أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - ضيا اسكندر - الصورة














المزيد.....

الصورة


ضيا اسكندر
الحوار المتمدن-العدد: 4388 - 2014 / 3 / 9 - 18:26
المحور: كتابات ساخرة
    


منذ مدة استهوتني الصور التي ينشرها الأصدقاء على صفحاتهم في موقع التواصل الاجتماعي (الفيسبوك) وبدأتُ تدريجياً بالتدرّب على التقاط الصور اللافتة بواسطة الموبايل؛ كأن أرى عصفورين يتغازلان تمهيداً لبناء عش. أو شحّاذاً يجلس على الرصيف يستجدي المارّة. أو امرأةً عجوزاً تتكئ على عصاها وقد حفر الدهر أخاديد في وجهها المتعب، ونبقت العروق الزرق في يديها.. حتى غدت عادة التقاط الصور من أهم الهوايات لديّ، واستبدّت بي لدرجة أصبحتُ أقيس أيّ مشهدٍ بصري بمدى مواءمته للتصوير.
ومنذ أيام وبينما كنت ذاهباً إلى عملي صباحاً، استرعى انتباهي طفلٌ لا يتجاوز العاشرة من عمره، يقف ملاصقاً لحاوية زبالة ينبش محتوياتها باحثاً عن عبوات فارغة، وبيده كيس يملأه بما تجود عليه تلك الحاوية. وقفتُ متأملاً هذا المشهد البائس وسحبت موبايلي والتقطتُ صورةً له. وإذ بسيارة حديثة قادمة تتوقف ويرمي سائقها باتجاه الحاوية كأساً بلاستيكياً فتقع قرب الحاوية وتندلق منها بقايا قهوة. وجّهتُ موبايلي نحوه وهو يأخذ من السيدة التي تجلس قربه كأساً مماثلاً ويرميها بنفس الطريقة. ولكن هذه المرة أصاب بها ذلك الطفل على رأسه وانداحت على وجهه قطرات من القهوة. سارعت بأخذ صورة للسائق لدى رميه الكأس الثانية. وقد ضبطني أثناء التقاطها. ويا لهول ما فعلت! سدّد صوبي نظرةً غضبى وفتح باب السيارة بسرعة وهرع باتجاهي والشرر يتطاير من عينيه. حملقتُ به، إنه يتمتع بفتوة عارمة وبقامة مديدة وبعضلات مفتولة جعلتني خلال ثواني أفكّر بملاذٍ آمن. تيبّستُ في مكاني، تقلّصت مشاعري، انسفحت قشعريرة في ظهري وهبط قلبي إلى أمعائي..!
ماذا عليّ أن أتصرّف؟ هل يعقل أن أركض هارباً من مواجهته؟ طبعاً لا.. هل أتعارك معه وخسارتي محققة؟ بالتأكيد لا.. هل أنكمش أمامه وأسترحمه ألا يفعل؟ لو أموت يستحيل علي فعل ذلك..
بقدراتٍ أسطورية رسمتُ بسمةً على وجهي واتجهتُ نحوه مهلّلاً فاتحاً ذراعيّ: ((مين؟ عبد الجبار؟! يا للمفاجأة السارة! ولك يا مية مرحبا)) عانقته وفرقعتُ على خدّيه ثماني قبلات من العيار الذي يُسمع صوتها على بعد عشرات الأمتار. ولم أترك له أية فرصة لصفعي أو توبيخي..
بُهِتَ الرجل وعقدت لسانه الدهشة! تابعتُ مرحباً: ((فعلاً كما يقال ربّ صدفةً خير من قنطار علاج.. أهه أقصد خير من ألف ميعاد.. لبّكتني يا رجل.. يا إلهي شو مشتقلك.. بحياة الله قلّي كيفك.. بشرفي ما عم صدّق إني شفتك..! أيــه يا زمن! جبل لجبل لا يلتقيان ولكن بني آدم لبني آدم لا بدّ أن يلتقيا. ربع قرن يا رجل ولم ألتقي بك.. أقسم بالله منيح اللي عرفتك..! بتعرف؟ ما مغيّر عليّي أبداً، بس شعراتك شوية خافّين..))
ابتسم الرجل وسط ذهولٍ واستغرابٍ كبيرين، واغتنم فرصة الثواني التي منحتها له قبل أن أستطرد، وسألني بصوتٍ متشكّكٍ والحيرة تتملّكه بعد أن نسي المهمة التي نزل لأجلها من السيارة: ((مع عدم المؤاخذة يا أخ! مين حضرتك؟ أنا لم أعرفك؟)) رفعتُ حاجبيّ مستغرباً ورمشتُ عينيّ ببراءة وأجبته بسرعة بعد أن أيقنت بأن لا معركة ولا من يحزنون: ((يا رجل! ألم نُعتقَل سويةً مدة عامين عندما كتبنا على الحيطان عبارات ضدّ الجوع والفقر والظلم وأخذونا على بيت خالتنا.. وبتتذكّر يومها كيف ضربك المحقق على وجهك وطارت عينك الزجاجية من محجرها وخاف المحقق لحظتها وصرخ مذعوراً ذلك الصوت؟! بالمناسبة ..ألـ..)) وهنا قاطعني الرجل ساخطاً وقال بنفاد صبر: أيّ اعتقال وأيّ عين زجاجية تحكي عنها؟! أنت غلطان يا أخ! لا عمري اعتُقِلت ولا ركّبت عين زجاجية..)). قلت له: ((ولك يا رجل تذكّر كيف تجرجرنا من فرع لفرع! شوف أخي عبد.. أنا..)) انتفض الرجل مقاطعاً بنزق ونبح في وجهي: ((أخي أنا ما اسمي عبد، عم قلّك أنت غلطان!)) وانكفأ عائداً لسيارته يدمدم: ((العمى شو هالصبح الـ"....")) وقال كلمة بذيئة. وقذف بنفسه وراء مقوده وانطلق.
كان الطفل يراقب الحوار مشغوفاً مأخوذ اللبّ، يرمقنا بنظرات مترعة بفضولٍ طفولي.
عندما تأكّدتُ من ابتعاد السيارة وبالتالي ابتعاد الخطر، تنفستُ الصعداء، ومسحت شعر ذلك الطفل بيدي. رفعته من تحت إبطيه وقبّلته على جبينه قبلة صادقة لم يسمعها أحدٌ سواه. وسارعتُ بأخذ صورة أمامية له وهو يبتسم.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,098,343,289
- المرآة
- السردين
- العاشق
- دقائق بلا حياء.. ولا خوف
- القطط الضامرة
- مشوار
- روسيا تزداد تعملقاً
- أوباما.. يا بالع الموس عالحدّين!
- عالمكشوووف
- S.M.S إلى الرفيق قدري جميل
- خريف العمر
- من تحت الدلف إلى تحت المزراب
- البصلات المحروقة
- غاز.. غاز!
- حَدَثَ في -بوركينا فاسو-
- اللاءات الخمس و(النعمات) العشر
- الفاكهة المحرّمة
- الطبيب الذي لا يخاف
- قراءة في أعمال المجلس المركزي لهيئة التنسيق الوطنية
- رخصة بيع فلافل


