحدّث عن شعب تونسي ذي هويّة عربيّة إسلامية وأقام زعماؤه مثل بورقيبة علاقات مع الجامعة العربيّة و انخرطوا في مكتب المغرب العربي المجسّد لوحدة كفاح أقطار المغرب العربي ضدّ الاستعمار الفرنسي لكن هؤلاء الزعماء و خصوصا بورقيبة كانوا يشدّدون على الذاتيّة التونسيّة و على الإسلام الحداثي و يرون في الانفتاح على الغرب الذي يربطنا به حسب رأيهم التاريخ و الجغرافيا شرطا أساسيا لتحقيق التقدّم .
هـ- الحزب الشيوعي التونسي:
تأسس منذ سنة 1921 وكان في البداية عبارة عن فرع للحزب الشيوعي الفرنسي. و كان طرحه لمسألة الهويّة هلاميا و لعلّ ذلك يعود إلى حدّ كبير إلى أصول النخب المكوّنة له فأغلبهم كانوا من أصول أوربية. و كانت مواقف الحزب من مسألة الاستقلال متذبذبة إذ تبنّى في العشرينات حقّ الشعب التونسي في تقرير مصيره انسجاما مع مواقف الأمميّة الثالثة في تلك المرحلة وساند تكوين جامعة عموم العملة التونسيّة كنقابة وطنيّة مستقّلة عن النقابات الفرنسيّة لكنّه تبنّى لاحقا فكرة الاتحاد الفرنسي في ظلّ حكومة الوحدة الشعبيّة بفرنسا التي كان الحزب الشيوعي الفرنسي مشاركا فيها . وحتى عندما حصل تعريب الحزب (خصوصا بعد الحرب العالميّة الثانية ) تمّ رفض الكفاح المسلّح كوسيلة لتحقيق مطلب الشعب في الاستقلال . وقد اعتبر الحزب الشيوعي الجامعة العربيّة إحدى ثمرات سياسة الاستعمار البريطاني كما رفض الاعتراف بلجنة تحرير المغرب العربي التي كان يرأسها عبد الكريم الخطابي و كان بورقيبة أمينا عاما لها .
و- الاتحاد العام التونسي للشغل:
يعّد الاتحاد الوريث الشرعي لجامعة عموم العملة التونسيّة من حيث هو منظمة نقابيّة وطنيّة مستقلّة عن النقابات الفرنسيّة. و قد أدرك زعيمه فرحات حشّاد مثل محمد علي الحامّي الترابط بين البعدين الاجتماعي و الوطني في العمل النقابي لذلك كان التنسيق كبيرا مع الحزب الدستوري بل إن الاتحاد اضطلع بقيادة الحركة الوطنيّة لمّا تعرّض قادة الحزب للإيقاف و السجن و النفي. ولئن آمن الاتحاد بوجود وطن تونسي فان مرجعيته كانت العروبة و الإسلام. ولا ننسى أنّ شيوخ الزيتونة المستنيرين واكبوا نشاط الاتحاد بل إن الشيخ الفاضل بن عاشورتولّى رئاسته الشرفيّة. كما حرص الاتحاد على توثيق صلته بالنقابات المغربيّة إيمانا منه بوحدة الكفاح ضدّ الاستعمار الفرنسي . و كان الاتحاد مؤمنا بوحدة المغرب العربي.
3- في ظلّ دولة الاستقلال:
أ- دوائر السلطة:
* في عهد بورقيبة:
طرح سؤال الهويّة بمناسبة مناقشة دستور سنة 1959 وتحديدا الفصل الأوّل منه. وبعد أخذ وردّ تمّ التوافق على الصيغة التالية: «تونس دولة حرّة مستقلّة ذات سيادة الإسلام دينها والعربيّة لغتها والجمهوريّة نظامها»(6)
و جاء بديباجة الدستور: «إن الشعب [...] مصمّم [...] على تعلقّه بتعاليم الإسلام وبوحدة المغرب الكبير وبانتمائه للأسرة العربيّة» (7) وواضح أن الصياغة غير دقيقة فالمغرب الكبير ليس عربّيا والأسرة العربيّة لا ترتقي إلى مستوى القوميّة. ولم يثر انضمام تونس إلى الجامعة العربيّة جدلا وكذلك الانخراط في مشروع وحدة المغرب العربي الكبير. وقد أقدم بورقيبة سنة 1974 على الدخول في وحدة مع ليبيا ولو أن العمليّة سرعان ما أجهضت.
لكنّ الإقرار بأن الشعب التونسي عربي مسلم لا يجب أن ينسينا الإقدام على خيارات مناقضة له منها:
- التشديد في الخطاب الرّسمي (سواء في الإعلام أو الثقافة أو التعليم) على الخصوصيّة التونسيّة أو «التونسية» إلى حدّ الحديث عن أمّة تونسيّة عمل على صياغة مرتكزاتها النظريّة مثقفون مثل:
. محمد حسين فنطر المؤرخ الرّسمي الذي ضخّم التاريخ القديم ورموزها البربري منها والقرطاجنّي والروماني.
. البشير بن سلامة الذي كان وزيرا للثقافة. و قد دافع عن أمّة تونسيّة بدأت تتكوّن منذ فجر التاريخ (8)
. توفيق البشروش المؤرخ الذي دافع عن تكوّن أمّة تونسيّة نتيجة تصدّع الإمبراطورية العثمانيّة واستقلال تونس التي كانت ولاية تابعة لها (9).
ولاعجب في مثل هذه الأجواء أن يشيع استعمال «مجلس الأمّة» في الحديث عن مجلس النوّاب وأن تستبدل كلمة وطنيّة بقوميّة في الحديث عن المؤسسات والإدارات (مثل وزارة التربية القوميّة و الشركة القوميّة للنقل...).
- توثيق العلاقات وتكثيف المبادلات مع البلدان الغربيّة وإبقاء العلاقات والمبادلات مع الأقطار العربيّة – بما فيها المغاربيّة– في حدود ضيّقة
- التحمّس للفرنكفونيّة وعدم الإقدام على تعريب التعليم و الإدارة إلا في حدود ضيّقة وهذا ما خلق ازدواجيّة لغويّة و ثقافيّة من مظاهرها الصارخة البّث المباشر لبرامج القناة الفرنسيّة الثانية (Antenne 2).
* في عهد بن علي:
لئن جاء ارتقاء بن علي من مدير للأمن إلى وزير للداخليّة فوزير أوّل قبل أن يقوم بانقلاب 7نوفمبر87 في سياق تشدّد نظام بورقيبة مع الاتجاه الإسلامي فانّ بداية عهده ستشهد ما اعتبره ساعتها كثيرون ردّ اعتبار للدّين الإسلامي وتصحيحا للنظرة إلى الهويّة العربيّة الإسلامية فقد تضمّن الميثاق الوطني الصادر في ستة 1988 فصلا يتعلّق بالهويّة مّما جاء فيه: «إن هويّة شعبنا عربيّة إسلامية» [...] لذلك تمسكّت تونس بعروبتها وإسلامها باعتبارها جزءا من الوطن العربي ومن الأمّة الإسلامية [...] إن المجموعة الوطنيّة مدعوّة لدعم اللّغة العربيّة حتّى تكون لغة التعامل و الإدارة والتعليم »(10).
وتمّ بالفعل تعزيز الميثاق الوطني بقوانين ومناشير منها ما يتعلّق بالاستعمال الإلزامي للغة العربيّة في القوانين والقرارات والمناشير وتحجير استعمال اللغات الأجنبيّة في المناشير الموجّهة إلى المواطنين (11).
لكنّ هذه النصوص –على أهميّتها– لم تغيّر الواقع القائم المتميّز بالازدواجيّة اللّغوية والثقافيّة والاحتفاء بالفرنكفونيّة. أكثر من ذلك حصلت في عهد بن علي اختراقات صهيونيّة بالغة الخطورة مثل اغتيال أبو جهاد من قبل كومندوس إسرائيلي تسرّب عبر البحر إضافة إلى أشكال تطبيع أبرزها و أكثرها دلالة فتح مكتب تنسيق مع الكيان الصهيوني زعمت السلطة أنّه يستجيب لرغبة الفلسطينيين و زيارات مسؤولين إسرائيليين بعضها معلن و بعضها الآخر في الخفاء.
