أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - عدنان حسين أحمد - الروائي العراقي برهان الخطيب لـ - الحوار المتمدن -: بوصلة السماء قد تهدينا نحن العراقيين، لكن بوصلة الأرض أنفع















المزيد.....


الروائي العراقي برهان الخطيب لـ - الحوار المتمدن -: بوصلة السماء قد تهدينا نحن العراقيين، لكن بوصلة الأرض أنفع


عدنان حسين أحمد

الحوار المتمدن-العدد: 1248 - 2005 / 7 / 4 - 11:02
المحور: مقابلات و حوارات
    


الجزء السابع والأخير
* علمنا من بعض الصحف قرب صدور رواية لك تتحدث عن حب غريب يثير تساؤلات عديدة على أرضية الأوضاع المعقدة في العراق حاليا، أين أصبحت الرواية وماذا صار منها؟
ـ بدأت كتابة الرواية في بغداد بعد خمسة أشهر من الاحتلال، وهي عن هذه الفترة الحرجة الدامية. وأكملتها في ستوكهولم خلال وقت قياسي وأرسلتها إلى وزارة الثقافة العراقية، وقالوا سوف تنشر، وفي ظني لن يفعلوا، لماذا؟ لدي أسبابي. بعض تفاصيلها يتسرب إلى الصحافة بطريقة غير مفهومة لي، الواقع واحد على كل حال الذي صدرت عنه الرواية وأخبار كل يوم، ها قد مضى أكثر من عام عليها نائمة هناك، الأمر الذي اضطرني إلى السفر إلى مصر لغرض نشرها، استقبلت من مثقفيها وبعض مسئوليها الكبار استقبالاً حسناً، وبحفاوة شقيق كبير محب لشقيقه، ليس هذا غريباً على الأفاضل هناك، بين المصريين عموماً والعراقيين مودة ممتدة إلى زمن بابل والفراعنة. متى تصدر الرواية؟ ربما غداً، ربما بعد عام، صدور رواية عراقية الآن يشبه اجتراح معجزة، نشرها على سهولة النشر من الناحية التقنية أصعب من كتابتها على صعوبتها الفائقة طردياً مع جودتها، كتابات تافهة خارج مصر تجد لها حظا للنشر أكبر من الجيدة، ليس غريباً هذا في وضع يتسم بإساءة إلى الثقافة العربية العراقية خاصة، تحديداً السرد والنثر وفي قلبه الرواية الجادة المساعدة على توضيح بعض أمور النفس والمجتمع الغامضة والغوص فيها لرؤية الخافي وأهل الخبز الحافي على القعر. في مصر ساحة رحبة للتوزيع وحرية كبيرة سياسية واقتصادية واجتماعية إلى جانب الإعلام الداخلي الموجه لصالح تآلف الطبقات والسلم الاجتماعي، أرى الإعلام الخارجي يظلمها بالتركيز على سلبيات موجودة في كل بلد. الثقافة منتشرة في مصر وميسرة للناس بأسعار زهيدة، المواطن هناك على درجة عالية من الوعي، متمسك بالنظام ومجد، للنشر فيها ميزة الجدية والحرفية العالية، وسعة الذيوع، ونبل المسعى وغيره مما اجتذبني، نقيضا للسرد المحتفى به هناك حتى الذروة بملتقى الرواية نجد الشعر الفردي التهويمي المشتت مرحبا به في محافل خارج مصر وعلى صفحات الانترنت وغيرها. تحت سطح الثقافة العربية والمجتمع حفريات الآن ينبغي كشفها لتغذية نزعة التغيير الضرورية لمنطقتنا وترشيدها لصالح أهلنا، وهو ما تنحو له وإليه روايتي الجديدة، أتوقع ظهورها قريبا متمنيا أن تكون مساهمة ممتعة جادة مقابل التعب والعناء في إعادة بناء إنسان منطقتنا.
