أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خيري حمدان - عشاءٌ برفقة الأنبياء















المزيد.....

عشاءٌ برفقة الأنبياء


خيري حمدان

الحوار المتمدن-العدد: 4393 - 2014 / 3 / 14 - 12:54
المحور: الادب والفن
    


خرج ليحصل على قوت عائلته كالعادة، بالرغم من انعدام رغبته بالعمل نهار ذلك اليوم، فقد كان الطقس حارًا للغاية كما أنّ شوارع بغداد لا تبشّر بالخير في الآونة الأخيرة. أدار محرّك عربته ومضى يجول بهدوء متأمّلا أن يلتقط زبونًا، لا يحمل في قلبه ووعيه ضغائن وأحقاد النهار المتعطّش لمزيد من حصد الأرواح. زبائنُ تغوى المزيد من النكد والعناء والبؤس. جلس الرجل في المقعد الخلفي بارتياح وقال:
- أرجوك، دعنا نجول في شوارع بغداد، أشعر بالسأم يحاصرني. لا تقلق، ستنال حقّك وزيادة.
يبدو الرجلُ أنيقًا وواعدًا، خاصّة وأنّ الهدوء والأمان قد خيّما على تقاطيع وجهه الوديع. "زبونٌ واحدٌ يكفي لهذا النهار، أعود بعدها لزوجتي وابني الصغير، محمّلا بالتمر والحليب والخبز وبعض اللحم." كان جاسم يحدّث نفسه مُطَمْئِنًا ذاته المتشكّكة بكلّ شيء في الآونة الأخيرة. نظر في المرآة العكسية متأمّلا تقاطيع وجه الرجل الغريب، لفت نظره السترة الجلديّة السوداء الفضفاضة التي كان يرتديها، رافعًا سحّابها حتى العنق بالرغم من حرارة الجوّ في الخارج. قد يكون الرجل مريضًا ويحتاج لبعض الدفء، أبقى جاسم المكيّف يعمل داخل العربة واقتنع بعد دقائق بأنّ الأمور تسير على خير ما يُرام. لا داعي للقلق فهناك الكثيرون الذين يستشعرون برد الشتاء قبل أوانه بأشهر عديدة. بقي يحدّث ذاته وعجلات السيارة تجوب الشوارع دون كلل أو ملل.
- شارع فلسطين، جميل وأنيق للغاية، كيف فشلنا حتّى اللحظة في تحريرها؟ الجامعة المستنصرية، حيّ المهندسين، الحيّ الإدريسي، اللجنة الأولمبية. طفق الزبون بالضحك حين تفوّه بالجملة الأخيرة. واستمر قائلا "لم يبقَ من هذه اللجنة سوى اسمها".
- كأنّك لم ترَ بغداد منذ زمن طويل؟ قال جاسم محاولا إذابة جبل الجليد ما بينهما.
- بل أراها كلّ يوم لكنّ الظمأ لا يرتوي والعين لا تشبع، لا تكتحل بمشاهدة وتيرة الحياة فيها. آه، أبو النواس يا صاحبي، شارع أبو النواس.
مضت العربة تجاه الضفّة الشرقية من دجلة نحو الرصافة، ثمّ عبرت جسر الجمهورية وتوجّهت إلى منطقة الكرادة الشرقية والزبون الغريب يحدّق في وجوه المارّة بلا كلل، بدا جاسم كأنّه مخدّر أو مسيّر، غير قادر البتّة على التحكّم بمصير الرحلة، كأنّه هو أيضًا يكتشف للمرّة الأولى معالم بغداد بأعين الغريب الذي زاد من محبّته وتعلّقه ببغداد. الملايين تعيش في بغداد لكنّ الأمر