أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - ميثم الجنابي - المثقف العراقي – المهمة الشخصية والمسئولية التاريخية















المزيد.....

المثقف العراقي – المهمة الشخصية والمسئولية التاريخية


ميثم الجنابي
(Maythem Al-janabi )


الحوار المتمدن-العدد: 1248 - 2005 / 7 / 4 - 11:01
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


لقد قيل قديما بان "الناس على دين ملوكها"، كما قيل أيضا "كيفما تكونوا يول عليكم". وهي صيغ تعكس الوقائع لا الحقائق. فليس كل شئ واقعي جدير بان يكون حقيقة، كما انه ليس كل حقيقة واقع فعلي. إلا أن ما يعطي للحقيقة إمكانية الانتظار الطويل كونها لا تهرم ولا تشيخ. إذ لا شئ قادر على الانتظار والبقاء دون تغير كالحقيقة. فكل شئ غير الحقيقة يشيخ ويهرم، وتبقى هي كما هي وذلك بسبب كونها الصيغة الأكثر تجانسا للواقع والخيال، أي للحاضر والمستقبل. وهو الأمر الذي يجعل منها واقعا بالضرورة.
وبما أن المثقف الحقيقي هو من يتمثل هذه النسبة الحية للواقع والخيال، أي للحاضر والمستقبل في الإبداع النظري والعملي من هنا قيمته وفاعليته المغرية للسلطة والمعارضة على السواء. وهو الأمر الذي يجعل من الابتعاد النسبي للمثقف من السلطة الحالية والمحتملة (المعارضة) شرطا ضروريا للدفاع عن المصالح الأكثر جوهرية وديمومة لحاضر الأمة ومستقبلها. ذلك يعني، انه لا يمكن للمثقف الحقيقي الاندماج في السلطة ومؤسساتها، لكنه قادر على العمل معها بمعايير الدولة والإبداع الحق.
وهي قدرة تفترض في ظروف العراق الحالية تجسيدها وتحقيقها ضمن حلقات ملزمة للمثقف تقوم في الحفاظ على المسافة الضرورية بينه وبين السلطة من جهة، والعمل على إيجاد النسبة الضرورية بين الأخلاق والسياسية في الإبداع الثقافي (النظري والعملي) من جهة أخرى. إذ يفترض التزام المثقف الحقيقي في ظروف العراق الحالية العمل من اجل ألا تتحول الثقافة إلى أداة لطحن الحقائق وتحويلها إلى مساحيق لتغطية تجاعيد السلطة وتجميلها. وكذلك مواجهة كل "مقدسات" الجمهور من خلال نقد فكرة "قدسية" الواقع والقيم والأفكار أيا كان مصدرها وشكلها. وأخيرا العمل من اجل غرس الثقافة العقلانية والإنسانية وتأسيسها النظري والعملي والالتزام الشخصي بالاستنتاجات المترتبة عليها. وفي هذا الالتزام فقط يمكن توحيد المهمة الروحية والأخلاقية والسياسية للمثقف، بوصفها حقيقته او جوهره الشخصي. بمعنى مواجهة الإشكاليات الفعلية التي تواجه الدولة والأمة بمعايير الرؤية الحرة، أي المحكومة يقيم الهموم الكبرى. ومن بين أهم هذه الإشكاليات التي ينبغي أن تشكل صلب الهموم الكبرى للمثقف العراقي المعاصر هي إشكاليات الهوية الوطنية والدولة الشرعية والنظام الديمقراطي والمجتمع المدني. ففيها تتمظهر حقيقة المثقف، ومن خلالها يمكن كشف موازينه الداخلية الحقيقية.
إن قيمة المثقف تقوم في استقلاليته الفعلية في المواقف والآراء والأفكار. وبالتالي لا تعني التبعية لرجل السياسة سوى السقوط في حضيض المغامرة الفارغة من معاناة الإبداع. وذلك لان حقيقة المثقف هي أولا وقبل كل شئ معاناة أبدية، فردية واجتماعية ومستقبلية. بمعنى أن المثقف الحقيقي هو الذي يجعل من المستقبل مصدر معاناته الفردية والاجتماعية. فهي الرؤية التي تحرره من الخضوع والعبودية لنزوات السياسة وصراعاتها العابرة. كما تجعل منه في الوقت نفسه المجسد الحي للبحث الدائم عن الحق والحقيقة. بمعنى العمل من اجل يكون هو مجسد الحلقة الرابطة بين الأخلاق والسياسة، والحرية والنظام، والإبداع وتراكم المعرفة، والمجتمع والدولة. لاسيما وانه كان وما يزال وسوف يبقى القوة الوحيدة القادرة على صنع التناغم والتجانس في وجود الدولة والمجتمع.
إن عمل المثقف بهذه المعايير يجعل منه، شاء أم أبى، مرآة تنعكس فيها حقيقة الحالة الباطنية للدولة والمجتمع. ففي حالته المادية والمعنوية، أي في نشاطه النظري والعملي، تنعكس قوة المجتمع والدولة أو انحطاطهما. إذ ليس هناك من قوة اجتماعية مرهفة الحس والوجدان، وحاملة الإخلاص للحق والحقيقة، والماضي والمستقبل اكثر من المثقفين. بل يمكنني القول، بان الأمة تصنع مثقفيها من خيالها المبدع، أي أن حقيقة المثقفين هي حقيقة الأمة. ولا يمكن لامة مريضة أن تبدع قوة اجتماعية وشرائح منظمة من المثقفين الكبار.
إلا أن مرض الأمم ونهوضها مرهون بالمثقفين أولا وقبل كل شئ. فالمثقفون هم القوة الوحيدة القادرة على تمثل المستقبل والعيش بمعاييره ومقاييسه. كما أنها القوة الوحيدة القادرة على تمثل فكرة الحرية وآفاقها غير المتناهية. وهو الأمر الذي يضفي عليها مسئولية تاريخية هائلة أمام المجتمع والدولة، بوصفها القوة التي تحمل لواء البدائل وفكرة الاحتمال غير المتناهي. واختلاف المثقف عن رجل السياسة بهذا الصدد يقوم في كونه حامل لواء الحرية والمستقبل، أي انه ممثل الخيال المبدع للامة وليس ممثل الدفاع المأجور عن البطون والنزوات الصغيرة.