دوران حول النفس
* رواياتك غوص في نفسية وتأريخ العراقي، لذلك ربما يوجه إليك السؤال التالي وهو: كيف ترى الوضع في عراق اليوم. ألا تعتقد بأن هناك ثمة حاجة عندنا لتكرار هذا السؤال على مفكري العراق فهم الأقدر، كما أرى، لتفرغهم وإحاطتهم بالموضوع، على توضيح الغموض الحقيقي الذي يكتنف حاضر ومستقبل العراق، ما رؤيتك لهذا الموضوع على وجه التحديد؟
ـ يبدو لي الوضع في العراق اليوم إذا ظل على حاله شبيها بوضعه قبل خمسين عاماً، ماذا يعني هذا؟ لم تتعلم أحزابنا، أو إن العالم واقف في مكانه؟ آنذاك كان السعيد السني على رأس حزبه الدستوري في خصام دائم، حقيقي أو مفتعل، عميق أو سطحي، مع صالح جبر الشيعي على رأس حزب الأمة الاشتراكي، يقودان العملية السياسية في البلاد بينما تتعالى صيحات الكتاب في الصحافة، والساسة في البرلمان الوليد على ضرورة التغيير ومكافحة الفساد والنهوض بالبلاد وتتعثر خطة الإعمار رغم تراكم عوائد النفط إلاّ ما تعلق باعمار الشمال، سد دوكان وتأهيل المصايف. كانت حكوماتنا الملكية والجمهورية حريصة على تطوير الشمال أكثر من الجنوب عكس ما أشيع مع التمردات والفتن، تجلى ذلك في استيزار الوزراء من الشمال، وفي قبول أعداد كبيرة من طلبته في كليات العاصمة. في كليتي حيث درست والصور تتكلم كان حوالي أكثر من نصف صفي منهم، وبسبب مساندتهم للبعثيين في إضرابهم عام 1963 نجح الإضراب وتم نحر الزعيم القديس قاسم نصير الجميع، وتفاقم مسلسل الأوجاع في العراق. على الطرف المقابل للسعيد وجبر كانت معارضة تشتد عودا وتناغما وممهدات وأحداث ثورة يوليو المصرية والاعتداء المسلح على السجناء السياسيين العراقيين حتى نشبت ثورة يوليو ـ تموز العراقية وبدأ خصام جديد بين القوى المؤثرة الجديدة شيوعيين وبعثيين على أرضية اتحاد فيدرالي للحمر مقابل وحدة عربية للخضر، هكذا حتى زلزال شباط 1963 آن بدأ خصام جديد هذه المرة بين القوى المؤثرة الجديدة القومية، عارف والعسكر من جهة والبعثيون من الأخرى، واستمر مسلسل الخلافات والاقتتال على أساس واه غالبا، هذه المرة: لا لحكم الحزب على الجيش من طرف العسكر، مقابل الحزب فوق كل شئ من طرف البعثيين، فما سلم العراقيون في النهاية لا على الفيدرالية ولا على الوحدة ولا على الجيش ولا على (الحزب القائد) ولا على زعيم أو قائد..
معسكر ضد معسكر، في الداخل كما رأينا، وفي الخارج، السعيد ضد عبد الناصر، ثم قاسم رغم أنفه ضد عبد الناصر، ثم صدام ضد الكويت وإيران. واليوم رغم كل ما نسمع عن حسن الجوار أحزاب السلطة الجديدة في العراق ضد سوريا والأردن، بل والسعودية المبتلية مثلنا. بالتشرذم والاقتتال خربت بيوتنا وبتنا على بوار، وما نفعنا احتلال في ضرورة الإثابة إلى أنفسنا ولو كرد فعل تلقائي، ولا تعلّم بعض ساستنا كيف يصان الوطن، أو ربما تعلم، لكن، كما ينبغي له، لا كما يحسن منه. يتعلم البعض المطلوب منه من فوق، لا ما يطلب منه الواقع من تحت، لذلك تأتي حلوله مؤقتة هوائية. مَن ترك عقله وأمره في يد غيره يكون مجرد رد فعل، سواء صدر الفعل من قريب أو غريب، في الحالين يكون هامشا ويضيع حقه في المشاركة في المركز، ويبدأ من جديد تدافعه بالعقلية السابقة لبلوغ المركز، ناسيا أنه يطرد نفسه بنفسه نتيجة الدوران حول النفس بدل السير مع الغير إلى هدف يصبو إليه أبناء جلدته أيضا، هدف الحياة الحرة الكريمة المستقلة.