ب- المعارضة:
- الحركة اليوسفيّة:
لم يكن صالح بن يوسف مختلفا عن بورقيبة من حيث التكوين و المواقف حتّى حصول الخلاف بينهما سنة 1955 . و قد جعله تأثره بحركة عدم الانحياز و بالثورة المصريّة و قائدها جمال عبد الناصر يجذّر موقفه من العروبة كما جعله رفضه لبروتوكول جوان 1955 القاضي بمنح تونس استقلالا داخليّا فحسب يعزّز علاقاته بحركات التحرّر في المغرب العربي (وبالأساس في الجزائر) وينادي بمواصلة الكفاح المسلّح حتّى تحرير المنطقة بأكملها وقد استعان في صراعه ضدّ بورقيبة بمؤسسّة الزيتونة وخصوصا الشّق المحافظ منها فبدا مدافعا أكثر من سواه عن العروبة والإسلام.
- الحزب الشيوعي التونسي:(12)
سرعان ما وقع منعه من النشاط (تحديدا بعد محاولة الانقلاب الفاشلة سنة 1962 ) وظلّ سنوات طويلة قطريّ النزعة يرى بأنّ تونس أمّة ذات أصول متعدّدة لا تمثّل العروبة إلا أحد مكوّناتها التي تراكمت على امتداد تاريخها الطويل. أمّا القوميّة العربيّة فيعتبرها نزعة شوفينيّة. غير أن موقفه تغيّر تدريجيّا لينتهي في مؤتمره التاسع إلى الإقرار بوجود أمّة عربيّة مع التشديد على الخصوصيّات الوطنيّة للشعب التونسي. «تونس بخصوصياتها وتاريخها والعلاقات التي نسجها التاريخ القديم والمعاصر ومصالحها المصيريّة جزء لا يتجزأ من المغرب العربي والوطن العربي... وانّ الطموح إلى الوحدة يستمّد قوّته وشرعيته ودوامه من المكوّنات والركائز الموضوعيّة والذاتيّة للقوميّة العربيّة في معناها الواسع... إلا أنّ الانتماء إلى الأمّة العربيّة لا يلغي الفروق والخاصيّات الوطنيّة التونسيّة والجزائريّة والمصريّة والفلسطينيّة وهي واقع ملموس لا يجوز طمسه وتندرج في إطار الوطن العربي الشامل والقوميّة العربيّة التي فيها الوحدة وفيها التعدّد في آن واحد»(13).
- أقصى اليسار:
أغلب فصائله توالدت عن تجمّع الدراسات والعمل الاشتراكي التونسي الذّي عرف بنشريّته آفاق/ برسبكتيف (14). وقد اختلفت مواقفه من الهويّة بحسب المراحل التي مرّ بها:
• من 1963(سنة تكوّنه) حتّى سنة 1967 (سنة تبنّيه للماركسيّة اللينينيّة): كان بحكم وجود قوميّين في صفوفه يؤمن بوجود أمّة عربيّة ويربط بين الاشتراكيّة و الوحدة العربيّة.
• من 1967 إلى 1973: تمّ التشديد على وجود أمّة تونسيّة لها لغتها القوميّة وهي العاميّة التونسيّة.
• ابتداء من 1974 تمّ الإقرار بوجود أمّة عربيّة مجزّأة تسعى إلى التوحّد.
ولعلّ أهمّ ما يستحقّ أن نتوقّف عنده هو الكيفيّة التي تمّ بها النظر إلى العروبة و الإسلام في المرحلة الوسطى وذلك لما أثارته من جدل. فقد أعتبر الشعب التونسي أمّة لها خصائصها المميّزة التي تكوّنت على امتداد عصور طويلة و ما العنصر العربي إلا واحد من جملة عناصر أخرى. أمّا العربيّة الفصحى فقد اعتبرت لغة الأرستقراطيّة أو الإقطاع في حين أعتبرت العاميّة لغة العمّال و الشعب. وأعتبر الدين الإسلامي جهازا ايديولوجيّا بيد السلطات الرجعيّة التي توظّفه في تبرير استغلالها للشعب.
وتبدو هذه النظرة للغة وللدّين ومن ورائهما للمسألة القوميّة استنساخا فجّا لوضع أوربّا في عصر النهضة حيث كانت اللاّتينيّة لغة الكهنوت العارف وحده بالكتب المقدّسة في حين كان عامّة الناس يتكلّمون اللهجات التي تحوّلت إلى لغات قوميّة (الفرنسيّة والايطاليّة و البرتغاليّة). وكانت الكنيسة برجال دينها الذين يمثّلون فئة اجتماعيّة عبارة عن مؤسسة متحالفة مع النبلاء الإقطاعيين وتشرّع الحكم المطلق الحامي لمصالحهم. وهذه مقارنة لا تستقيم. فإذا أخذنا اللّغة نلاحظ أنّ العربيّة هي اللغة الأصليّة للقرآن خلافا للاتينية التي ترجمت إليها الأناجيل عن العبريّة و السريّانيّة كما أنّ التباعد بين العربيّة الفصحى و لهجاتها أقّل من التباعد بين اللاتينيّة وما تفرّع عنها من لغات. أضف إلى ذلك أنّ الثقافة المكتوبة بالعربيّة الفصحى مازالت حيّة متداولة من قبل عامّة الناس (على الأقلّ المتعلّمين منهم) خلافا للثقافة اللاتينيّة التي تحوّلت إلى ارث محنّط في متناول أهل الاختصاص وحدهم. و إذا أخذنا الدّين نلاحظ أنّ الذين يسمّون عند المسلمين علماء دين لا يمثّلون فئة اجتماعيّة مثل كليريكوس الكنيسة في الفضاء الحضاري المسيحي و قد تحوّلوا إلى موظّفين خصوصا في الدول التي تمّ فيها حلّ الأوقاف مثل تونس. ثمّ إن الدولة التي قامت على العروبة والإسلام هيّأت الظروف لقيام حضارة ازدهرت فيها الثقافة والعلوم و مثّلت حلقة وصل بين الإرث البشري القديم و العصور الحديثة . و لئن تعرّض بعض العلماء و المثقّفين في فترات التعصّب والكبت إلى المضايقات وقتل بعضهم بتهمة الهرطقة أو الزندقة فان الأمور لم تصل إلى ما وصلت إليه في أوربّا في القرون الوسطى حيث انتشرت محاكم التفتيش على نطاق واسع. يضاف إلى هذا أّن الدّين الإسلامي مثّل في تونس وفي سائر البلدان العربيّة والإسلامية إحدى وسائل الحفاظ على الهويّة في مواجهة المحاولات التي قام بها المستعمر لطمسها والقضاء عليها.