إن المثقف العاجز عن العيش بمعايير الحرية والمستقبل هو المثقف الخالي من قدر الخيال المبدع. انه المثقف المأجور، القادر على انتزاع شتى العبارات من قاموس اللغة دون أن يدرك معناها الحياتي، لأنها عبارة بلا قلب ولا وجدان. وهو المثقف المزيف الذي لا يتقن في الواقع شيئا غير مهنة التقرير والتبرير. وأخيرا هو مثقف الماضي، أي بلا مستقبل. لان المستقبل هو خيال مبدع للاحتمال غير المتناهي بوصفه طريق الحرية.
وفي ظروف العراق الحالية ليس هناك من قوة قادرة فعلا للنهوض به من خراب التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية غير المثقفين رغم كل الدمار والخراب الهائلين اللذين تعرضت له الثقافة والمثقفين. والقضية هنا ليست فقط في استعداد المثقفين التلقائي لقبول فكرة الحرية والاحتمال فحسب، بل وبسبب الترابط العضوي بين الرؤية العقلانية والنزعة الإنسانية القائمة في صلب فكرة الثقافة. وهي قوة يبرز أثرها الفعال في ظل الأنظمة السياسية العقلانية.
أما في ظروف العراق الحالية والإرث الهائل من خراب الدكتاتورية، فان مهمة المثقف تقوم في السباق مع رجل السياسة، الذي لم تتبلور شخصيته الاجتماعية والوطنية العراقية بعد. فقد شوهت التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية صورة رجل السياسة وخربت المضمون الاجتماعي للسياسة وقلبت فكرة النظام السياسي رأسا على عقب. وهو ارث نعثر عليه في شخصية المعارضة السياسية العراقية التي تحولت بين ليلة وضحاها من المنفى إلى هرم السلطة. فهي ليست قوة مغتربة فحسب، بل ومتهرئة في أغلب أبعادها الاجتماعية والوطنية. أنها قوة بدون موازين داخلية. من هنا صعوبة بل استحالة ضبط سلوكها السياسي. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار الضعف المعرفي، بل والجهل الثقافي المميز لأغلب رجال السياسة المعاصرين في العراق وخواء الأحزاب السياسية والحركات الاجتماعية، فمن الممكن توقع مستوى الخراب المحتمل في إدارتها لشئون الدولة. أنها قوة بدون خيال مبدع، أي بدون مستقبل، من هنا سيادة الرؤية الطائفية والعرقية والقومية الضيقة ومختلف نماذج البنية التقليدية. ذلك يعني أنها قوى لا يجمعها الهمّ الوطني العراقي.
فالقوى الإسلامية (الشيعية والسنية) تنحرف اكثر فاكثر صوب الطائفية السياسية، والقوى القومية الكردية تسير بخطى مستترة ومعلنة صوب مصالحها الضيقة، والقوى اليسارية (الشيوعية) تندثر بسبب تمثيلها الاساسي للاقليات القومية والدينية، أما القوى الوطنية العراقية والديمقراطية الفعلية فإنها مازالت تعاني من انحسار بسبب حجم الانحطاط الهائل في البنية الاجتماعية والاقتصادية وانهيار قيم الثقافة والمجتمع المدني والحقوق. كل ذلك يجعل من المثقف في ظروف العراق الحالية الشخصية الوحيدة القادرة على الخروج من مأزق التوتاليتارية وضعف الأحزاب السياسية. وفي هذا تكمن مسئوليته التاريخية الكبرى بوصفه حامل فكرة البدائل العقلانية والرؤية الإنسانية والحق والحقوق، أي كل ما يمثل النفي المباشر وغير المباشر لارث التوتاليتارية وخواء الأحزاب السياسية في ظروف العراق الحالية.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,561,695,258
- العلم والأنوثة
- ملاحظات على حملة التضامن مع منتدى الاتاسي
- فلسفة الاعتدال السياسي الأمثل في العراق المعاصر
- فلسفة التسامح ومنظومة الاحتمال العقلاني
- فلسفة الإصلاح العقلانية
- الاسلام والجنس – عقيدة العقدة
- المشروع الديمقراطي العراقي وفلسفة النفي الشامل للطائفية السي ...
- الحركة القومية الكردية - المثلث الهمجي للطائفية العرقية 5 من ...
- التوتاليتارية الشيعية – المثلث الهمجي للطائفية السياسية الجد ...
- الطائفية السياسية - قاعدة الاحتمال الهمجي في العراق 2 & 3 من ...
- المثلثات الهمجية - برمودا الانحطاط العراقي 1 من 6
- الاصولية والعنف في العراق – عنف بلا اصول
- الشرع والمرأة – حق الانتخاب ام انتخاب الحق
- اهانة القرآن بين الفضيحة والادانة
- الحجاب - غطاء لغنيمة الجهاد والاجتهاد الذكوري
- العلاقة الشيعية الكردية – زواج متعة ام حساب العد والنقد
- إشكالية الحزب والأيديولوجيا في العراق المعاصر
- من جلالة الملك الى العم جلال
- فلسفة الثقافة البديلة في العراق 4 من 4
- فلسفة الثقافة البديلة في العراق -3 من 4