سرنا في تيه مستمتعين بظلامه
* هل نهتف إذن تسقط الأحزاب والوصاية، ويعيش الوطن لعلنا نخرج من الأزمة؟
ـ شبعنا هتافات، لم تعد تحرك نملة على أرض الواقع، وتظل أمامنا حاجة ملحة لتغيير واقعنا، قد ينفعنا حل الأحزاب العراقية القديمة وميليشياتها وتشكيلها من جديد على أساس غير طائفي ولا عنصري ولا طبقي، الواقع المتغير يطرح هذه الحاجة على مستشرف نبيه للمستقبل، لو استوعبت قد تنقذنا والوطن. التغافل ثانية عن المطلوب يبقينا داخل تيه سرنا فيه مستمتعين بظلامه، الشعارات لم تنفع نعم، دخلوا جبهة قبل 58 ومزقوها، ثم دخلوا ثانية قبل 78 ومزقوها، ودخلوها ثالثة غير آمنين والآن تتمزق. لا بالكلام والحوار ولا بالرصاص الذي لم ينفع أحدا فضضنا مشاكلنا. معلوم المولود يخرج إلى النور مضمخا بدم. لكن، يا لهذا الوليد الشرعي الذي يخرج من رحم الوقائع العراقية وفي يده مسدس، وإطلاق النار مستمر عليه منذ سنتين، حتى لم تعد تعرف مَن أكثر عدوانية في جو بات المسالم والشريف غير المرتبط بقوة تحميه يخاف على نفسه من كلا الطرفين، ليس الجميع صالحين للجندية معلوم، يؤثر البعض الابتعاد عن مركز الصراع رغم أن الصراع يدور حول بيته أيضا، هكذا يجد نفسه جبانا لا وطنيا رغم أنفه، ويجر متقاتلون القضية إلى زقاق مسدود وهو يراقب من وراء سور، إذا خرج عن مخبئه وصمته قائلا لا فائدة من القتال أصيب كما في فيلم الكرتون القديم بطلقات كلا الجانبين، وإذا اضطر لانضمام إلى جانب زادها عجيجا وضجيجا..
* منذ أكثر من خمسين عاما والضجة مستمرة إذن. لعلها تنتهي بالاقتراع القادم واتفاق أطرافها على تحمل مسؤولية الحكم لا غنائمه؟
ـ حقا، مكافحة الإرهاب تغدو هنا لنهازة غطاء للكسب، بل ولمحاربة وتجاوز البعض من ذوي الإرادة الوطنية، هذا غير مقبول، لا يبشر بحل للأزمة. تحت السطح تصبح العمليات القتالية متنفسا لعقد نفسية ومشاكل مادية وقصر فهم المطلق على المحدود، الكل تقريبا مستعد لإطلاق النار من أجل طائفته، حزبية، عنصرية، أو دينية. الحريص على وطنه حقا يجد نفسه متوحدا، يخشى ضرب قطة، إذا طغت عليه وتبدت أسدا يصيح طبعا لو استطاع كما أفعل الآن، الأمور العامة مرتبطة بالشخصية، الكبيرة بالصغيرة، بدون هذه الرابطة المشوشة حاليا نتحرك بلا بوصلة، قد تهدينا السماء طبعا، لكن بوصلة الأرض أنفع، فائدتها ليل نهار، استعادة السيادة على أرضنا تغدو حلم صيف فيه هذر ترى بنفسك..
الحقيقة مغيبة
* الحقيقة مغيبة إذن؟ رئيس الوزراء طالب الإعلاميين بنقل الحقيقة..