- التيار القومي العروبي:
أهّم تفريعات هذا التيّار لها امتدادها في تونس. ودون الدخول في التفاصيل يمكن إجمالها في تيارين كبيرين: التيّار البعثي والتيّار الناصري الذي تفرّع إلى عصمتيين ولجان ثوريّة ويضاف إلى هذين التيّارين الماركسيّون العرب الذين يمثّلون تيّارا أقليّا. و لئن أجمع القوميّون على العروبة فقد انقسموا حول الإسلام ودوره في الحياة السياسيّة. فالبعثيّون كانوا حتّى وقت قريب متأثّرين بالعلمانيّة واللآئيكيّة اللتين تفصلان بين الدّين والسياسة ولعّل ذلك يعود إلى أمرين اثنين أوّلا منظرو البعث الأوائل مثل ميشيل عفلق من أصول مسيحيّة وثانيا في سوريا والعراق والمشرق العربي عموما حيث ظهر البعث يوجد تنوّع طائفي. ويمكن الإشارة إلى أنّ البعث العراقي قد قام «بأسلمة» نفسه في أواخر حكم صدّام حسين. أمّا الناصريون فيربطون العروبة بالإسلام ولا يجب أن ينسينا هذه الحقيقة العداء التاريخي بين الناصريين والإخوان المسلمين. ومهما أختلف القوميّون في ترتيب المهام المطروحة للانجاز(وحدة، اشتراكيّة، ديمقراطيّة) فإنهم متفقون على أنّ الأمّة العربيّة كلّ متجانس من المحيط إلى الخليج. وهذا يثير إشكاليات قد لا يعيرها كثيرون كبير اهتمام. أوّلا: غضّ النظر عن الخصوصيّات التي صنعها التاريخ في ظّل واقع التجزئة والقطريّة وهذا قد يفضي إلى نتائج بالغة الخطورة في بعض الحالات. لنأخذ مثلا قضيّة فلسطين . فلطالما سعى الكيان الصهيوني إلى تغييب الذاتيّة الفلسطينيّة واقتراح الحلول التصفويّة كالوطن البديل (في إطار الأردن مثلا) أو توطين الفلسطينيين في أراضي اللّجوء. والغاية هي تقديم الصراع بين الكيان الصهيوني والعرب على أنّه مجرّد صراع على الحدود بين دولة إسرائيل والدول العربيّة المجاورة لفلسطين المحتلّة. وقد قضى الفلسطينيّون عشرات السنوات لفرض حقّهم الثابت في إقامة دولتهم الوطنيّة على أرضهم وعودة اللاجئين إليها. واعتبار قضيّة فلسطين قضيّة قوميّة لا يتنافى والحفاظ على الذاتيّة الفلسطينيّة في ظلّ واقع مازال يتّسم بالقطريّة والتجزئة. ثانيا: عدم الاعتراف بالأقلّيات القوميّة والاثنيّة وربّما الطائفيّة التي تتواجد هنا وهناك في الرقعة التي تتواجد عليها الأمّة العربيّة. فقد تستغلّ القوى الأجنبيّة شعور هذه الأقليات بالغبن لتتدخّل في شؤوننا الدّاخليّة مثلما حصل بالنسبة للأكراد في العراق والأفارقة في جنوب السودان. ثالثا: قد يقع البعض في الولاء للخارج و يصبح مجرّد امتداد لهذا الحزب أو ذاك أو لهذه السلطة أو تلك باسم الروابط القوميّة.

- التيّار الإسلامي:
كانت حركة النهضة التي انبثقت عن الاتجاه الإسلامي حتى وقت قريب أهمّ ممثّل للإسلام السياسي. ويوجد إلى جانبها حزب التحرير الذي لم يكن بارزا على الساحة والإسلاميون التقدميّون (15) الذين يمثّلون تيّارا أقلّيا نخبويّا أقرب إلى التيّار الفكري منه إلى التيّار السياسي. أمّا في السنوات الأخيرة فظهرت مجموعات عديدة تنعت بالسلفيّة والجهاديّة.
ودون الخوض في ما يسمّيه خصوم النهضة ازدواجيّة الخطاب سيتمّ الاقتصار على تتبّع التطوّرات الحاصلة في مواقف أهمّ فصيل من مرحلة إلى أخرى:
• من أواخر الستينات حتى أواخر السبعينات ظلّت الحركة دعويّة و كانت مرجعيّتها الفكريّة مزيجا من الفكر الوهابي والفكر الاخواني (مجسّدا بالخصوص في حسن البنا مؤسس الجماعة بمصر وسيّد قطب المنظّر لجاهليّة القرن العشرين) (16) و مفكرين إسلاميين غير عرب مثل أبي الأعلى المودودي. وكانت الحركة ترى في مظاهر الحداثة كالديمقراطي والعمل السياسي الحزبي و النقابات بدعا. و لعّل هذا ما جعلها تقف ضدّ حركة فيفري 72 بالجامعة وضدّ الإضراب العام الذّي شنّه الاتحاد العام التونسي للشغل يوم 26 جانفي 1978 للدفاع عن نفسه لمواجهة هجمة السلطة (17) كما دعت إلى إحياء مؤسسة الخلافة كبديل للدول الوطنيّة والقوميّة إذ كانت ترى في العروبة عصبيّة ضيّقة منافية لما دعا إليه الإسلام من تجاوز لكّل العصبيّات. لقد نشأت الحركة في قطيعة مع المدرسة الدينيّة التونسيّة التي هي نتاج الفكر الإصلاحي وحركة التنوير لأنّها كانت تعتبرها تجسيدا للإسلام الرّسمي.
ولم تدخل الحركة في هذه المرحلة في صراع مع السلطة بل دخلت في مواجهة بالأساس مع اليسار الذي تعتبره كافرا و بدرجة أقلّ مع القوميين الذين تعتبرهم امتدادا لنظم عاشت صراعا دمويّا مع الإخوان المسلمين كالنظام الناصري.
• من أواخر السبعينات حتى أواخر الثمانينات (نهاية حكم بورقيبة في 7 نوفمبر 1987) مثّلت الثورة الإيرانية منعرجا في تاريخ الحركة حيث انتقلت من المرحلة الدعويّة إلى مرحلة العمل السياسي الرّامي إلى الوصول إلى السلطة. وقد سعت الحركة إلى اكتساح المساجد كفضاءات للدعاية والانتشار في غياب حريّة العمل الحزبي فحصل التصادم مع السلطة التي لا تقبل أن ينازعها طرف آخرا احتكار الفضاء الدّيني أو حتى اقتسامه معها.
• في ظلّ حكم بن علي:
تغيّرت نظرة الحركة إلى بن علي الضالع في قمع الاتجاه الإسلامي يوم كان منفذا لسياسة بورقيبة بعد إطلاق سراح مساجينها و صياغة ميثاق وطني أمضت عليه كلّ القوى باستثناء حزب العمّال الشيوعي التونسي. غير أنّ الوفاق لم يدم طويلا فحصل التصادم من جديد وعملت السلطة على اجتثاث الحركة و تجفيف منابعها. وقد جعلها ذلك تتقارب مع قوى المعارضة غير الرسميّة وتكوّن معها جبهة 18 أكتوبر المنادية بإقرار الحريّات العامّة ورافق ذلك الإقدام على مراجعات تمّ بمقتضاها التأكيد على مدنيّة الدّولة والتداول السلمي على السلطة والاعتراف بالبعدين الوطني والقومي لتونس.