المزيد.....




- -إكسير الشباب- في أذربيجان فوائد صحية فريدة لا توفرها أي ميا ...
- حديث ترامب عن أردوغان يتغيّر بعد -تعليق نبع السلام-
- مصر على سطح القمر بمشروع -أنا عايز أعيش في كوكب تاني-
- -المدينة الضائعة- تظهر أخيراً..وهنا موقعها
- جونسون سيبدأ معركة صعبة لإقناع البرلمان بإقرار الاتفاق بشأن ...
- الاتحاد الأوروبي يعتزم فرض عقوبات ضد تركيا على خلفية أعمال ا ...
- سماع قصف في رأس العين شمال سوريا بعد يوم من إعلان أميركي ترك ...
- ترامب يفتح جبهة حرب تجارية جديدة ويفرض رسوما جمركية بقيمة 7, ...
- شاهد: الجيش الروسي يطلق صواريخ بالستية في تدريبات عسكرية بحض ...
- سماع قصف في رأس العين شمال سوريا بعد يوم من إعلان أميركي ترك ...


المزيد.....

- شؤون كردية بعيون عراقية / محمد يعقوب الهنداوي
- ممنوعون من التطور أم عاجزون؟ / محمد يعقوب الهنداوي
- 14 تموز والتشكيلة الاجتماعية العراقية / لطفي حاتم
- المعوقات الاقتصادية لبناء الدولة المدنية الديمقراطية / بسمة كاظم
- الدين، الدولة المدنية، والديمقراطية / ثامر الصفار
- قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العر ... / عزيز محمد
- رؤية الحزب لمشروع التغيير .. نحو دولة مدنية ديمقراطية اتحادي ... / الحزب الشيوعي العراقي
- نقاش مفتوح حول اللبرالية واللبرالية الجديدة وواقع العراق؟ ال ... / كاظم حبيب
- مبادرة «التغيير نحو الإصلاح الشامل» في العراق / اللجنة التحضيرية للمبادرة
- القبائل العربية وتطور العراق / عصمت موجد الشعلان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - ميثم الجنابي - المثقف العراقي – المهمة الشخصية والمسئولية التاريخية