مختلفٌ بالنسبة لجاسم، لأنّ بغداد هي التي تعيش في داخله، يتنفّسها، يشتهيها كما العروس في ليلة الدخلة، يبدو غير قادر طِوال الوقت على تعاطي الحياة دون حراثة شوارعها جيئة وذهابًا بعربته منذ عقدين من الزمن. قطع راكبُ العربة الغريب حبل أفكارِهِ ودفقِ مشاعره المتضاربة طالبًا منه التوقّف قليلا لشراء بعض السمك المشوي (المسكوف) الذي يشتهر به شارع أبي النواس. لم يسأله إذا كان يريد تناول الطعام معه، ناوله قطعة خبز كبيرة محمّصة وسمكة مشوية وكوب من الشاي الأسود الثقيل (السنكين). غالبًا ما كان جاسم يتجنّب شرب هذا الشاي لأنّه يتسبّب له بحالة من الأرق تمتدّ أحيانًا لساعات الصباح الباكر، لكنّه بالرغم من هذه المخاوف شرب كوب الشاي الكبير بعد أن التهم الوجبة الشهية. شكر مضيفه وانطلق بالعربة ثانية يجول ويصول عوالم بغداد وأسرارها.
- والآن، إلى أين يا سيدي؟ تساءل جاسم مستفسرًا.
- لا أرجوك! لا تقلها ثانية فالسيادة لله وحده سبحانه وتعالى، نادني بأبي الرافدين. دعنا ننطلق إلى الكاظمية.
انطلقت العربة إلى الضفة الغربية من دجلة متوجّهة نحو الكاظمية. عبرت جسر الأئمة وكان أبو الرافدين طِوال الوقت يطلّ برأسه من نافذة العربة، وقد بدا التوتّر والقلق على وجهه. لم يعد الرجل نفسه الذي عرفه جاسم قبل ساعات حين دلف إلى جوف السيّارة راسمًا ابتسامة بحجم الشمس على وجهه. لم تعد الرحلة تحمل الطمأنينة نفسها التي ألفها في بداية النزهة، وسرعان تبخّر أثرُ الشاي الأسود وتمكّنت الريبة من دخول أقصى خلايا جسده. "أجري!" هذا آخر ما كان يفكّر به جاسم، لتذهب الأجرة إلى الجحيم، على أن يعتقه هذا المشبوه أو المعتوه. عبرت العربة الكاظمية والأعظمية وكانت معظم تلك المناطق خاوية بسبب ارتفاع درجات الحرارة في ذلك اليوم، وبقيت أنظار جاسم متسمّرة في المرآة العاكسة لمراقبة كلّ حركة يقوم بها أبو الرافدين. بعد لحظات رفع الغريب يده وقال بصوت هادئ وحازم:
- على مهلك يا رفيق دربي، توقّف. كنت أتمنّى أن نلتقي هذا المساء مع الأنبياء، كنتُ وإيّاك على موعد مع نبيّ الأمّة محمد عليه الصلاة والسلام، ولكن..لا حول ولا قوّة إلا بالله! أنت لست محظوظًا البتّة.
- أنا أريد تناول العشاء مع ابني وزوجتي وليس مع الأنبياء، ليس هذه الليلة.
- أنت ساذج يا رجل، ما أكثر الزوجات هناك. كشف أبو الرافدين عن الحزام المتفجّر وأضاف "تكفي هذه المتفجّرات لقتل وجرح مئات الكفرة، لكن الأقدار شاءت أن لا يظهروا نهار اليوم. على أيّة حال موعدنا الجنّة غدًا إن شاء الله، إذا شئت بمرافقتي في رحلة الشهادة فأهلا وسهلا بك؟
- لا نيّة لي بالخروج نهار الغد، ابحث عن سائق آخر أرجوك.