وكثيرون يتساءلون اليوم: أكان مبعث الصراع بين سلطة بورقيبة و بن علي من جهة وحركة النهضة من جهة أخرى معاداة السلطة للإسلام ودفاع الحركة عنه أم أمور سياسيّة؟ صحيح أنّ بورقيبة أغلق الجامعة الزيتونيّة وحلّ الأحباس (الأوقاف) وألغى المحاكم الشرعيّة وأصدر مجلّة الأحوال الشخصيّة التي تمنع تعدّد الزوجات. و صحيح أنّ بورقيبة اتخذ أحيانا مواقف تصدم عامّة المسلمين مثل المجاهرة بالإفطار في رمضان والتحريض عليه وفرضه في بعض الأوساط (مثل التلاميذ المقيمين في المبيتات) بدعوى أنّ البلاد تخوض معركة البناء الذي يعدّ جهادا أكبر يصبح معه الكفاح التحريري جهادا أصغر. صحيح أيضا أنّ بورقيبة استخفّ جهارا ببعض ما ورد بالقرآن من تصوّرات لا تتماشى و المنطق العلمي مثل ولادة مريم العذراء للمسيح دون أن يمسّها ذكر وعصا موسى التي شقّت البحر. وأهل الكهف الذين بعثوا من جديد بعد أن رقدوا مئات السنين. لكن وبغضّ النظر عن قناعاته الشخصيّة لا يمكن اعتباره كرجل دولة معاديا للدّين. فانبهاره بالغرب لم يجعله يدير ظهره تماما للدّين مثلما فعل كمال أتاترك الذي كان معجبا به والذي قال عن الإسلام ما معناه :«ديانة غير أخلاقيّة لبدوّي عديم الأخلاق». و لم يفعل كما فعلت نظم أخرى منعت ممارسة الشعائر الدينيّة أو على الأقّل ضيّقت الخناق على ممارستها بمنع بناء دور العبادة و إغلاق الموجود منها بالجملة وحذف مادّة التربية الدينيّة من برامجها التعليميّة. لقد أقّر نظام بورقيبة بأن الإسلام هو الدّين الرسمي للدولة وجعل القيام على شعائره من مشمولات إدارة عموميّة ولم يمنع بناء المساجد وإدراج التربية الإسلامية في برامج التعليم العمومي والخاص. أمّا بن علي فلم يجاهر بمواقف صادمة مثل بورقيبة وفي عهده أقرّت ديباجة الميثاق الوطني بشكل لابس فيه بأنّ هويّة تونس عربيّة إسلامية وتمّ بعث إذاعة الزيتونة للقرآن الكريم لكن نظام بن علي واصل ما بدأه بورقيبة من منع لارتداء الحجاب و مراقبة روّاد المساجد ومع ذلك لم يمكّن إرجاع التصادم بين نظامي بورقيبة و بن علي مع حركة النهضة إلى معاداة الطرف الأوّل للدّين و دفاع الطرف الثاني عنه بل إلى صراع سياسي حّاد بين سلطة تريد احتكار الفضاء الديني و توظيفه في خدمة مصالحها و حركة سيّاسيّة ذات مرجعيّة دينيّة تنازعها هذا الاحتكار. و من الأدلّة على صحّة هذا الطرح أنّ جموع الشعب التونسي التي انتفضت أكثر من مرّة ضدّ نظامي بورقيبة و بن علي رفعت شعارات سياسيّة و اجتماعيّة و لم ترفع شعارات دينيّة. فالشعارات التي رفعت في جانفي 1978 وفي إحداث الخبز في أواخر 1983 وأوائل 1984 وفي أحداث الحوض المنجمي في 2008 لم تخرج عن الشعار المركزي الذي باورته الحركة الطلابيّة منذ فيفري 1972 «خبز و حريّة و كرامة وطنيّة» وهو الشعار المركزي الذي تبنّته الثورة الحاليّة مع تحوير طفيف :«شغل، حريّة، كرامة وطنيّة».
II- العروبة و الإسلام كمقوّمين من مقوّمات الهويّة:
1- العروبة و الإسلام بصفة عامّة :
أ- العروبة:
ليست العروبة مفهوما عرقّيا و إنما هي مفهوم ثقافي. فالعرب الذين يعيشون اليوم خارج شبه الجزيرة العربيّة و المناطق المتاخمة لها -الموطن الأصلي للعرب - ليسوا جميعا من سلالة الفاتحين الذين انتشروا في الأمصار و لا هم منحدرون بالضرورة من الذين شاركوا في الهجرات الجماعيّة كقبائل بني هلال وسليم ورياح التي حلّت بمنطقة المغرب بل إن كثيرا منهم مستعربون. وقد أفضى هذا الحراك السكّاني وما أدّى إليه من انصهار لعناصر مختلفة إلى تكوّن أمّة عربيّة تجمع بين أبنائها خصائص مشتركة. فالعرب يعيشون على رقعة أرض متّصلة و لهم سمات نفسيّة مشتركة تنبع من التاريخ و اللغة و الثقافة المشتركة. و قد يقول البعض بأن العرب لا تربط بينهم حياة اقتصاديّة مشتركة و بالتالي فهم في أفضل الحالات «أمّة غير مكتملة التكوين» أو «أمّة في طريق التكوّن». إن هذا التصوّر القاصر للمسألة القوميّة ناتج عن قراءة ميكانيكيّة لنصوص لينين و ستالين في الموضوع. ولا بأس من وقفة قصيرة عند المسألة من زاوية نظريّة. لقد طرحت المسألة في أوربّا في القرن التاسع عشر نتيجة رغبة البورجوازيّة في الاستئثار بسوق محلّية داخل حدود دولة قوميّة لكن الوضعيّات التي وجدت فيها نفسها كانت مختلفة. فثمّة وضعيّة تتميّز بوجود دولة متعدّدة القوميّات تسيطر عليها قوميّة غالبة على البقيّة مثل الإمبراطورية الروسيّة في العهد القيصري أو إمبراطورية النمسا والمجر قبل الحرب العالميّة الأولى. وفي هذه الحالة فانّ المطلوب هو الإقرار بحقّ الشعوب الخاضعة للسلطة المركزيّة لهذه الدولة في تقرير مصيرها بما في ذلك الانفصال على أساس قومي. و ثمّة وضعيّة تتميّز بوجود قوميّة مقسّمة بين دول مختلفة وفي هذه الحالة يحقّ لهذه القوميّة أن تكوّن دولتها الموحدّة بعد انفصال أقلياتها عن الدول التي كانت تخضع لسلطتها. و ثمّة وضعيّة تتميّز بوجود أقطار أو أقاليم أو مقاطعات منفصلة تقوم بينها حواجز تحول دون توحيد سوقها. و في هذه الحالة فانّ المطلوب هو توحّدها في شكل كنفدرالي أو فدرالي أو اندماجي وذلك حسب الظروف ورغبة مواطني مختلف المكوّنات. وهذه الوضعيّة الأخيرة هي التي تنطبق على الحالة العربيّة. و نذكّر الذين يعتبرون الحياة الاقتصاديّة المشتركة شرطا ضروريّا لوجود الأمّة أنّ هذه الحياة الاقتصاديّة المشتركة قد تكون نتيجة للتوحيد و إزالة الحواجز بين الأقاليم والمقاطعات مثلما حصل في ألمانيا و ايطاليا على سبيل المثال. و لنأخذ ألمانيا التي قسمّت بعد الحرب العالميّة الثانية وفقد شطراها الحياة الاقتصاديّة المشتركة. هل كفّت عن أن تكون قوميّة واحدة ؟؟ و قس عليها كوريا و الصّين الخ.....
لكنّ الإقرار بوجود أمّة عربيّة واحدة و شعور قومي يعكس التطلّع إلى الوحدة لا يجب أن يخفي وجود خصوصيّات صنعها التاريخ. و ليكن واضحا بأنّ الحديث عن الخصوصيّات لا يعني محاولة نسف الإقرار الأوّل والبحث عن ذرائع للتخلّي عن مطلب الوحدة. فما يعيق التوحيد ليس هذه الخصوصيّات التي فيها إثراء للكيان القومي الواحد المتنوّع الأجزاء وإنما هو وجود قوى محلّية مرتبطة بهذه القوّة الخارجيّة أو تلك التي لا يخدم التوحيد مصالحها و قوى إقليمية ودوليّة لها مصلحة في الإبقاء على الدول القطريّة و التجزئة . أليس لأقاليم ومقاطعات ألمانيا وايطاليا الموحّدتين خصوصيّات ؟ فما المانع من أن تكون للأقطار العربيّة التي ستتحوّل في ظلّ دولة الوحدة إلى مقاطعات أو أقاليم خصوصياتها؟
ولا يجب أن يخفي عنا واقع تونس واقع بقيّة الأقطار العربيّة الذي هو أكثر تعقيدا. فتونس تتميّز بتجانس قلّ أن يوجد مثله. فقد تعرّب سكّانها بشكل يكاد يكون تامّا (إذ لم يبق من المتمسّكين بأصولهم الأمازيغيّة إلا نسبة صغيرة جدّا) والأغلبيّة الساحقة من التونسيين تدين بالإسلام وداخل المسلمين لا نكاد نجد غير السنّة. فالتشيّع ظاهرة جديدة مرتبطة بما أحدثته الثورة الإيرانية من أثر ثمّ بحزب اللّه اللبناني الذي جسّد في وقت من الأوقات أكثر من غيره خطّا مقاوما. وداخل السنّة المذهب السائد هو المالكي. أمّا في الأقطار العربيّة الأخرى فنجد تنوّعا اثنيّا وقوميّا ودينيّا ومذهبيّا.