المزيد.....




- مصر: رحيل الممثل ومغني الأوبرا حسن كامي
- ماجدة الرومي توجه رسالة لراغب علامة
- أمسية ثقافية تحتفي بالسينما المغربية في هلسنكي
- ما السر وراء أول دمية بلا مأوى في -شارع سمسم-؟
- بشار الأسد يخطئ مجددا بحق العروبة.. هكذا تحدث عن تاريخ اللغة ...
- نادي قضاة المغرب: نرفض كل ضغط على القضاء
- مجلس النواب يناقش تقرير لجنة مراقبة المالية العامة حول صندوق ...
- ما السبب وراء ظهور الممثل السوري حسين مرعي عاريا في تونس؟
- فيلم -غودزيلا- الأسطوري قادم بنسخة جديدة (فيديو)
- هذه أبرز مضامين التقرير الجيواستراتيجي لمركز السياسات من أجل ...


المزيد.....

- سَلَامُ ليَـــــالِيك / مزوار محمد سعيد
- سور الأزبكية : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني
- مقامات الكيلاني / ماجد هاشم كيلاني
- االمجد للأرانب : إشارات الإغراء بالثقافة العربية والإرهاب / سامي عبدالعال
- تخاريف / أيمن زهري
- البنطلون لأ / خالد ابوعليو
- مشاركة المرأة العراقية في سوق العمل / نبيل جعفر عبد الرضا و مروة عبد الرحيم
- التكوين المغترب الفاشل / فري دوم ايزابل
- رواية ساخرة عن التأقبط في مصر بعنوان - البابا / الصحفي الراحل في جريدة البديل اليسارية المصرية/ محمد ربيع
- رواية ساخرة عن التأسلم بعنوان - ناس أسمهان عزيز السريين / الصحفي الراحل في جريدة البديل اليسارية المصرية/ محمد ربيع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - ضيا اسكندر - الصورة