أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ميرغنى ابشر - أنتيجونى حِيرة الإنسانيات ! توليفات فرويد وهيغل نموذج















المزيد.....

أنتيجونى حِيرة الإنسانيات ! توليفات فرويد وهيغل نموذج


ميرغنى ابشر

الحوار المتمدن-العدد: 4371 - 2014 / 2 / 20 - 21:42
المحور: الادب والفن
    


يعد المسرح الفن الاكثر التصاقا بحياة الانسان منذ نشأته فى كنف طقوس الانتقال الدينية، الممارسة الاكثر عمقا واثارة فى المدنيات القديمة ،فهو ركم انثربولوجى يتوفر على مادة خصبة وغنية تتعدى فى ثرائها الحياة الطبيعية للانسان ،من جهة كونه ابداعا ينتكى على الاسطورة والحكاية الشعبية والمخيال ،يفسر ويقدم الجوانب الغامضة وحتى المألوفة بجوانية تعطى منظور جديد وجمالى للحياة عندما تنتقل الاخيرة من واقعيتها وسننها القهرية لمتوالية الفن .
أهتدى العقل الابداعى فى حقول الدراسات الانسانية الى المسرح حاملا دراميا وجمالى للفكرة منذ ارسطو( 384 ق.م - 322 ق.م ) ولا انتهى بسارتر (1905 – 1980م) وبول ريكور(1913-2005م)، مرورا بنيتشه(1844-1900م) الذى يعد المسرح اليونانى عنده وردا يوميا وأس ميز فى محجر فلسفته. وعدته الفلسفة الحديثة منذ هيغل مصداقا لاطروحاتها وبدعها الفلسفية.
وبوصفه تجربة حياة، يعد المسرح خبرة عيادية متقدمة فى ميدان علم النفس التحليلى، تأسست على نماذجه الدرامية أجهر فرضيات التحليل النفسى التى ابتدعها سيغموند فرويد "عقدة اوديب" و"عقدة الكترا".
و يأتى اختيرنا لخالدة سوفوكليس(496 ق.م - 405 ق.م.) "أنتيجونى" لكونها النموذج الاعمق اثرا فى حقول الانسانيات وبحوثها الفلسفية والنفسية على وجه الخصوص، اذ يرتقى نص "سوفوكليس" "أنتيجون" الى مصاف النصوص المقدسة القديمة لما يمتلكه من طاقة احائية تتولد عبر ميكانيزمات السرد التاريخى المقرون بتدخلات الاله وانتقام التابوهات، فهى حكاية مقدسة بامتياز يمكن أن تكون من سفر اليونان الضائع، أذ تمنح مستويات متعددة من القراءات التأويلية التى الهمت الكثيرين عبر العصور المتعاقبة، فعلى مستوى تنوعيتها الادبية والفنية تعدت "انتجون"العشرات من الاعمال الماتعة نحو "لوحة أنتيجونى" "لفريدريك لايتون" (1896–1830 م) ، مسرحية "لجان كوكتو" (1889 –1963 م) ،أوبرا "لكارل أورف" (1895 – 1982م) ، ألبوم موسيقي "لهيفين شال برن" وغيرها من الاعمال الفنية والادبية المعاصرة.
تعد أنتجونى*أحجية فى مجال الدراسات الانسانية اذ تخطت تراجيديا "سوفوكليس" بتضحيات ابطالها التى لم تحقق مكاسب عينية كل حتميات الفلسفة وعلم النفس الفرويدى، اذ فضل "سيغموند فرويد" (1856 – 1939م) مبتدع الاسس الجديدة للتحليل النفسى رائعة الشاعر اليونانى "اديب ملكا"متجاوزا بهذا الخيار تأملات "هيغل" (1770 —1831م) و "كيركيجارد" (1813 - 1855م) الفلسفية ، حول المصير الماسأوى فى القصة التى ابتدعها "سوفوكليس" عن شبكة الحكاية الشعبية القديمة "لانتجونى". الشىء الذى يستدعى الانتباه لهذا التخطى الغير موضوعى فى ظننا ،فالروية الحتمية السوداء لمنشأ الدوافع الانسانية فى علم النفس التحليلى، التى تنتهى لأصالة الشر وعمق ارتكازه فى النفس البشرية تتحاور وبتوافقية مدهشة مع المقولة التى تخترق بأصرار كل المسرحية : الارادة المتعالية التى تقهر كل محاولات الانفلات من المصير المأساوى، والتى تؤكد على حتمية الشر واندقاقه بعمق فى جوهر النفس البشرية، والتى وصفها "بول ريكور" فيلسوف التأملية ب(العظمة الروحانية التى تتخطى الصانعين وتفتح الطريق امام طاقات متقادمة بدائية وأسطورية تشكل الينابيع المغرقة فى القدم للمصيبة).الا أن عدول فرويد عن "انتيجونى" يبرر بغياب حجر الزاوية ومرتكز فرضية علم النفس التحليلى كأساس للصراع فى تراجيديا الشاعر "سوفوكليس".اذ ينعدم المنحى الايروسى كمحرض يستبطن الصراع الدرامى ،بل يتوارى حتى فى علاقة الحب بين "انتيجون" و"هيمون" بن الملك "كريون" ويتقدم الولاء للاخ الميت "بولينيسيس" مقابل خسارة الحبيب ،ليتراجع افق تحويل "اللبيدو" الفرويدى صانع المدنيات والتحضر عبر العصور بحسب فرويد، امام الخيار الدينى الذى تعده الفرويدية عصابا جمعى،ففى الوقت الذى تختار انتجونى دفن اخيها ارضا للضمير الدينى قبالة خسارة كل شىء يكون التحليل الفرويدى قد فقد اخر فرصه فى تطبيق توليفته التحليلية على واحدة من أشهر تراجيديا اليونان.