ـ الحقيقة مغيبة بطبيعتها. هناك مشهد هوليوودي كلاسيكي معروف، يصيح فيه العسكري جاك نيكلسون بوجه زميله توم كرويز: كيت بن الكذا (بهذا المعنى) ماذا تريد؟ فيصيح توم كرويز صيحته الشهيرة التي ينبغي أن تكتب بماء الذهب على قبور أمتنا العراقية: أريد الحقيقة! يرد البطل نيكلسون في هدوء بما معناه: الله! ودي تيجي! لا تستطيع معالجة الحقيقة حتى لو عرفتها يا ابن كرويز. فما هي الحقيقة هذه التي طالب بها ممثل ورئيس وزراء أيضا محترم من مثقفين لهم باع واطلاع في العلم والإعلام ولا وسيلة لهم ناجعة للوصول إليها، غيب منهم البعض قبل ملامستها، عدد كبير من مثقفينا أساتذة وعلماء وصحافيين غُدروا في غيابها، قول نيكلسون عميق كأنه صادر من شيطان، الذي هو لمن عرفه لا يمكن التخلي عنه ولا الإبقاء عليه في اليد عند امساكه، ربما مثل السلطة والحقيقة نفسها، التي لا يمكن معالجتها حسب قول ابن المفتاح ذاك، أقصد نيكل سون بترجمة سريعة، منه نستدل ثمة فرق بين حقيقة صعبة الحيازة والامتلاك لغريب، خاصة لو حجبت عنه، عكس القريب، المشاطر لها، ونقيضها الصدق وأقول نقيضها لأنه في متناول الطرفين ولو عرض أي منا (حقيقته) بصدق للغريب ما أخذ بها لأن لكل (حقيقته).. لذلك لسن تشريع يلجون أكثر من مصدر، من حقيقة، لتنظيم الحقيقة، لتنظيم أكثر من حياة فردية في حياة مشتركة واحدة. غالبا تخلط الحقيقة بالصدق في منطقتنا، المختصة بأنواع الخلط إلاّ النافع منه. نقل شئ بصدق، عن كتاب أو غيره، لا يعني نقل الحقيقة، هذا فن قائم في حد ذاته، لأن كاتب الكتاب قد يكون أخطأ في تصوير حقيقة ما كتب والناقل لا يدري. طبعا هناك فرق بين (حقيقة) و (الحقيقة). (حقيقة) أقرب إلى الذاتية، (الحقيقة) أقرب إلى الموضوعية. هناك حقائق عديدة لكن الحقيقة واحدة. بناء الديمقراطية حقيقة مثلا لأهل السلطة الآن، هدم البيوت حقيقة أخرى لأهل الفلوجة والقائم وحديثة، فما هي الحقيقة من كل هذا؟ توجد مشكلة تطلب حلا. كيف؟ صياغة الحل مشاركة في صنع الحقيقة. مَن يصوغها؟ مَن له قدرة عقلية. القدرة المادية تابعة. العكس يفاقم المشكلة، يهشم الحقيقة (الإنسانية) يعيدها إلى حقائق متضاربة أقرب إلى طبيعة الحيوان. تثير هاتان الكلمتان لبسا عند تقصي (حقيقة) أي منهما. ما هي الحقيقة؟ سؤال دوخ الفلاسفة ومحللين، ما هو الصدق؟ المسألة أهون هنا، النقل بأمانة، الأمانة أيضا نسبية، بل والنقل أيضا، كل فضائية تقول أنقل بأمانة، النتيجة شكوى مستمرة ضد هذه وتلك لتشويه الحقيقة، البعض من الجزيرة، البعض من المنار، معلوم كل شئ نسبي في عالمنا، بيننا مَن لا يعترف حتى اليوم بنظرية أنشتين لذلك ترتفع أسوار، مختصرها عندي عليك التخلي عن حقيقتك للوصول إلى الحقيقة.
* للحقائق اليوم الانترنت وسيلة لا تضاهى للنقل والانتقال، تسهل تلاقحها وصولا إلى الحقيقة العامة..