• في منطقة المغرب تختلف نسبة الأمازيغ الذين لا يعتبرون أنفسهم عربا من قطر إلى آخر. و لن يحلّ المشكل القول بأنّ الأمازيغ أو البربر كما يسمّيهم البعض ينحدرون من أصول عربيّة (18). قد يكون العرب والبربر منحدرين من أصول واحدة لكنّ المجموعتين تطوّرتا بشكل أفضى إلى تباين واضح في الخصائص العامّة و في مقدّمتها اللّغة. و معرفة الأمازيغ للعربيّة لا يخوّل للعرب فرضها عليهم كلغة أمّ أي كلغة قوميّة.
• في الجنوب (منطقة التماس مع إفريقيا السوداء ) نجد أقليّات اثنيّة ذات أصول افريقيّة لم تتعرّب (في موريتانيا و السودان و الصومال و ارتريا و جيبوتي).
• في المشرق: نجد التركمان في العراق والأكراد في العراق وسوريا على سبيل المثال أضف إلى ذلك الآشوريين والكلدان الخ.....
انّ كلّ محاولة توحيد للأقطار العربيّة يجب أن تأخذ بعين الاعتبار وجود هذه الأقليّات القوميّة و الاتنيّة المتمسّكة بخصوصيّاتها. فما لم تستطع تذويبه قرون من التعايش المشترك لا يمكن تجاهله اليوم مع التأكيد على أنّ الإقرار بحقّ هذه الأقليّات في الحفاظ على هوياتها المتميّزة لا يعني محاولة إعادة الحياة بشكل مفتعل لما فقد منها القدرة على البقاء. يجب أن لا يقع الاعتراف إلا بما أثبت القدرة على البقاء.
ب – الإسلام:
لا ينحصر الإسلام في العقيدة و ما يرتبط بها من عبادات و طقوس و إنما هو أيضا سلوكيّات وأخلاق تطبع المعاملات في الحياة اليوميّة . وهو ثقافة و بالتالي فهو عنصر فاعل في التكوين المشترك للمجموعة.
والعلاقة بين العروبة والإسلام لا تقوم على التماهي ولا على التضّاد و إنما على التقاطع وهي محصلة الجغرافيا و التاريخ. فالإسلام الذي ظهر في شبه الجزيرة العربيّة تجاوزها إلى أصقاع أخرى من العالم. ولئن ارتبط الإسلام بالعروبة من خلال ورود القرآن بالعربيّة فانّ المجموعات التي دخلت في الإسلام لم تستعرب جميعا و لئن نادى الإسلام بالتسوية بين الأجناس والأعراق – شعاره في ذلك «لا فرق بين عربيّ وأعجميّ إلا بالتقوى»- فانّ الدولة الإسلامية كرّست في ظلّ حكم بني أميّة غلبة العنصر العربي على بقيّة العناصر وهذا ما أثار ردّ فعلها الذّي عرف تاريخيّا بالشعوبيّة. لكن فقدان العرب تدريجيّا للسيطرة على دواليب الدّولة الإسلامية لم يمنع من تواصل استعمال الحكام المسلمين غير العرب (من فرس و ترك...) للعربيّة كلغة رسميّة. وقد قال أحد الأمراء «أفضّل أن أهجى بالعربيّة على أن أمدح بالفارسيّة» !وظلّت العربيّة لغة الإدارة والعلم والأدب وإن بقيت اللّغات القوميّة مستعملة في التخاطب اليومي و بدأت تشقّ طريقها إلى الأدب. من أمثلة ذلك عمر الخيام الذي كتب رباعياته بالفارسيّة رغم أنّه كتب في العلوم والفلسفة بالعربيّة وكذلك الشأن بالنسبة لحافظ الشيرازي الذي كتب شعره أيضا بالفارسيّة. ويجب أن ننتظر قيام الإمبراطورية العثمانيّة حتى تفقد العربيّة مكانتها في الإدارة لصالح التركيّة. أمّا في إفريقيا السوداء و في شرق آسيا حيث دخل الإسلام عن طريق التجارة و التبشير لا عن طريق الفتح فقد ظلّت العربيّة لغة الثقافة عند النخبة المتفقّهة في الدّين ولم تتحوّل إلى لغة قوميّة معتمدة في الإدارة أو من قبل عامّة المسلمين.
وقد دخلت البلاد العربيّة – باستثناء المغرب الأقصى – خلال القرن السادس عشر تحت نفوذ الدّولة العثمانيّة التي نظر إليها كراع للإسلام والمسلمين في مواجهة الغزو الأوربّي. وحتّى الولايات التي وقعت تحت الاحتلال ظلّت شعوبها تنتظر العون من تركيا. لكنّ ظهور حركة تركيا الفتاة التي مثّلن ردّة فعل على ما أصاب «الرّجل المريض» من وهن واستيلاءها على السلطة سنة 1908 وما رافق ذلك من دعوة إلى تتريك العرب ثمّ تزعّم كمال أتاترك لتركيا الحديثة التي أقيمت على أنقاض الإمبراطورية بعد الحرب العالميّة الأولى وحلّه لمؤسسّة الخلافة سنة 1924 كلّها كانت من العوامل التي هيّأت لبروز الفكرة القوميّة العربيّة وتعزيز الجهود التي بذلتها النخب المسيحيّة منذ القرن التاسع عشر في التأكيد على الهويّة العربيّة دون أن تعادي الإسلام الذي نظرت إليه كمحطّة مهمّة في التاريخ العربي حتى أنّ مؤرّخا مسيحيّا معروفا مثل جرجي زيدان وضع كتابا في التاريخ سمّاه «تاريخ التّمدّن الإسلامي».
2- العروبة و الإسلام في تونس :
جاءت العروبة عن طريق الإسلام إلى تونس التي تداولت عليها قبل الفتح الإسلامي حضارات مختلفة. فسكّانها الأصليّون هم الأمازيغ و قامت حضارة قرطاج التي امتدّت ستّة قرون و نصف القرن (من 814 ق إلى 146 ق م) و لئن ترك القرطاجنيّون ذوي الأصول الفينيقيّة بصماتهم في تونس فانّهم لم يستطيعوا صهر الأمازيغ خصوصا لأنّهم أنشأوا مراكزهم الحضاريّة أساسا على السواحل. وأعقبهم الرّومان الذين سيطروا على البلاد حوالي سبعة قرون (من 146 ق م الى 439 م) و تركواهم أيضا آثارهم حتّى داخل البلاد ونشروا في بعض المناطق المسيحيّة التي أصبحت الدّين الرسمي للدولة الرومانيّة وظهر بافريقيّة فقهاء مسيحيّون كبار بحجم القدّيس أوغستينو (Saint Augustin) ومع ذلك ظلّ ينظر إليهم الأمازيغ على أنّهم غزاة. وجاء بعدهم الوندال الذين دام احتلالهم البلاد قرابة قرن (من 439 م الى 533 م) ثمّ البيزنطيّون الذين دام احتلالهم أيضا أكثر من قرن (من 533 م إلى 669 م ) (19). و جاء العرب المسلمون ابتداء من أواسط القرن السابع للميلاد و لئن جوبهوا في البداية بمقاومة من رموزها كسيلة والكاهنة من زعماء الأمازيغ فانّهم استطاعوا أن يطبعوا البلاد بشكل لم يسبق له مثيل خصوصا اثر زحف قبائل بني هلال وسليم ورياح الذي كان من أبرز نتائجه تعريب البلاد بشكل يكاد يكون تامّا. ويمكن القول بأنّ الحضارات السابقة للعرب المسلمين قد طبعت عروبة تونس و إسلامها بطابع خاصّ فتحوّلت إلى مركز متميّز من مراكز الحضارة العربيّة الإسلامية من مناراته القيروان ثمّ الزيتونة بتونس العاصمة. و نشأ في هذه البلاد إسلام سنّي مالكي معتدل أرسى دعائمه أئمّة من أبرزهم أسد بن الفرات و الإمام سحنون فلم يستطع ظهور الشيعة و الخوارج في فترات لاحقة تغيير ملامحه الأساسيّة. لكن مهما تركت الحضارات السابقة من بصمات فمن الخطإ وضع العروبة و الإسلام على قدم المساواة معها و اعتبارهما مجرّد مكوّنين من مكوّنات الهويّة يضافان إلى مكوّنات أخرى. فالعرب المسلمون استوعبوا العناصر السابقة و صهروها و نحتوا الملامح الأساسيّة للشخصيّة التونسيّة التي لم تتغيّر جوهريّا إلى اليوم رغم ما عرفته تونس من حضور تركي وغزو اسباني ثمّ فرنسي.