أن انتقال "فرويد" بتوليفته ومحاولة تطبيقها على دراما "اديب ملكا" بالرغم من هشاشة استنتاجاته التى لا تصمد امام وقائع القصة التى لا تحدثنا ولا حتى برمزية ما: أن اوديب قتل والده بدوافع غيرة جنسية،يؤكد هذا الانتقال على أن توليفة "فرويد" ليست هى التفسيرية الوحيدة الممكنة لتعليل كل الدوافع والسلوك الانسانى.
أن المساهمة الوحيدة التى يمكن ان تقدمها تراجيديا "سوفوكليس" فى حقل الفلسفة وبرغم صوريتها هى (تعلم الاخلاقى من الماسأوى) ، ويذهب "بول ريكور" الى ان تراجيديا "انتجيونى" تقول شيئا لا مفر منه اذ انها(تلامس عمق الخلفية النزاعية للمحنة الانسانية،الاعتراف بالذات ثمنه التعلم الشاق خلال صراعات الرجل والمرأة، المجتمع والفرد، الاحياء والاموات، البشرى والالهى) ، أن ما تعلمه "انتيجونى":الكلمات المتعالية يدفع ثمنها المتكبرون ضربات كبرى تعلمهم، ولكن بعد أن يتقدموا فى السن،بأن يكونوا حكماء)1 .
احتفاء "ريكور" بتراجيديا "سوفوكليس" وتوافقاته مع "هيجل" بشأن المغزى الفلسفى "لانتجونى" يفسره الاهداء الخاص لفصل "الطابع الماساوى للعمل" فى كتابه "الذات عينها كآخر" : من أجل اوليفييه مرة اخرى " .واوليفييه انتحر فى مارس 1986م فاهداه والده هذا الفصل، الذى يحاول من خلاله مناقشة ادراكات "هيجل" وتحريره للمغزى الفلسفى لتضحيات ابطال "سوفوكليس" شبه المجانية.لقد تمثلت عظمة مأساة "انتيجونى" فى استعصاتها فى منح قراءات كمصاديق لاطروحات فلسفية مسبقة. فمحتوى الصراع يقف بتراجيديا "سوفوكليس" على تخوم مابعد الفلسفة، اذ أن تداعيات الحدث الرئيس يحكمها منطق فوق عقلى ومشحون بردات تتجاوز الخبرة الانسانية. لتخلق تطهير "كاثارسيس"2 ولكن هذه المرة من نوع خاص خارج ادراكات الارسطية :"تأثير تطهيرى تمارسه المشاهدة نفسها" على اللاخلاقى الذى تولده المشاهد نفسها من على علبة العرض، لا تطهيرعلى استدعاءات ذاكرة المتفرج الخاصة.
نُهك التفسير المادى للتاريخ فى محاولته لتحليل الصراع وفق توليفته الهيغلية، اذ لا تنتهى الماسأة الى اى نوع من المصالحة الحقيقية وذلك أن الديالكتيك يفترض أن يقود الصراع الى وحدة الضدين ، وهذا ما لم يحدث الا بهشاشة نجترحها من عند موقف "كريون" المتأخر بقبول نصيحة "نيريدياس"ممثل السلطة الدينية، اذ(ان القاعدة التى يفرضها هيجل على كل التقسيمات الفلسفية لا يكتشفها اطلاقا فى الماسأة) على حد تعبير "ريكور".
ان عبقرية الشاعر اليونانى تتبدى فى ابقائه على شبكة البناء الميثولوجى للحكاية الشعبية القديمة وهو بناء يمت بصلة ما لميكانيزمات الحكاية المقدسة التوراتية ، استجابة الملك "كريون" لصوت المؤسسسة الدينية بعد فوات الاوان يتماثل مع استجابة "فرعون" "موسى" للحكمة المتعالية بعد فوات الاون،أن مشترك البناء التوراتى لحكايته مع الاسطورة الشعبية القديمة يمكن تلخيصه فى: مسرحيات طيبة (سلسلة أوديپ) "أوديب ملكا"،"انتيجونى"،"اوديب فى كلونوس" بُنية على النموذج الذى نهضت عليه القصص المقدسة والذى يشتمل على حكايات للشخصيات تتواصل قصصها عبر الاسفار المختلفة، الارادة الفردية فى محاولاتها المستميتة للانجاز أو قل حتى النفاذ من القدر تنتج القدر المفارق لقصدها،التابو او المحرم ينتقم لنفسه عند اقترافه وفق قوانين متعالية على الادراك واخيرا :التعلم من الماساوى بعد فوات الاون. هذا الفرض يمكنه أن يستند على حقائق تاريخية ،ماسأة انتيجونى عرضت وفق اقوى الاراء عام 441 ق.م الا انها كحكاية شعبية فى اليونان القديمة اقدم من ذلك التاريخ بكثير ، وعلى اساس المكتشفات الآثارية ان التوراة قد الف فى السبى البابلى حوالى 560 ق.م الا أن نسخه المتوفرة القديمة منحدرة الى حد ما من الترجمة السبعينية اليونانية للكتاب المقدس والتى تعود الى القرن الثالث قبل الميلاد.
استعصاء تراجيديا "انتجونى" على توليفات "هيجل" و"فرويد" النظرية والتى وجدت مصاديق فى حياة الناس تؤكد على عبقريتهما، ينبى فى جوهره عن عجز الانسانى المبتكر فى ابتداع نظرية او توليفة فلسفية متكاملة قادرة على تفسير كل انواع الصراع البشرى وسبر غور النفس الانسانية.
--------------------------