ـ الانترنت كبقية الوسائل، فعاليتها حسب استعمالها، انظر إلى ما ينشره كتبة وأدبة جدد على بعض صفحاتنا، لو قلت تجاوزوا حدود الأدب والمنطق بفيض من آراء ومناقشات غير رصينة لاموني، يتكلمون مثلا عن شكل نظامنا السياسي والإداري الآتي كأن الشعب حدده وعينه قبل آذار 2003 وقبل أن يبدأ النقاش به وعلى الجميع أخذه الآن وإلاّ فهم ليسوا أبناء هذا الزمان ولا من عشاق الحقيقة، لست ضد أي شكل للحكم والإدارة طالما جاء من الشعب العراقي لا من فوقه، كما يشتمون أناسا ذنبهم قرابة لفلان أو علان ويعتبرون شتائمهم من آيات الأدب، ويجرمون أشخاصا قبل بدء محاكمتهم ويعتبرون أنفسهم عادلين، ويتغاضون عن سرقة المال والمناصب ويعتبرون هذا وطنية وكفاءة، ويهيئون لفرقة ويقولون نجرم مَن يدعو إليها، ويدعون لتعويض إيران بدم العراقي وجرحه ما زال ينزف، البيت السوي لا يبنى على أساس أعوج، انتخابات ديسمبر الماضية ليست خالية من عيوب، وهي ليست صكا لأحد لاجتناء وتوزيع مكاسب.
بين تبعية الخمسينات ومجابهة ما بعدها
* ما حقيقة ما يحدث في العراق إذن؟ وكيف يمكن نقلها بصدق؟
ـ سيدنا المسيح أغرم بالحقيقة، نتيجته معروفة، لكن لا طاقة على صمت لغيور يرى أهله يعانون، صمته إعلان موت في الحياة. في بلدنا نرى التحزب الطائفي والعنصري والديني يثبت فشله في تحقيق استقرار للعراق، وما زالت تبذل جهود لترسيخه على الطرف الآخر هذه المرة، على طرف إخواننا السنة الذين أحببت فيهم وازعهم الوطني كأفاضل الشيعة وغيرهم الذين يساعدهم انتماؤهم للطائفة على إعلاء ولائهم للعراق على سواه. المطروح حاليا لا خيار غير التحزب لطائفة، هذا تقزيم للإنسان، مقابله خياران لمن لم يختر: الاصطفاف مع برنامج قهر المعتِرض أو ضده، لكن كلا الموقفين يعيدنا إلى الماضي، إلى تبعية الخمسينات المريرة أو مجابهة ما بعد السبعينات غير المجدية، فيما يظل للعراقيين هدف مشترك مع القوة الأجنبية، هكذا أقول حالما بتحقيق استقرار للبلد والمنطقة، لنسلم بهذا، طبعا لكل أسلوبه وأجندته في تحقيق هدف الاستقرار، تصادمها يخلق سببا لعدم تحقيق الاستقرار، تصبح التسوية السياسية وهي أكبر من العملية السياسية الجارية حاليا نقطة التقاء في النهاية، بأية صيغة؟ السنة ممثلون في الحكم وصياغة الدستور؟ هذا استمرار لأجندة سياسي تقليدي يرانا أو يريدنا شيعا وطوائف، لعزف لحنه المطلوب على أوتارها، بينما يفكر السياسي المبدع في إنتاج قيثارتنا ولحننا الخاصين، إسوة بمبدعي العالم المتطور، للاشتراك مع الجميع عند الاستعداد والنضج في تأسيس سمفونية للبشرية قادرة على استلهام كل الأنغام، وإلاّ سنكون فرق إطفاء تنتقل من حريق إلى حريق للإخماد، لا لعزف لحن لائق بحضر راقين.
* أفهم من هذا يبدأ معالجة الملف الأمني من التسوية والمصالحة السياسية، لا العكس؟
ـ مضبوط، الحل لا يتحقق من جانب الحكومة ولا من جانب المقاومة بتصعيد العمليات ضد الطرف المقابل، قلت هذا منذ أكثر من عام، ومنذ أكثر من عام دعوت لخارطة طريق عراقية على صفحات (القدس العربي) وعن المصالحة على صحيفة أخرى قبل أن تبدأ الحرب واليوم يتكلمون فيهما حمدا لعقول، عراقية صرف أضمن لاستقرار من لملوم غريب يغير الوجوه لا الجوهر، الحل يأتي من الجانبين في آن، باتفاق ينهي العمليات ويضع العملية السياسية على سكة صنع عراقي ذات اتجاه مقبول لكل الأطراف غايتها انتخابات عامة لا جزئية، بالانتخابات الماضية لم نتجاوز المشكلة، لعدم مشاركة طرف أساس من المجتمع فيها، ولحدوث تجاوزات عليها مثبتة وغير مثبتة، ولأنها أقيمت والأحزاب المشاركة فيها مقامة على أساس بعيد عن الوطن قريب إلى طائفة، حالهم كان كمن يلقي سؤالا خطأ ويأتي الرد تلقائيا خطأ..