صحيح أنّ تونس بحكم موقعها الجغرافي منفتحة على الدوام على الخارج مستعدّة للأخذ والعطاء لكنّها ليست مثلما يقول البعض باطلا فضاء مفتوحا خاضعا لإرادة الغزاة مفرّطا في العناصر الأساسيّة لهويّته علما و أنّ الهويّة ليست معطى ثابتا و لا ميتا فيزيقيّا خارجا عن الزمان و المكان و إنما هي شيء خاضع لجدليّة الثبات والتحوّل .
III- الهويّة عند عامّة الناس و عند النخب:
إن عامّة التونسيين لا يطرحون سؤال الهويّة كما تطرحه النخب سواء كانت في السلطة أو في المعارضة لأنّهم ببساطة لا يعيشون أزمة هويّة فهم يعتبرون أنفسهم منذ زمن بعيد عربا و مسلمين و كلّما أحسّوا بأنّ عروبتهم و إسلامهم تعرّضا للتهديد فإنهم يتحرّكون من تلقاء أنفسهم أو استجابة لدعوات النخب و كثيرا ما كانوا – بحكم حسّهم الشعبي – أسبق من النخب إلى ردّ الفعل والمواجهة. فقد تصدّوا للغزو الاسباني في القرنين السادس عشر و السابع عشر كما تصدّوا لدخول الاستعمار الفرنسي ثمّ لمحاولات التجنيس التي أقدم عليها قبل أن يخوضوا ضدّه حرب تحرير أفضت إلى إجباره على مغادرة البلاد. و كانت مناصرتهم للقضايا العربيّة و في مقدّمتها قضيّة فلسطين ثابتة منذ احتلال الطليان لليبيا حتى اليوم. أمّا النخب فمواقفها متباينة إلى
حدّ التضارب فقد عملت النخبة الحاكمة بعد خروج الاستعمار المباشر على نحت قوميّة تونسيّة ذات أصول متعدّدة لا تمثّل العروبة والإسلام إلا أحدها واختارت الانفتاح على الغرب كخيار استراتيجي لكنّها فشلت في ذلك. واليوم و قد أزيحت عن السلطة بقي النقاش دائرا حول نموذج المجتمع المراد بناؤه. ولئن بات الجميع تقريبا يصرّح بأنّ الغالبيّة العظمى من التونسيين عرب ومسلمون فانّ ذلك لم يحلّ دون حصول عمليّات استقطاب أكثرها حدّة الاستقطاب بين التيّار الإسلامي المتشدّد والتيّار العلماني.
1- الطرح الإسلامي المتشدّد:
عند الحديث عن التشدّد الدّيني لا يجب الاقتصار على المجموعات التي تنعت بالسلفيّة والجهاديّة بل يجب التطرّق أيضا إلى كلّ من له موقف أصولي بما في ذلك أطراف داخل حركة النهضة. صحيح أنّ حركة النهضة كفّت في مواقفها الرسميّة عن المناداة بالعودة إلى مؤسسة الخلافة كتجسيد للدّولة الدينيّة وأصبحت تتحدّث عن دولة مدنيّة يتمّ فيها التداول السلمي على السلطة عبر انتخابات ديمقراطيّة غير أنّ شقّا داخلها مازال متمسّكا بشكل معلن بتطبيق الشريعة وهذا ينسجم مع مقولة الدّولة الدينيّة. صحيح أيضا أنّنا لم نعد نسمع خطابا ذا مرجعيّة اخوانيّة صريحة بل أصبحنا نسمع من بعض قيادات النهضة أنّ الحركة وريث شرعي للمدرسة الدينيّة التونسيّة التي هي ثمرة حركة التنوير والمتميزة بالوسطيّة والاعتدال وذهب البعض إلى حدّ الاعتراف بأنّ فكر الطاهر الحدّاد ومواقفه من المرأة لا تخرج عن الاجتهاد المشروع في قراءة النّص الدّيني قراءة مقاصدّية لكنّ المراجعة الفكريّة للأسس النظريّة التي تقوم عليها الحركة لم تمس جوهريّا المنظور الأصولي للإسلام كما عبّر عنه الدكتور عبد المجيد النجّار: «إن الطرح الأصولي لهويّة تونس ينطلق من فهم الأصوليين للدّين الإسلامي بناء على ما جاء في نصوصه من تعريف بنفسه وعلى ما نزل به فعلا في واقع الحياة في عهد النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وصحابته. ويقوم هذا الفهم على شموليّة الإسلام بالبيان لحياة الإنسان في جميع جوانبها [...] من هذا الطرح الشمولي للإسلام بنى الأصوليون طرحهم لهويّة تونس. فما دام هذا البلد مسلما في نسبة كاملة من أهله وما دام الدّين الذي يعتنقونه منهجا في الحياة يتقوّم بالشمول الآنف بيانه فانّ الهويّة الإسلامية للأمّة تتكوّن من العناصر التالية: العنصر العقدي والعنصر الأخلاقي والعنصر الاجتماعي الاقتصادي والعنصر السياسي »(20). وهذا يعني أنّ لا فصل بين الدّين والسياسة والاجتماع!
والأخطر من المنطق الأصولي تواتر الخطاب التكفيري التخويني لكلّ المخالفين بشكل يقود إلى انشطار المجتمع إلى مؤمنين وكفّار. ولا بأس من أخذ عيّنة من هذا الخطاب لها دلالة بالغة. فقد جاء بركن «رأي » بجريدة الفجر ما يلي: «تجربة التجمّع لن تعود وان حدّقت باتجاهها بعض وجوه اليسار الماركسي اللّينيني الستاليني الأحمر القاني رغبة منها في استنساخ خلطة بن علي الشهيرة «التجمّع الدستوري الديمقراطي» وقد سكب في وعائه شيئا مّما لان من عريكة حزب بورقيبة وأضاف إليه بعض التوابل الستالينيّة الهرمة . لن يكون العود ممكنا لهؤلاء و إن لثموا في مشهد فرجويّ ضعيف الإخراج علم البلاد بنجمته و هلاله و إن صرخ صارخهم بأنّه تاب وآب وصار من أنصار الهويّة العربيّة الإسلامية وان صام وصلّى»(21).
كيف يمكن للذين تمّ تكفيرهم وتخوينهم على هذا النحو الفجّ أن يصدّقوا بأنّ من كان من دعاة إحياء الخلافة وتطبيق الشريعة وإقامة الحدود وإنكار البعدين الوطني والقومي لتونس قد تغيّر وتطوّرت مواقفه ؟!