*انتيجونى لها شقيقان ملك طيبة اتيوكليس والاخر بولينيسيس يتمرد الاخير على اخيه ويقود جيشا على مدينته ،يقتل الشقبقان ويتولى كريون الملك ويمنع دفن المتمرد او الحزن عليه تقدم انتيجونى على دفن اخيها ارضى لضميرها الدينى متحدية سلطة المدينة ،يعلم كريون بالامر ويحكم عليها بالحبس حتى الموت ويامر بنبش القبر، يحزره تيريزياس وينزره بموت ابنه هيمون خطيب انتيجونى ان لم يطلق صراح انتيجونى ويدفن بولينيسيس ،يقبل كريون بذلك ولكن انتيغونى تكون قد شنقت نفسها . حين يعلم هيمون بذلك ينتحر وحين تعلم امه بذلك تضع بدورها حد لحياتها.
1. ابيات من المسرحية.
2. المفهوم الارسطى لوظيفة المسرح، التطهير عن طريق إثارة المشاعر والمخيلات والخوف والشفقة في نفس المشاهد حتى يتجنب الشر ويلتزم بالخير.








كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,636,641,836
- دعاء اخر الاولياء
- بريخت محتالاًَََََََِِ!!.. الجزر الدينى لديالكتيك -التغريب-*
- أبان يولد من جديد
- حواشي نقدية على مهرجان البقع الأرجوانية
- أبان يولد من جديد
- حواشي نقدية على مهرجان البقع الأرجوانية
- مؤانسة على النقد المسرحي .. السيماتوراغيا*
- سفرجلة الأشياء
- ألانتظار
- الأسطورة و النبؤة فى سنِّار .. قراءة تبعيْضيِّة لعَصْرِ البُ ...
- رِدَّة الربيع: قصة أشواق (حنظله) للفراديس
- مسرحة (رؤيا فوكاى) أوتشظى الذات قراءة نقدية فى مسرحية ((وطن ...
- التحالف السري الجديد النظام العالمى فى مواجهة النظام العالمى ...


المزيد.....




- المراكشي.. رحلة 60 عاما في خدمة الكتاب تنتهي بدار المسنين
- فنانة مغربية: الجوائز ليست التقييم الوحيد… وتفاعل الجمهور جا ...
- الحموشي يجري مباحثات مع وزير الخارجية الأمريكي بومبيو
- الأحرار ينتقد رفض مستشاري البيجيدي التصويت على بعض بنود قانو ...
- حقيقة مشاركة كاظم الساهر في تظاهرات العراق
- الفنانة ناهد السباعي: أصدقاء الراحل هيثم أحمد زكي يفتتحون مس ...
- منتجان مغربيان: نسعى لتقديم تجارب سينمائية بتقنيات عالمية… و ...
- المغرب والولايات المتحدة يعطيان زخما جديدا لعلاقات الصداقة و ...
- وفاة مدير الديوان الملكي الأسبق بدر الدين السنوسي
- بنشعبون للمستشارين: سنتخذ كافة الإجراءات التي تضمن التنفيذ ا ...


المزيد.....

- الفصول الأربعة / صلاح الدين محسن
- عرائش الياسمين / ليندا احمد سليمان
- ديوان الشيطان الصوفي / السعيد عبدالغني
- ديوان الذى حوى / السعيد عبدالغني
- مناجاة الاقلام / نجوة علي حسيني
- المراسيم الملكية إعلان الاستقلال البيان الملكي / أفنان القاسم
- في الأرض المسرة / آرام كربيت
- الخطاب الأيديولوجي في رواية سيرة بني بلوط / رياض كامل
- كيفما كنا فنحن ألوف المشاكل... / محمد الحنفي
- ديوان وجدانيات الكفر / السعيد عبدالغني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ميرغنى ابشر - أنتيجونى حِيرة الإنسانيات ! توليفات فرويد وهيغل نموذج