* لكن هذا هو الواقع وربما علينا القبول بحكمه قد يقول البعض..
ـ هذا خطأ آخر، اعتمادا عليه علينا القبول بأي واقع كان، منه واقع صدام مثلا. الواحد منا لا يحتاج ربما قراءة الآخر طويلا للوصول إلى حقيقة تعيش في الواقع، ثم فينا. يجب ترتيب البيت العراقي من غير تدخل أغراب تنقصهم حكمة وإلاّ لن تنتهي الفوضى حتى خلوه منهم، زيادة أو نقصان العمليات المسلحة يخص التفاصيل لكن ليس جوهر القضية، ألا وهو البيت لجميع أهله لا لطائفة ولا لغريب، بداية المصالحة بالاتفاق على التوقف عن ممارسة العنف من كل الأطراف، لم نسمع بتفجيرات في القائم وحديثة والفلوجة والأنبار سوى بعد استفزاز أهاليها فلماذا الذهاب إلى هناك وضربهم؟ تجفيف ينابيع الإرهاب بالمصارحة لا بكسر كبريائهم وهدم بيوتهم، ليس سوى مَن بلا كرامة لا تهمه كرامة غيره، ثم التسليم بالاقتراع وسيلة لتنظيم الحياة السياسية، لا بديل غيره، والاستعداد لقبول صيغة للتعايش مع الغير قد تكون غير مقبولة من هذا الطرف أو ذاك، أي التخلي عن بعض قناعات الماضي البعيد والقريب، ليكون الجميع مقابل هذا راضين آمنين، وهذا يبدأ من مبادرات جديدة جريئة للالتقاء مع الغير وتحقيق اتفاق معه تمهيدا لترتيب وضع القوات الأجنبية لما يضمن استعادة السيادة كاملة.

أسرى لأنفسنا قبل الأجنبي
* يبدو صعبا إجراء حوار أو مصالحة بين القوى الرافضة (المقاومة) والسلطة الجديدة، أي منهما يريد نفي أو استيعاب المقابل، لا المشاركة معه، هذه عميلة برأي تلك، وتلك بقايا دكتاتورية في المقابل، وتبقى الأزمة قائمة.
ـ دحر أي منهما للطرف الآخر يكلف العراق أكثر من الاتفاق بينهما، الاستنزاف وارد، بدل عملية كل يوم عملية كل ثلاثة أو أربعة أشهر يبقي الوضع غير مستقر سنوات عديدة ما سيدفع القوي إلى المساومة، لكن هذا يضعف الشعب عموما، الخاسر البلد برمته. للخروج من الأزمة لا بد من قوة ثالثة وسط بينهما مع استعصاء المصالحة، هذا يقول القوات الأجنبية تحفظ الأمن غيره يقول بل غيرها، استخدم بعض الأجانب أساليب دنيئة لتمرير غاياته، أساليب رخيصة، تريد إعادتنا إلى سوق نخاسة فيها الآدمي يباع ويشترى بدراهم ووعود. برأيي يمكن للأمم المتحدة الآن أن تلعب دورا في هذا لكن التعويل عندي على الأغلبية الصامتة، لتلعب دورها الأساس في توجيه الأحداث، هي قوة لم تظهر تأثيرها حتى الآن بسبب الخوف أو القرف مما يحدث، قوة سمتها عدم علاقتها بالأجنبي آخذة في نفس الوقت ضرورة عدم استعدائه، تسلم ليكن بقاؤه بيننا ضيفا مؤقتا، هو أيضا قوة مؤثرة بل أساسية، تجاهلها لا يخدم، ضمانا لعدم احتدام حرب ناشبة عمليا، بموازاة ذلك تتبني طموح المقاومة نحو استعادة جزء من السلطة، وهذا ممكن بالانتخابات المقبلة، بفتح الطريق للجميع للانخراط في طور جديد من العملية السياسية يستبعد الأجنبي من مسارها، والأجنبي بدأ يفهم هذا في تقديري ويحاول الانسحاب من المدن.