2 – الطرح العلماني:
خلافا للطرح الناتج عن الجهل أو التشويه المتعمّد فانّ العَلمانيّة لا تعني الكفر والإلحاد و ليس اليسار هو الذي بلورها بل هي سابقة لظهوره. وهي نتاج التيّار اللّيبرالي في فترة صعوده وازدهاره. ولا بأس من الوقوف ولو بسرعة عند التحديد المفهومي لها. العَلمانيّة بفتح العين غير العِلمانيّة بكسرها. فالعِلمانيّة التي تقابل « Scientisme» هي تيّار فكري يعود إلى أواخر القرن التاسع عشر ويقول بأنّ العلم يعرّفنا على مجمل الأشياء الموجودة وأنّ هذه المعرفة تكفي لإرضاء كلّ تطلعاتنا البشريّة( 22). وبهذا المعنى فانّ العِلمانيّة تعني الثقة المطلقة في العلمي والاحتكام إليه دون سواه في فهم العالم وكلّ ما يتّصل بالإنسان. وهذا نوع من الوضعيّة ( Positivisme) معتنق هذا التيّار الفكري يسمّى عِلمانيّا (Scientiste) وهي غير «علمي» (Scientifique) أمّا العَلمانيّة فيقابلها بالفرنسيّة «Sécularisme» وهي تيّار فكري نشأ في أوربا في عصر النهضة في مواجهة الكنيسة التي كانت تتسلّط على مختلف مناحي الحياة في المجتمع وتخنق حريّة التفكير في الإنسان.
وثمّة من يميّز بين العَلمانيّة واللائيكيّة و ثمّة من يعتبرها مرادفا لها. من هؤلاء محمد أركون الذي يقابل عَلمانيّة ب «Sécularisme» و«Laïcité» وقد شدّد في حديثه عنها على المظهر الوضعي البشري للإنسان فهي على حدّ تعبيره «تتركّز على مجابهة السلطات الدينيّة التّي تخنق حريّة التفكير في الإنسان» (23) غير انّه يوضّح بأنّ «العلمانيّة لا تلغي الدّين أو الممارسة الدينيّة بل تخرج السياسة والتنظيم الاجتماعي من حيز الممارسة الدّينيّة كما تخرج الممارسة الدّينيّة من الحيّز الاجتماعي والسياسي لكي تعيدها إلى إطارها الوحيد في الحيّز الشخصي» (24).
بكثير من التبسيط يمكن القول بأنّ اللائيكيّة هي التطبيق العملي للعَلمانيّة كتيّار فكري في الحقل السياسي الاجتماعي بالفصل بين الدّين والسياسة بكيفيّة تضمن حريّة المعتقد لكلّ المواطنين والتعايش بين العقائد المختلفة واعتبار الدّين شأنا خاصّا لا عامّا.
والعَلمانيّة واللائيكيّة من مقوّمات الحداثة الغربيّة في مواجهة تسلّط المؤسسّة الكنسيّة على حياة الناس إلى درجة إقامة محاكم تفتيش تنقّب في سرائرهم وتكفّرهم. وأنصار هذا التيّار لهم خلفيّات إيديولوجية وسياسيّة مختلفة فمنهم الليبرالي ومنهم اليساري ومنهم القومي وما يجمع بينهم هو المناداة بجعل الدّين شأنا خاصّا غير أنّهم لا يدركون الأبعاد الحقيقيّة لهذا الموقف وما ينطوي عليه من مخاطر في ظلّ المرحلة التاريخيّة الحاليّة التي تمّر بها البلاد. صحيح أنّ كثيرا من التونسيين ينادون بفصل الدّين عن السياسة ويرفضون تطبيق الشريعة وإقامة الحدود وبكلمة يرفضون الدّولة الدّينية ويتمسّكون بالدّولة المدنيّة القائمة على المواطنة والتي تستمدّ شرعيّتها من تفويض الشعب الذي يملك إرادة حرّة ممّا يجعل التداول فيها على السلطة بشكل ديمقراطي ممكنا غير أنّهم يرفضون المغالاة العلمانيّة اللائيكيّة التي تنادي بجعل الدّين شأنا خاصّا بالمعنى الحرفي للكلمة مثلما هو الشأن في الدول اللائيكيّة التي لا تدرج التربية الدّينية ضمن برامجها التعليميّة ولا تشرف على إقامة الشعائر الدّينية بل تترك هذا وذاك للعائلة والمؤسسات الخاصّة كالمجامع الكنسيّة. صحيح أنّ الدّين شأن خاص من بعض الوجوه من حيث هو علاقة مباشرة بين الإنسان و ربّه ولا وصاية لأحد على ضمير غيره في هذا المجال. لكن إذا تخلّت الدولة عن الإشراف عن الشعائر الدّينية فستفتح الأبواب على مصراعيها أمام المجموعات المتصارعة المتطرّفة لوضع اليد على دور العبادة وبالتالي الفضاء الدّيني. وإذا تخلّت الدولة عن صياغة برامج تربية دينيّة موحّدة يصبح من السهل تنشئة الصغار على الخرافة والعنف والتطرّف ولنا في النموذج الطالباني أكبر شاهد. وإذا تخلّت الدولة عن إقامة أماكن العبادة وصيانتها أو على الأقّل مراقبة العمليّة مثلما هو حاصل حاليّا فانّ الأوقاف ستعود وتصبح مجالا للمضاربة و ربّما للفساد. و ها نحن بدأنا نلمس آثار غياب الرقابة على الكتاتيب والمدارس القرآنيّة ورياض الأطفال التي نبتت كالفطر بعد الثورة في ظلّ الفوضى العارمة التي شهدتها مناح عديدة من حياتنا.
إن المطلوب اليوم في مواجهة الدّولة الدّينية ليس الدولة اللائيكيّة وإنما هو الدولة المدنيّة التي ترعى دين الأغلبيّة العظمى من المواطنين كما ترعى أديان الأقليّات متى وجدت وتضمن حرّية المعتقد.

خاتمة:
في خاتمة هذا العرض يمكن الوقوف على النتائج التالية :
1- تشهد الساحة التونسيّة صراع هويّة بلغ درجة عالية من الحدّة.
2- إن من يطرح سؤال الهويّة ليس عامّة النّاس و إنما مجموعة من النخب.
3- منطلق هذا الصراع ليس وجود مخاطر حقيقيّة تهدّد العروبة والإسلام في تونس وإنما هو حصول منزلقات إيديولوجية.
4- إن ما يفرّق بين النخب المتصارعة ليس الإقرار أو الإنكار بأنّ العروبة والإسلام مقوّمان أساسيّان من مقوّمات هويّة تونس وإنما اختلاف النظرة للعروبة والإسلام أي أنّ السؤال الذي يجب أن يطرح ليس «من نحن ؟ » أو «هل نحن عرب ومسلمون» وإنما «أيّ عروبة وأيّ إسلام نريد ؟».
5- قاد الصراع إلى حصول استقطاب إيديولوجي حادّ سعى البعض من خلاله إلى إحداث انشطار في البلاد بين من يعتبرونهم مؤمنين ومن يعتبرونهم كفّارا. فهل من سبيل إلى تجاوز حالة الاستقطاب هذه؟ لكسر الاستقطاب يجب:
1 – الانطلاق من التوافق المعلن من قبل أغلب الأطراف على أنّ العروبة والإسلام من مكوّنات هويّة التونسيين الأساسيّة لتعميقه وتطويره و البناء عليه. وهذا يقتضي التأكيد على المتّفق عليه ومواصلة النقاش الهادئ الرصين حول المختلف فيه.
2– تخلّي مختلف الأطراف عن منطق التمترس وراء الحصون الإيديولوجية والوقوف بدل ذلك على أرضيّة سياسيّة و من جملة ما يعنيه هذا:
أ – تخلّي غلاة العلمانيّة عن المناداة بأن يكون الدّين شأنا خاصّا بما يعنيه ذلك من تخلّي الدّولة عن إدراج التربية الدينيّة في البرامج التعليميّة وعدم الإشراف على الشعائر الدينيّة.
ب – تخلّي بعض المحسوبين على اليسار عن اعتبار التدّين والرؤية الإيمانية للكون ضربا من الرجعيّة الفكريّة.
ج – تخلّي المتشدّدين الإسلاميين عن اعتبار أنفسهم الممثلين الحقيقيين للإسلام أي تخلّيهم عن احتكار التكلّم باسمه و تأويله كما يشاؤون.
د – تخلّي التيّار القومي عن احتكاره للتكلّم باسم العروبة.
3– إعادة هيكلة سلك الأيمّة والوعاظ على أساس التخصّص والاعتدال والحياد وتحييد المساجد بجعلها أماكن للعبادة لا منابر إيديولوجية وسياسيّة .