تنهّد الرجل ورمى بين يديّ جاسم حزمة من الدولارات تغطّي كلفة عدّة رحلات شبيهة، لكنّها لا يمكن أن تكون البديل عن ترميل زوجته ويتم ابنه لو قام بالضغط على مكبح التفجير. خرج الغريب مبتعدًا، عندها أدرك جاسم بأنّ لهجته ليست عراقية، ليست إنسانيّة، بل خليطًا من العدميّة. لهجة الغياب والتغييب والتيه الممتدّ في المشرق ما بعد سيناء والربع الخالي.

أسرع جاسم مبتعدًا عن المدينة وكانت أنظاره تراقب برعب عربات الأجرة الأخرى التي تطوف شوارع بغداد بلا هدف أحيانًا، دون معرفة هويّة المجهولين الذي سيركبون العربة في اللحظة التالية إلى البيت أو إلى الجحيم. استرق النظر إلى الركّاب وبخاصة الجالسين في المقاعد الخلفية. كيف يستعيد ثقته بعد اليوم بمدينته؟ كيف يحترم أصحاب السترات السوداء والوجوه الصارمة التي تتقن رسم الفرح الكاذب على تضاريسها؟ التزم الصمت وتعوّذ من شيطان الذات، وحين وصل بالقرب من بيته سمع انفجارًا مدوّيًا على بعد كيلومترات معدودة، قدّره في شارع أبي النواس. ارتفع عمود الدخان إلى السماء حاملا معه أرواحًا بريئة غادرت الحياة كراهية. خرج من العربة وتقيّأ السمك الذي قدّمه له الغريب، الرجل العابر في الحياة الرافض انتظار القدر والموت الطبيعي مرّة واحدة خلال مشوار العمر القصير. رنّ الهاتف فجأة فجفل، كانت زوجته المرحة على الطرف الآخر من الهاتف، صوت فدوى التي تطربُ وتطربُهُ كلّما سمع صوتها. قال له الكثير خلال لحظات الصمت المتفاقمة، أراد أن يصرخ بأنّه يحبّها ولا يريد في هذه اللحظة زوجة سواها، أراد أن يعبّر لها عن امتنانه لوجودها في حياته لأنّها تتقن الضحك والفرح. أخبرها بأنّها ومن دون نساء الدنيا عروس بغداد فأجابت بدلال عاتبة: "لا تنسَ أن تشتري الحلوى للصغير يا جاسم.".





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,476,256,169
- الحلزون الحكيم
- مجنون حتّى إشعار آخر.
- الزمن المفقود
- أنا أبله - هي تملك ثديين كبيرين
- أزمة الإنتماء لدى المثقف العربي
- ذاكرة متلبّسة بالدهشة
- الكيلومتر الثلاثون
- سارقو الحيوات
- لا مبرّر
- قطارٌ آبق
- المطارُ المغدور
- ساقا المتوفّى طويلة – أتسمحين بنشرهما؟
- حوارٌ بنّاءٌ موثّقٌ بأعيرةٍ ناريّة
- ذاكرة معطوبة
- الخطاب ما قبل الأخير
- البصطار
- يوم قُتلت كارولينا
- الشاعرة البلغارية المعاصرة سيلفيا تشوليفا
- بوحٌ في أعلى السلّم
- الشاعر البلغاري داتشو غوسبودينوف


المزيد.....




- استقالة وزيرة الثقافة الجزائرية بعد حادث تدافع مأساوي أثناء ...
- استقالة وزيرة الثقافة الجزائرية بعد وفاة 5 أشخاص في حادث تدا ...
- فيديو: اكتشاف بقايا حوتيْ عنبر في بيرو يسهم في معرفة أسرار ح ...
- فيديو: اكتشاف بقايا حوتيْ عنبر في بيرو يسهم في معرفة أسرار ح ...
- بالصور.. هيفاء وهبي بإطلالة مثيرة في مصر
- فيلم هندي أحداثه حقيقية بطله -الطيار الذي أسرته باكستان-
- -فيلم أكشن- فريد من نوعه في طريق عام بالأردن!
- عامل سلا ينصب ممثلي السلطة الجدد ويوصيهم بالنزول للميدان
- ضحايا حفل -سولكينغ- يفضحون -فساد الثقافة- في الجزائر وتورط م ...
- سكارليت جوهانسون أعلى الممثلات أجرا بمبلغ خيالي!


المزيد.....

- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي
- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خيري حمدان - عشاءٌ برفقة الأنبياء