* إذن تأسيس (معارضة جديدة) ضرورة؟
ـ إذا بقينا نعمل ضمن الصيغ القديمة أي نفي الآخر واجترار المقولات القديمة نظل أسرى أنفسنا قبل الأجنبي. نحن لا نعاني من تناقضاتنا الداخلية فقط بل وأيضا من تناقضات الدول المؤثرة فينا، علينا التخلص شيئا فشيئا منها لنستعيد أرادتنا. إذا كان الدينيون قلب العراق، والأكراد رئتيه، والتركمان عينيه، والفيلية لسانه، والمسيحيون كبده، والصابئة يديه، والمثقفون عموما قدميه، والشيوعيون ضميره، فالبعثيون حاليا عقله المستثار المنهك بسبب الضغط الهائل المسلط عليهم، يجب الهدوء لاستعادة الصحة، المفقودة منذ عربد ساستنا في مواخير التأريخ وما زال بعضهم يفعل للأسف، لاكمنا خيالنا المرتسم على جدار حتى دمرنا أنفسنا بقبضتنا وقوتنا، أمس دمر الشيوعي بالبعثي والقومي، ثم القومي بالبعثي، ثم بعض الشيعي ببعض ساه، واليوم يدمر البعثي والقومي والبعض السني بالليبرالي أو لا أدري بمن، وغدا يدمر آخر بآخر حتى نفقد أرادتنا الوطنية تماما إذا لم نتدارك أمرنا بحسنى وثقة. كثيرون يساهمون في اللعبة المقيتة المميتة مدفوعين بحفنة دنانير أو أوهام، متصورين بطولة لأنفسهم بارتكاب القتل بأخوتهم، بمواطنيهم، مقابل هذا يعيدني خوف المدن المقصوفة أمس واليوم إلى جمهورية الخوف، والخمسين بالمائة من المعلومات الضرورية لمكافحة الإرهاب إلى المعلومات المستقاة من سجناء الحاويات الأفغان الذين لم يصلوا إلى مكان الاستجواب. الحكم غير سهل طبعا، خاصة في بلدنا المتنوع ومرحلتنا. غير المتحزب يرى العراق بدنا أعضاؤه تكاد تفصل، الذابح والمذبوح أخ لأخيه، كيف هذا، على البعثيين تطوير خطابهم السياسي إلى مدني بعد فشل الصدامي، اعتبروه قائدهم فليضحوا به اليوم، ليعلقوا عليه آثامهم ويتطهروا به ومنه، في الأقل قربانا للعراق، البطل السلبي موجود في التأريخ والأدب كما الإيجابي، هكذا تحركت أمم إلى أمام، بصراع أبنائها فيما بينهم بداية ثم بوعي الصراع واكتشاف فحواه ولا جدواه، وكذا بصراعهم مع الخارج إلى حين، أوربا فعلت هذا أيضا قديما، علينا أيضا واجب تجاوز صراعنا. آن أوان التوقف ومراجعة النفس، وإلاّ فإن تأريخنا لن يغادر حدود أساطير قديمة، أبطال أوربا القديمة نازلوا الآلهة من أجل أقوامهم، برومثيوس سرق النار منها للناس وعاقبته الآلهة، مصير البطل قاتم، لكن أبطالنا أغاروا على عشائر مجاورة لإثبات شجاعة أو لإعلاء كلمة على الجيران، بطولات محدودة في الغالب، نشطت خارج التأريخ، لم تعيننا على التغلب على أنفسنا لنكون أفضل، وبقينا داخل شرنقة لا نفكر في مغادرتها بينما نسج آخرون من خيوطنا الحرير وزيتنا الوفير دثارا ناعما وبيتا حالما، وما زلنا نواصل قرض بعضنا بعضا..





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,396,717,657
- الروائي برهان الخطيب لـ - الحوار المتمدن -: بعد وفاة غائب قي ...