4– الارتفاع بمستوى الحوار والابتعاد عن الابتذال والعنف اللّفظي والإرهاب الفكري والتجييش وتكفير المخالفين وربّما الدّعوة إلى قتلهم .
لكن تجدر الإشارة إلى خطر إعادة صياغة أطراف الصّراع على نحو جديد من خلال التقريب بين التيّار الإسلامي و التيّار العروبي على حساب بقيّة الأطراف. فإذا ما حصل ذلك فانّه سيعمّق الانشطار المغلوط للمجتمع إلى مؤمنين وكفّار. وتبدو بوادر هذه المسلكيّة من خلال المساعي التي قام بها المؤتمر القومي العربي في السنوات الأخيرة ومن خلال ما تمخّضت عنه أشغال المنتدى العالمي للوسطيّة التي جرت يوم الأحد 14-10-2012 بعد افتتاح فرعه الجديد بتونس. فمن جملة التوصيات التي تقدّم بها المشاركون في الندوة «ضرورة أن تكون المرحلة القادمة بعيدة عن الصّراع بين الحركات القوميّة والإسلامية للوصول إلى مرحلة التوافق والعمل المشترك بالاتفاق على كلمة سواء تسمح بالاختلاف السلمي والتعدّديّة الفكريّة والسياسيّة بعيدا عن الصّراع
و التصادم » (25).
الحامة في شهر نوفمبر 2012
الهوامش والإحالات:
1 – المدرسة الصادقيّة تأسست في عهد خير الدّين التونسي وهي تدرّس بالعربيّة و الفرنسيّة أمّا معهد كارنو فأسّسه الاستعمار الفرنسي ويدرّس بالفرنسيّة فقط .
2 – الدكتور سالم لبيض، الهويّة: الإسلام، العروبة، التونسية، مركز دراسات الوحدة العربيّة، بيروت، كانون الثاني / يناير 2009، ص ص 61 – 62.
3 – عبد العزيز الثعالبي، أمراض العالم العربي، الإرادة، 25-1-1939، نقلا عن الدكتور سالم لبيض المرجع المذكور أعلاه ص 65.
(4) انظر كتابه «العمّال التونسيّون وظهور الحركة النقابيّة»
(5) انظر القسم التشريعي من كتابه الذي اختلف ناشروه و تعدّدت طبعاته.
(6) انظر نصّ الدستور الصادر في 1 جوان 1959 .
(7) نفس المصدر
(8) البشير بن سلامة، النظريّة التاريخيّة في الكفاح التحريري التونسي، مؤسسات عبد الكريم بن عبد اللّه،1977.
(9) انظر مقالا لتوفيق البشروش بعنوان «القوميّة القطريّة في تونس قبل الحماية » وارد بمؤلف جماعي بعنوان «الذاتيّة العربيّة بين الوحدة و التنوّع» صدر عن مركز الأبحاث الاقتصاديّة والاجتماعيّة بتونس.
(10) نقلا عن الدكتور سالم لبيض، المرجع السابق ص 55 .
(11) انظر المنشور عدد 45 الصادر عن الوزير الأوّل في 29 أكتوبر 1989 والموجّه إلى السادة الوزراء و كتّاب الدولة و الولاة والرؤساء المديرين العامين للمنشآت العموميّة ورؤساء المجالس البلديّة.
(12) غيّر اسمه فأصبح يسمّى التجديد ثمّ شكّل قطبا حداثيّا ديمقراطيّا بعد الثورة و انتهى أخيرا إلى تكوين المسار الديمقراطي.
(13) نقلا عن الدكتور سالم لبيض، المرجع السابق.
(14) انظر عبد الجليل بوقرّة، حركة آفاق من تاريخ اليسار التونسي. 1963 – 1975، تونس، سراس للنشر 1993.
(15) للاطلاع على أطروحاتهم انظر صلاح الدّين الجورشي ومحمد القوماني وعبد العزيز التميمي المقدّمات النظريّة للإسلاميين التقدّميين: لماذا الإسلام؟ كيف نفهمه اليوم؟ تونس، دار البراق للنشر، 1989.
(16) أطروحة روّج لها سيد قطب في كتابه «معالم في الطريق ».
(17) كان موقف الطلبة الإسلاميين بالجامعة مختلفا عن موقف القيادة.
(18) انظر الهادي الزريبي، الأصول العربيّة للبربر.
(19) التواريخ المتعلقّة بالحضارات التي تعاقبت على تونس معروفة و قد تمّ استقاؤها من القاموس الموسوعي الفرنسي.
(20) الدكتور عبد المجيد النجّار، صراع الهويّة في تونس، دار الأمان للنشر و التوزيع، باريس، جويلية 1988 ص 33.
(21) انظر «رسالة إلى حكومة الثورة الشرعيّة»، ركن «رأي»، جريدة الفجر، 19-20-2012 ص 25.
(22) انظر القاموس الموسوعي للجميع بالفرنسيّة، دار لاروس ط 1988 ص 1430.
(23) محمد أركون، حول مفهوم العلمانيّة نقلا عن فتحي القاسمي، العلمانيّة و انتشارها شرقا وغربا، الدّار التونسيّة للنشر، فيفري 1994.
(24) محمد أركون، حول مفهوم العلمانيّة، مجلّة فكر الباريسيّة عدد 4، ديسمبر 1984 ص 83 نقلا عن فتحي القاسمي، المرجع المذكور أعلاه.
(25) «الإسلاميون وتحدّيات السلطة في ندوة الملتقى العالمي للوسطيّة »، جريدة الفجر، 19-10-2012، ص 12.د





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- في العدالة الانتقاليّة و طرق تفعيلها
- هل أتاك حديث دفع تعويضات لضحايا القمع أو يجوع الحر ولا يأكل ...
- لا للاجتثاث! لا للإقصاء! لكن.......
- هل ثار الشعب التونسي على بن علي ليعود إلى عهد بورقيبة؟ رسالة ...
- أهكذا تدشن الحكومة الانتقالية في تونس عهد الحرية الموعودة أو ...


المزيد.....




- الجبير من القاهرة: ننتظر إجراءات قطر بحق الإخوان المسلمين
- بابا الفاتيكان يصلي من أجل الغواصة الارجنتينية المفقودة
- داعش إسلامية حتى يثبت العكس
- بابا الفاتيكان يصلي من أجل لبنان: نأمل أن يظل نموذجا للتعايش ...
- مستوطنون متطرفون يقتحمون باحات المسجد الأقصى
- نائب يعلن استرجاع 30 منزلاً تابعاً للمكون المسيحي في بغداد
- حكمتيار يتهم روسيا بدعم حركة طالبان
- مسيحيون مغاربة يطالبون بحرية المعتقد
- اغتيالات رجال الدين في اليمن مستمرة
- يقودها مسلمون.. مبادرة لترميم كنائس دنسها داعش في الموصل


المزيد.....

- الإرهاب ....... الأسباب ........ المظاهر .......... سبل التج ... / محمد الحنفي
- هل يوجد في الإسلام أوصياء على دينه ...؟ !!! / محمد الحنفي
- التوظيف الأيديولوجي للدعوة إلى تطبيق -الشريعة الإسلامية- ينا ... / محمد الحنفي
- الاجتهاد ... الديمقراطية ... أية علاقة ؟ / محمد الحنفي
- الإسلام و دموية المسلمين / محمد الحنفي
- http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=20090 / محمد الحنفي
- الاقتصاد الإسلامي بين الواقع والادعاء / محمد الحنفي
- بين إسلام أمريكا و إسلام الطالبان… / محمد الحنفي
- دولة المسلمين لا إسلامية الدولة / محمد الحنفي
- الإسلام/ الإرهاب…..أية علاقة؟ / محمد الحنفي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عمار العربي الزمزمي - العروبة و الاسلام بين بين مشروعيّة طرح سؤال الهويّة ومنزلقات الاستقطاب الإيديولوجي