- الروائي برهان الخطيب لـ - الحوار المتمدن -: وضعت حياتي كلها ...
- الروائي برهان الخطيب لـ - الحوار المتمدن -: نحن الكتاب عائلة ...
- الروائي برهان الخطيب لـ - الحوار المتمدن -: استقبلت -حب في م ...
- الروائي برهان الخطيب لـ - الحوار المتمدن -: أشعر أن الكون كل ...
- الروائي برهان الخطيب لـ - الحوار المتمدن -: لا أميّز بين لغة ...
- المخرج رسول الصغير لـ - الحوار المتمدن -: أنا مغرم بالحكايات ...
- - الذاكرة المعتقلة - للمخرج المغربي جيلالي فرحاتي: من يرّد ل ...
- التشكيلي حسام الدين كاكاي لـ - الحوار المتمدن -:البكتوغرافي ...
- المخرج أحمد رشوان في شريطه التسجيلي القصير - العراق، أبداً ل ...
- في مسابقة الدورة الخامسة لمهرجان الفيلم العربي في روتردام: أ ...
- الشاعر موفق السواد لـ - الحوار المتمدن-: الكتابة في المتاهة ...
- اختتام فعاليات الدورة الخامسة لمهرجان الفيلم العربي في روترد ...
- مهرجان روتردام للفيلم العربي في دورته الخامسة: خمسون فيلماً ...
- ( 4 ) سلسلة أغلى اللوحات في العالم: سوسنات فان كوخ الجذلى وع ...
- مخاوف هولندية من تداعيات الرفض الشعبي للتصويت على الدستور ال ...
- المخرج المغربي حكيم نوري ل ( الحوار المتمدن ): أعوّل كثيراً ...
- الفنان السوري صخر فرزات لـ ( الحوار المتمدن ): في المتاحف قل ...
- الذائقة النقدية للصوص فان خوخ، ولماذا سرقوا لوحتي ( منظر للب ...
- سلسلة أغلى اللوحات في الفنية في العالم( 3 ): - حفلة رقص في م ...


المزيد.....




- غضب في الشارع الجزائري إثر حبس 19 متظاهرا رفعوا الراية الأما ...
- سجن أمريكي 12 عاما أدين بالتخطيط لانقلاب في فيتنام
- السفارة الأمريكية: بومبيو بحث مع الإمارات سبل التصدي للخطر ا ...
- الاميرة ريما بنت بندر تغرد عن زيارة بومبيو للسعودية
- قوات الأمن السودانية تفرق احتجاجاً طلابياً باستخدام العنف
- لقاءات وتحركات شعبية بلبنان ترفض مؤتمر البحرين
- نفاد المحروقات يهدد بتوقف حركة القطارات في تونس
- مجلس الأمن يدين الهجمات على ناقلات النفط في خليج عمان
- -أنصار الله- تعلن إلحاق خسائر فادحة بقوات يمنية في عسير جنوب ...
- كوشنر: اتفاق السلام سيكون وسطا بين المبادرة العربية والموقف ...


المزيد.....

- كيف نفهم الصّراع في العالم العربيّ؟.. الباحث مجدي عبد الهادي ... / مجدى عبد الهادى
- حوار مع ميشال سير / الحسن علاج
- حسقيل قوجمان في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: يهود الع ... / حسقيل قوجمان
- المقدس متولي : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني
- «صفقة القرن» حل أميركي وإقليمي لتصفية القضية والحقوق الوطنية ... / نايف حواتمة
- الجماهير العربية تبحث عن بطل ديمقراطي / جلبير الأشقر
- من اختلس مليارات دول الخليج التي دفعت إلى فرنسا بعد تحرير ال ... / موريس صليبا
- أفكار صاخبة / ريبر هبون
- معرفيون ومعرفيات / ريبر هبون
- اليسار الفلسطيني تيار ديمقراطي موجود في صفوف شعبنا وفي الميد ... / نايف حواتمة


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - عدنان حسين أحمد - الروائي العراقي برهان الخطيب لـ - الحوار المتمدن -: بوصلة السماء قد تهدينا نحن العراقيين، لكن بوصلة الأرض أنفع